Indexed OCR Text

Pages 1-20

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تَفَتَيْثِيْرُسُوَة التَّعُدْ
لفضيلة.
الدكتور محمد السيد طنطاوى
الأستاذ بكلية أصول الدين
جامعة الأزهر
( تابع الجزء الثالث عشر )
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ ؟

{ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع الـ
( تابع الجزء الثالث عشر )

مِقَدمَة
الحمد لله رب العالمين، والصلاةوالسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه.
وبعد: فهذا تفسير تحليلى لسورة ((الرعد)) توخيت فيه أن أبرز
ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة من توجيهات سامية ، وآداب عالية ،
وحدايات قامة ، وأحكام حكيمة ، وتراكيب بليغة ...
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده، وشفيعا
لنا يوم نلقاه، إنه - سبحانه - أكرم مسئول ، وأعظم مأمول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟
المدينة المنورة: ٢٣ من المحرم سنه ١٤٠٢ هـ
١٩ من نوفمبر سنة ١ ١٩٨ م
المؤلف
محمد السيد ططاوى
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية

تمهيد بين يدى تفسير سورة الرعد
تريد بهذا التمهيد - كما سبق أن ذكرنا فى تفسير السور السابقة - إعطاء
القارىء الكريم صورة واضحة عن سورة الرعد، قبل أن نبدأ فى تفسيرها آية
فآية فنقول ـ وبالله التوفيق .
١ - سورة الرعد هى السورة الثالثة عشرة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقتها
اثنتا عشرة سورة، هى سور: الفاتحة ، والبقرة، وآل عمران ، والنساء ،
والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال ، والتوبة، ويونس، وهود ،
ويوسف .
وسميت بهذا الاسم منذ العهد النبوى، ولم يعرف لها اسم آخر سوى هذا
الاسم، ولعل سبب تسميتها بذلك، ورودذ كر الرعد فيها، فى قوله - تعالى-
(((ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته .... »(١)
٣ - وعددآياتها ثلاث وأربعون آية فى المصحف الكونى، وأربع
وأربعون آية فى المدنى ، وخمس وأربعون فى البصرى ، وسبع وأربعون
فى الشامى(٢) .
٤ - والذى يقرأ أقوال المفسرين فى بيان زمان نزولها، يراها أقوالا
ينقصها الضبط والتحقيق .
فهناك روايات صرحت بأنها مكية ، وأخرى صرحت بأنها مدنية ،
وثالثة بأنها مكية إلا آيات منها فمدقية، ورابعة بأنها مدنية إلا آيات منها
فكية ...
(١) الآية رقم ٠١٣
(٢) تفسير الآلوسى = ١٣ ص ٧٦ طبعة منير الدمشقى .

- ٦ -
قال الألوسى : جاء من طريق مجاهد عن ابن عباس وعلى بن أبى طلحة
أنها مكية.
وروى ذلك عن سعيد بن جبير - أيضا - .
قال سعيد بن منصور في سننه، حدثنا أبو عوانة عن أبى بشرقال : سألت
ابن جبير عن قوله - تعالى - ((ومن عنده علم الكتاب، هل هو عبد الله
ابن سلام ؟ فقال ؛ كيف وهذه السورة مكية .
وأخرجه مجاهد عن ابن الزبير ، وابن مردويه من طريق العوفى عن
أبن عباس ، ومن طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء عنه أنها مدنية .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنها مدنية إلا قوله - تعالى - ، ولايزال
الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة .... الآية)، فإنها مكية.
وروى أن من أولها إلى آخر قوله - تعالى - ,ولو أن قرآنا سيرت به
الجبال ... ،
نزل بالمدينة ، أما باقيها فنزل فى مكة .... )(١) .
هذه بعض الروايات فى زمان نزولها، وهى - كما ترى - التعارض فيها
واضح.
والذى تطمئن إليه النفس ، أن السورة الكريمة يبدو بوضوح فيها طابع
القرآن المكى، سواءأ كان ذلك فى موضوعاتها ، أم فى أسلوبها ، أم فى غير ذلك
من مقاصدها وتوجيهاتها ...
وأن نزولها - على الراجح - كان فى الفترة التى أعقبت موت أبى طالب،
والسيدة خديجة - رضى الله عنها - .
وهى الفترة التى لقى فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مالقى من أذى
المشركين وعنتهم ، وطغيانهم ...
(١) تفسير الآلوسی ج ١٣ ص

