Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢٠٠٥ - أن يذكرهم بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم من آمن بالرسل ... والترهيب والوعيد. أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل من الأمم السالفه ... ثم قال: واعلم أن أيام الله فى حق موسى - عليه السلام - منها ما كان أيام المحنة والبلاء، ومر الأيام التى كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون. ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى عليهم ... )(١) وقال الآلوسی قوله (( وذ کرهم بایام الله » أی : بنعمائه و بلا ئه. کما روىعن ابن عباس - رضى الله عنهما - واختاره الطبرى، لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتى من الكلام،(٢). وما ذهب إليه الإمامان الزازى والألوسى ، هو الذى تسكن إليه النفس، لأن الأيام كلها وإن كانت لله، إلا أن المراد بها هنا أيام معينة، وهى التى برزت فيها السراء أو الضراء بروزاً ظاهراً، كانت له آثاره على الناس الذين عاشوا فى تلك الأيام. وبنو إسرائيل - على سبيل المثال - مرت عليهم فى تاريخهم الطويل, أيام غمروا فيها بالنعم، وأيام أصيبوا فيها بالنقم . فالمعنى: ذكر يا موسى قومك بنعم الله لمن آمن وشكر، وبنقمه على من حجه وكفر، لعل هذا التذكير بجعلهم يتوبون إلى رشدهم، ويتبعونك فيما تدعوهم إليه . وأسم الاشارة فى قوله: « إن فى ذلك لآمات لكل صبار شكور، يعود على التذكير بأ يام الله . (١) تفسير الفخر الرازى - ١٩ ص ٠٨٤ (٢) تفسير الآلوسى = ١٣ ص ٠١٦٨ - ٢٢ -٠ والصبار: الكثير الصبر على البلاء، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه الشرع فعلا أو تركا. يقال: معذه عن كذا يصبره إذا حبسه . والشكور: الكثير الشكر لله - تعالى - على نعمه، والشكر: عرفان الاحسان ونشره والتحدث نه. وأصله من شكرت الثقة - كفرح - إذا امتلأ ضرعها باللبن ، ومنه أشكر الضرع إذا امتلا باللبن . أى: إن فى ذلك التذكير بنعم الله وفقمه، لآيات واضحات، ودلائل بينات على وحدانية الله - تعالى - وقدرنه. وعلمة وحكمته، لكل إنسان كثير الصبر على البلاء، كثير الشكر على النعماء. وتخصيص الآيات بالصبار والشكور لأنهما هما المنتفعان بها وبما قدل عليه من دلائل على وحدانية الله وقدرته ، لا لأنها خافية على غيرهما ، فإن الدلائل على ذلك واضحة لجميع الناس . وجمع - سبحانه - بينهما، للإشارة إلى أن المؤمن الصادق لا يخلو حاله عن هذين الأمرين ففى الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضى الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له (١) . وقدم - سبحانه - صفة الصبر على صفة الشكر، لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضى للشكر ، أو لأن الصبر من قبيل الترك ، والتخلية مقدمة على التحلية . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - قد أمتثل أمى ربه فقال: (( إذ قال موسى لقومه أذكروا نعمة الله عليكم، إذ انجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم ... ». (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٨. - ٢٣ - و« إذ، ظرف لما مضى من الزمان، وهو متعلق بمحذوف تقديره أذكر . والمراد بقوله: ((واذكروا نعمة الله عليكم)): قنهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنن التى امتن الله بها عليكم، وقوموا بحقوقها، وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها . آل فرعون: حاشيته وخاصته من قومه. وفرعون: لقب ملك مصر فى ذلك الوقت ، كما يقال لملك الروم قيصر ... ويسومونكم من السوم وهو مطلق الذهاب أو الذهاب فى ابتغاء الشىء ، يقال: سامت الإبل فهى سائمة. أى: ذهبت فى المرعى وسام السلعة: إذا طلبها وابتغاها . وسامه خفا إذا أذله واحتقره وكلفه فوق طاقته: و((سو. العذاب، أشده. والسوء - بالضم - كل ما يدخل الحزن والغم على نفس الإنسان. وهو فى الأصل مصدر، ويؤنث بالألف فيقال السوءى. وقرله ((ويستحيون نساءكم) من الاستحياء بمعنى الاستبقاء: يقال استحيا فلان فلانا أى : استبقاه: وأصله طلب له الحياة والبقاء. والمعنى: وأذكر - أيها الرسول الكريم - أو أيها المخاطب وقت أن قال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل الإرشاد والتوجيه إلى الخير: ياقوم ((أذكروا نعمة الله عليكم)) أى: داوموا على شكر الله، فقد أسبغ عليكم نعما "كثيرة من أبرز ما أنه - سبحانه - أنجاكم من آل فرعون الذين كانوا يصبون عليكم أشد العذاب وأفظعه ، وكانوا يذبحون أبناءكم الصغار ، ويستبقون نساءكم ... وجعل - سبحانه - النجاة هذا من آلفرعون ولم تجعل منه، مع أنه الآمر بتعذيب بنى إسرائيل للتنبيه على أن خاشيته وبطاقته كانت عونا له فى إذا قتهم سوء العذاب . - ٢٤ - وجعلت الآية الكريمة استحياء النساءعة وبة لبنى إسرائيل، لأن هذا الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء عليهن، واستعمالهن فى الخدمة بالاسترقاق، فبقاؤهن بعد فقد الذكور بقاء ذليل، بعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة . قال الآلوسي: قوله: و((ويستحيون نساءكم، أى: ويبقونهن فى الحياة مع الذل، ولذلك عد من جملة البلاء، أولأن أبقاء هن دون البنين رزبة فى ذاته كما قيل : ومن أعظم الرزه فيما أرى بقاء البنات وموت البنينا (١) وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا: الأطفال الصغار، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدم حيث إن فرعون وآله، كانوا يستعملونهم فى الأعمال الشاقة والحقيرة، لأنه لوكان المقصود بالذبح الرجال، لما قامت أم موسى بإلقائه فى البحر وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح . وقال - سبحانه - هنا ((يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكما، لأن المقصود هنا تعداد المحن التى حلت ببنى إسرائيل، فكان المراد بجملة((يسومونكم سوء العذاب)، فوعا منه، وكان المراد بجملة ((ويذبحون أبناءكم) نوعا آخر منه، لذا وجب العطف ، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة الأولى ، وإنما هى تمثل نوعا آخر من العذاب الذى حل ببنى إسرائيل . بخلاف قوله - تعالى - فى سورة البقرة ((يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناكم ، بدون واو العطف، لأن الجملة الثانية بيان وتفسير للجملة الأولى . فيكون المراد من سوء العذاب فى سورة البقرة تذبيح الأبناء واستحياء النساء ، (١) تفسير الألوسى - ١٣ ص ١٧٠. - ٢٥ - واسم الإشارة فى قوله, وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم، يعود إلى المذكور من النعم والفقم والبلاء: الامتحان والاختبار، ويكون فى الخير والشر. قال - تعالى - وفبلوكم بالخير والشر فتنة)). أى: وفى ذلكم العذاب وفى النجاة منه إمتحان عظيم لكم من ربكم بالسراء لتشكروا وبالضراء لتصبروا، ولتقلعوا عن السيئات التى تؤدى بكم إلى الشقاء والهوان . ثم حكى - سبحانه - أن موسى - عليه السلام - قد أرشد قومه إلى سنة من سمن اللّه التى لا تتخلف فقال: «وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ، وقوله (( تأذن، بمعنى آذن أى أعلم، يقال: آذن الأمر وبالأمر أى : أعلمه. إلا أن صيغة التفعل تفيد المبالغة فى الإعلام، فيكون معنى (( تأذن)): أعلم إعلاما واضحا بليغا لا التباس معه ولا شبهة . واللام فى قوله (( لئن شكرتم، موطئة للقسم. وحقيقة الشكر: الاعتراف بنعم الله - تعالى - واستعمالها فى مواضعها التى أرشدت الشريعة إليها . وقوله : لأزيدنكم)، سادمسد جوابى القسم والشرط. والمراد بالكفر فى قوله ((ولئن كفرتم)) كفر النعمة وجحودها، وعدم نسبتها إلى وأهبها الحقيقي وهو الله - تعالى - كما قال قارون. إنما أوتيته على علم عندى ، ، وعدم استعمالها فيما خلقت له، إلى غير ذلك من وجوه الانحراف بها عن الحق . وجملة ((إن عذابي لشديد)) دليل على الجواب المحذوف لقوله (( ولئن كفرتم)، إذ التقدير ولئن كفرتم لأعذبنكم، إن عذابي لشديد. قال الجمل : وإنما حذف هنا وصرح به فى جانب الوعد، لأن عادة أكرم - ٢٦ - الأ كرمين أن صرح بالوعد ويعرض بالوعيد،(١). والمعنى: واذكر أيها المخاطب وقت أن قال موسى