Indexed OCR Text
Pages 41-60
- ٤١ - وقيل: الحق هو الله - تعالى - والمعنى: أن الله - تعالى - دعوة المدعو الحق وهو الذى يسمع فيجيب . وقيل: المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة التوحيد والإخلاص. والمعنى : لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة . وقيل: دعوة الحق ، دعاؤه - سبحانه - عند الخوف، فانه لا دعى فيه س واه، كما قال - تعالى ــ ((وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ، وقيل: الدعوة الحق ، أى: العبادة الحق فإن عبادة الله هى الحق والصدق، (١) ثم بين - سبحانه - حال من يعبد غيره فقال: ((والذين بدءون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو يبالغه)» والمراد بالموصول, والذين، الأصنام التى يعبدها المشركون من دون أنقه . والضمير فى ((يدعون)) المشركين، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أی : يدعونهم . والمعنى: لله - تعالى - العبادة الحق، والتضرع الحق النافع، أما الأصنام التى يعبدها هؤلاء المشركون من غير الله، فانها لا تجيبهم إلى شىء يطلبونه منها ، إلا كاجابة الماء لشخص بسط كفيه اليه من بعيد، طالبا منه أن يبلغ فمه وما الماء بيالغ فم هذا الشخص الأحمق، لأن الماء جماد لايجس ولا يسمع نداء من يناديه. والمقصود من الجملة الكريمة ففى إستجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيا قاطها، حيث شبه - سبحانه - جال هذه الآلهة الباطلة عند ما يطلب (١) تفسير فتح القدير للشوكانى < ٣ ص ٧٣ - ٤٢ - المشركون منها ماهم فى حاجة اليه ، بحال انسان عطشان ولكنة غبى أحمق لأنه يمديده الى الماء طالبا منه أن يصل الى فمه دون أن يتحرك هو اليه، فلا يصل اليه شىء من الماء لأن الماء جماد لا يسمع نداء من يناديه. غفى هذه الجملة للكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة، من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله - تعالى - وأجرى - سبحانه - على الأصنام ضمير العقلاء فى قوله، لا يستجيبون)) مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين ، لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء . وفكر شيئا فى قوله «لا يستجيبون لهم بشىء، للتحقير. والمراد أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها . والاستثناء فى قوله « الاكباسط كفيه الى الماء ... ، من أعم الأحوال أى: لا نستجيب الأصنام لمر يطلب منها شيئا، الا استجابة كما استجابة الماء لملهوف بسط كفيه الله يطلب منه أن يدخل فه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته . والضمير ((هو)) فى قوله ((وما هو يبالغه، للماء. والماء فى ((ببالغه)) للفم أى: وما الماء ببالغ فم هذا الباسط لكفيه. وقيل الضمير ((هو) الباسط، والهاء للماء أى: وما الباسط أكفيه ببالغ الماء فمه . قال القرطى : وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه : أحدها : أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء يبالغ إليه . قاله مجاهد . ٢٠ ٤٣ - الثانى: أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه . قاله ابن عباس . الثالث: أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه ، فلا يحمد فى كفه شىء منه(١). وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه ، بالقبض على الماء كما قال الشاعر : ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء، خافته فروج الأصابع(٢) وقوله - سبحانة ـ((وما دعاء المكافرين إلا فى ضلال، أى وما عبادة الكافرين للأصنام، والتجاؤهم إليها فى صلب الحاجات ، إلا فى ضياع وخسر ان، لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فضلا عن أن تملك ذلك لغبرها . ثم بين - سبحانه - أن هذا الكون كله خاضع له - عز وجل فقال : (((ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ». والمراد