Indexed OCR Text

Pages 41-60

- الحادى عشر
٤١٠٠٠-
٠٠الجزء
وقوله: ((وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، أى. وختام دعائهم.
يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين،
قال الإمام القرطبى ماملخصه: ويؤخد من هذه الآية الكريمة أن التهليل
والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء .
روى الشيخان ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان يقول عند الكرب: (( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب
العرش العظيم . لا إله إلا الله رب السموات والأرض، ورب العرش
الكريم)). قال الطبرى : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه
دعاء الكرب.
والذى يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى
الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، مارواه النسائيعن
سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
((دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى
كنت من الظالمين، فإنه ان يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له)) .
ويستحب الداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية
عن أهل الجنة: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، (١).
٥
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس ، وما جبلوا
عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٣١٣ ٠

- ٤٢ -
سورة
يونس
وَلَوْ
٥٠٠
يُعَبِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ النَّ أَسْتِعْبَالَهُ بِالْخَرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمَّ
فَنَذَرُ الَّذِينَلَيَرْجُونَ لِقَآءَا فِىِ مُغْيَئِمْ يَعْمَهُونَ () وَ إِذَا مَسَّ
الْإِنسَنَ الْفُرُّدْ عَنَا لَنِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآَبِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
ضُرَّهُ مَ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَآ إِلَى خُرِّ مَّبَّةٍ كَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِنَّ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قال صاحب المنار: هاتان الآيتان فى بيان شأن من شؤون البشروغرائزهم فيما
يعرض لهم فى حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر ، وشعورهم بالحاجة
إلى الله - تعالى - واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها، واستعجالهم الأمور
قبل أوانها . وهو تعريض بالمشركين ، وحجة على ما يأتون من شرك ،
وما ينكرون من أمر البعث، متمم لما قبله، ولذلك عطف عليه)) (١).
وقوله: ((يعجل)) من التعجيل بمعنى طلب الشىء قبل وقته المحدد له.
والاستعجال : طلب التعجيل بالشىء.
والأجل : الوقت المحدد لانقضاء المدة . وأجل الإنسان هو الوقت
المضروب لانتهاء عمره .
والمراد بالناس هنا - عند عدد من المفسرين -: المشركون الذى وصفهم
الله - تعالى - قبل ذلك بأنهم لا يرجون لقاءه ورضوا بالحياة الدنيا
واطمأنوا بها .
ولقد حكى القرآن فى كثير من آياته ، أن المشركين قد استعجلوا الرسول
عَّ له - فى نزول العذاب، ومن ذلك قوله - تعالى - «ويستعجلونك
(١) تفسير المنار ج ١١ ص ٠٣١١

الجزء - ٤٣ - الحادى عشر
-بالعذاب، ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب، وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون
يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم المحيطة بالكافرين (١)، وقوله - تعالى -:
(( وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من
السماء أو اثقنا بعذاب أليم، (٢).
والمعنى: ولو يعجل الله - تعالى - لهؤلاء المشر كين العقوبة التى طلبوها،
تعجيلا مثل استعجالهم الحصول على الخير، ((لقضى إليهم أجلهم، أى:
لأميتوا وأهلكوا جميعاً، ولكن الله - تعالى - الرحم بخلقه، الحكم فى
أفعاله ، لا يعجل لهم العقوبة التى طلبوها كما يعجل لهم طلب الخير لحكمة هو
يعلمها؛ فقد يكون من بين هؤلاء المتعجلين للعقوبة من يدخل فى الإسلام،
ويتبع الرسول - عليه الصلاة والسلام - .
قال الإمام الرازى: فقد بين - سبحانه - فى هذه الآية. أهم لا مصلحة
لهم فى تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه - تعالى - لو أوصل ذلك العقاب
إليهم لمانوا وهلكوا، ولا صلاح فى إماتتهم ، فربما أمنوا بعد ذلك ،
وربما خرج من أصلابهم من كان مؤمناً ، وذلك يقتضى أن لا يعاجلهم
بإيصال ذلك الشر، (٣).
ومن العلماء من يرى أن المراد بالناس هنا ما يشمل المشركين وغيرهم ،
. وأن الآية الكريمة تحكى لوناً من ألوان لطف الله بعباده ورحمته بهم.
ومن المفسرين الذين اقتصروا على هذا الاتجاه فى تفسيرهم الإمام
ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: بخير - تعالى- عن حلمه ولطفه
بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم
(١) سورة العنكبوت الآيتان ٥٢، ٥٣ ٠
(٢) سورة الأنفال الآية ٤٢ .
(٣) تفسير الفخر الرازى - ١٧ ض ٤٨ طبعة عبد الرحمن محمد .