- ٧ -
والذى جعلنا نرجح أن نزولها كان فى هذه الفترة، ما اشتملت عليه السورة
الكريمة ، من أدلة متنوعة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، ومن تسلية
له - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه - كما سنرى ذلك عند تفسيرنا
لآياتها - كذلك مما جعلنا نرجح أن نزولها كان فى هذه الفترة، قول السيوطى
فى كتابه الإتقان: « ونزلت بمكة سورة الأعراف، ويونس ، وهود ،
ويوسف. والرعد .... )،(١).
وقد رجحنا عند تفسيرنا لسور: يونس، وهو، ويوسف - عليهم السلام-
أن هذه السور قد نزات فى تلك الفترة من حياة النبى - صلى الله عليه وسلم -
ونرجح هنا أن نزول سورة الرعد كان فى تلك الفترة - أيضا-، لمناسبة
موضوعاتها لأحداث هذه الفترة .
٥ - عرض إجمالى لسورة الرعد:
(١) لقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم، وبالإشارة
إلى إعجازه ، ثم ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته
وعظيم حكمته ...
«اللّه الذى رفع السموات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر
الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات لعلكم
بلقاء ربكم توقنون ...
(ب) ثم حكت السورة بعد ذلك جانبامن أقوال المشركين فى شأن البعث ،
وردت عليهم بما يكبتهم فقال - تعالى: ((وإن تعجب فعجب قولهم ، أنذا كنا
تراباً أثنا لفي خلق جديد ، أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فى
أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ... ))
(جـ ) ثم بينت السورة الكريمة ما يدل على كمال علمه - تعالى - وعلى عظم
(١) الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ١٢ طبعة مصطفى الحلبى.

- ٨ -
سلطانه، وعلى حكمته فى قضائه وقدره فقال - تعالى -: ((الله يعلم ما تحمل كل
أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شىء عنده بمقدار . عالم الغيبوالشهادة
الكبير المعتال ....
(د) ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل المشركين
سؤال تهكم وتوبيخ عمن خلق السموات والأرض فقال - تعالى -: ((قل من
رب السموات والأرض ق الله . قل أفتخذقم من دونه أولياء لا يملكون
لأنفسهم نفعاً ولاضرا، قل هل يستوى الأعمى والبصير ، أم هل تستوى
الظلمات والنور، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم ،
قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار)).
(هـ) ضربت السورة الكريمة مثلين للحق والباطل . وعقدت مقارنة بين
مصير أتباع الحق، ومصير أتباع الباطل فقال - تعالى -: ((أفن يعلم أن
ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولو الألباب. الذين
يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ....
(و) ثم حكت السورة الكريمة بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون
من النبى - صلى الله عليه وسلم - وردت عليهم بما يمحق باطلهم، ويزيد المؤمنين
إيمانا على إيمانهم فقال - تعالى -:
((ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه، قل إن الله يضل من
يشاء ويهدى إليه من أفاب . الذين آمنواوتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر
الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ...
(ز) ثم حكت السورة الكريمة لونا آخر من غلوهم فى كفرهم ، ومن
مقترحاتهم الفاسدة، حيث طلبوا من النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يسير لهم
بالقرآن جمال مكة ليتفسحوا فى أرضها، ويفجر لهم فيها الأنهار والعيون
ليزرعوها ، ويحي لهم الموتى ليخبروهم بصدقه ... فقال - تعالى -: ((ولو أن