لقومه: ياقوم إن ربكم قد أعليكم إعلاما واضحا بليغا مؤكدا، بأنكم إن شكر تموه على نعمه، زادكم من عطائه وخيره ومننه، وإن جحدتم نعمه وغمطتموها واستعملتموها فى غير مايرضيه ، محقها من بين أيديكم ، فإنه - سبحانه - عذا به شديد ، وعقابه آایم . هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث الموجبة الشكر، والمحذرة من الجحود فقال : (( وقد جاء فى الحديث الشريف: ((إن العبد ليحرم الرزق بالذقب يصيبه). وروى الإمام أحمد عن أنس قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -- سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها .. أو حسن بها أى: رماها. قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقال السائل: سبحان الله !! ثمرة من رسول الله - على الله عليه وسلم - فقال للجادية: إذهى إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التى عندها ،(٢) : ثم بين - سبحانه - أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم، لأن الله - تعالى - غنى عن العالمين فقال - تعالى - : (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض جميعا، فإن الله لغنى حميد)). أى: وقال موسى - عليه السلام - لقومه، إن تجحدوا نعم الله أنتم ومن فى الأرض جميعا من الخلائق ، فلن تضروا الله - شيئا، وإنما ضرر ذلك يعود على الجاحد لنعمه، المنحرف عن طريقه، فإن الله - تعالى - لغنى عن شكركم وشكرهم، مستحق للحمد من جميع المخلوقين طوعاوكرها . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥١٥ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٩. ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى - عليه السلام - إنما قال لقومه ذلك، بعد أن شاهد منهم علامات الاصرار على الكفر والفساد ، وترجح لديه أنهم قوم لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب، ولم منهم أنهم يمنوز عليه أو على الله - تعالى - بطاعتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن الإدلال بإدانهم ، والمن بطاعتهم . فالغرض الذى سبقت له الآية إنما هو بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإيمان إنما تعود على الطائعين الشاكرين المؤمنين، وأن مضرة الجحود والكفران إنما تعود على الجاحدين السكافرين . أما الله - تعالى - فلن تنفعه طاعة المطيع، وأن تضره معصية العاصى. ففى الحديث القدسى الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى ذر الغفارى، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال: ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتفى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئا. ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أخر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك فى ملكى شيئا . باعبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته: ما نقص ذلك مما عندى إلا كما نقص المخيط إذا أدخل البحر ، (٦) . وبذلك ترى الآيات الكريمة قدزخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة، التى ساقها الله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام - وهو يعظ قومه، ويذكرهم بأيام الله، وبسنته فى خلقه، وبثناه عنهم ... (١) صحيح مسلم كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم - ٠٠٢٨ ثم حكى - سبحانه - جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم ، ومن المحاورات التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال - تعالى -: ((ألَمْ يأتك بأُ الذينَ مِنْ قِلِكُم، قوم نوحٍ وعادٍ ومُودَ والذينَ مِنْ يَعْدِهِ لا يعلمُهم إلّ اللهُ، جاءتْهُمُ رسلُهم بالبيناتِ فردُوا أيديَهُم فى أفواهِهِم وقالُوا إنّ كَفَرْنَا بما أُرسلتُم به، وإذَّا لفى شكِّ ممَّا تدُعُونَنَاَ إليه مريبٌ (٩) قالَتْ رسلَهم أفى الله شكُ فاطر السَّمواتٍ والأرض يدعوكم ليغفرَ اكُم من ذُنَوِبِكُمْ وؤَخِّرَكُم إلى أَجَلٍ مسمَّى، قَالُوا إِنْ أنتُ إلا بشرٌ مثلُنَاَ ريدُونَ أن