Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَسِّيْرُسُورَةِ ابْرَاهِيمْ
عليه السَّلام
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
:
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م

(ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

بسم اللهالرحمن الرحيم
الموت
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه.
وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة إبراهيم - عليه السلام -، قوخيت فيه
أن يكون تفسيرا تحليليا، خاليا من الآراء السقيمة، والأقوال الضعيفة.
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
١٩٨١/١١/٢٤ م.
المدينة المنورة فى ٢٨ من المحرم سنة ١٤٠٢هـ
المؤلف
محمد سيد طنطاوى

تعريف بسورة إبراهيم - عليه السلام -
١ - سورة إبراهيم - عليه السلام - هى السورة الرابعة عشرة فى ترتيب
المصحف ، أما ترقيبها فى النزول ، فقد كان بعد سورة نوح - عليه السلام -.
وقد ذكر السيوطى قبلها سبعين سورة من السور المكية (١).
٢ - وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية فى المصحف الكوفى، وإحدى
وخمسون فى البصرى ، وأربع وخمسون فى المدنى ، وخمس وخمسون فى الشامى.
٣ - وسميت بهذا الاسم، لاشتمالها على الدعوات الطيبات التى تضرع
بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، ولا يعرف لها اسم آخر سوى هذا الاسم.
٤ - وجمهور العلماء على أنها مكية ، وليس فيها آية أو آ يات غير مكية .
وقال الآلومى : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت
بمكة ، والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك ، وهو الذى عليه الجمهور .
وأخرج النحاس فى ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا
بالمدينة وهما قوله - تعالى -: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلواقومهم
دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار)) فإنهما نزلتا فى قتلى بدر من
المشركين .. ٢٠(٢)
وسنرى عند تفسير نالهاتين الآيتين ، أنه لم يقم دليل يعتمد عليه على أنهما
مدنيتان ، وأن السورة كلها مكية كما قال جمهور العلماء.
• - هذا، وبمطالعتنا لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل نراها فى مطلعها
(١) راجع الإتقان في علوم القرآن - ١ ص ٢٧. تحقيق محمد أبى الفضل
إبراهيم .
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٣ ص ١٦١ طبعة منير الدمشقى.

- ٦ -
تحدثنا عن وظيفة القرآن الكريم، وعن جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى -.
وعن سوء عاقبة الكافرين ، وعن الحكمة فى إرسال كل رسول بلسان قومه
قال - تعالى -: الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور
بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد . الله الذى لهما فى السموات ومافى الآرض
وويل للكافرين من عذاب شديد ...
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، فيضل الله من يشاء،
ويهدى إمن يشاء وهو العزيز الحكيم.
ثم نراها بعد ذلك تحدثنا عن طرف من رسالة موسى - عليه السلام جمع.
قومه، وعن أخبار بعض الأنبياء مع أقوامهم، وعن نماذج من المحاورات
التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم .
قال - تعالى -: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات
إلى النور وذكرهم بأيام الله، إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور ...
ثم تضرب السورة الكريمة بعد ذلك مثلا لأعمال الكافرين ، وتصور.
أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ، وتحكى ما يقوله الشيطان لهم
فى ذلك اليوم ... فتقول :
مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصفه
لا يقدرون بماكسبوا على شىء ذلك هو الضلال البعيد ...
وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لبكم تبعا ...
وقال الشيطان لماقضى الأمرإن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم.
ثم تسوق السورة مثلا آخر لكلمتى الإيمان والكفر فتقول: ألمتر كيف
ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ...
ثم تحكى ألوانا متعددة من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعله وقدرته
ونعمه على عباده فتقول :

- ٧ -
« الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقالكم ، وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره ، وسخر
لكم الأنهار .....
ثم تسوق بعد ذلك تلك الدعوات الصالحات الجامعات لأنواع الخير ،
والتى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فتقول :
((وإذقال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد
الأصنام ....
رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لى
ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)).
ثم يختم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بآيات فيها مافيها من أنواع
المذاب الذى أعده للظالمين ، وفيها مافيها من ألوان التحذير من السير فى طريق
الكافرين والجاحدين فيقول :
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه
الأبصار . مهطعين مقنعى رءوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ....
هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليذ کر
أولوا الألباب».
٦ - ومن هذا العرض الإجمالى السورة الكريمة، نراها قد اهتمت بأمور
من أبرزها ما يلى :
(١) تذكير الناس بنعم خالقهم عليهم، وتحريضهم على شكر هذه النعم،
وتحذيرهم من جحودها وكفرها ...
ومن الآيات التى وردت فى هذه السورة فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((وإذ
تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ».

:
- ٨ -
وقوله - تعالى -: ((ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم
دار البوار. جهنم يصلونها وبئس القرار)).
وقوله - تعالى -: ((وآتاكم من كل ماسألتموه وإن تعدوا نعمة الله
لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار)).
(ب) تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من مشركى
قريش ، تارة عن طريق مالقيه الأنبياء السابقون من أقوامهم، وقارة عن
طريق بيان أن العاقبة للمتقين .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((ألم يأتكم نبأ
الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وتمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله،
جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم
به وإنا لفي شك ما تدعوننا إليه مريب ....
وقوله - تعالى -: ((وقال الذين كفروا الرسلهم لنخرجنكم من
أرضنا أو لتعودن فى ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لهلكن الظالمين . ولنكننكم
الأرض من بعدم .... ،
(جـ) اشتمال السورة الكريمة على أساليب متعددة للترغيب فى الإيمان،
وللتحذير من الكفر ، قارة عن طريق ضرب الأمثال ، وقارة عن طريق بيان
حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة المكذبين ، وتارة عن طريق حكاية
ماسيقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة، وماسيقوله الضعفاء للذين استكبروا،
وماسيقوله الظالمون يوم يرون العذاب ...
ومن الآ بات التى وردتفىهذا المعنى قوله - تعالى -: (( ألم تر كيف عرب
القه مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها فى السماء . تؤتى أكلها
كل حين بإذن ربها ، ويضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)).
وقوله - تعالى -: ((فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن اللهعز یزذو انتقام».
1

-- ٩ -
وقوله - تعالى -: ((وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا
- وبنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك وفقبع الرسل ....
هذه بعض الموضوعات التى اهتمت السورة بإبرازها وبتر كيز الحديث
عنها ، وهناك موضوعات أخرى عندت السورة بتفصيل الحديث عنها ، ويراها
المتدير لآياتها ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .؟
1
1

(التفسير)
قال الله تعالى: ((الر « كتابٌ أنزلناه إليكَ لتُخرِجَ الناسَ من
الْظلماتِ إلى النورِ بإذْنِ ربهم إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ (١) اللهُ الذى
له ما فى السَّمواتِ وما فى الأرضِ ، وويلٌ الكافرينَ من عذابٍ
شديدٍ (٢) الذينَ يستحُونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرةِ ويصدُّونَ عن
سبيلِ اللهِ ويبغونهاَ عِوَعَاً، أولئِكَ فى ضلالٍ بعيدٍ (٣) وما أَرْسَلناً من
رسُولٍ إلا بلسانِ قومِهِ ليبيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن بشاءٍ وَيَهْدِى مَنْ
يَشَاءُ، وهو العزيز الحكيمُ (٤))).
سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف
من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - ((ألر)).
وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تمسيرنالسور:
آل عمران والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد .
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف
المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل الإيقاظ والتنبيه
للذين تحداهم القرآن .
فكان الله - تعالى - يقول لأولئك المماندين والمعارضين فى أن القرآن
من عند الله، ماكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ماتؤلفون منه
كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون
منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله،
وأدعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، فإن لم تستطيعوا فماتوا
عشر سور من مثله ، فإن عجزتم فها قوا سورة واحدة من مثله .

- ١١ -
قال - تعالى - : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة.
من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)،(١).
: وقوله (( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن.
ربهم إلى صراط العزيز الحميد، تنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان للغرض
السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله.
والظلمات: جمع ظلمة ، والمراد بها: الكفر والضلال، والمراد بالنور :
الإيمان والهداية .
والباء فى (( بإذن ربهم)) للسببية، والجار والمجرور متعلق بقوله ((لتخرج،
والصراط : الجادة والطريق، من سرط الشىء إذا ابتلعه ، وسمى الطريق
بذلك، لأنه يبتلع المارين فيه، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش.
والمعنى: هذا كتاب جليل الشأن، عظيم القدر ، أنزلناه إليك يا محمد ،
لكل تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال، إلى نور الإيمان
والعلم والهداية، وهذا الإخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره.
وقوله (( إلى صراط العزيز الحميد)) بدل من قوله (( إلى النور)).
أى: لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال، إلى طريق الله (العزيز)).
أى: الذى يغلب ولا يغلب ((الحميد)) أى: المحمود بكل لسان.
وأسند - سبحانه - الإخراج إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - باعتباره
المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإيمان،
ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإمام الرازى -؛
لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية، وشبه الإيمان بالنور، لأنه
نهاية ما ينجلى به طريق هدايته(٢).
(١) سورة البقرة الآ ية ٢٣ .
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٧٢

- ١٢ -
وفى جمع: الظلمات)) وإفراد (( النور) إشارة إلى أن الكفر طرق كثيرة،
وأما الإيمان فطريق واحد .
وقوله - سبحانه - (( بإذن ربهم، احتراس لبيان أن نقل الناس من حال
إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته، وأن الرسول ماهو إلا مبلغ
فقط ، أما الهداية فمن الله وحده .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال: «الله الذى له ما فى السموات
ومافى الأرض ... »
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى له ما في السموات ومافي الأرض
ملكا وملكا وخلقا لا يشاركه فى ذلك مشارك ، ولا ينازعه منازع .
ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز
الحميد .
وقر أه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : هو انه
الذى له مافي السموات ومافي الأرض .
وجملة ((وويل للكافرين من عذاب شديد، تهديدووعيد لمن كفر بالحق
وأعرض عنه .
ولفظ ((ويل)) مصدر لا يعرف له فعل من لفظه مثل ((ويح)) وجاء
مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام ، ومعناه: الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة،
أى، الله - تعالى - هو الذى له ما فى السموات وما في الأرض، وويل للكافرين
بما أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - من عذاب شديد سينزل بهم، فيجعلهم
يستغيثون دون أن يجدوا من يغيتهم .
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة، التى
أردتهم وأهلكتهم فقال - تعالى -: ((الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة
ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا ... ))

- ١٣ -
ويستحبون: بمعنى يحبون، فالسين والتاء للتأكيد، أى: يختارون.
ويؤثرون ولذا عداه بعلى .
أى : يختارون شهوات الحياة الدنيا، ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار
الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات ...
و(«ويصدون)) من الصد، وهو صرف الغير عن الشىء ومنعه منه. يقال:
صد فلان فلانا عن فعل الشيء ، إذا منعه من فعله .
وسبيل الله: طريقه الموصلة إليه وهى ملة الإسلام.
ويبغون من البغاء - بضم الباء - بمعنى الطلب . يقال: بغيت لفلان كذا،.
إذا طلبته له ، وبغيت الشىء أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته .
والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج - كتعب. إلا أن بعضهم.
يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرنى كالآراء والأقوال والعقائد ،
وأن مفتوحها يكون فى المرئيات كالأجساد والمحسوسات .
أى : أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها ،
ولا يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل فى طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس
عنها، ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم ، مع أنها أقوم طريق،
وأعدل سبيل. والضمير المنصوب فى قوله (( يبغونها)) يعود إلى سبيل الله.
أى يبغون لها الموج، فذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، كما فى قوله
(وإذا كالومٍ ... ، أى: كالوا لهم.
و قوله « عوجا ، مفعول به ليبغون.
وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى (( يبغونها)، وهو الهاء هو المفعول ،
وجعل دعو جاء حال من سبيل الله أى: ويريدونها أن تكون فى حال اعوجاج
واضطراب. وقوله: ((أولئك فى ضلال بعيد)) بيان للحكم العادل الذى أصدره
- سبحانه .. علیهم.

- ١٤ -
أى: أولئك الموصوفون بما ذكر فى ضلال بعيد عن الحق .
والإشارة بأولئك الدالة على البعد، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا
به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال ، وأبشع الرذائل .
وعبر بفى الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم، وأنه محيط بهم كما يحيط
الظرف بالمظروف .
قال الآلوسي : وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم مالا يخفى ، حيث أسند
فيها إلى المصدر ماهو لصاحبه بجازا كجد جده ...
ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اقصافه بما وصف
به، بناء على أن البعد فى الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده ، وسبب
بعده ضلاله، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلافا
عصيانه، والإسناد مجازه، وفيه المالغة المذكورة أيضا))(١).
ثم بين - سبحانه - منة أخرى من منته على عباده فقال: (( وما أرسلنا من
رسول إلا بلسان قومه أيبين لهم ... ،
قال الإمام الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى أول الدورة
« كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ... ، كان هذا
إتعاما على الرسول، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنفاما
على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر ...
ثم ذكر فى هذه الآية مايجرى مجرى تكميل النعمة والإحسان فى الوجهين:
أما بالنسبة إلى الرسول ، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة ...
وأما بالنسبة امامة الخلق ، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم
(١) تفسير الآلوسي = ١٣ ص ١٦٠

- ١٥ -
إلا بلسانهم ... )، (١) والباء فى قوله (( بلسان)) للملابسة، والمراد باللسان:
اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه.
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسولا من الرسل
إلى قوم من الأقوام، إلا وكانت لغته كلفتهم ، لكى يتيسر لهم أن يفهموا
عندما يريد أن يبلغهم إياه من الأوامر والنواهى ...
قال ابن كثير : هذا من لطفه - تعالى - بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا
منهم بلغلتهم ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم ، كما قال
الإمام أحمد :
حدثنا وكيع ، عن عمر بن ذر قال : قال مجاهد: عن أبى ذر قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا
بلغة قومه )،(٦) .
وقال ضاحب الكشاف: فإن قلت: لم يبعث رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، وهم على ألسنة مختلفة.
فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة ، فلو
تول بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا .. قلت : لا يخلو إما أن ينزل
بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلاحاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة
تنوب عن ذلك وتكفى التطويل ، فبقى أن ينزل بلسان واحد. فكان أولى
الألسنة لسان قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنهم أقرب إليه.
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر ، قامت التراجم ببيانه
وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أهم العجم،
مع ما فى ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة ، والأجيال المتفاوتة على كتاب
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٧٩
(٢) تفسير ابن كثير ج٤ ص ١٩٧

- ١٦ -
واحد، واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من.
جلائل الفوائد ، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ، وأسلم من التنازع
والاختلاف .... ،(١) وقال الشوكانى: ما ملخصه، وقد قيل فى هذه الآية
إشكال، لأن النبى صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى الناس جميعا، ولغاتهم.
متباينة ...
وأجيب : بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين،
لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم.
أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبنونه لمن كان على غير لسانهم.
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم ، وبينه الرسول لكل قوم.
بلسانهم، لكان ذلك مظنة الاختلاف، وفتحالباب التنازع ، لأن كل أمه.
قد تدعى من المعانى فى لسانها مالا يعرفه غيرها ،
وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف ، بسبب.
الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون، (٢).
وجملة (( فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء، مستأنفة.
أى: فيضل الله من يشاء إضلاله، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه.
المؤدية إليه فيه، ويهدى من يشاء هدايته، لاراد لمشيئته، ولامعقب لحكمه .
(((وهو)، سبحانه («العزيز)) الذى لا يغلبه غالب ((الحكيم) فى كل أفعاله
وتصرفاته .
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: ونفريع قوله (( فيضل الله من.
يشاء .. ألخ)) على مجموع جملة ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين
لهم،، ولذلك جاء فعل ((يضل)) مرفوعا غير منصوب، إذ ليس عطفا على
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ صـ ٣٦٦
(٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ م ٥ ٠١٤

- ١٧ -
فعل (( ليسين))، لأن الإضلال لا يكون معلولا للتيمين ولكنه مفرع على
الإرسال المعلل بالتبيين .
والمعنى: أن الارسال بلسان قومه لعلة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين
بمعونة الاهتداء، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم، (١).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم ، ووظيفة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - كماتوعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا
فى كفرهم وغيهم ، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - واطفه بعباده،
وفضله عليهم .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن رسالة موسى - عليه السلام - كانت
أيضا - لاخراج قومه من الظلمات إلى النور ، ولتذ كيرهم بنعم خالقهم عليهم،
وبغناء عنهم ، فقال تعالى :
((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أَنْ أَخْرِجْ قومَك من الظلماتِ إلى
النورِ، وذَكِّمُ بأيام اللهِ، إنّ فى ذلكَ لَآيَاتٍ لكلٌّ صبارٍ شكورِ (٥)
وإذقالَ مُوسَى لِقَومِهِ اذكُرُوا نسمةَ الهِ عليكُم، إذْ أَنْجَالُ من آلِ
فِرْعَونَ بسُومُونَكُم سوء العذابِ ، ويذّجُونَ أبناءكُم، ويستحيونَ
نساءٌ، وفى ذلكُم بلاء مِنْ دبْكُم عظيمٌ (٦) وإذ تأذن ربكم لمن
شَكرٌّم لأزِيدَنُكُم، ولئنْ كفرتُم إنَّ عذابي لشديدٌ (٧) وقالَ مُوسَى
إن تكفُرُوا أَنتُم ومن فى الأرضِ جميعاً، فإِنَّ اللّهَ لغنىٌ حميدٌ (٨)).
قال الامام الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما بين أنه أرمن محمدا - صلى الله
(١) تفسير التحرير والتنوير حـ ١٢ ص ١٨٨ للشيخ الفاضل ابن عاشور
(٢ - سورة إبراهيم)

- ١٨ -
عليه وسل إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور وذكر كمال إنعامه عليه
وعلى قومه فى ذلك الارسال وفى تلك البعثة ، اتبع ذلك بشرح بعثة سائر
الأنبياء إلى أقوامهم ، وكيفية معاملة أقوامهم معهم. تصبيرا له صلى الله عليه
وسلم على أذى قومه وبدأ - سبحانه .. بقصة موسى فقال: ، ولقد أرسلنا
موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور .... ))(1).
وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، بن يصهر، ابن ماهيث ...
وينتهى نسبه إلى لاوى بن يعقوب عليه السلام.
وكانت ولادة موسى - عليه السلام - فى حوالى القرن الرابع عشر قبل الميلاد
والمراد بالآيات فى قوله. بآياتنا)) الآيات القسع التى أيده الله تعالى بها
قال تعالى, ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات .. )) (٢).
وهى: العصا، واليد، والطوفان، والجراد ، والقمل، والضفادع، والدم،
والجدب ـ أى فى بواديهم، والنقص من الثمراب - أى فى مزارعهم.
قال - تعالى - ,فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين: ونزع يده فإذا هى
بيضاء للناظرين)،(٢).
وقال - تعالى - ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من
الشدرات، (٤).
وقال - تعالى - (( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع
والدم، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين(٥).
(١) تفسير الفخر الرازى حـ ١٩ ص ٠٨٣
(٢) سورة الاسراء الآية ١٠١
(٣) سورة الأعراف الآبتان ١٠٨,١٠٧
(٤) سورة الأعراف الآيه ١٣٠
(٥) سورة الأعراف الآية ٣٣:

٦
i :-
: ومنهم من يرى أنه يصح أن براد بالآيات منا آبات التوراة التى أعطاها
4قه _ تعالى _ موسى - عليه السلام -.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا، أى:
ملتبسا بها. وهى كما أخرج ابن جرير وغيره، عن مجاهد وعطاء وعبيد بن
عمير، الآيات القسع التى أجراها الله على يده - عليه السلام -. وقيل: يجوز
أن يراد بها آيات التوراة(١).
ويبدو لنا أنه لا مانع من حمل الآيات هنا على مايشمل الإيات القسع ،
وآيات التوراة، فالكل كان لتأييد موسى - عليه السلام - فى دعوته.
و((أن)) فى قوله, أن أخرج قومك، تفسيرية بمعنى أى، لأن فى الارسال
معنى القول دوںحر وفه .
والمراد بقومه: من أرسل لهدايتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى
نور الايمان ، وهم : بنو إسرائيل وفرعون وأتباعه.
وقيل: المراد بقومه: بنو إسرائيل خاصة. ولا نرى وجها لهذا
التخصيص ، لأن رسالة موسى - عليه السلام - كانت لهم ولفرعون وقومه.
والمعنى: وما أرسلناك يا محمد لتخرح الناس من الظلمات إلى النور،
أرسلنا من قبلك أخاك موسى إلى قومه لكى يخرجهم - أيضا - من ظلمات
الكفر إلى نور الايمان . فالغاية التى من أجلها أرسلت - أيها الرسول الكريم
هى الغاية التى من أجلها أرسل كل فى قبلك، وهى دعوة الناس إلى إخلاص
العبادة لله - تعالى -. وخص - سبحانه - موسى بالذكر من بين سائر الرسل،
لأن أمنه أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة الاسلامية .
وأكـ - سبحانه - الاخبار عن إرسال موسى بلام القسم وحرف التحقيق
(١) تفسير الآلوسي - ١٣ ص ١٦٨،

٠- ٢٠ -
قد، لتنزيل المنكرين لرسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلة من ينكررسالة
موسى - عليه السلام - وقوله - تعالى - ((وذكرهم بأيام الله، معطوف على
قوله (( أن أخر ح قومك))
والتذكير : إزاله نسيان الشىء ، وعدى بالباء لتضمينه معنى الانذار
والوعظ : أى ذكر هم تذكير عظة بأيام أته .
ومن المفسرين من يرى أن المراد بأيام الله: نعمه وآلاؤه.
قال إبن كثير: قوله (( وذكرهم بأيام الله، أى: با"ياديه ونعمه عليهم ،
فى إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه ، وإنحاته إباهم من
عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن
والسلوى .. (١) ،
ومنهم من يرى أن المراد بها : نقمه وبأساؤه.
قال صاحب الكشاف: قوله (( وذكرهم بأيام الله، أى: وأنذرهم بوقائعه
التى وقعت على الأمم قبلهم ، كما وقع على قوم نوح وعاد وثمود ، ومنه أيام
العرب لحروبها وملاحمها. كيوم ذى قار، ويوم الفجار، وهو الظاهر، (٢).
ومنهم من يرى أن المراد بها ما يشمل أيام النعمة ، وأيام النقمة .
قال الإمام الرازى ما ملخصة : أما قوله ((وذكرهم بأيام الله، فاعلم أنه
- تعالى - أمر موسى فى هذا المقام بشيئين أحدهما أن يخرجهم من الظلمات إلى
النور . والثانى : أن يذكرهم بأيام الله ...
ويعبر عن الأيام بالوقائع العظيمة التى وقعت فيها ... .وتلك الأيام نداولها
بين الناس » .
فالمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، فالترغيب والوعد ،
(١) تفسير الآلوسى = ١٣ ص ١٦٨
(٢) تفسير الكشاف ـ ٢ ص ٠٣٦٧