٠ ٩ ٠
قرآنا سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى بل له الأمر
جميعا، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لويشاء الله لهدى الناس جميعا ... ))
( ح) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المتقين، وسوء عاقبة
المكذبين ، وبالثناء على القرآن الكريم، وبقسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم-
عما أصابه من أعدائه وبالشهادة له بالرسالة، وبتهديد المشركين بالعذاب الأليم،
فقال - تعالى -((مثل الجنة التى وعد المتقون أكلها دائم وظلها، تلك عقى الذين
اتقوا وعقبى الكافرين النار ....
وكذلك أنزلناه حكما عربيا، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ماجاءك من العلم
مالك من الله من ولى ولا واق .
ولقد أرسلنا رسلامن قبلك وجعلنالهم أزواجاً وذرية ، وما كارلرسول
أن يأتى بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب ...
ويقول الذين كفروا لست مرسلا، قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ،ومن
عنده علم الکتاب » .
٦ - ومن هذا العرض الإجمالى للسورة الكريمة، نراها قد اهتمت
بالحديث عن موضوعات من أبرزها مايأتى :
(١) إقامة الأدلة المتنوعة على كمال قدرة الله - تعالى -، وعظيم حكمته ...
قارة عن طريق التأمل فى هذا الكون ومافيه من سموات مرتفعة بغير عمد،
وأرض صالحة للاستقرار عليها، وشمس وقر وكوا كب مسخرة لمنافع الناس،
وجبال لتثبيت الأرض، وأنهار لقى الزرع ....
((وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ، صنوان
وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض فى الأكل ، إن فى
ذلك لآيات لقوم يعقلون ).

١٠٠٠ -
وقارة عن طريق عليه المحيط بكل شىء، فهو العليم بما تنقصه الأرحام.
وما تزداده فى الخلقة وفى المدة وفى غبر ذلك ، وهو العليم بأحوال عباده سواء
أ كانوا ظاهرين بالنهار أم مستخفين بالليل .
(( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شىء عنده
عقدار .....
وتارة عن طريق الظواهر الكونية التى يرسلها - سبحانه - لعباده خوفا
وطمعا، ((هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا ويرسل السحاب الثقال. ويسبح
الرعد بحمده والملائكة من خيفته .... ،
وقارة عن طريق العطاء والمنع لمن يشاء من عباده: «الله يبسط الرزق
لمن يشاء ويقدر ٢٠٠٠
وتارة عن طريق المصائب والقوارع التى ينزلها - سبحانه - بالكافرين
((ولايزال الذين كفروا تصيبهم مما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى
يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد».
٠٫٠٠٠
(ب) إثبات أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وأن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه، والرد على المشركين فيما طلبوه من النبى
- صلى الله عليه وسلم - من مطالب متعنتة، ومن الآيات التى وردت فى ذلك
قوله - تعالى - :
((تلك آيات الكتاب، والذى أنزل إليك من ربك الحق، ولكن أكثر
الناس لا يؤمنون )).
((ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه، إنما أنت منذرولكل
قومهاد، .
, أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر
أولوا الألباب ).

- أ -
, كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الدى أوحينا
إليك، وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب)).
((والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من
يشكر بعضه، قل إنما أمرت أن أعبداقه ولا أشرك به، إليه أدعو وإليه مآب ».
٣ - تثبيت فؤاد النبى - صلى الله عليه وسلم -، وتسليته عما لحقه من
أذى، وذلك لأن السورة الكريمة - كما سبق أن أشرنا - مكية، وأنها - على
الراجح - قد نزلت فى فترة اشتد فيها إعراض المشركين عن دعوة الحق
وتكذيهم لها ، وتطاولهم على صاحبها - صلى الله عليه وسلم - ومطالبتهم له
بالخوارق التى لا يزيدها عقل سليم ...
فنزلت السورة الكريمة لتثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه ،
ولتمزق أباطيل المشركين عن طريق حشود من الأدلة على صدق الرسول
- صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه .
ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى - : ((وإن تعجب فعجب
قولهم أ إذا كمنا ترابا أننا لفي خلق جديد. أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك
الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . ويستعجلونك
بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات، وإن ربك أذو مغفرة للناس
على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ».
وقوله - تعالى - : (ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا
ثم أخذتهم فكيف كان عقاب)).
وقوله - تعالى- ((وقد مكر الذين من قبلهم فله المكر جميعا، يعلم ما تكسب
كل نفس ، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار . ويقول الذين كفروا لست
مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب، هذه بعض
الموضوعات التى نرى السورة الكريمة قد اهتمت بتفصيل الحديث عنها .