بالسجود له - سبحانه -: الإنقياد والخضوع لعظمته. وظلالهم: جمع ظل وهو صورة الجسم المنعكس إليه فور. والفدو : جمع عذوه وهو مابين طلوع الفجر وطلوع الشمس . والآصال: جمع أصيل وهو ما بين العصر وغروب الشمس. والمعنى: ولله - تعالى - وحده يخضع وينقاد جميع من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن وغيرهم . (١) تفسير القرطى - ٩ ض ٠٣٠١ (٢) تفسر الشوکانی + ٣ ص ٠٧٣ ٠: - ٤٤ - وقوله « طوعا وكرها، منصوبان على الحال من (من))، أى: أن جميعهم يسجدون لله، وينقادون لعظمته، حال كونهم طائعين وراضين بهذا السجود والانقياد، وحال كونهم كارهين وغير راضين به، لأنهم لا يستطيعون الخروج على حكمه لا فى الإيجاد ولا فى الإعدام، ولا فى الصحة ولا فى المرض، ولا فى الغنى ولا فى الفقر .. فهم خاضعون لأمره شاءوا أم أبوا. ويستوى فى هذا الخضوع المؤمن والكافر ، إلا أن المؤمن خاضع عن طواعية بذاته وبظاهره وباطنه لله - تعالى -. أما الكافرة فهو خاضع له ــ تعالى ـ بذانه، ومتمرد وجاحد وفاسق عن عن أمر ربه بظاهره. والضمير فى قوله - سبحانه - ((وظلالهم، يعود على ((من فى السموات والأرض، . أى: لله - تعالى - يخضع من فى السموات والأرض طوعاوكرها، ويخضع له - أيضا - بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم ، لأن هذه الظلال لازمة لأصحابها والمكل تحت قهره ومشيئته فى الامتداد والتقلص، والحركة والسكون. قال - تعالى - ((أو لم يروا إلى ماخلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا، لله وهم داخرون)،(١). وقال - تعالى -: « أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من فى السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعوز، (٢). ثم وجه - سبحانه - عن طريق نبيه - صلى الله عليه وسلم - أسئلة تهكمية إلى هؤلاء المشركين المجادلين فى ذات الله - تعالى - وفى صفاته، وساق لهم أمثلة للحق وللباطل ، وبين لهم حسن عاقبة المستجيبين لدعوة الحق ، وسو. عاقبة المعرضين عنها فقال - تعالى - . (١) سورة النحل الآية ٤٨ (٢) سورة آل عمران الآية ٨٣ - 20 - ((قُلْ مَن ربُّ السمواتِ والأرضِ قُلِ اللهُ. قل أَفَ تَخْذتم مِنْ دُونِهِ أولياء لا ملِكُونَ لأَنْفُسِهِم نفعاً ولا ضَرًّا ، قل هل يستوى الأعمى والبصيرُ، أم هَلْ تستوي الظلماتُ والنورُ، أم جَعَلُوا الله شركاء خَلَقوا كَلْقِهِ فتشابه الخلقُ عليهم، قل اللهُ خالقُ كلِّشىءٍ وهو الواحدُ القهارُ (١٦) أنزل من السماء ماء فسأَلَتْ أوْدِيةٌ بَقَدَرِها، فاحتملَ السيلُ زبداً رابياً، وما يوقِدونَ عليهِ فى النارِ ابتغاء حِلْيةٍ أَو متاعٍ زَبدٌ مثلُه كذلكَ يضربُ اللهُ الحقَّ والباطلَ ، فَأَمَّا الزبدُ فيذهبُ جُفاء ، وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكتُ فى الأرضِ، كذلكَ يضرِبُ اللهُ الأمثالَ (١٧) للذينَ استجابُوا لربهم الْحُسْنَى، والذينَ لم يَستجيبُوا لهُ، لو أنّ لَهُم ما فى الأرضِ جميعاً ومثنَه معَهُ لافتَدُوا به، أولئكَ لهم سوء الحسابِ، ومأواهُم جهنّمُ وبئْسَ المهاد (١٨))). قال الفخر الرازى : أعلم أنه - تعالى - لما بين أن كل من فى السموات. والأرض ساجد له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: (( قل من رب السموات والأرض قل الله)). ولما كان هذا الجواب جوابا يقر به المسئول ويعترف به ولا ينكره، أمر - سبحانه - قبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يكون هو الذا كرهذا الجواب. تنبيها على أنهم لا ينكروند البتة ... ، (١) أى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من رب هذه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية ؟ (١) تفسير الفخر الرازى < ٩، ص ٣١ طبعة عبد الرحمن محمد. - ٤٦ - فإذا ما أبوا الرد عليك عنادا وصلفا، جابهم الحقيقة التى لا يستطيعون -كارها، وهى أن الله وحده هو رب هذه الأجرام، لأنه هو خالقها مو جدها على غير مثال سابق . وقوله - سبحانه - ((قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم معا ولا ضرا)، أمر ثالث منه - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -. خامهم وتبكيتهم. فالهمزة للاستفهام التوبيخى ، والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة . والمعنى: أعلمتم حق العلم أن الله - تعالى - هو الخالق السموات والأرض، تركتم عبادته - سبحانه - واتخذتم من دونه، أولياء)) أى نصرا عاجزين، ! يملكون لأنفسهم - فضلا عن أن يملكوا لغيرهم - نفعا بجلبونه لها، لاضرا يدفعون عنها . وجملة « لا يملكون)، صفة لأولياء، والمقصود بها تنبيه السامعين للنظر فى تلك الصفة، فإنهم إن أحسنوا التفكير فى هؤلاء الأولياء، أيقنوا أنهم أحقر من أن يلتفت إليهم ، فضلا عن أن يطلبوا منهم شيئا . ثم أمره - سبحانه - للمرة الرابعة أن يبرهن لهم على بطلان معتقداتهم عن طريق ماهو مشاهد بالحواس فقال: ( قل هل يستوى الأعمى والبصير، أم هل تسترى الظلمات والنور». أى. قل لهم - أيضا - أيها الرسول الكريم، كما أنه لا يستوى فى عرف كل عاقل الأعمى والبصير ، والظلمات والنور . فكذلك لا يستوى الكفر والإيمان ، فإن الكفر انطماس فى البصيرة، وظلمات فى القلب، أما الإيمان فهو نور فى القلب وإشراق فى النفس . فالمراد بالاعمى الكافر وبالبصير المؤمن ، كما أن المراد بالظلمات الكفر 1 بالنور الإيمان . ٤٧٠ وعبر القرآن الكريم فى جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفى جانب النور بصيغة الإفراد ، لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوعأسبابها ، فهناك ظلمة الليل ، وهناك ظلمة المجون، وهناك ظلمة القبور ، وهناك ظلمة العقول التى كان من نتائجها تعدد أنواع الكفر والضلال، كما هو الحال فى شأن اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الذين انحرفوا عن طريق الحق . ثم انتقل - سبحانه - إلى التهكم بهم عن طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضنا عنهم، وإهمالا لشأنهم فقال - تعالى- , أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقة فتشابه الخلق عليهم .. . وأم دنا بمعنى بل ، والاستفهام الإنكار . أى: إنهم ما اتخذوالله - تعالى - شركاء يخلقون مثل خلق الله - تعالى - حتى نقول إن ما خلقوه تشابه مع خلقه - تعالى - فنلتمس لهم شيئا من العذر ولكنهم اتخذوا معه - سبحانه - آلهة أخرى. ((لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ٠،٠ له ، وإن يسليهم الذباب شيئا لا يستنقدوه منه فالجملة الكريمة تنعى عليهم جهلهم. حيث عبدوا من دون الله مخلوقا مثلهم ، وتنفى أى عذر يعتذرون بة يوم ينشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم .. وقوله: (( كخلفه، فى معنى المفعول المطلق. أى: خلقوا خلقا شبيها بما خلقه الله - تعالى - . وجملة ((فتشابه)) معطوفة على جملة ((خلقوا)). ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - للمرة الخامسة بأن يقذفهم - ٤٨ - بالحق الذى يدفع باطلهم فقال - تعالى - ((قل الله خالق كل شىء وهو أنواحد القهار )) . أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم -: الله - تعالى - هو الخالق لكل شىء فى هذا الكون، وهو - سبحانه - الواحد الأحد الفرد الصمد، القهار لكل ماسواء، والغالب لكل من غالبه . ثم ضرب .. سبحانه .. مثلين للحق هما الماء الصافى والجوهر النقي اللذان ينتفع بهما، ومثلين للباطل هما زبد الماء والجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال - تعالى - : أنزل من السماء ماء فسالت أودية: بقدرها، فاحتمل السيل زبدا رابيا .... والأودية : جمع واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرص الذى يسيل فيه الماء بكثرة ، والسيل: الماء الجارى فى تلك الأودية . والزبد : هو الغثاء الذى يعلو على وجه الماء عند إشتداد حركته واضطرابه. أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته ورابيا : من الربو بمعنى العلو والإرتفاع . والمعنى: أنزل الله - تعالى - من السماء ماء كثيرا، ومطرأ مدرارا .