Indexed OCR Text

Pages 121-140

الجز.
- ١٢١ - الحادى عشر
بالعمل العام للجليل والحقير . وقيل الخطاب الأول عام للأمة أبنا كما فى.
قوله - ((يأيها النبى إذا طلقتم.
وقوله (( إلا كنا عليكم شهودا)) استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين
بالأفعال الثلاثة . أى: وما تلابسون بشىء منها فى حال من الأحوال الاعمال
كوننا رقباء مطلعين عليه، حافظين له)) (١) .
وقوله ((إذ تفيضون فيه ،أى: تخوضون وتندفعون فى ذلكالعمل،لأن
الإفاضة فى الشىء معناها الاندفاع فيه بكثرة وقوة .
وقوله: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولاف السماء»
بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.
ويعزب : أى يبعد ويغيب، وأصله من قولهم : عزب الرجل يعزب يابله
إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلا" والعشب. والكلام على حذف مضاف.
أى: وما يغيب ويخفى عن علم ربك مثقال ذرة فى الوجود علوية
وسفليه ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلا وهو معلوم ومسجل عنده فى
كتاب عظيم الشأن ، تام البيان .
وقوله « من مثقال ذرة، تمثيل لقله الشىء ودقته ، ومن فيه لتأكيد النفى
وقدمت الأرض على السماء هنا، لأن الكلام فى حال أهلها ، والمقصود إقامة
البرهان على إحاطته علما - سبحانه بتفاصيلها. فكأنه - سبحانه - يقول:
إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم
- صلى الله عليه وسلم - .
وقوله: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلافى كتاب مبين، جملة مستقلة
ليست معطوفة على ما قبلها
و(«لا، نافية للجنس ((وأصغر، اسمها منصوب لشبه بالمضاف، و«أكبر
معطوف عليه . و« فى كتاب مبين ، متعلق بمحذوف خبرها .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ١٤٤.

يونس
- ١٢٢ -
سورة
وقدم ذكر الأصغر على الأكبر، لأنه هو الأهم فى سياق العلم بماخفى
من الأمور .
وقرأ حمزه ويعقوب وخلف ((ولا أصغر)) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ
محذوف. أى : ولا ما هو أصغر من ذلك .
والمراد بالكتاب المبين: علم الله الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ
الذى هو محل معلوماته .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة
الله - تعالى- لكل شىء، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن
من خيرات وبركات ، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى
إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور .
وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بماجاء
فى القرآن من خيرات، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها اللّه، وأقام
الأدلة على نفاذ قدرته، وشمول علمه.
بعد كل ذلك، بشر أو لياءه بحسن العاقبة، وأنذر أعداءه بسوء المصير،
ورد على الذين قالوا اتخذ الله ولدا بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم . فقال-تعالى:
!! Yf
◌َأَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُّ عَلَيْهِمْ وَلَاُهُمْ يَخْزَنُونَ (﴾ الَّذِينَءَ امَنُو
مَ كَانُوْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَزَةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَ
اَلاَتَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَلَا يَحْزُنكَ
أَلاَ إِذّ
أَقَوْهُمْ إِنَّ الْعِزَةَلَِّ هِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
٦٥
لِلِّ مَنْ فِ السَّمَنَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضَِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُوذُ
:(مِن دُونِ الَّه ◌ُبَّكَةُ إِن ◌َّبِعُونَ إِلَّ الَّنَّوَ إِنْ هُمْ إِلَّيَخْرُسُونَ اللّه
F

الجزء - ١٢٣ - الحادى عشر
هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِهِ وَالَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى
◌َذَلِكَ لَبَتِ لِّقَوْمِ يَسْمَعُونَ (﴾ قَالُواْ أَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَتَهْر
هُوَ الْغَنِّلُ مَا فِ السَّمَلَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ إِنْ عِنْدَ ◌ُِنْ
◌ُلْطَانٍ بِنْذَاْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِمَا لَا تَعْلَمُونَ (﴾ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ
يُقْتُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَأَ يُفْلِحُونَ (2﴾ مَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ فُمَ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (َّ
والأولياء: جمع ولى مأخوذ من الولى بمعنى القرب والدنو. يقال: تباعد
فلان من بعد ولى أى : بعد قرب .
والمراد بهم: أولئك المؤمنون الصادقون الذى صلحت أعمالهم، وحسنت
بالله - تعالى - صلتهم، فصاروا يقولون ويفعلون كل ما يحبه . ويجتنبون
كل ما يكرهه .
قال الفخر الرازى: ظهر فى علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام
والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شىء هو الذى يكون قريبا منه .
والقرب من اللّه إنما يتم إذا كان القلب مستغرقا فى نور معرفته، فإن رأى
.رأى دلائل قدرته، وإن سمع سمع آيات وحدانيته، وإن نطق نطق بالثناء
عليه، وإن تحرك تحرك فى خدمته ، وإن اجتهد اجتهد فى طاعته ، فهنالك
يكون فى غاية القرب من الله - تعالى - ويكون وليا له - سبحانه - .
وإذا كان كذلك كان الله - تعالى - وليا له - أيضا - كما قال؛ الله ولى الذين
آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور» (١).
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٧ ص ٠١٢٦

سورة
- ١٢٤ -
وقد افتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح ((ألا)، وبحرف التوكيد
((إن))، لتنبيه الناس إلى وجوب الاقتداء بهم، حتى ينالوا ما قاله، أولئك
الأولياء الصالحون من سعادة دنيويه وأخروية .
وقوله , لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، تمييزلهم عن غيرهم ممن لم
يبلغوا درجتهم .
والخوف : حالة نفسية تجعل الإنسان مضطرب المشاعر لتوقعه حصول
ما يكرهه .
والحزن اكتئاب نفسى يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه .
أى أن الخوف يكون من أجل مكروه يتوقع حصوله، بينما الحزن.
يكون من أجل مكروه قد وقع فعلا .
والمعنى: ألا إن أولياء الله الذین صدقإيمانهم، وحسنعملهم، لا خوف.
عليهم من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، ولاهم يحزنون على ما تر كواوراءهم
من الدنيا، لأن مقصدهم الأسمى رضا الله - سبحانه -، فمتى فعلوا مايؤدى.
إلى ذلك هان كل ما سواء .
وقوله: (( الذين آمنوا وكانوا يتقون)) استئناف مسوق لتوضيح حقيقتهم.
فكأن سائلا قال: ومن هم أولياء الله؟ فكان الجواب : الذين قوفر فيهم.
الإيمان الصادق ، والبعد التام عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه .
وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضى ، الإشارة إلى أنه إيمان ثابت راسخ،.
لا تزلزله الشكوك، ولا تؤثر فيه الشبهات .
وعبر عن تقواهم بالفعل الدال على الحال والاستقبال، للإيذان بأن اتقاءهم
وابتعادهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال («يتجدد ويستمر دون.
أن يصرفهم عن تقواهم وخوفهم منه - سبحانه - ترغيب أو ترهيب.

الجزء - ١٢٥ -
الحادى عشر
وقوله - سبحانه - ((لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة)) زيادة
تكريم وتشريف لهم .
والبشرى والبشارة: الخبر السار، فهو أخص من الخبر ، وسمى بذلك
لأن أثره يظهر على البشرة وهى ظاهر جلد الإنسان ، فيجعله متهلل الوجه ،
منبسط الأسارير ، مبتهج النفس .
أى : لهم ما يسرهم ويسعدهم - أيضاً - فى الآخرة من فوز برضوان
الله ، ومن دخول لجنته .
قال الألوسى ما ملخصه ، والثابت فى أكثر الروايات . أن البشرى فى
الحياة الدنيا، هى الرؤيا الصالحة ... فقد أخرج الطيالسى وأحمد والدرامى
والترمذى ... وغيرهم عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله - صلى
ألله عليه وسلم - عن قوله - تعالى - ((لهم البشرى فى الحياة الدنيا)، فقال: هى
(((الرؤيا الصالحة يرها المؤمن أو ترى له)).
وقيل المراد بالبشرى البشرى العاجلة نحو النصر والغنيمه والثناء الحسن،
والذكر الجميل ، ومحبة الناس ، وغير ذلك .
ثم قال: وأنت تعلم أنه لا ينبغى العدول عما ورد عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فى تفسير ذلك إذا صح . وحيث عدل من عدل لعدم
وقوعه على ذلك فيما أظن، فالأولى أن تحمل البشرى فى الدارين على البشارة
بما يحقق نفى الخوف والحزن كائناً ما كان ... )، (١).
وقوله: ((لا تبديل الكلمات الله)) أى: لا تغيير ولا خلف لأقوال الله
- تعالى - ولا لما وعد به عباده الصالحين من وعود حسنة، على رأسها
هذه البشرى التى تسعدهم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٢ ص ١٥٢.

سورة - ١٢٦ - يونس
واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ,ذلك الفوز العظيم) يعود إلى
ما ذكر من البشرى فى الدارين .
أى : ذلك المذكور من أن لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفي الآخرة ،
هو الفوز العظيم الذى لافوز وراءه، والذى لا يفوقه نجاح أو فضل .
هذا : وقد نقل الشيخ القاسمى - رحمه الله - كلاماً حسناً من كتاب
((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقال ما ملخصه.
هذه الآيات أصل فى بيان أولياء الله، وقد بين - سبحانه - فى كتابه .
وبين رسوله فى سنته أن لله أولياء من الناس ، كما أن الشيطان أو ليا . .
وإذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن ، وأولياء الشيطان ، فيجب
أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم
المؤمنون المتقون، كما فى هذه الآية ، وفى الحديث الصحيح: من عادى لى
ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، أو فقد آذنته بالحرب ...
والولاية ضد العداوة ، وأصل الولاية المحبة والقرب ، وأصل العداوة
البغض والبعد، وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائههم المرسلون
منهم، وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين .. فلا يكون ولياً
إلا من آمن به واقبعه ، ومن خالفه كان من أولياء الشيطان ...
وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه
تکون ولا یته لله - تعالى - فمن كان أكمل إيماناً وتقوى ، كان أكمل ولاية
لله . فالناس متفاصلون فى ولاية الله - عز وجل - بحسب تفاضلهم فى
الإيمان والتقوى ...
ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدى الفرائض ، ولا يجتنب المحارم ، كان
كاذباً فى دعواه، أو كان مجنوناً .
وليس لأولياء الله شىء يتميزون به عن الناس فى الظاهر من الأمور

الجزء - ١٢٧ - الحادى عشر
المباحات ، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا يحلق شعر أو تقصير ...
بل يوجدون فى جميع طبقات الأمة. فيوجدون فى أهل القرآن . وأهل.
العلم، وفى أهل الجهاد والسيف، وفى التجار والزراع والصناع ...
وليس من شرط الولى أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ. ، بل يجوز
أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور
الدين٠٠٠ (١).
وبعد أن بين - سبحانه - ماعليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية ،
أتبع ذلك بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من أحدائه من أذى.
فقال: ((ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعا، هو السميع العليم)).
أى: ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعدائك فى شأنك ، من أنك ساحر
أو مجنون؛ لأنقولهم هذا إنما هو من باب حسدهم، وجحودهم لدعوتك.
والنهى عن الحزن - وهو أمر نفسى لا اختيار للإنسان فيه - المراد به.
هنا : النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم
أمرها، وبذلك تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها.
وفى هذه الجملة الكريمة تسلية له - صلى الله عليه وسلم - وتأنيس
لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور، حتى لا يتأثر بها
عند وقوعها .
وقوله: ((إن العزة لله جميعا هو السميع العليم) تعليل للنهى على طريقة
الاستشاف. فكأنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال: ومالى لا أحزن وهم قد
كذبوا دعوتى؟ فكان الجواب: إن الغلبة كلها، والقوة كلها لله وحده
لا لغيره، فهو - سبحانه - القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك.
منهم، وهو السميع، لأقوالهم الباطلة، ((العليم)) بأفعالهم القبيحة:
وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقاباً ألماً .
(١) من تفسير القاسمى ج ٩ ص ٣٣٧٤ - طبعة الحلبى سنة ١٩٥٨.

سورة
- ١٢٨ - يونس
ولا تعارض بين قوله - سبحانه - (( إن العزة لله جميعاً، وبين قوله فى آية
أخرى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (١)»؛ لأن كل عزة لغيره -سبحانه-
فهى مستمدة من عزته ، وكل قوة مستمدة من تأييده وعونه ، والرسول.
- صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون، إنما صاروا أعزاء. بفضل ركونهم إلى
عزة الله - تعالى - وإلى الاعتماد عليه، وقد أظهرها - سبحانه - على
أيديهم تكريماً لهم.
ولذا قال القرطى -- رحمه الله - قوله: (( إن العزة لله جميعا، أى:
القوة الكاملة ، والغلبة الشاملة ، والقدرة التامة لله وحده ، فهو ناصرك
ومعينك ومانعك. و((جميعا)) نصب على الحال، ولا يعارض هذا قوله:
((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فإن كل عزة بالله فهى كلها لله، قال
- سبحانه -، ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون)) (٢).
ثم قال - تعالى - ((ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض»
أى : ألا إن لله وحده ملك جميع من فى السموات ومن فىالآرض من[نس
وجن وملائكة .
وجاء التعبير القرآنى هنا بلفظ من الشائع فى العقلاء، للإيذان بعدم الحاجة
إلى التصريح بغيرهم ، لأنهم إذا كانوا مع شرفهم وعلو منزلتهم مملوكين لله
- تعالى - كان غيرهم ممن لا يعقل أولى بذلك .
قال صاحب الكشاف: قوله: ( ألا إن لله من فى السموات ومن في الأرض))
يعنى العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان. وإنما خصهم بالذكرليؤذن أن
هؤلاء إذا کانوا له وفی ملکه ، فهم عبید کلهم ، وهو - سبحانه - ربهم،
ولا يصلح أحدمنهم الربوبية، ولا أن يكون شريكاله فيها، فما وراءهم. لا يعقل
(١) سورة المنافقون الآية ٨
(٢) تفسير القرطى ج ٨ ص ٣٥٩

- ١٢٩ - الحادى عشر
الجزء
:أحق أن لا يكون له ندا وشريكا ، وليدل على أن من اخذ غيرهربامن ملك
أو إنس، فضلا عن صغم أو غير ذلك ، فهو مبطل قابع لما أدى إليه التقليد
« وترك النظر)(١) .
وقوله (( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء)).
أى: وما يتبع هؤلاء المشركون فى عبادتهم لغير الله شركاء فى الحقيقة،
- وإنماهم يتبعون أشياء أخرى سموها من عند أنفسهم شركاء جهلامنهم، لأن الله
- تعالى - تنزه وتقدس عن أن يكونلهشريك أوشركاء فىملكهأو فىعبادته.
وعلى هذا التفسير تكون «ما، فى قوله (وما يتبع، نافية، وقوله وشركاء)
مفعول يقبع ، ومفعول يدعون محذوف لدلالة ماقبله عليه. أى: وما يتبع
الذين يدعون من دون الله الهة شركاء.
ويجوز أن تكون ((ماء استفهامية منصوبة بقوله , يتبع))، ويكون
قوله (( شركاء)) منصوب بقوله ((يدعون)) وعليه يكون المعنى:
أى شىء يقبع هؤلاء المشركون فى عبادتهم؟ إنهم يعبدون شركاء سهموهم بهذا
الإسم من عند أنفسهم ، أماهم فى الحقيقة فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولاضرا.
وقوله: (( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)) أى: ما يتبعون فى
عبادتهم لغير الله إلا الظن الذى لا يغنى عن الحق شيئا، وإلا الخرص المبنى
على الوهم المكاذب ، والتقدير الباطل .
وأصل الخرص : الحزر والتقدير للشىء على سبيل الظن لا على سبيل
الحقيقة :
قال الراغب : وحقيقة ذلك أن كل قول مقول عن ظن تخمين يقال له
خرص، سواء كان مطابقا للشىء أو مخالفا له ، من حيث إن صاحبه لم يقله
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٤٤.
( م ٩ - سورة يونس )

سورة - ١٣٠ - يونس
عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع ، بل أعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل
من يخرص الثمر على الشجر -، وكل من قال قولا على هذا النحو قد يسمى
كاذبا وإن كان قوله مطابقا للمقول المخبر عنه .
وقيل: الخرص: الكذب كما فى قوله - تعالى - ((وإن هم إلا يخرصون
أى يكذبون (١)،.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر نعمه على عباده فقال - تعالى-«هو
الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ... ».
أى: الله وحده - سبحانه - هو الذى جعل لكم الليل مظلما، لكى
تستقروا فيه بعد طول الحركة فى نهاركم من أجل معاشكم ، وهو الذى جمل
لكم النهار مضيئا لكى قبصروا فيه مطالب حياتكم .
والجملة الكريمة بيان لمظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده، بعد بيان سعة
علمه ، ونفاذ قدرته ، وشمولها لكل شىء فى هذا الكون .
وقوله (( إن فى ذلك لآيات لقوم يسمعون، أى: إن فى ذلك الجمل
المذكور لدلائل واضحات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم سماع تدير وتعقل،
يدل على سعة رحمة الله - تعالى - بعباده، وتفضله عليهم بالنعم التى لا تحصى.
ثم شرع - سبحانه - فى بيان أقبح الرذائل التى تفوه بها المشر كون فقال:
((قالوا اتخذ الله ولدا ... )).
والمراد بهؤلاء القائلين: اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله - والنصارى
الذين قالوا: المسيح ابن الله، وكفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات اللّه:
وغيرهم ممن نحانهوهم فى تلك الأقوال الشائنة .
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى صـ ١٤٦ - بتصرف
وتلخيص .

الجزء
- ١٣١ -
الحادى عشر
وقوله : (( سبحانه هو الغنى له ما فى السموات والأرض، تنزيه له
- عز وجل - عما قالوا، فى حقه من أقاويل باطلة .
أى: تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد ؛ لأنه هو الغنى بذاته عن الولد
وعن كل شىء ، وهو المالك لجميع الكائنات علويها وسفليها ، وهو الذى
لايحتاج إلى غيره، وغيره محتاج إليه ، وخاضع لسلطان قدرته .
قال - تعالى -: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إذا. تكاد
السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخر الجبال هذا . أن ادعوا
للرحمن ولدا . وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من فى السموات
والأرض إلا آت الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آ تيه
يوم القيامة فرداً ، (١) .
. وقوله: ((إن عندكم من سلطان بهذا، تجهيل لهم ورد عليهم. و((إن))
هنا نافية، و((من)، مؤكدة لهذا النفى ، ومفيدة للعموم . والسلطان :
الحجة والبرهان .
أى: ماعندكم دليل ولاشبهة دليل على مازعمتموه من أن الله ولدا، وإنما
قلتم ماقلتم لانطماس بصيرتكم، واستحواذ الشيطان على نفوسكم .
وقوله - سبحانه - (( أتقولون على الله مالا تعلمون)) توبيخ آخر لهم
علی جهلهم و کذبهم .
أى: أتقولون على الله - تعالى - قولا، لاعلم لكم به. ولا معرفة لكم
بحقيقته؟ إن قولكم هذا لهو دليل على جهلكم وعلى تعمدكم الكذب والبهتان.
قال الآلوسي : وفى الآية دليل على أن كل قول لادليل عليه فهو جهالة.
وأن العقائد لابد لها من قاطع، وأن التقليد بمعزل من الاهتداء (٢))).
(١) سورة مريم الآيات من ٨٨ - ٩٥
(٢) تفسير الآلوسي = ١١ ص ١٥٦

سورة - ١٣٢ - يو اس
وقوله: ((قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)) إنذار لهم
بسوء العاقبة إذا ما استمروا على شركهم .
أى : قل لهؤلاء المشركين على سبيل الإنذار والتهديد: إن الذين يفترون
على الله الكذب بنسبة الولد إليه، والشريك له، لا يفلحون ولا يفوزون
مطلوب أملا .
وقوله - سبحانه - ((متاع قليل)) بيان لتفاهة ما يحرصون عليه من
شهوات الحياة الدنيا . وهو خبر لمبتدأ محذوف.
أى : أن ما يتمتعون به فى الدنيا من شهوات وملذات ، هو متاع قليل
مهما كثر ؛ لأنه إلى فناء واندثار .
ثم بين - سبحانه- سوء مصيرهم بعد أن غرتهم الدنيا بشهواتها فقال:
((ثم إلينا مرجعهم، ثم نفيقوم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون)).
أى : ثم إلينا لا إلى غيرنا مرجعهم يوم القيامة ، ثم تحاسبهم حساباً
عسيراً على أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة، ثم نذيقهم العذاب الشديد
بسيب كهرهم بآياتنا ، وتكذيبهم لنبينا - صلى الله عليه وسلم - .
وبذلك زى أن هذه الآيات الكريمة، قد مدحت أولياء الله الصالحين،
وبشرتهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، وأقامت الأدلة على قدرة الله
النافذة ورحمته الواسعة، وردت على افتراءات المشركين بما يبطل أقوالهم،
ويفضح مزاعمهم .
وبعد أن ساقت السورة الكريمة ما ساقت من الأدلة على وحدانية الله وعلى
صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة
المكذبين ... بعد كل ذلك تحدثت عن بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم ،
فبدأت بجانب من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وكيف أن الله
- تعالى - أغرقهم بعد أن تمادوا فى ضلالهم، فقال - سبحانه -:

- ١٣٣ -
الجزء
الحادى عشر
وَثْلُ عَلَيْهِمْ نَأَ نُوجِ إِذْ قَلٌ لِقُوْمِهِ، يَنقَّوْمِ إِن كَانَ كُرَ عَلَيْكُم
مَّقَاعِى وَتَذْكِى بِعَايَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْعُواْ أَمْرَكُمْ
وَثُرَ كَ كُمْ ثُمَّلَا يَكُنْ أَمْرُ كُمْ عَلَيْكُمْ نُمَّةً ثُمَ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا
شُغِرُونِ ﴿ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَبْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِنَ ﴾ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْتَهُ
،َمَنْ مَّعَهُ، فِ الْقُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَيْفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ
يِثَايَقِنَاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
قال الإمام الرازى: أعلم أنه - سبحانه - لما بالغ فى تقرير الدلائل
والبينات وفى الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك فى بيان بعض
قصص الأنبياء - عليهم السلام - لوجوه :
أحدها : أن الكلام إذا طال فى تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما
حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى
فن آخر ، انشرح صدره . ووجد فى نفسه رغبة جديدة .
وثانيها: ليكون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، أسوة بمن
سلف من الأنبياء ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أن معاملة
الكفار لأنبياخم ـيئه ... خف ذلك على قلبه، لأن المصيبة إذا عمت خفت.
وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعدوا أن العاقبة للمتقين
كان ذلك سببا فى انكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل فى نفوسهم،
وحينئذ يقلعون عن أنواع الإيذاء والسفاهة ... )) (١).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٠١٣٥

سورة - ١٣٤ - يونس
وفوح - عليه السلام - : واحد من أولى العزم من الرسل، وينتهى
نسبه إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر فى القرآن فى ثلاث
وأربعين موضعا .
وكان قومه يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم نوحا ليدهم على
طريق الرشاد .
وقد تكررت قصته مع قومه فى سورة الأعراف ((وهود؛ والمؤمنون)،
ونوح ... بصورة أكثر تفصيلا.
أما هنا فى سورة يونس فقد جاءت بصورة مجملة ، لأن الغرض منهاهنا،
إبراز جانب التحدى من فوح لقومه، بعد أن مكث فيهم زمانا طويلا ،
يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وترك عبادة غيره .
والمعنى: واقل - يا محمد - على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا
على افتراء الكذب، فبأ نوح - عليه السلام - مع قومه المنقرين بأموالهم
وكثرتهم ليتدبروا ما فى هذا النبأ من عظات وعبر، وليعلموا أن سنة الله
- تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة للمتقين .
والمقصود من هذه التلاوة، دعوة مشركى مكة وأمثالهم ، إلى التدبر فيما
جرى للظالمين من قبلهم ، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم
ويتبعون الدين الحق الذى جاءهم به نبيهم محمد - صلى اله عليه وسلم -.
وقوله: « یا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتف كيري بآيات الله فعلى الله
توكلت ... )) بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا، وسمع منهم
ما سمع من استهزاء بدعوته ، وتطاول على أتباعه .
أى : قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا: يا قوم إن كان
( كبر عليكم)).

الجزء
- ١٣٥ -
الحادى عشر
أى: شق وعظم عليكم «مقامى، فيكم، ووجودى بين أظهركم عمر اطويلا
« وتذكيرى، إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته، والتى تستلزم
عندكم إخلاص العبادة له، والشكر لنعمه .
إن كان كبر عليكم ذلك، فعلى الله وحده توكلت، وإليه وحده فوضت
أمرى ، ولن يصرفنى عن الاستمرار فى تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أووعيد
منكم.
وخاطبهم - عليه السلام - بقوله: يا قوم، استمالة لقلوبهم، وإشعاراً
.. لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر.
وجملة ((فعلى الله توكلت)) جواب الشرط. وقيل جواب الشرط
محذوف والتقدير: إن كان كبر عليكم ذلك ، فافعلوا ماشئتم ، فانى على الله
. وحده توكلت فى تبليغ دعوته لكم .
وقوله: ((فأجمعوا أمركم وشركاءكم، معطوف على ما قبله .
والفعل (« أجمعوا، بقطع الهمزة مأخوذ من أجمعت على الأمر، إذا
- عزمت عليه عزماً مؤكداً ، ووطنت نفسك على المضى فيه بدون تردد
. أو إتقاعس.
والمراد بالأمر هنا : المكر والكيد والعداوة وما يشبه ذلك.
والمراد بشركاتهم: أصنامهم التى عبدوها من دون الله، وظنوا فيها النفع
. والضر، والتمسوأ منها العون والنصرة.
والمعنى: أن نوحا - عليه السلام - قد قال لقومه بصراحة ووضوح:
ياقوم إن كان قد شق عليكم مقامى فيكم «رقذ كيرى إياكم بآيات الله الدالة
على وحدانيته ، فاجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وکید بى ، ثم ادعوا
شركاءكم ليساعدو كم فى ذلك ، فانى ماض فى طريقى الذى أمرنى الله به،
جدون مبالاة بمكركم، وبدون اهتمام بكيدكم .

سورة - ١٣٦ - يونس
قال الآلوسي: وقوله ((وشركاءكم)) منصوب على أنه مفعول معه
لأن الشركاء عازمون لامعزوم عليهم .. وقيل إنه منصوب بالعطفه.
على قوله ((أمركم، بحذف المضاف. أى فاجمعوا أمركم وأمر شركائكم.
وقرأ نافع : فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم من جمع وعطفه
الشركاء على الأمر فى هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال: جمعتشركائی،
كما يقال جمعت أمرى ... )) (١).
وقوله: ((ثم لا يكن عليكم أمركم غمة، معطوف على ما قبله، ومؤكد
لمضمونه .
وكلمة (( غمة، بمعنى الستر والخفاء. يقال: غم على فلان الأمر، أى:
خفى عليه واستتر .
ومنه الحديث الشريف : صوموا لرؤيته - أى الهلال - وأفطروا لرؤيته
فإن غم عليكم ، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ، أى فإن استقر وخفى
عليكم الهلال ، وحال دون رؤيته لكم حائل من غيم أوضباب ،.
فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما .
أى: أجمعوا ما تريدون جمعه لى من مكر وكيد واستعينوا على ذلك
بشركاتكم ، ثم لا يكن أمركم الذى أجمعتم على تنفيذه فيه شىء من الستر
أو الخفاء أو الالتباس الذى يجعلكم مترددين فى المضى فيه، أو متقاعسين.
عن مجاهرتى بما تريدون فعله معى .
ومنهم من يرى أن كلمة « غمة، هنا بمعنى الغم كالكربة بمعنى الكرب.
أى: ثم لا يكن حالكم غما كا ئنا عليكم بسبب مقامى فيكم وقدكيرى إيا كم بآيات الله
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الوجهين فقال: فإن قلت : مامعنى.
الأمرين : أمرهم الذى يجمعونه ، وأمرهم الذى يكون عليهم غمة ؟
(١) تفسير الألوسى جـ ١١ ص ١٤٠.