تصدُّونَاَ عما كان يعبد آباؤنا بسُلطانِ مبينٌ (١٠) قالَتْ لهم رسلُهم إنْ نحنُ إلا بشرٌ مثلكُم ولكنَّ اللهَ يُنُّ عَلَى مَن يشاء من عبادِهِ، وما كانَ لنا أنْ نَأْتِيَكُم بِسُلطانٍ إلاَّ بإذنٍ اللهِ، وعلى اللهِ فَلْتَوَكَّلِ المؤمِنُون (١١) وما لَنَا ألاَّ نتوكَّلَ على اللهِ وقد هدَانَ سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ على ما آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيتوكَّل المتوكّلُون (١٢) ». وقوله - سبحافه -: (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود .. » يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى - عليه السلام - فيكون المعنى: أن موسى - عليه السلام - بعد أن ذكر قومه بأيام الله - تعالى -، وبنعمه عليهم ، وبسننه - سبحانه - فى خلقه ... بعد كل ذلك شرع فى قذ كيرهم وتخويفهم عن طريق ماحل بالمكذبين من قبلهم ، فقال لهم - كما حكى القرآن عنه -: (( ألميأتكم نبأ الذين من قبلكم .. )) : - ٢٩ - ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف، والخطاب فيه لأمة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيكون المعنى: أن الله - تعالى - بعد أن بين الناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله - صلى أنّه عليه وسلم - لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين - سبحانه- أنه له مافى السموات ومافي الأرض ، وهدد الكافرين بالعذاب الشديد، وحكى ما قاله موسى لقومه ... بعد كل ذلك وجه - سبحانه - الخطاب إلى مشرکی مکة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال: (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم .... قال الفخر الرازى ما ملخصه : يحتمل أن يكون هذا خطابامن موسى لقومه، والمقصود منه أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم. ويجوز أن يكون مخاطبة من الله - تعالى على لسان موسى لقومه، يذكرهم أمر القرون الأولى . والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود حاصل على التقديرين ، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول - صلى الله عليه وسلم -))(١). ومع أننانؤيد الإمام الرازى فى أن المقصود إنما هو حصول الابرة بأحوال المتقدمين ، إلا أننا فميل مع الأكثرين إلى الرأى الثانى، لأن قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى، ولأن الإمام ابن كثير - رحمه الله - يرى أنه لم يرد ذكر فى التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال : قال ابن جرير: هذا من تمام قول موسى لقومه .... وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستانف من الله - تعالى - لهذه الأمة، فإنه قدقيل: إن قصة عاد وثمود ليست فى التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه (١) تفسير الفخر الرازى حـ ١٩ ص ٨٨ طبعه دار الكتب العلمية - طهران. - ٣٠ ٠ لقصه عليهم. فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصدان فى التوراة))(١). والاستفهام فى قوله (( ألم يأتمكم ... ، للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذى كان مشهورا بينهم ، وقدم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب، ومساكنهم فى بلادهم، وهم يمرون على ديار قوم صالح فى أسفارهم إلى بلاد الشام التجارة . والمراد بالذين من بعدهم : أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، كفوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم . وقوله. لا يعلمهم إلا الله، أى: لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا معد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى . رقوله ((والذين من بعدهم، مبتدأ، وقوله , لا يعلمهم إلا الله، خبره، والجملة إعتراض بين المقسر - بفتح السين - وهو« نبأ الذين من قبلهم)) وتفسيره وهو ((جاءتهم رسلهم بالبينات)). والمعنى: لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوح وعاد وثمود، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعاد تكم، لكى تنجوا من العذاب الألم الذى حل بالظالمين من قبلكم. وجملة (« جاءتهم رسلهم بالبينات، مستأنفه فى جواب سؤال مقدر. كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم ؟ فكان الجواب : جاءكل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات تظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه . وقوله ((فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به .... (١) تفسير ابن كثير حـ٤ ص ٤٠٠ بـ بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم. والضمائر فى ((وديا)) و((أيديهم)) و((أفواههم، تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات . وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون فى معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال . منها: أن الكفار وضعوا أناملهم فى أفواههم فعضوها غيظا وبغضا عماجاء به الرسل، وقالوا لهم بغضب وضجر: أنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات ، فاغربوأ عن وجوهنا. وأز كوننا وشأننا. ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإمام ابن جرير، فقد قال: وقوله: « فردوا أيديهم فى أفواههم ... ، اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معنى ذلك، فعضواعلى أصابعهم تغيظا عليهم فى دعائمه إياهم إلى ما دعوهم إليه ... روى ذلك عن ابن مسعود وغيره . ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى: وأشبه هذه الأقوال عندى بالصواب فى تأويل هذه الآية ، القول الذى ذكرناه عن عبد الله ابن مسعود أنهم ردوا أيديهم فى أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل، كما وصف الله عز وحل به إخوانهم من المنافقين فقال: « وإذا خلوا عضواعليكم الأنامل من الغيظ ، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم مز ود الأيدى إلى الأفواه)،(١). ومنها : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها، وقالوا المرسل على سبيل التحدى والتكذيب إنا كفرنا بما أرسلتم به، أى : لاجواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بالسنتنا هذه. (١) تفسير ابن جرير حـ ١٣ ص ٠١٢٧ ٢٢٥ - ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإمام الآلوسي ، فقد صدر الأقوال التى ذكرها به ، فقال ماملخصه: قوله , فروا أيديهم فى أفواههم. أى: أشاروا بايديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ((وقالوا، لهم « إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أى: على زعمكم، وهى البينات التى أظهر وها حجة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها: الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم .... ثم قال بعد أن ساق عدد من الأقوال : والذى يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار . حيث جمعوا فى الإنكارين: الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا، بل عقبوا دعوتهم. بالتكذيب ... ، (١) ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا . وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال وهذا التركيب لا أعهد مثله فى كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن: ومعنى ((فردوا أيديهم فى أفواههم » . يحتمل عدة وجوه أنهاها فى الكشاف إلى سبعة، وفى بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل)) (٢). ومنها : ان الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم، لم يردوا عليهم، بل تركوم إهمالا لشانهم . (١) تفسير الألوسى - ١٣ من ٠١٧٢ (٢) تفسير التحرير والتنوير حـ ١٣ ص ١٩٦ - ٣٣ = وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ماملخصه : وقال أبو عبيدة - وفعم ما قال - هو ضرب مثل. أى: لم يؤمنوا ولم يجيبوا. والعرب تقول الرجل إذا أسمك عن الجواب وسكت: قد رديده فى فيه. وهكذا قال الأخفش. وأعترض على ذلك القتيبى فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول: رديده فى فيه: إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدى حنقا وغيظا ... فإن صح ماذ كره أبو عبيد والأخفش فتفسير الآية به أقرب ... )(١) وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق فى أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبون رسلهم من سوء أدب ... إلا أننا نميل إلى ماذهب إليه الإمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال فى معناها ، وقد أستشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر : ترُدُّون فى فيه غشّ الحسو دٍ. حتى يَعَضَّ علىَّ الْأكُفا يعنى أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه(٢). وقوله - سبحانه - ((وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب)) ماوف على قرله (( إنا كفرنا بما أرسلتم به)). ومريب : اسم فاعل من أراب. تقول: أربت فلانا فأنا أريبه، إذا فعلت ﴾ فعلا يوجب لديه الريبة. فمعنى مريب: موقع فى الريبة أى : فى القلق والاضطراب. أى: قال المكذبون أرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات، (١) راجع تفسير الشوكانى حـ ٣ ص ٩٧ ففيه ما يقرب من عشرة أقوال فى معنى الآية . (٢) تفسير القرطى - ٩ ص ٣٤٦. (٣ - سورة أراهم) - ٣٤ ٠- وإنا لفي شك كبير موقع فى الريبه مما تدعوننا إليه من الإيمان بوحد انية اللّه ، وبإخلاص العبادة له .. قال الجمل ما ملخصه : فإن قيل إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرةابون فى صحة قولهم فكيف ذلك؟ فالجواب : كأنهم قالوا إنا كفرفا يما أرسلتم به أيها الرسل ، فإن لم نكن كذلك ، فلا أقل من أن تكون شا كين مرتابين فى صحة نيوتكم .. أو يقال: المراد بقولهم «إنا كفرنا بما أرسلتم به)) أى بالمعجزات والبيئات، ويقولهم: ((وإنا لفي شك ما تدعوفنا إليه مريب)، وهو الإيمان والتوحيد . أو يقال: إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى ثم بين - سبحانه - مارد به الرسل على المكذبين من أقوامهم فقال : ((قالت رسلهم أفى اللّه شك، فاطر السموات والأرض، يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ... ، والاستفهام فى قوله (( أفى الله شك، للتوبيخ والإنكار، ومحل الانكار هو وقوع الشك فى وجود الله - تعالى- وفى وحدانيته . وقوله ((فاطر السموات والأرض)) من الفطر بمعنى الخلق والإبداع من غير سبق مثال وأصله: الشق وفصل شىء عن شىء ، ومنه فطر ذاب البعير أى: طلع وظهر ، واستعمل فى الايجاد والابداع والخلق لاقتضائه التركيب الذى سبيله الشق والتأليف ، أو لما فيه من الاخراج من العدم إلى الوجود . (١) حاشية الجمل على الجلالين - ٢ ص ٥١٦ - ٣٥ -- والمعنى: قال الرسل لأقوامهم على سبيل الإنكار والتعجب من أقوالهم الباطلة: أفى وجود اله - تعالى - وفى وجوب إخلاص العبادة له شك ، مع أنه - سبحانه - هو ((فاطر السموات والأرض، أى: خالقهما ومبدعهما ومبدع ما فيهما على أحكم نظام، وعلى غير مثال سابق ... وهو - سبحانه - فضلا منه وكرماء يدعوكم)) إلى الإيمان بماجئنا كم به من لدنه « ليغفر لكم، بسبب هذا الإيمان ,من ذنولكم ويؤخركم، فى هذه الدنيا (( إلى أجل مسمى)، أى: إلى وقتٍ معلوم عنده تنتهى بانتهائه أعماركم، دون أن يعاجلكم خلال حياتكم بعذاب الاستئصال ، رحمة بكم، وأملا فى هدايتكم . فأنت ترى أن الرسل الكرام قد أنكروا على أقوامهم أن يصل بهم أنطماس البصيرة إلى الدرجة التى تجعلهم ينكرون وجود الله مع أن الفطر شاهدة بوجوده، وينكرون وحدانيته مع أنه وحده الخالق لكل شىء ، ويشركون معه فى العبادة آلهة أخرى ، مع أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع . وجملة ((فاطر السموات والأرض، جىء بها كدليل على نفى الشك فى وجوده - سبحانه - وفى وجوب إخلاص العبادة له ، لأن وجودهما على هذا النسق البديع يدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقا قادرا حكيما ، لاستحالة صدور تلك المخلوقات من غير فاعل مختار . وجملة ((يدعوكم ... )) حال من اسم الجلالة، واللام فى قوله ((ليغفر ك .. ، ذنوبكم، متعلقة بالدعاء . أى: يدعوكم إلى الإيمان بنا لكى يغفر لكم. قال الشوكانى ما ملخصه: و((من)) فى قوله ((من ذنوبكم)) قال أبو عبدة. إنها زائدة، ووجه ذلك قوله - تعالى - فى موضع آخر ((إن الله يغفر ٢٦٠٠٠ -: الذهوب جميعا ، وقال سییویه : هی للتبعيض، وجوز آنبذ کر البعض ويراد منه الجميع . وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران الذنوب لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - غفر ان جميعها لغيره .... وقيل هى للبدل أى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب ... ))(١). وقال الجمل: ويحتمل أن يضمن ((يغفر) معنى يخلص، أى: يخلص، أى : يخلصكم من ذنوبكم ويكو فى مقتضاه غفران جميع الذنوب، وهو أولى من دعوى زيادتها ،(٢) . وقوله - سبحانه - ((قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين، حكاية لرد آخر من الردود السيئة التى قابل بها المكذبون رسلهم . أى: قال الظالمون لرسلهم الذين جاءوا لهدايتهم، ما أنتم إلا بشر مثلنا فى الهيئة والصورة والمأكل والمشرب، تربدون بما جئتمونا به أن تصرفونا وتمنعونا عن عبادة الآلهة التى ورثنا عبادتها عن آبائنا ... فإن كنتم صادقين فى دعواكم هذه ((فأتونا بسلطان مبين، أى بحجة ظاهرة تدل على صدقكم ، وقتسلط هذه الحجة بقوتها على نفوسنا وتجنبها؟ إلى اليقين ، من السلاطة وهى التمكن من القهر . وكأن هؤلاء الظالمين بقولهم هذا، يرون أن الرسل لا يصح أن يكونوا من البشر ، وإنما يكونون من الملائكة . وكأن ما أتاهم به الرسل من حجج باهرة تدل على صدقهم، ليس كافيا فى زعم هؤلاء المكذبين للإيمان بهم ، بل عليهم أن يأتوهم بحجج محسوسة (١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٣ ص ٩٨ (٢) حاشية الجمل على الحلالين ــ ٢ ص ٥١٧ - ٣٧ - أخرى وهكذا الجحود العقلى، والانطماس النفسى يحمل أصحابه على قلب الحقائق: ((وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية. وهنا يحكى القرآن أن الرسل - عليهم السلام - قد قابلوا هذا السفه من أقوالهم المنطق الحكيم، وبالأسلوب المهذب فيقول: «قالت لهم رسلهم إن نجن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ... ) أى: قال الرسل لمكذبيهم على سبيل الإرشاد والتنبيه: نحن نوافقكم كل الموافقة على أننا بشر مثلكم كما قلتم، ولكن هذه المائله بينناوبينكم فى البشريه، لا تمنع من أن يتفضل الله على من يشاء التفضل عليه من عباده ، بأن يمنحه النبوة أو غيرها من نعمه التى لا تحصى . فأنت ترى أن الرسل - عليهم السلام - قد سلموا للمكذبين دعواهم الماثله فى البشريه ، فى أول الأمر، ثم بعد ذلك بينوا لهم جهلهم وسوء تفكيرهم ، بأن أفهموهم بطريق الاستدراك، أن المشاركة فى الجنس لا تمنع التفاضل ، فالبشر كلهم عباد الله، ولكنه - سبحانه - يمن على بعضهم بنعم لم يعطها لسواهم. فالمقصود بالاستدراك دفع ما توهمه المكذبون، من كون المائله فى البشرية، تمنع اختصاص بعض البشر بالنبوة . قال الألوسى: قوله - تعالى -: ((قالت لهم رسلهم)) مجاراة لأول مقالتهم (إن تحن إلا بشر مثلكم، كما تقولون، وهذا كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعا فى الموافقه، ثم كروا على قولهم بالإبطال فقالوا: (( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)). أى: إنما اختصنا الله - تعالى - بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشريه غير ما فعه لمشتئته - جل وعلا -. وفيه دليل على أن الرسالة عطائيه، وأن ترجيح بعض الجائز على بعض بمشيئة - تعالى - ولا يخفى ما فى العدول - ٣٨ - عن ولكن الله من علينا، إلى ما فى النظم الجليل منهم - عليه السلام-)»(٧) . وقوله - سبحانه -ـ (( وما كان لنا أن نأتيكم يسلطان إلا بإذن الله ، حكاية لرد الرسل على قول المكذبين لهم ((فأتونا بسلطان مبين)). أى: وقال الرسل المكذبين من أقوامهم - أيضا - وما صح وما استقام لنا نحن الرسل أن نأتيكم - أيها الضالون - بحجة من الحجج، أو بخارق من الخوارق التى تقترحونها علينا، إلا بإذن الله وإرادته وأمره لنا بالإتيان بما اقترحتم ، فبحن عباده ولا نتصرف إلا بإذنه . ثم أكد الرسل تمسكهم