فسالت أودية بقدرها، أى : فسالت المياه فى الأودية بسبب هذا الإنزال ، بمقدارها الذى حدده الله - تعالى - وإقتضته حكمته فى نفع الناس. أو بمقدارها قلة وكثرة، بحسب صغر الأودية وكبرها، وإقساعها وضيقها ((فاحتمل الميل زبدا رابيا)) أى حمل الماء السائل فى الأودية بكثرة وقوة، غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه ، لا نفع فيه ولا فائدة منه . وإلى هنا يكون قد إنتهى المثل الأول، حيث شبه - سبحانه - الحق ٤١٠٠ - وأهله فى الثبات والنفع بالماء الصافى الذى ينزل من السماء، فتمتلىء به الأودية ويبقى محل إنتفاع الناس به إلى الوقت المحدد فى علم الله - تعالى - وشبه الباطل وشيعته فى الاضمحلال وعدم النفع ، بزيد السيل المنتفخ المرتفع فوق سطح الماء، فإنه مهما علاوإرتفع فإنه سرعان ما يضمحل ويفنى وينلح عن المنفعة والفائدة . ثم ابتدأ - سبحانه - فى ضرب المثل الثانى فقال: « ومما يوقدون عليه فى النار إبتغاء حلية أو متاع زبد مثله » و(«من، فى قوله «ومما يوقدون، لابتداء الغاية، وما موصولة ، ويوقدون من الإيقاد وهو جعل الحطب وما يشبهه فى النار ليزيد إشتعالها والجملة فى محل رفع خبر مقدم، وقوله ((زبد، مبتدأ مؤخر. والحلية : ما يتحلى به الإنسان من الذهب والفضة وغيرهما . والمتاع: ما يتمتع به فى حياته من الأوانى والآلات المتخذة من الحديد والرصاص وأشباههما . والضمير فى قوله (( مثله، يعود إلى الزبد فى قوله - تعالى - «زبدا رابياء وقد قرأ حمزه والكسائى وحفص، يوقدون)، وقر الباقون توقدون بالتاء والضمير للناس ، وأضمر مع عدم سبق ذكره لظهوره. والمعنى: وشبيه بالمثل السابق فى خروج الزبد والخبث وطرحه بعيدا عن الأشياء النافعة، ما توقدون عليه النار من المعادن والجواهر، لكى تستخرجوا منها ما ينفعكم من الحلى والأمتعة المتنوعة ، فإنكم فى مثل هذه (٤ - سورة أرقد ) الحالة، تبقون على النقى النافع منها، وتطرحون الزبد والخبث الذى يلفظه السكير ، والذى هو مثل زيد مسيل فى عدم النفع : فقد شبه - سبحانه - فى هذا المثل الثانى الحق وأهله فى البقاء والنفع بالمعادن النافعة الباقية، وشبه الباطل وحزبه فى الفضاء وعدم النفع بخبث الحديد الذى يطرحه كير الحداد ، ويهمله الناس . ثم بين - سبحانه - المقصود من ضرب هذه الأمثال فقال: ( كذلك يضرب الله الحق والباطل » أى: مثل ذلك البيان البديع، يضرب القه الأمثلة للحق وللباطل إذا اجتمعا بأن يبين بأنه لاثبات للباطل - مهما علا وإنتفخ - مع وجود الحق، كما أنه لاثبات للزبد مع الماء الصافى ، ولا مع المعادن النقية. والكلام على حذف مضاف والتقدير : يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل وسر الحذف: الأنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به، حتى لكأن المثل المضروب هو عين الحق وعين الباطل . ثم شرع - سبحانه - فى تقسيم المثل فقال: ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض ، أى: فأما الزبد الذى لفظه السيل والحديد فيذهب ((جفاء)) مرميا به، ! مطروحا بعيدا، لأنه لا نفع فيه. يقال جفأ الماء بالزبد، إذا قذفه ورمى به وجفت الريح النسيم إذا مزقته وفرقته، والجفاء بمعنى الغشاء. وأما ما ينفع الناس من الماء الصافى ، والمعدن النقى الخالى من الخبث (((فيمكث فى الأرض ، أى فيبقى فيها لينتفع الناس به . وبدأ - سبحانه - بالزبد فى البيان فقال فقال (فأما الزبد فيذهب .. )) مع أنه متأخر فى الكلام السابق لأن الزبد هو المنظور أولا لاعين الناس» أما الجوهر فهو مستتر خلفه لأنه هو الباقى النافع . أو لأنه جرت العادة فى التقسيم أن يبدأ بالمتأخر كما فى قوله - تعالى - « يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين أسودت وجوههم ... (٨) وقوله (,كذلك يضرب الله الأعمال، تفخيم اشأن هذا التمثيل الذى اشتعلت عليه الآية الكريمة . أى مثل ذلك البيان البديع الدى إشتملت عليه الآية الكريمة ، يضرب اله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون، فيحملهم هذا التفكير على الإيمان الحق، وحسن التمييز بين الخير والشر، والمعروف والمنكر، والحق والباطل ... قال الإمام الشوكانى هذان مثلان ضربهما الله - تعالى - فى هذه الآية الحق والباطل يقول: إن الباطل وإن ظهر على الحق فى بعض الأحوال وعلاء، فإن الله - تعالى - سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله. كالزبد الذى يعلو الماء فيلقيه الماء، وكخبث هذه الأجسام، فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل. وأما الماء الذى ينفع الناس وينبث المراعى فيمكث فى الأرض، وكذلك الصافى من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق. وقال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده وقفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به فى نبات الأرض وحياة كل شىء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا بها . ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذى يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديدوما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذى لا ينتفع به، (٢) (١) سورة آل عمران الآية ١٠٦ (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ٨٥ -٥٢ -٠ ثم بين - سبحانه - بعد ذلك عاقبة أهل الحق، وعاقبة أهل الباطل فقال - تعالى -: ((الذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما فى الأثرص جميعا ومثله معه لافتدوا به ..... أى المؤمنين الصادقين ، الذين أطاعوا ربهم فى كل ما أمرهم به أو نهامٍ عنه ، المثوبة الحسنى ، وهى الجنه . فالحسنى يصح أن تكون صفة لموصوف محذوف، ويصح أن تكون ((بتدأ مؤخراً، وخبره (( الذين إستجابوالربهم)) ((والذين لم يستجيبوا له)) - سبحانه - ولم ينقادوا لأمره أو نهيه وم. الكفار (« لو أن لهم ما فى الأرض جميعاً، من أصناف الأموال، ولهم أيضا (( مثله معه لافتدوا به)) أى لهان عليهم -- مع نفاسته وكثرته - أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب يوم القيامة . فالضمير فى قوله , ومثله معه، يعود إلى ما فى الأرص جميعا من أصناف الأموال وفى ذلك ما فيه من تهويل ما سيلقونه من عذاب أليم جزاء كفرم وجحوهم . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال: , أولئك لهم سوء الحساب)) أى: أولئك الذين لم يستجيبوا لريهم لهم الحساب السىء الذى لارحمة معه ، ولا تساهل فيه .. , ومأواهم جهنم، أى ودرجعهم الذى يرجعون إليه جهنم. « وبئس المهاد، أى: وبتس المستقر الذى يستقرون فيه. والمخصوص بالذم محذوف أى: مهادهم أو جهتم وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأحكمها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وبينت حسن عاقبة المؤمنين، وسوء. عاقبة المكذبين . - ٥٣ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه لا يستوى الأعمى والبصير، ومدح أولى الألباب بما هم أهله من مدح، وذم أضدادهم بما يستحقون من ذم، فقال - تعالى - : ((أُفَن يعلمُ أنّ ما أُنزِل إليكَ مِنْ رَبِّك الحقُّ كمن هُوَ أعمى ، إنما يتذكرُ أوْلُوا الألبابِ (١٩) الذينَ يوفونَ بعهدِ اللهِ ولا ينقضونَ الميثاقَ (٢٠) والذينَ يصلُونَ ما أَمرَ اللهُ به أن يُوصلَ، ويخشونَ ريَّهم ويخافونَ سوء الحسابِ (٢١) والذين صبروا ابتغاء وَجْهِ ربهم ، وأقامُوا الصلاةَ وأنفقُوا مما رزقناَهُم سرًا وعلانيةً، ويدْرَهونَ بالحسنةِ السيئةَ أولئكَ لهم مُقَى الدارِ (٢٢) جنات عدنٍ يدخلُونَهَا ومَنْ صَلَح من آبَائِهِمِ وأزوَاجِهِم وذرِّيَّاتهم، والملائكةُ يدخلُونَ عليهم من كلّ بابٍ (٢٣) سلامٌ عليكُم بما صيرتُم فنِمَ عقبى الدار (٢٤) والذينَ ينقضونَ عهدَ اللهِ من بعدٍ ميثاقِهِ ويقطعونَ ما أمر اللهُ به أن يوصل ويفسِدُونَ فى الأرضِ ، أولئكَ لهم اللعنةُ ولهم سوء الدارِ (٢٥) الله يبسطُ الرزقَ لمن يشاء ويقدِر، وفَرِحُوا بالحياةِ الدنيا وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع (٢٦))). قال الإمام الرازى: قوله - تعالى - «أف يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى .... )) إشارة إلى المثل المتقدم ذكره - فى قوله - تعالى - أنزل من السماء ماء ... وهو أن العالم بالشىء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشى من غير - ٥٤ - قائد، فربما يقع فى المهالك .... أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك » (١) والمراد بالأعمى منا : الكافر الذى إذطمست بصير ته، فأصبح لا يفرق بين الحق والباطل . والإستفهام للافكار والاستبعاد . والمعنى: أفمن يعلم أن ما أنزل إليك - أيها الرسول الكريم - من وحى هو الحق الذى يهدى التى هى أقوم ، كمن هو أعمى القلب ، مطموس البصيرة ؟؟ فالآية الكريمة قنفى بأبلغ أسلوب ، مساواة الذين علموا الحق فاتبعوه ، . . بمن جهلوه وأعرضوا عنه، وصموا آذانهم عن سماعه .. وقوله (( إنما يتذكر أولو الألباب)) مدح لأصحاب العقول السليمة ، الذين ذكروا بالحق فتذكروه، وآمنوابه، وتعليل لإعراض الكافرين عنه، ببيان أن سبب إعراضهم، أنهم ليسوا أهلا للتذكر، لأن التذكر إنما هو من شأن أولى الألباب. والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شىء. أى: إنما يتذكر وينتفع بالتذكير ، أصحاب العقول السليمة، وهم المؤمنون الصادقون . ثم مدح - سبحانه - أصحاب هذه العقول السليمة، بجملة من الخصال الكريمة فقال: (( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)) وعهد الله: فرائضه وأوامره ونواهيه . والوقاء بها : يتأتى باتباع ما أمر ـه - سبحانه - وباجتناب مانهى عنه . وينقضون ؛ من النقض بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا وموصولا . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٣٩ - ٥٥ - والميثاق : العهد الموثق باليمين ، للتقوية والتأكيد. أى: إنما يتذكر أولو الألباب، الذين من صفاتهم أنهم يوقون بعهد الله - تعالى - ، بأن يؤدواكل ما كلفهم بأدائه ، ويحتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ينقضون شيئا من العهود والمواثيق التى التزموا بها. وصدر - سبحانه - صفات أولى الألباب، بصفة الوفاء بعهد الله، وعدم النقض للمواثيق، لأن هذه الصفة تدل على كمال الإيمان، وصدق العزيمة، وصفاء النفس. وأضاف - سبحانه - العهد إلى ذاته، للتشريف وللتحريض على الوفاء به . وجملة (( ولا ينقضون الميثاق، تعميم بعد تخصيص، لتشمل عمودهم مع الله - تعالى - ومع غيره من عباده . ثم بين - سبحانه صفات أخرى لهم فقال: (( والذين يصلون ما أمر أنه به أن يوصل ٢٠٠٠ أى أن من صفات أولى الألباب - أيضا - أنهم يصلون كل ما أمر الله - تعالى - بوصله كصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإغاثة المحتاج، والإحسان إلى الجار ... وقوله,ويخشون ربهم)) أى خشية تحملهم على إمقثال أمره وإجتناب نهيه ((ويخافون سوء الحساب)، أى: ويخافون أهوال يوم القيامة، وما فيه من حساب دقيق ، فيحملهم ذلك على أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا. قال الألوسى ما ملخصه: وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام والخشية والخوف قيل بمعنى ... وفرق الراغب بينهما فقال : الخشية خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك عن علم .. -٦ ..- وقال بعضهم: الخشية أشد الخوف, لأنها الأخوذة من قولهم: شجرة خدية ، أى : يابة :. ثم قال الآلومى: والحق أن مثل هذه الفروق أغلى لا كلى ... )، (١) ثم أضاف - سبحانه - إلى الصفات السابقة لأولى الألباب صفات أخرى حميدة فقال:((والذين صبروا ابتغاء وجه ربه:)) أى: أن من صفاتهم أنهم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، وصبروا على المصائب وآلامها ، صبرا غايته رضا ربهم وخالقهم ، لا رضا أحد سواه . أى أن صبرهم فى كل مجال محمد فيه الصبر لم يكن من أجل الرياء أو المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك، وإنما كان صبرهم من أجل رضا الله - تعالى- وطلب ثوابه . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: والذين صبروا، فيما يصبر عليه من المصائب فى النقموس والأموال ومشاق التكليف , إبتغاء وجه ربهم، لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا الثلا يعاب بالجزع ، ولئلا يشمت به الاعداء ، كقوله: أنى لريب الدهر لا أتزعزع وتجلدى للشامتين أريهم ولا لانه لا طائل تحت الهلع ، ولا مرد فيه للغائب ... . وكل عمل له وجوه يعمل عليها ، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا عند الله - تعالى - وإلا لم يستحق به ثوابا؛ وكان فعلا كلا فعل : (١) . ((وأقاموا الصلاة)، أى: أدوها فى أوقاتها كاملة الأر كان والسنن والأذكار ، بخشوع وإخلاص . (١) تفسير الآلوسي ج ١٣ ص ١٢٦ (١) تفسير الكشاف = ٢ ٠ـ ٣٥٧ - بتصرف قليل ٠٠ ٥٧ -: , وأنفقوا، بسخاء وطيب نفمصر (( بما رزقناهم، أى ما أعطيناهم ، ن عطائنا الواسع العميم ((سراً وعلانية)، أى: ينفقون بما رزقناهم مرا. حيث يحسن السر، كاعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره، وينفقون ((علاقية، حيث تحسن العلانية، كأن ينفقوا بتخاء فى مجال التنافس فى الخير ، ليقتدى بهم غيرم ((ويدر ون بالحسنة السيئة، والدره: الدفع والطرد. يقال: درأه درها، إذا دفعه . أى أن من صفات أولى الألباب - أيضا أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل السىء، كما فى قوله - صلى الله عليه وسلم - ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها، أو أنهم يدفعون سيئة من أساء اليهم بالإحسان اليه، أو بالعفو عنه، متى كان هذا الإحسان أو العفو لا يؤدى إلى مفسدة . قال صاحب الظلال ما ملخصه: وفى الآية إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة ، عندما يكون فى هذا در السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها. فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع، ويحتاج الشرإلى الدفع ، فلا مكان لمقابلتهما بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر وبتجرأ ويستعلى. ودرء السيئة بالحسنة يكون غاليا فى المعاملة الشخصية بين المتخاصمين ، فأما فى دين الله فلا . . إن المستعلى الغاشم لا يجدى معه إلا الدفع الصارم، والمفسدون فى الأرض لا يجدى معهم إلا الأخذ الخصم ، والتوجيهات القرآنية متروكا لتدبر المواقف ، واستشارة الألباب، والتصرف بما يرجع أنه الخير والصواب(١، (١) فى ظلال القرآن حـ ١٣ ص ٢٠٠٨ للأستاذ سيد قطب - ٥٨ - وجملة ، أولئك لهم عقبى الدار، بيان للجزاء الحسن، الذى أعده الله -- تعالى - لهؤلاء الأخيار ، والعقى، مصدر كالعاقبة، وهى الشىء الذى يقع عقب شىء آخر . والمراد بالدار: الدنيا، وعقباها الجنة. وقيل المراد بالدار: الدار الآخرة، وعقباها الجنة للطائعين ، والنار العاصين . أى أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، لهم العاقبة الحسنة. وهى الجنة. والجملة الكريمة خبر عن ((الذين يوفون بعهد الله ... )، وما عطف عليها : وقوله - سبحانه - (( جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، تفصيل للمنزلة العالية التى أعدها - سبحانه - لهم. أى: أولئك الذين قدموا ما قدموا فى دنياهم من العمل الصالح، لهم جنات دائمة باقية، يدخونها هم ((ومن صلح، أى: ومن كان صالحا لدخولها (( من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم)). أى : من أصولهم وفروعهم وأزواجهم على سبيل التكريم والزيادة فى فرحهم ومسرتهم. وفى قوله - سبحانه - ((ومن صلح من آبائهم ... ، دليل على أن هؤلاء الأقارب لا يستحقون دخول الجنة ، إلا إذا كانت أعمالهم صالحة، أما إذا كانت غير ذلك فإن قرابتهم وحدها لا تنفعهم فى هذا اليوم الذى لا ينفع فيه مال وبنون ((إلا من أتى الله بقلب سليم)). قال الإمام ابن كثير: وقوله , ومن صلح من آبائهم وأزواجه، وذرباتهم. أى : يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأملين والأبناء، ومن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم"، حتى إنه ترفع درجته الأدنى إلى درجته الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته ، بل - ٥٩ - إمتنانا من الله وإحسانا، كما قال - تعالى - ((والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من عملهم من شىء ، كل امرى بما كسب رهين)(١) . وقوله - سبحانه - ((والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم .... زيادة فى تكريمهم، وحكاية لما تحييهم به الملائكة . أى: والملائكة يدخلون على هؤلاء الأوفياء الصابرين ... من كل باب من أبواب منازلهم فى الجنه، قائلين لهم: ((سلام عليكم، أى: أمان دائم عليكم ( بما صبر تم)، أى: بسبب صبركم على كل ما يرضى الله - تعالى - ((فنعم عقبى الدار )) أى: فنعم العاقبة عاقبة دنياكم . والمخصوص بالمدح محذوف لدلاله المقام عليه ، أى : الجنة . وفى قوله - سبحانه («يدخلون عليهم من كل باب)) إشارة إلى كثرة قدوم الملائكة عليهم ، وإلى كثرة أبواب بيوتهم ، تكريما وتشريفا وتانيسا وجملة (( سلام عليكم، مقول اقول محذوف ، وهو حال منفاعل يدخلون وهم الملائكة . وهى بشارة لهم بدوام السلامة. وفى قوله (( بما صبرتم، إشارة إلى أن صبرهم على مشاق التكاليف، وعلى الأذى ، وعلى كل ما يحمد فيه الصبر ، كان على رأس الأسباب التى أوصلتهم إلى تلك المنازل الماليه . هذا ومن الأحاديث التى ذكرها الإمام ابن كثير هنا ، ما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله. (١) تفسير أذن كثير جـ ٤ صـ ٣٧٣ طبعة دار الشعب - القاهرة - ٦٠ - ورسوله أعلم: قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون، الذين أسد بهم الشغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره، لا يستطع لها قضاء ، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: انتوهم خيوهم. فتقول الملائكة : نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتى هؤلاء فنسلم عليهم ؟ قال : إنهم كانوا عبادا يعبدوننى لا يشركون بي شيئا، وقسد بهم الثغور ، وتثقى بهم المكارة، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره ، فلا يستطيع لها قضاء . قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب (((سلام عليكم بما صبرتم (١)، وبعد أن ذكر - سبحانه - صفات هؤلاء الأوفياء وما أعد لهم من ثواب جزيل ، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة الناقضين لعهودهم، القاطعين لما أمر الله بوصله. المفسدين فى الأرض، فقال - تعالى -: ((والذين ينقضون عهد ٠٠ الله من بعد ميثاقه وفقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به . وقوله: (( من بعد ميثاقه)) زيادة فى تشنيع النقض. أى ينقضون عهد الله - تعالى - ولا يوفون به. من بعد أن أكدوا التزامهم به وقبولهم له. وقوله ((ويقطعون ما أمرالله به أن يوصل، أى: ويقطعون كل ما أوجب أقه - تعالى - وصله، ويدخل فيه وصل الرسول - صلى الله عليه عليه وسلم - بالاتباع والموالاة، ووصل المؤمنين بالمعاونة والمحبة، ووصل أولى الأرحام بالمودة والتعاطف، فالجمله الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء، بأنهم كانوا على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما أمر الله به أن يوصل . (١) تفسير ابن كثير جـ صـ ٢٧٣