- ١٣٧ -
الجزء
الحادى عشر
قلت : أما الأمر الأول ، فالقصد إلى إهلاكه. يعنى : فاجمعو اماتريدون
من إهلاكى، واحتشدوا فيه، وابذلوا وسعكم فى كيدى. وإنما قال ذلك،
إظهارا لقلة مبالاته بهم، وثقته بما وعده به ربه من كلامته وعصمته إياه ،
وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا .
وأما الثانى ففيه وجهان : أحدهما أن يراد مصاحبتهم له، وما كانوا فيه
معه من الحال الشديدة عليهم . المكروهة عندهم . يعنى : ثم أهلكونى لئلا
يكون عيشكم بسبى غصة عليكم . وحالكم عليكم غمة. أى : غماوهما.
والغم والغمة كالكرب والكرية .
والثانى أن يراد به ما أريد بالأمر الأول ، والغمة السترة من غمه إذا ستره
وفى الحديث ((لا غمة فى فرائض الله (( أى لا تستر ولكن يجاهر بها.
يعنى: ولا ليكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا عليكم ,ولكن مكشوفا
مشهورا تجاهروننى به » (١) .
وقوله: (( ثم اقضوا إلى ولا تنظرون)) زيادة فى تحديهم وإثارتهم.
والقضاء هنا بمعنى الأداء، من قولهم : قضى المدين للدائن دينه، إذا
أداه إليه، وقضى فلان الصلاة . أى أداها بعد مضى وقتها .
أى: ثم أدوا إلى ذلك الأمر الذى تريدون أداءه من إيذائى أو إهلاكى
بدون إنظار أو إمهال :
ويصح أن يكون القضاء هنا بمعنى الحكم. أى: ثم احكموا على بماتريدون
من أحكام ، ولا تتركوا لى مهلة فى تنفيذها ، بل نفذوها على فى الحال.
فأنت ترى فى هذه الآية الكريمة . كيف أن نوحا - عليه السلام -كان
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٤٥ طبعة مصطفى الحلى سنة ٠١٩٦٦ ،

١٣٨ - يونس
سورة
فى نهاية الشجاعة فى مخاطبته لقومه ، بعد أن مكث فيهم ما مكث وهو يدعوهم
إلى عبادة الله - تعالى - وحده .
فهو - أولا - يصارحهم بأنه ماض فى طريقه الذى أمره الله بالمضى فيه،
وهو تفكيرهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى وجوب إخلاص
العبادة له ، سواء أشق عليهم هذا التذكير أم لم يشق، وأنه لا اعتماد له على
أحد إلا على الله وحده .
وهو - ثانيا - يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركاتهم، وأن يأخذوا
.أمبتهم لكيده وحربه .
وهو - ثالثا - يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون تستر أو خفاء، فإن
الأمر لا يحتاج إلى غموض أو تردد، لأن حاله معهم قد أصبح واضحا وصريحا
وهو - رابعاً - يأمرهم بأن يبلغوه ما توصلوا إليه من قرارات وأحكام،
وأن ينفذوها عليه بدون تريث أو إنتظار ، حتى لا يتركوا له فرصة
للاستعداد النجاة من مكرهم ...
وهكذا ترى نوحا - عليه السلام - يتحدى قومه تحدياً صريحا مثيرا،
حتى إنه ليغريهم بنفسه، ويفتح لهم الطريق لإيذائه وإهلاكه، - إن
إستطاعوا ذلك - .
ومالجأ - على السلام - إلى هذا التحدى الواضح المثير، إلا لأنه كان
معتمدا على الله - تعالى - الذى تتضاءل أمام قوته كل قوة وتهاوى إزاء
سطوقه كل سطوة ، ويتصاغر كل قدبير وتقدير أمام تدبيره وتقديره.
وهكذا نرى القرآن الكريم يسوق الدعاة فى كل زمان ومكان تلك
المواقف المشرقة لرسل الله - عليهم الصلاة السلام - لكى يقتدوابهم فى
شجاعتهم ، وفى إعتمادهم على الله وحده ، وفى ثباتهم أمام الباطل، مهما بلغت
خوته ، واشتد جبروته .

الجزء
- ١٣٩ -
الحادىعشر
ومتى فعلوا ذلك، كانت العاقبة لهم، لأنه - سبحانه - تعهد أن ينصر
من ينصره .
ولنمض مع القصة حتى النهاية لغرى الدليل على ذلك ، فقد حكى-سبحانه-
ما دار بين نوح وبين قومه بعد هذا التحدى السافر لهم فقال :
(فإن قوليتم، أى: فإن أعرضتم - أيها الناس - عن قولى، وعن تذكيرى
إياكم بآيات الله بعد وقوفكم على أمرى وعلى حقيقة حالى (فما سألتكم من أجر
أى: فأنى ما سألتكم فى مقابل تذكيرى لكم ((أو دعوتى إيا كم إلى الحق،
من أجر تؤدونه لى - ((إن أجرى إلا على الله، وحده، فهو الذى يثيبنى على
قولى وعملى، وهو الذى يعطينى من الخير ما يغنينى عن أجركم وعطائكم،
وهو - سبحانه - الذى أمرنى ((أن أكون من المسلمين، أى: المنقادين
.لأمره، المتبعين لهديه، المستسلمين لقضائه وقدره .
ثم بين - سبحانه - العاقبة الطيبة التى آل إليها أمر نوح - عليه السلام،
والعاقبة السيئة التى انتهى إليها حال قومه فقال: ((فكذبوه)، أى: فكذب
قوم نوح نبيهم فوحا بعد أن دعاهم إلى الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية،
فماذا كانت نتيجة هذا التكذيب ؟ كانت نتيجته كما حكمته السورة الكريمة
((فنجيناه ومن معه فى الفلك ، أى: فنجينا فوحا ومن معه من المؤمنين ، بأن
أمرفاهم أن يركبوا فى السفينة التى صنعوها بأمر الله ، حتى لا يغرقهم
الطوفان الذى أغرق المكذبين .
وقوله: ((وجعلناهم خلائف، أى: وجعلنا هؤلاء الناجين خلفاء فى الأرض
لأولئك المغرقين ، الذين كذبوا نبيهم أوحا - عليه السلام - وعموا وصموا
عن الحق الذى جاءهم به ، ودعاهم إليه .
هذه هى عاقبة نوح والمؤمنين معه، أما عاقبة من كذبوه فقد بينها-سبحانه-

- ١٤٠ -
سورة
يو اس
فى قوله: «وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، أى: وأغرقنا بالطوفان الذين.
كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا .
((فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ، أى : فانظر وتأمل - أيها العاقل -
كيف كانت نتيجة تكذيب هؤلاء المنذرين الذين لم تنفع معهم النذر والآيات.
التى جاءهم بها نبيهم نوح - عليه السلام - .
فالمراد بالأمر بالنظر هنا : التأمل والاتعاظ والاعتبار ، لا مجرد النظر
الخالى عن ذلك .
وهكذا نجد أن من العبر والعظات التى من أجلها ساق الله - تعالى -.
أمر نوح - عليه السلام - بهذه الصورة الموجزة هنا: إبراز ما كان عليه
نوح - عليه السلام - من شجاعة وقوة وهو يبلغ رسالة الله إلى الناس،
واعتماده التام على خالقه «وتوكله عليه وحده)، وتحديه السافر للمكذبين الذين.
وضعوا العراقيل والعقبات فى طريق دعوته، وتحريضه لهم بمثيرات القول.
على مها جمته إن كان فى إمكانهم ذلك، ومصارحته لهم بأن- فى غى عن أموالهم.
لأن خالقه - سبحانه - قد أغناء عنهم، وبيان أن سنة الله لا تتخلف ولا تتبدل
وهذه السنة تتمثل فى أنه - سبحانه - قد جعل حسن العاقبة للمؤمنين وسوء.
العاقبة المكذبين.
ثم حكمت السورة الكريمة أن الله - تعالى - قد أرسل رسلا كثيرين بعد
نوح- عليه السلام - فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه »
فقال - تعالى - :
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنَّ بَعْدِهِ،
رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمْ لَةُ وهُمْ بِالْبَيِّنَتِ نَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْبِمَا كَذَّبُواْ بِهِ.
◌ِ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطَبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَذِينَ (0َ
أى: ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين ذوى قدر عظيم