تفسير سورة - ٤٤ - يونس
بالشر فى حال صجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك).
فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا
لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والسخاء ، ولهذا قال :
ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم ... ».
أى : لو استجاب لهم جميع ما دعوه به فى ذلك لأهلكهم .
ثم قال: ولكن لا يتبغى الإكثار من ذلك ، كما جاء فى الحديث الذى
رواه الحافظ أبو بكر البزار فى مسنده عن جابر قال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: (لا تدعوا على أنفسكم، لا ندعوا على أولادكم، لاقدعوا
على أموالكم ، لا توافقوا من اللّه ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم،.
وقال مجاهد فى تفسير هذه الآية: هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا
غضب عليه : اللهم لاتبارك فيه والعنه ، فلو يعجل لهم الاستجابة فى ذلك
كما يستجاب لهم فى الخير لأهلكهم (١) .
أما الإمام الآلوسى فقد حكى هذين الوجهين، ورجح الأول منهما فقال:
قوله: ((ولو يعجل الله للناس الشر ... ، وهم الذين لا يرجون لقاء الله - تعالى -
المذكورون فى قوله: (( إن الذين لا يرجون لقاءفا)) ... والمراد لو يعجل
الله لهم الشر الذى كانوا يستعجلون به تكذيباً واستهزاء ... وأخرج
ابن جرير عن قتادة: أنه قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره
أن يستجاب له، وفيه حمل الناس على العموم، والمختار الأول ، ويؤيده
ما قيل : من أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن
كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو اثقنا بعذاب.
ألم، (٢) .
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤٠٩.
(٢) تفسير الالوسى ج ١١ ص ٠,٧٩

الحادى عشر
الجزء - ٤٥
والذى يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى، ويدخل فيه
المشر كون دخولا أوليا، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى
لو صح ما قيل من أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث، فإن العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب .
وقوله ((استعجالهم بالخير)) منصوب على المصدرية. والأصل: ولو
يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، حذف تعجيلا
وصفته المضافة ، وأقيم المضاف إليه مقامها .
ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة فى عدم تعجيل العقوبة فقال:
((فنذر الذين لا يرجون لقاءنا فى طغيانهم يعمرون)).
والطغيان: مجاورة الحـ فى كل شىء، ومنه طغا الماء إذا ارتفع وتجاوز
حده .
ويعمهون: من العمه. يقال: عمه - كفرح ومنع - عمها، إذا تخير
وتردد فهو عمه وعامه .
أى: لا تعجل للناس ما طلبوه من عقوبات، وإنما نترك الذين لا يرجون
لقاءنا يوم القيامة ، على سبيل الإمهال والاستدراج فى الدنيا فى طغيانهم
يتحيرون وبقرددون، بحيث فلتبر عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر.
ثم صور - سبحانه - طبيعة الإنسان فى حالتى العسر واليسر فقال:
« وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنيه أو قاعداً أو قائماً، فلما كشفنا عنه
ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .
والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الاحساس والإصابة .
والضر: ما يصيب الإنسان من سوء الحال فى نفسه أو بدنه أو غيرهما
عما يحبه ويشتهيه .
والمعنى: ((وإذا مس الإنسان الضر، عن طريق المرض أو الفقر أو غيرهما
ے

تفسير سورة
- ٤٦ -
يونس
«دعانا، بإلحاح وتضرع لكى نكشفه عنه، فهو تارة يدعونا وهو مضطجع.
على جنبه، وقارة يدعونا وهو قاعد ، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه ..
((فلما كشفنا عنه ضره)، وما أصابه من سوء «مر كأن لم يدعنا إلى ضر
مسة، أى: مضى واستمر فى غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب،
ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح لكشفها .
وخص - سبحانه - هذه الأحوال بالذكر : اعدم خلو الاسان
عنها فى العادة .
وقيل : يصح أن يراد بهذ، الأحوال تعميم أصناف المضار، لأنها قد
تكون خفيفة فيدعو انه وهو قائم ، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو
قاعد ، وقد تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم .
ورحم الله صاحب الكفاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية. فان
قلت : فما فائدة ذكر هذه الأحوال .
قلت : معناه أن المضرور لايزال داعياً لا يفر عن الدعاء حتى يزول عنه
الضر، فهو يدعونا فى حالاته كلها، سواءً كان منبطحاً عاجزاً عن النهوض،
أم كان قاعداً لايقدر على القيام، أم كان قائماً لا يطيق الممشى ...
ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب
الفراش!، ومنهم من هو أخف، وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع
للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأن الإنسان للجنس .. » (١)
وفى التعبير بالمس، إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى ولو كان يسيراً
فإنه لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله بأنه يكثفه عنه ،
وقوله ((لجنبه)) فى موضع الحال من فاعل ((دعا، و«أو، لتنويع
الأحوال ، أو لأصناف المضار .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٨.