- ١٢ -
وهناك موضوعات أخرى يراها كل من تأمل آياتها بفكر سليم، وعقل
قويم ، وروح صافية ...
نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا فهم كتابه، والعمل بما فيه من آداب
وأحكام ، وهدايات ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟

التفسير
قال الله تعالى: ((((الرّ. تِلكَ آيَاتُ الكتابِ والذِى أُنزلَ إليكَ
من رَبِّكَ الحقّ، ولكنَّ أ كثَرَ الناسِ لا يُؤْمنُونَ (١) اللهُ الذى رفَع
السمواتِ بغيرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَها، ثم استَوى على العرشِ، وسخَّر الشمسَ
والقمرَ كلِّ يَجْرِى الْأَجَلٍ مسعَى، يدبر الأمرَ يفصِّل الآياتِ الملكُم
بلقاء ربِّكُم تُوقنونَ (٢) وهوَ الذِى مدّ الأرضَ وجعلَ فيها رواسِيَ
وأنهاراً، ومن كلِّ الثمراتِ جعلَ فيها زَوْجين اثنينٍ ، يغشِى الليل
النهارَ ، إنّ فى ذلكَ لَآياتٍ لقومٍ يتفَكَّرُونَ (٣) وفى الأرضِ قِطَعٌ
مُجاوِراتٌ وجناتٌ من أعنابٍ وزَرْعٌ ونخيلٌ، صِنْوانٌ وغيرُ صِنوانٍ
يُسْقَى بماءٍ واحدٍ ، وتفضِّل بعضّها على بَعضٍ فى الأ كُلٍ، إنّ فى ذلكَ
لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُونَ (٤)».
لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة ، وقد سبق أن تكلمنا
عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سور: البقرة وآل عمران، والأعراف،
ويونس ، وهود، ويوسف .
وقلنا ما ملخصه : إن أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف
المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإيقاظ والتنبيه إلى
إعجاز القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله:

- ١٤ ==
هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ماتؤلفون من كلامكم،
ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها
حروفکم .
فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فها توا مثله، وادعوا من
شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله
فهاتوا عشر سور من مثله، فإن لم تستطيعوا فها توا سورة واحدة من مثله ...
ومع كل هذا التساهل معهم فى التحدى، فقد عجزوا وأنقلبوا خاسرين،
فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى .
و«تلك، اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن
الكريم، ويدخل فيها آيات السورة التى معنا .
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى
الله عليه وسلم - لإختراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
وقوله: (( والذى أنزل إليك من ربك الحق، تنويه بشأن القرآن الكريم،
ورد على المشركين الذين زعموا أنه أساطير الأولين .
أى . تلك الآيات التى نقرؤها عليك ـ يا محمد - فى هذه السورة هى آيات
الكتاب الكريم، وما أنزله الله - تعالى - عليك فى هذا الكتاب، هو الحق
الخالص الذى لا يلتبس به باطل ، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس .
وفى قوله - سبحانه -ـ ((من ربك)) مزيد من التلطف فى الخطاب. معه -
صلى الله عليه وسلم -، فكأنه - سبحانه - يقول له: إن ما نزل عليك من
قرآن هو من عند ربك الذى تعهدك بالرعاية والتربية حتى بلغت درجة الكمال.
وأسم الموصول ((الذى)، مبتدأ ، والجملة بعده صلة، والحق هو
الخبر

- ١٥ -
وقوله ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، استدراك لبيان معتف أكثر
الناس من هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
أى: لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق ، ولكن أكثر الناس
لا يؤمنون به، لاطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد على نفوسهم ...
وفى هذا الاستدراك، مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس ، وهم أولئك
الذين فتجوا قلوبهم للحق منذ أن وصل إليهم ، فآمنوا به، واعتصموا بحبله.
ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم وعلى رأس هذه القلة التى آمنت بالحق منذأن
بلغها : أبو بكر الصديق وغيره من السابقين إلى الإسلام.
ثم أقام - سبحانه - الأدلة المتنوعة - عن طريق المشاهدة - على
كمال قدرته ، وعلى وجوب إخلاص العبادة له فقال - تعالى - «الله الذى
رفع السموات بغير عمد ترونها )).
والعمد : جمع عماد، وهو ماتقام عليه القبة أو البيت .
وجملة ((ترونها)) فى محل نصب حال من السموات.
أن: الله - سبحانه - هو الذى رفع هذه السموات الهائلة فى صنعها
وفى ضخامتها، بغير مستند يسندها، وبغير أعمدة تعتمد عليها، وأنتم ترون
ذلك بأعينكم بجلاء ووضوح .
والمراد بقوله ((رفع، أى خلقها مرتفعة منذ البداية، وليس المراد أنه
- سبحانه - رفعها بعد أن كانت منخفضة.
ولاشك أن خلق السموات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا
الكون خالقا قادرا حكيما، هو المستحق للعبادة والطاعة.
وقوله - سبحانه - (( ثم استوى على العرش) معطوف على ماقبله، وهو
دليل آخر على قدرة الله - تعالى - عن طريق الغائب الهائل الذى تتقاصر دونه
المدارك، بعد أن أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد.

صـ ١٦ ٠٠
الاستواء فى اللغة يطلق على معان منها الاستقرار كما فى قوله - تعالى -
((واستوت على الجودى)، أى: استقرت، وبمعنى الاستيلاء والقهر ...
وعرش الله - تعالى - ممالا يعلمه البشر إلا بالاسم - كما يقول الراغب ...
وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية ، كماذكر الاستواء على
العرش فى سبع آيات من القرآن الكريم.
والمعنى: ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته - تعالى - بلا كيف
ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، الإستحالة اتصافه - سبحا ٩٠ - بصفات المحدثين.
قال الإمام مالك - رحمه الله -: الكيف غير معقول، والاستواء غير
مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فقال: ((وسخر الشمس
والقمر كل يجرى لأجل مسمى)».
والتسخير : التذليل والخضوع .
أى: أن مز مظاهر فضله أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس
والقمر ، بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير فى منازل معينة ، ولأجل
معين محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه، بل يقفان عند نهاية المدة التى حددها
- سبحانه - لوقوفهما وأفولهما .
قال - تعالى - ((لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق
النهار، وكل فى فلك يسبحون)،(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((يدبر الأمر، يفصل
الآيات ، لعلكم بلقاء ربكم توقنون)).
و تدبیر الأمر : تصریفه على أحسن الوجوه وأحکها وأكلمها .
(١) سورة يس . الآية ٤٠.

- ١٧ -
والآيات : جمع آية، والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين
الکوفیة الدالة على و حدافیته وقدر ته - سبحانه -
أى . أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف فى أمر خلقه على أكمل الوجوه
وأنه - سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة، ويسوق الأدلة الدالة على
وحدانيته وقدر ته بطرق متعددة ، وبوجوه متنوعة .
وقد فعل - سبحانه - ما فعل - من رفعه السماء بلا عمد، ومن تسخيره
للشمس والقمر ، ومن تدبيره لأمور خلقه، ومن تفصيله للآيات لعلكم عن
طريق التأمل والتفكر فيما خلق ، توقنون بلقائه ، وتعتقدون أن من قدر على
إيجاد هذه المخلوقات العظيمة، لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم، لكى
يحاسبكم على أعمالكم.
وقال - سبحانه - ((يدير)، و«يفصل، بصيغة المضارع. وقال قبل ذلك
((رفع السموات)) و((سخر الشمس والقمر)) بصيغة الماضى.
لأن التدبير للأمور ، والتفصيل للآيات ، بتجددان بتجدد تعلق قدرته
- سبحانه - بالمقدورات.
وأما رفع السماوات ، وتسخير الشمس والقمر ، فهى أمور قد تمت
واستقرت دفعة واحدة .
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم السماوات ، أتبعه
بذكر بعض هذه المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى -. ((وهو الذى مد
الأرض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين»
والمد : البسط والسعة ، ومنه ظل مديد أى متسع.
.. والرواسى: الجبال مأخوذ من الرسو، وهو ثبات الأجسام الثقيلة، يقال:
رسى الشىء يرسو رسوا ورسو !. إذا ثبت واستقر، وأرسيت الوقد فى الأرض
إذا أثبته فيها .
(٢ - سورة الرعد )

- ١٨ -
ولفظ رواسى : صفة لموصوف محذوف، وهو من الصفات التى تغنى عن
ذكر موصوفها .
والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء الفائض، ويطلق على الماء السائل
على الأرض .
والمراد بالثمرات: ما يشملها هى وأشجارها، وإنما ذكرت الثمرات
وحدها ، لأنها هى موضع المنة والعبرة.
والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى، وقيل المراد بهما الصنفان فى اللون
أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك .
والمعنى. وهو - سبحانه - الذى بسط الأرض طولا وعرضا إلى المدى
الذى لا يدركه البصر، ليتيسر الاستقرار عليها .
ولا تنافى بين مدها وبسطها «وبين كونها كرية، لأن مدها وبسطها على
حسب رؤية العين . وكريتها على حسب الحقيقة .
وجعل فى هذه الأرض جبالا ثوابت راسخات . لتمسكها من الاضطراب
وجعل فيها أيضا - أنهارا، لينتفع الناس والحيوان وغيرهما بمياه هذه
الأنهار .
وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأتى.
قال صاحب الكشاف: أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين
زوجين حين مدها ، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت .
وقيل: أراد بالزوجين: الأسود والأبيض ، والحلووالحامض، والصغير
والكبير، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة(١).
وقال صاحب الظلال : وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف البشر من
طريق عليهم وبحثهم إلا قريبا ، وهى أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٣٤٩ طبعة دار المعرفة - بيروت.

- ١٩ -
من ذكر وأنثى، حتى النباتات التى كان مظنونا أنه ليس لها من جنسها ذكور،
تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر ، قتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث
مجتمعة فى زهرة، أو متفرقة فى العود ... ))(١) .
وقوله ( يغشى الليل النهار، بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه-
ورحمته بعباده .
ولفظ (يغشى)) من التخشية بمعنى التغطية والستر.
والمعنى: أن من مظاهر قدرته - سبحانه- أنه يجعل الليل غاشياً للنهار مغطياله
فيذهب بنوره وضيائه, فيصير الكون مظلما بعد أن كان مضيئًا: ويجعل
التهار غاشياً لليل , فيصير الكون مضيئا بعد أن كان مظلما، وفى ذلك من
منافع الناس ما فيه، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة ، وبين السعى
والسكون .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن فى ذلك لآيات لقوم
يتفكرون ).
أى: إن فى ذلك الذى فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولا وعرضا
ومن تثبيتها بالرواسى، ومن شقها بالأنهار .... لآيات باهرة، ودلائل ظاهرة
على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، لقوم يحسنون التفكر، ويطيلون
التأمل فى ملكوت السموات والأرض.
ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى -: (وفى الأرض
قطع متجاورات .
" والقطع: جمع قطعة - بكسر القاف - وهى الجزء من الشىء، قشبيها لها،
بما يقتطع من الشىء.
ومتجاورات، أى : متلاصقات ومتقاربات .
(١) تفسير فى ظلال القرآن ج ٤ ص ٢٠٤٦ طبعة دار الشروق.

- ٢٠ ٠-
وليس هذا الوصف مقصودا لذاته ، بل المقصود أنها مع تجاورها وتقاربها
مختلفة فى أوصافها مما يشهد بة- رته - تعالى - العظيمة.
ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: ((وفى الأرض قطع متجاورات)، أى:
أراض يحاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة قنبت ما ينتفع به الناس ، وهذه.
سبخة مالحة لا تنبت شيئا ، وهذه تربتها حمراء، وتلك تربيتها سوداء ...
وهذه محجرة وذلك سهلة ... والكل متجاورات ، فهذا كله مما يدل على الفاعل
المختار (( لا إله إلا هو ولا رب سواه))(١).
وقال - سبحانه -، وفى الأرض قطع متجاورات ، بإعادة اسم الأرض
الظاهر، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال: (( جعل فيها زوجين اثنين »
فى الآية السابقة ، وذلك ليكون كلاما مستقلا ، وليتجدد الأسلوب فيزداد
حلاوة وبلاغة. وقوله (وجنات من أعناب وزرع وفخيل. صنوان وغير
صفوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض فى الأكل ... ، بيان لمظهر
آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده.
والجنات: جمع جنة، والمراد بها البستان ذو الشجر المتكاثف، الملتفه
الاغصان الذى يظلل ما تحته ويستره .
والأعناب : جمع عنب وهو شجر المكرم.
والمراد بالزرع. أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها وطعومها وصفاتها
وقوله («صفوان)) صفة لنخيل , وهو جمع صنو.
والصغو : الفرع الذى يجمعه مع غيره أصل واحد . فإذا خرجت
فخلتان أو أكثر من أصل واحد ، فسكل واحدة منهن يطلق عليها
اسم صغر.
(١) تفسير ابن كثير - ٤ ٠- ٣٥٣ طبعة دار الشعب.