بالمضى فى دعوتهم فقالوا - كماحكى القرآن عنهم . ((وعلى الله فليتوكل المؤمنون)). والتوكل على الله معناه: الاعتماد عليه، وتفويض الأمور إليه، مع مباشرة الأسباب التى أمر - سبحانه - بمباشرتها. أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه، فليتوكل المؤمنون، الصادقون، دون أن يعبأوا بعنادكم ولجاجكم ، ونحن الرسل على رأس هؤلاء المؤمنين الصادقين . فالجملة الكريمة أمر من الرسل لمن آمن من قومهم بالتوكل على الله وحده، وقد قصدوا بهذا الأمر أنفسهم قصدا أوليا، بدليلقولهم بعد ذلك - كماحكى القرآن عنهم -: ((وما لنا أن لافتوكل على الله وقد هدانا سبلنا)). أى: وما عذرنا إن تركنا التوكل على الله - تعالى -، والحال أنه - عز وجل - قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، فقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، وهى طريق إخلاص العبادة له، والاعتماد عليه وحده فى كل شئوننا. (١) تفسير الآلوسي جـ ١٣ ض ١٧٧ فالجملة الكريمة تدل على اطمئنانهم إلى سلامة مواقفهم فى تفويض أمورهم إلى الله، وإلى رعاية الله - تعالى - حيث هداهم إلى طريق النجاة والسعادة. ثم أضافوا إلى ذلك تيئيس أعدائهم من التأثر بأذاهم، فقالوا ((ولنصبرن على ما آذيتمونا ». أى: ووالله لنصبرن صبراً جميلا فى حاضرنا ومستقبلنا - كما صبرنا فى ماضينا - على إيذائكم لنا. والذى من مظاهره: عصيانكم لأقوالنا، ونفوركم من نصحنا، واستهزاؤكم بنا ، ومحاربتكم لنا ... ثم ختموا أقوالهم بتأكيد تصميمهم على الثبات فى وجه الباطل فقالوا (((وعلى الله فليتوكل المنوكاون)). أى: وعلى الله وحده دون أحد سواه ، فليثبت المتوكلون على توكلهم . وليفوضوا أمورهم إلى خالقهم ، فهو القاهر فوق عباده ، وهو الذى لا يعجزه شيء . وتقديم الجار والمجرور فى الجملة الكريمة وفيما يشبهها ، مؤذن بالحصر، وبأن هؤلاء الرسل الكرام لا يرجون نصرا من غير الله - تعالى -. وبهذا نرى أن الآيات الكريمة ، قد حكمت لنا بأسلوب مؤثر حكيم ، جانبا من المحاورات التى دارت بين الرسل وبين مكذبيهم ، وبينت لناكيف دافع الرسل عن عقيدنهم، وكيف ردوا على الأقوال السيئة، والأفعال "قبيحة، التى واجههم بها المكذبون ، وكيف أعلنوا فى قوة وحزم وإصرار ثباتهم فى وجوه أعدائهم ، ومقابلتهم الأذى بالصبر الذى لا جزع معه ، مهما صنع الأعداء فى طريقهم من عقبات، ومهما أثاروا من أباطيل وشبهات .... ثم حكت السورة بعد ذلك جانبا آخر من تلك المحاورات التى دارت بين الرسل وبين أعدائهم، وجانبا ما وعد الله به رسله - عليهم السلام، وجانبا - ٤٠ - من العذاب الذى أعده للظالمين فقال - تعالى - : (( وقالَ الذينَ كفرُ والْرُسُلِمِ النُخْرِجِنُكُم من أرضِنَاَ أو لتعودُنَّ فِى مَِّنا، فأوْحَى إليهمْ رِبُّهم لتُهلِكَنّ الظالمينَ (١٣) ولَنُسْكِنَّكُـ الأرضَ مِنْ بَعَدِمِ ذلكَ لِمَنْ خَفَ مقامِ وخافَ وعيدٍ (١٤) واستَفْتَحُوا وغابَ كلُّ جَبَّارٍ عنيدٍ (١٥) من ورَائِهِ جَنَّمُ وَيُسْقَى من ماء صديدٍ (١٦) يتحرَّعُه ولا يكادُ يُسيفَه ويأتيه الموتُ من كلِّ مَكانٍ وما هُوَ بميتٍ، ومِنْ ورائِهِ عذابٌ غَليظ (١٧))). فقوله - سبحانه -: ((وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن فى ملتنا ... ، حكاية لما هدد به رءوس الكفر زسلهم، بعد أن أخمهم الرسل بالحجة البالغة ، وبالمنطق الحكيم . واللام فى ((لنخرجنكم)) هى الموطنة للقسم. و((أو) للتخيير بين الأمرين . أى : وقال الذين عتوا فى الكفر ـ على سبيل التهديد - لرسلهم ، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخر جنكم ـ أيها الرسل - من أرضنا، أو لتعودن فى ديننا ومقتنا . قال الإمام الرازى: إعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام -، أنهم قد اكتفوا فى دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفرة أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء لفخر جنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا». والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا .