Indexed OCR Text

Pages 81-96

- ٨١ -
أى: تلك الجنة المنعوقة بما ذكر هى مآل المتقين الذين استقاموا على
الطريق الحق ، وعلى منتهى أمرهم .
أما مآل الكافرين ومنتهى أمرهم فهى النار ، وبئس القرار .
هذا ، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيه، جملة من الأحاديث
فى صفة الجنة فقال :
وفى الصحيحين من حديث ابن عباس فى صلاة الكسوف ، وفيه قالوا
يارسول اللّه رأيناك تناولت شيئا فى مقامك هذا، ثم رأيناك تكمكعت - أى.
توقفت وأحجمت -؟ فقال: إنى رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت
منها عنقودا، ولو أخذته لأ كلتم منه مابقيت الدنيا)).
وروى الطبرانى عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى)،(١).
وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت من التوجيهات ما فيه التسلية
للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه، وما فيه أوضح الدلائل
والبراهين وأبلغها على وحدانية الله - تعالى - ووجوب إفراده بالعيادة، وما
فيه البشارة للمؤمنين ، والتهديد للكافرين .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان موقف أهل الكتاب من
القرآن الكريم , وبأمر الرسول - صلى عليه وسلم - أن يعلن منهجه بصراحة
وثبات ، دون التفات إلى أهواء معارضيه، وبالرد على الشبهات التى أثارها
أعداؤه حوله وحول دعونه، وبتهديد هؤلاء الأعداء وبسوء العاقبة إذا
ما استمروا فى طغيانهم فقال - تعالى -
((والذينَ آتَيْنَهُم الكتابَ يفرحُونَ بما أُنزِلَ إليكَ، ومن
الأحزابِ مَنْ ينكِرُ بعضه، قُلْ إنما أُمِرِتُ أن أَعْبُدُ اللهَ ولا أُشرِكَ به
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ صـ ٣٨٦
( ٦ - صورة فرعد )

إليه أدْعُو وإليه مآبٍ (٣٦) وكذلكَ أَنزَ لْنَاهُ حُكْمًا عربيا، ولئن
الثّعت أهواءهم بعدَ ما جاءك من العِلْم، مالكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَبِيِّ ولاً
واقٍ (٣٧) ولقد أرسَلْنا رسلاً من قبلكَ وجعلْناَ لهُم أزواجاً وذّرِّيّةً،
وما كانَ لرسُول أن يأتِىَ بآيةٍ إلا بإذنِ اللهِ لكلّ أجلٍ كتابٍ (٣٨)
عدو الله ما يشاء ويثبتُ وعندَهُ أمُّ الكتابِ (٣٩) وإنْ مَا نُرِينَكَ
بعضَ الذى نعدُمْ أو تتوفينك، فإنّما عليك البلاغُ وعلينا الحسابُ (٤٠)
أَوَلم يرَوْا أَنّا أَتِى الأرضَ نقُصُها مِنْ أَطْرَافٍِا وَاللهُ يَحَكُمُ لَا مُعِّبُ
لحكمه، وهو سريعُ الحسابِ (٤١) وقد مكرَ الذينَ مِنْ قبلهم فله
المكرُ جميعاً يعلَمُ ما تكسِبُ كلُّ نَفْسٍ، وسيعلَمُ الكفارُ لَّنْ عُقْتٍ
الدارِ (٤٢) ويقولُ الذينَ كفرُوا لسْتَ مُرْسَلاَ قُلْ كَفَى بِاللهِ شهيه
بيِ وبينكم ومَنْ عِندَه لمُ الكتابِ (٤٣))).
وقوله - سبحانه -: ((والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك
ثناء منه - سبحانه - إ الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب فاتبعوه.
والمراد بالكتاب هنا : التوراة والانجيل .
والمعنى: والذين أعطيناهم التوراة والآنجيل ، فآمنوا بمافيهما من بشارا
تتعلق بك - أيها الرسول الكريم -، ثم آمنوابك عندإرسالك رحمة للعالمين
هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، يفرحون بما أنزل إليك من قرآن ، (
مافيه من هدايات وبراهين على صدقك، يزيدهم إيمانا على إيمانهم، وية
علی یقینهم .
وقيل: المراد بالمكتاب: القرآن الكريم)، أو بالموصول أتباع
- صلى الله عليه وسلم - من المسلمين.

فيكون المعنى: والذين آتيناهم الكتاب - وهو القرآن - فآمنوابك وصدقوك
يفرحون بكل ما ينزل عليك منه، لأنه يزيدهم هداية على هدايتهم .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن الآية الكريمة سبقت بعد الحديث
عن عاقبة الذين اتقوا وهم المؤمنون الصادقون، وعاقبة الكافرين، ولأن فرح
المؤمنين بنزول القرآن أمر مسلم به فلا يحتاج إلى الحديث عبه.
ومن المفسرين الذين اقتصروا فى تفسيرهم للآية على الرأى الأول الإمام
(ابن كثير فقد قال ((يقول الله تعالى ((والذين آتيناهم الكتاب)) وهم قائمون بمقتضاه
(· يفرحون بما أنزل إليك)) أى: من القرآن ، لما فى كتبهم من الشواهد على
صدقه - على الله عليه وسلم - والبشارة به، كماقال تعالى: ((الذين آتيناهم الكتاب
يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون(١).
وقوله. ((ومن الأحزاب من ينكر بعضه)) بيان لمن بقي على كفره من أهل
الكتاب وغيرهم .
والأحزاب : جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس اجتمعوا من أجل
غايه معينة أى: ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما أنزل إليك
لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم ..
ولم يذكر القرآن هذا البعض الذى ينكرونه، إهمالا لشأنهم ، ولأنه
لا يتعلق بذكره غرض .
وقوله- سبحانه -«قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب)»
أمر منه - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يصدع بما يأمره به دون
تردد أو وجل .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ - ٣٧٧

- ٤.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لمكل من خالفك فيما تدعو إليه ، إنما
أمرت أن أعبد الله)) وحده (( ولا أشرك به، بوجه من الوجوه ((إليه، وحده
((أدعو. الناس لكى يخلصوا له العبادة والطاعة ((وإليه مآب)) أى وإليه وحده
إيابى ومرجعى لا إلى أحد غيره .
فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ففرح بوجوده. والذم لمن
أنكروه جحودا وعنادا، والأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالسير فى طريقه
بدون خشية من أحد .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الفضائل التى امتاز بها القرآن
الكريم فقال - تعالى -: ((وكذلك أنزلناه حكما عربيا ....
والمكاف للتشبيه، واسم الإشارة يعود إلى الإنزال المأخوذ ((أنزلناه))
وضمير الغائب فى أنزلناه يعود إلى ((ما أنزل إليك)) فى قوله فى الآية السابقة
يفرحون بما أنزل إليك ... »
وقوله ((حكما عربيا، حالا من ضمير الغائب .
والمعنى: ومثل ذلك الإنزال البديع الجامع لألوان الهداية والإعجاز، أنزلنا
عليك القرآن يا محمد (( حكما، أى: حاكما بين الناس ((عربيا)) أى: بلسان عربى
مبين هو لسانك ولسان قومك .
ومنهم من يرى أن اسم الإشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة،
فيكون المعنى :
وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات أقوامهم، أنزلنا:
عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك، وهى اللغة العربية، ليسهل
عليهم فهمه وحفظه .
وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمه قد اشتملت على فضيلتين.
للقرآن الكريم:

٨٥٠ -
فضيلة من جهة معانيه ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته،
وهى المعبر عنها بكونه (( حكما)).
وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه، وهى المعبر عنها بكونه
( عربيا )).
أى : نزل بلغة العرب التى هى أفصح اللغات وأغناها وأجملها.
ثم فى كونه («عربيا)) امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء، حيث إنه
نزل بلغتهم , فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره
ونواهيه، فهو الكتاب الذى فيه شرفهم وعزهم، قال - تعالى - ((لقد أنزلنا
إليكم كتابا فيه ذكركم - أى فيه بقاء شرفكم - أفلا تعقلون)،(!) .
وقال - تعالى ـ ((وإنه تذكر لك ولقومك وسوف تسألون))(٢).
وفى ذلك تعريض بغباء مشركى العرب، حيث لم يشكروا الله - تعالى -
على هذه النعمة ، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان .
ثم ساق - سبحانه - تحذيراً للأمة كلها فى شخص نبيها - صلى الله عليه وسلم -
من أتباع أهواء كل كافر أو فاسق، فقال - تعالى -: ((ولئن اتبعت أهواءهم
بعد ما جاءك من العلم ، مالك من اللّه من ولى ولا واق)).
واللام فى قوله ((ولئن)) موطئة للقسم لتأكيد ما تضمنته من عقاب شديد
لمتبع أهواء الكافرين .
والأهواء: جمع هوى، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق، ومطالبهم
المتعنتة، والمراد بما جاءه من العلم: ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق الوحى
الصادق .
والولى : الناصر والمعين والقريب والحليف .
(١) سورة الأنبياء الآية ١٠
(٢) سورة الزخرف الآية ٤٤

- ٨٦ -
والواقى : المدافع عن غيره .
والمعنى: ((ولئن اتبعت)) - يا محمد - على سبيل الفرض والتقدير -
أهواء هؤلاء الكافرين فيما يطلبونه منك؛ ((من بعد ما جاءك من العلم ، اليقينى.
بأن الإسلام هو الدين الحق ، ((مالك من الله)) أى من عقابه ((من ولى)) يلى
أمرك وينصرك ((ولا واق)) يقيك من حسابه. وسيق هذا التحذير فى صورة.
الخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للتأكيد من مضمونه.
فكأنه - سبحانه - يقول: لو اتبع أهواءهم - على سبيل الفرض - أكرم
الناس عندى لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه فى الفضل والمنزلة.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -، ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن.
أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)،(١).
ثم بين - - حانه - أن اعتراض المشركين على بشرية الرسول - صلى الله.
عليه وسلم - ليس إلا من قبيل التعنت والجحود، لأن الرسل جميعا كانوا من.
البشر, فقال - تعالى -: «ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا
وذرية .. ،
أى: ((ولقد أرسلنا رسلا)) كثيرين ((من قبلك)) يا محمد ((وجعلنا لهمء
أى لهؤلاء الرسل ((أزواجا، يسكنون إليهن ((وذرية، أى: وأولاداً تقربهم.
أعينهم .
قال الشو كانى: وفى هذا رد على من كان ينكر على رسول الله - صلى
صلى الله عليه وسلم - تزوجه بالنساء.
أى : هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تفكرون
عليه بما كانوا عليه،(٢).
(.) سورة الزمر الآية ٦٦

- ٨٧ -
وقوله - سبحانه -: ((وما كان الرسول أن يأتى بآية إلا بإذن أق ... ))
رد على ما طلبوه منه - صلى الله عليه وسلم - من معجزات .
أى: وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى لمن أرسل إليهم بمعجزة
كائنة ما كانت إلا بإذن الله وإرادته المبنية على الحكم والمصالح التى عليها يدور
أمر الكائنات .
وقوله - سبحانه -- لكل أجل كتاب ، تهديد للمشركين الذين كانوا
يتعجلون حصول المقترحات التى طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - .
أى: لكل وقت من الأوقات((كتاب) أى: حكم معين يكتب على الناس
حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته - سبحانه -
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظهراً من مظاهر شمول قدرته ، وسعة علمه،
وعظيم حكمته فقال: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب،
وقوله («يمحو، من المحو وهو إذهاب أثر الشىء بعد وجوده.
وقوله ((ويثبت، من الإثبات وهو جعل الشىء ثابتا قارا فى مكان ما .
وأم الكتاب : أصل الكتاب والمراد بأم الكتاب: اللوح المحفوط ، أو
عليه - سبحانه - المحيط بكل شىء.
قال الفخر الرازى: والعرب تسمى كل ما يجرى مجرى الأصل للشى. أما
له ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهى أم لما حولها من
القرى فكذلك أم الكتاب هو الذى يكون أصلا جميع الكتب))(١).
والمعنى: يمحو الله - تعالى - ما يشاء محوه، ويثبت ما يريد إثباته من الخير
أو الشر ومن السعادة أو الشقاوة، ومن الصحة أو المرض ، ومن الغنى أو
الفقر ، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه .
(١) تفسير الفخر الرازى - ١٩ ص ٦٦.

-٨٨ -٠
وعنده - سبحانه - الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون.
قال - تعالى -: ((ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى
كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير .. ))(١).
وقال - تعالى -: «ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والأرض إن ذلك فى
کتاب ، إن ذلك على الله یسیر)،(٢) .
والمفسرين فى معنى هذه الآية كلام طويل، لخصه الامام الشوكافى تلخيصا
حنا فقال :
قوله - سبحانه - « يمحو الله ما يشاء ويثبت، أى يمحو من ذلك الكتاب
ويثبت ما يشاء منه. وظاهر النظم القرآنى العموم فى كل شىء مما فى
المكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر ..
ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا . لا يسأل عما يفعل
وهم يسألون.
وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس. وقتادة
وغيرم .
وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة. وقيل يمحو ما يشاء من ديوان
الحفظة ، وهو ما لبس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيمه الثواب
والعقاب .
وقيل يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت مالا يشاء فلا ينسخه ..
والأول أولى كما تفيده ((ما) فى قوله (( ما يشاء)) من العموم. مع تقدم ذكر
الكتاب فى قوله (( لكل أجل كتاب. ومع قوله ((وعنده أم الكتاب) أى أصله
وهو اللوح المحفوظ .
(١) سورة الحديد الآية ٢٢
(٢) سورة الحج الآية ٧٠

- ٨٩ ٠
فالمراد من الآية أنه يمحو مايشاء ما فى اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ،
ويثبت مايشاء مما فيه فيجرى فيه قضائه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته.
وهذا الاينافى ماثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله «جف القلم))،
وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ماقضاه - سبحانه -.
وقيل: إن أم الكتاب هو على الله - تعالى - بما خلق وبما هو خالق))(١).
وقوله - سبحانه ـ((وإما نرينك بعض الذى تعدهم أو نتو فينك ، فإنما
عليك البلاغ وعلينا الحساب، حض له - صلى الله عليه وسلم - على المضى
فى دعوته بدون تسويف أو تأجيل .
و ((ما)، فى قوله ((وإما نرينك، مزيدة لتأكيد معنى الشرط، والأصل
وإن ترك والإراءة هنا بصرية ، والكاف مفعول أول ، وبعض الذى نعدم
مفعول ثان وجواب الشرط محذوف .
والمعنى: وإما نرينك - يامحمد - بعض الذى توعدنا به أعداءك من
العذاب الدقيوى ، فذاك شفاء لصدرك وصدور أتباعك .
وقوله (( أو نتوفينك)) شرط آخر لعطفه على الشرط السابق ، وجوابه -
أيضا - محذوف والتقدير: أو نتوفينك قبل ذلك فلا تهتم، وأترك الأمرالنا .
وقولة ((فإنما عليك البلاغ، تعليل لهذا الجواب المحذوف، أى: سواء
أرأيت عذابهم أم لمتره، فإنما عليك فقط تبليغ ما أمر قاك بتبليغه للناس.
((وعلينا)) وحدنا (( الحساب، أى: محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم
السيئة .
وقوله - سبحانه - ((بعض مانعدهم، الإشارة إلى أن مايصيبهم من عذاب
دنيوى هو بعض العذاب المعدهم، أما البعض الآخر وهو عذاب الآخرة
فهو أشد وأبقى .
(١) تفسير الشوكانى جـ ٢ ص ٠٨٨

-٩٠-
ولقد صدق الله - تعالى - وعده لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فأراه قبل
أن يفارق هذه الدنيا، جانبا من العذاب الذى أنزله بأعدائه، فسلط على مشركى
مكة الجدب والقحط الذى جعلهم يأكلون العظام والميتة والجلود :. ،
كما سلط عليهم المؤمنين فهزموهم فى غزوة بدر وفى غزوة الفتح وفىغيرهما.
ثم وبخ - سبحانه - المشركين لعدم تفكرهم وتدبرهم واتعاظهم بآثار من
قبلهم، فقال - تعالى - ((أو لميروا أنا فأنى الأرض فنقصها من أطرافها ... ))
والهمزة للاستفهام الإنكارى، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام،
والخطاب لمشركي مكة ومن كان على شاكلتهم فى الكفر والضلال.
والمراد بالأرض هنا: أرض الكفرة والظالمين .
والأطراف جمع طرف وهو جانب الشىء.
والمعنى: أعمى هؤلاء الكافرون عن التفكر والاعتبار، ولميروا كيف
أن قدرة الله القاهرة، قد أتت على الأمم القوية الغنية - حين كفرت بنعمه
- سبحانه -، فصيرت قوتها ضعفا. وغناها فقرا، وعزها ذلا، وأمنها.
خوفاً ... وحصرتها فى رقعة ضيقة من الأرض، بعد أن كانت تملك الأراضى
الفسيحة ، والأماكن المترامية الأطراف .
فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين، وإنذار للكافرين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ((أفلا يرون أنا تأتى الأرض تنقصها
من أطرافها أفهم الغالبون،(!) .
قال الألوسى ما ملخصه: وروى عن ابن عباس أن المراد بانتقاص الأرض :-
«وت أشرافها وكبرلتها وذهاب العلماء منها .. وعليه يكون المراد بالأرض جنسها ..
وبالأطراف الأشراف والعلماء، وشاهده قول الفرزدق :
(١) سورة الأنبياء الآية ٤٤.

- ٩١-
وأسأل بناو ◌ِكمُ، إذا وردَتْمنى أطرافُ كل قبيلة، مَن يتبعُ؟
يريد أشراف كل قبيلة ...
وتقرير الآية عليه: أو لميروا أنا نحدث فى الدنيا من الاختلافات خرابا
بعد عمارة، وهوما بعد حياة، وذلا بعد عز .. فما الذى يؤمنهم أن يقلب اللّه.
- تعالى - الأمر عليهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ...
ثم قال : وهو كما ترى.
والأول - وهــ أن يكون المراد بالأرض: أرض الكفر، وبالأطراف.
الجوانب - أو فق بالمقام ، ولا يخفى مافى التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم
الاستيلاء من الفخامة، وجملة («ننقصها، فى موضع الحال من فاعل
تأتی ... ،(١)
وقوله - سبحانه -: ((والله يحكم لا معقب لحكمه، بيان العلوشأن حكمه
-- تعالى - ونفاذ أمره .
والمعقب : هو الذى يتعقب فعل غيره أو قوله فيبطله أو يصححه .
أُی : واقه ۔۔ تعالی ۔ یحکم مايشاء أن يحكم به فى خلقه ، لاراد لحكمه،
ولا دافع لقضائه ، ولا يتعقب أحد ماحكم به بتغيير أو تبديل ، وقد حكم
- سبحانه - بعزة الإسلام، وعلو شأنه وشأن أتباعه على سائر الأمم
والأديان .
وقوله ((وهو سريع الحساب)) أى: وهو -سبحانه - سريع المحاسبة والمجازاة،
لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه غيره من الإحصاء والعد، إذ هو - سبحانه ..
محيط بكل شىء ، فلا تستبطىء عقابهم- أيها الرسول الكريم-، فإن ما وعدفاك
به واقع لا محالة .
(١) راجع تفسير الآلوسي ج ١٣ ص ٠١٥٥

- ٩٢ -
ثم زاد - سبحانه - فى تسلية رسوله -صلى الله عليه وسلم - مفى تثبيت فؤاده
فقال: ((وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ....
والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة، أو إيصال المكروه للمكور به
خفية .
والمراد بمكر الذين من قبلهم : إضمارهم السوء أرسلهم .
والمراد بمكر الله - تعالى - هنا: علمه - سبحانه - بما بيتوه، وإحباطه
المكرهم ، وإنجاؤه أرسله - عليهم الصلاة والسلام -.
أى: وقد مكر الكفار الذين سبقوا قومك - يامحمد ـ برسلهم، وحاولوا
إيقاع المكروه بهم، ولمكن ربك - سبحانه - نصر رسله لأنه - عزوجل ..
له المكر جميعاً، ولا اعتداد بمكر غيره لأنه معلوم له .
وقال الجمل ما ملخصه: وقوله ((فلله المكر جميعا)) تعليل لمحذوف تقديره،
فلا عبرة بمكرهم، ولا تأثير له ، خف هذااكتفاء بدلالة القصر المستفادمن
تعليله بقوله (( فلله المكر جميعا، أى لا تأثير لمكرهم أصلا لأنه معلوم لله
- تعالى - وتحت قدرته ...
وأثبت لهم المكر باعتبار المكسب، وقفاه عنهم باعتبار الخلق ... »(١)
وجملة (( يعلم ما تكسب كل نفس، بمنزلة التعليل لجملة ((فلله المكر
جميعا )) .
أى: هو - سبحانه - له المكر جميعا، لأنه لا تخفى عليه خافية من أحوال
كل نفس وسيجازيها بما تستحقه من خير أوشر .
وقوله: ((وسيعلم الكفار من عقبى الدار، تهديد للكافرين بالحق الذى
جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٠٥١٢

- ٩٣ ٠:
أى : وسيعلم الكافرون عندما ينزل بهم العذاب ، لمن تكون العاقبة
الحميدة أهى لهم - كما يزعمون - أم المؤمنين؟ لاشك أنها للمؤمنين.
فالجملة الكريمة تحذير للكافرين من التمادى فى كفرهم ، وتبدير للمؤمنين
بأن العاقبة لهم .
وفى قراءة سبعية ((وسيعلم الكافر .. )) فيكون المراد به جنس الكافر.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالشهادة للرسول - صلى الله
عليه وسلم - بأنه صادق فى رسالته، فقال: ((ويقول الذين كفروا لست
مرسلا ....
أى: لست مرسلا من عند الله - تعالى -. وقدحكى - سبحانه -قولهم
الباطل هذا بصيغة الفعل المضارع . للإشارة إلى تكرر هذا القول منهم،
ولاستحضار أحوالهم العجيبة الدالة على إصرارهم على العناد والجحود.
وقوله ((قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب)، أمر من
الله - تعالى - لرسوله بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم.
والباء الداخلة على اسم الجلالة الذى هو فاعل ((كفى)) فى المعنى، مزيدة
للتأكيد وقوله ((ومن عنده علم الكتاب، معطوف على اسم الجلالة . والمراد
بالموصول وبالكتاب الجنس .
والمعنى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - تمكفى شهادة الله بينى وبينكم. فهو
يعلم صدق دعونى، ويعلم كذبكم، ويعلم ذلك - أيضا - كل من كان على علم
بالمكتب السماوية السابقة فإنها قد بشرت برسالتى، وجاءت أوصافى فيها ...
وممن شهد لى بالنبوة ورقة بن نوفل، فأنتم تعلمون أنه قال لى عندما
أخبرته بما حدث لى فى غار حراء: ((هذا هو الناس الناموس - أى الوحى .
الذى أنزله الله على موسى ٠٠٠))

- ٩٤ -
وقيل المراد بمن عنده علم الكتاب: المسلمون . وبالكتاب : القرآن .
والأول أرجح لشموله لكل من كان عنده علم بالمكتب السماوية السابقة،
إذ هذا الشمول أكثر دلالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما
يبلغه عن ربه .
وبعد : فهذه هى سورة الرعد . وهذا تفسير وسيط لآياتها ...
نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا اعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم؟
محمد السيد طنطاوى
المدينة المنورة: ٢٣ من المحرم سنة ١٤٠٢ه
الموافق ١٩ من نوفمبر سنة ١٩٨١م

فهرس إجمالى لتفسير سورة الرعد
رقم الآية
الآية المفسرة
الصفحة
مقدمة
٣
الله الذى رفع السموات
وهو الذى مد الأرض وجعل
وفى الأرض قطع متجاورات
٤
0
٧
٨
<
٩
١٠
١١
١٠
١٣
١٤
١٥
١٦
١٧
١٨
١٩
٢٠
٢١
٢٢
ألم تلك آيات الكتاب
-
٢
٣
وإن تعجب فعجب قولهم
ويستعجلونك بالسيئة
ويقول الذين كفروا لولا
الله يعم ما تحمل كل أقْ
عالم الغيب والشهادة
سواء منكم من أسر القول
له معقبات من بين يديه
هو الذی یریكم البرق
ويسبح الرعد بحمده
له دعوة الحق
ولله يسجد من فى السموات
قل من رب السموات والأرض
أنزل من السماء ماء فسالت
للذين استجابوا لربهم الحسنى
أفن يعلم أن ما أنزل
الذين يوفون بعهد الله
والذين يصلون ما أمر الله
والذين صبروا ابتغاء
١٣
١٥
١٨
٢٠
٢٣
٢٥
٢٨
٢٩
٢٣
٣٣
٣٤
٣٤
٣٧
٣٩
٤٢
٤٥
٤٨
٥٢
٥٤
٥٥
٥٦
٥٧

- ٩٦ -
رقم الآية
· ب
الآية المفسرة
الصفحة
٥٨
٥٩
٦٠
٦١
٦٤
٦٥
٦٦
٦٧
٦٩
٧٤
٧٦
٧٧
٨٠
٨٢
٣٨
٨٥
٨٧
٩٠
٤١
٩١
٩٣
٩٤
٤٢
ويقول الذين كفروا لست
٤٣
٨٣
٣٩
٤٠
جنات عدن يدخلونها
٢٣
٢٤
٢٥
٢٦
٢٧
٢٨
٣٩
٣٠
٣١
٣٢
٣٣
٣٤
٣٥
٣٦
٣٧
سلام عليكم بما صبرقم
والذين ينقضون عهد الله
ألقه يبسط الرزق لمن يشاء
ويقول الذين كفروا
الذين آمنوا وتطمئن
الذين آمنوا وعملوا
كذلك أرسلناك فى أمة
ولو أن قرآنا سيرت
ولقد استهزىء برسل
أفمن هو قائم
لهم عذاب فى الحياة الدنيا
مثل الجنة التى وعد
والذين آتيناهم الكتاب
وكذلك أنزلناه حكما
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك
يمحو الله مايشاء ويثبت
وإما نرينك بعض الذى
أو لم يروا أنا فأتى الأرض
وقد مکر الدین من قبلهم
رقم الإيداع ٤٠١٠٢ / ١٩٨٤