الجزء
- ٤٧ -
الحادى عشر
والتعبير بقوله - سبحانه - («هر)، يمثل أدق تصوير لطبيعة الإنسان الذى
يدعو الله عند البلاء، وينساه عند الرخاء، فهو فى حالة البلاء يدعو الله
فى كل الأحوال ، فإذا مانكشف عنه البلاء مر واندفع فى تيار الحياة ،
بدون كابح، ولا زاجر ، ولا مبالاة، وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر ...
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((كذلك زين المسرفين ما كانوا
يعملون، أى : كمازين لهذا الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند
الرخاء ، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين لحدود الله، ما كانوا يعملونه من
إعراض عن ذكره ، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه فى كونه .
قال الألوسى : وفى الآية ذم لمن يترك الدعاء فى الرخاء، ويهرع إليه
فى الشدة، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه فى السراء والضراء ، فإن
ذلك أرجى للإجابة . ففي الحديث الشريف: «تعرف إلى الله فى الرخاء
يعرفك فى الشدة .
وأخرج أبو الشيخ عن أبى الدرداء قال : أدع الله يوم سرائك يستجب
لك يوم ضرائك .
وفى حديث للترمذى عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح
الإسناد, من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والمكروب، فليكفر
من الدعاء عند الرخاء ، (١) .
وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، وقدم ذم الله - تعالى-من
هذه طريقته وصفته فى الدعاء . أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق
والرشاد فإنه مستثنى من ذلك، - لأنه يدعو الله فى الشدة والرخاء -،
وفى الحديث الشريف: عجباً لأمر المؤمن لا يقض الله له قضاء إلا كان خيراًا:
إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له.
(١) تفسير الآلوسى ج ١١ ص ٨٠.

يونس
- ٤٨ -
تفسير سورة
وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن )) (١) .
وبعد أن بين - سبحانه - جانباً من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه .
أتبع ذلك ببيان مصير الأمم الظالمة ليكون فى ذلك عبرة وعظة فقال - تعالى -:
وَلَقَدْ أَهْلَكَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ
رَوَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّشَتِ وَمَا كَابُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ تَجْزِئٍ
"الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( ثُمَّجَعَلْتَكُمْ خَيِّفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ
◌ِنَظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (
١٤
والخطاب فى قوله: (ولقد أهلكنا ... ، لأهل مكة الذين كانوا
معاصر بن للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومناوتين لدعوته، ويدخل فيه غيرهم
من يصلح للخطاب على سبيل التبع .
والقرون جمع قرن . والقرن - كما يقول القرطى - الأمة من الناس؛
قال الشاعر :
إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم وخلفت فى قرن فأنت غريب
فالقرن كل عالم فى عصره، مأخوذمن الاقتران ، أى عالم مقترن بعضهم
إلى بعض .
وفى الحديث الشريف: خير القرون قرنى - يعنى أصحابى - ثم الذين
يلونهم ، ثم الذين يلونهم ..
فالقرن على هذامدة من الزمان. قيل: ستون عاما، وقيل سبعون ، وقيل
ثمانون، وقيل: مائة سنة، وعليه أكثر أصحاب الحديث، أن القرن مائة سنة،
واحتجوا بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعبدالله بن بسر: تعيش قرنا
فعاش مائة سنة ( ٢) و((لما، ظرف بمعنى حين، وهو متعلق بقوله (( أهلكنا)).
(١) تفسير بن كثير ج٢ ٩٠ ٤ (٢) تفسير القرطبى ج ٦ هـ ٢٩٤

الجزء - ٦٥ - الحادى عشر
والمراد بالربح الطيبة: الربح المناسبة لسير السفن، والموافقة لا تجاهها.
أى: هو - سبحانه - وحده الذى ينقلكم من مكان إلى آخر فى البر
والبحر، حتى إذا كنتم فى إحدى مرات تسيير كم راكبين فى السفن التى سخرها
. لكم، وجرت هذه السفن لمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذى
تقصدونه، وأنتم فى حالة فرح غامر، وسرور شامل ٠٠٠, جامتها ربح
, عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم .
٠٠٠
والريح العاصف: هى الريح الشديدة القوية. يقال: عصفت الريح
. وأعصفت، فهى عاصف إذا اشتدت فى سرعتها وهيجانها ..
والموج: ما ارتفع من مياه البحار، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد
الراجح. وقوله: ((أحيط بهم)) أى: أحاط بهم البلاء من كل ناحية. يقال
- لمن وقع فى بلية ، قد أحيط به . وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه
جعله على حافة الهلاك .
أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم فى البحر وهم فى فرح وحبور،
- جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج
من كل مكان، واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين -
أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه .
وقوله: ((بهم، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن
يقال: حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بكم، لكن جاء الكلام على أسلوب
الالتفات ، المبالغة فى تقبيح أحوالهم ، وسوء ومنيعهم، وإعمال شئونهم،
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما فائدة صرف الكلام من الخطاب
إلى الغيبة؟ قلت المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ، ويستدعى
منهم الإنكار والتقبيح، (١).
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠١٣١
(٥ - سورة يونس )

سورة
- ٦٦ - يونس
وقوله: «دعوا الله مخلصين له الدين لن أنجيتنا من هذه لنكونن من.
الشاكرين ، بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج
العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت .
أى فى تلك الساعات العصيبة، واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله
وحده قائلين : نقسم لك ياربنا ، وبامن لا يعجزك شىء، لئن أنجيتنا من تلك
الأهوال التى نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك ، المطيعين لأمرك،
المتبعين لشرعك . . .
وهنا، وبعد هذا الدعاء العريض، هدأت العاصفة، وانخفضت الأمواح،
وسكنت النفوس بعض السكون، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا
كانت النتيجة ؟
كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم: (فلما أنجاهم إذاهم يبغون فى.
الأرض بغير الحق ... )).
أى: فحين أجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم
الذى كانوا فيه ، إذاهم يسعون فى الأرض فساداً ، ويرتكبون البغى.
الفاضح الذى لا يخفى قبحه على أحد .
وقيد البغى بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك، إذ البغى معناه:
تجاوز الحق . يقال : بغى الجرح إذا تجاوز حده فى الفساد.
فقوله: ((بغير الحق، تأكيد لما يفيده البغى من التعدى والظلم؛ فهو بغى
ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد .
وقيل قيده بذلك ليخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه. فانه يسمى بغيا
فى الجملة، لكنه بحق . وهو قول ضعيف، لأن دفع البغى لا يسمى بغيا. وإنما
يسمى أنصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن الكريم : ولمن انتصر بعد ظلمه.
فأولئك ما عليهم من سبيل)) (١) وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجانية، الإشعار
(١) سورة الشورى الآية ٤١

الجزء
- ٦٧ -
الحادى عشر
بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود ، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر
الأمان، نسوا ما كانوا فيه من أهوال، وسارعوا إلى الفساد فى الأرض ،
دون أن بردعهم رادع، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب .
والتعبير بقوله (( فى الأرض، للإشارة إلى أن يغلبهم قد شمل أفطارها،
ولم يقتصر على جانب من جوانبها .
وقوله - سبحانه - ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة
الدنيا ثم إلينا مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون، خطاب منه - سبحانه-
لأولئك البغاة فى كل زمان ومكان ، قصد به التهديد والوعيد .
أى: يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا فى ساعات الشدة، وهرولوا إلى
البغى بعد زوال تلك الشدة، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غير كم
فأنتم وحدكم الذين ستتحملون سوء عاقبته فى الدنيا والآخرة.
واعلموا أن هذا البغى إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التى لا بقاء
لها، وإنما هى إلى زوال وفناء .
وأعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتح الفانى . فنخبركم يوم
الدين بكل أعمالكم، ومنجازيكم عليها بالجزاء الذى تستحقونه .
وقوله: (( إنما بغيكم)) مبتدأ وخبره , على أنفسكم، أى هو عليكم
فى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وقوله: ((متاع الحياة الدنيا)): قرأ
حفص عن عاصم ((متاع، بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر
أى : تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفافية.
وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتد أ محذوف والتقدير: هو متاع الحياة
الدنيا. وقوله: (ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون)، تذييل قصد
به تهديدهم على بغيهم، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى رتدعو أوينزجروا.

سورة
- ٦٨ -
يونس
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١ - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله فى حالتى الشدة
الرخاء ، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية،
، الحديث الشريف: «تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة.
٢ - أن الناس جيلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن،
ن ذلك يقول الآلوسی: روى أبو داودوالنسائى وغير هما عن سعدبنأبى وقاص
، : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جول فركب البحر فأصابتهم ريح
صرف. فقال أصحاب السفينة اركابها: أخلصوا فإنآلهتكم لا تغنى عنكم شيئا.
ال عكرمة: لمن لم ينجنى فى البحر إلا الإخلاص، ما ينتجينى فى البرغيره.
ام إن لك عهدا إن أنت عافيتنى ما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع بدى
يده، فلأ جدنه عفوا كريما. قال: فجاء فأسلم.
وفى رواية ابن سعد عن أبى مليكه: أن عكرمة لماركب السفينة وأخذتهم
يح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال ما هذا ؟ فقالوا: هذا
كان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى -. قال: ((فهذا ما يدعونا إليه محمد -
إلى اللّه عليه وسلم - فارجعوا بنا. فرجع وأسلم ... » (١).
وقال الفخر الرازى: يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق: اذكرلى دليلا
ن إثبات الصانع؟ فقال له : أخبرنى عن حرفك . فقال: أنا رجل أتجر
البحر . فقال له: صف لى كيفية حالك . فقال: ركبت البحر فانكسرت
سفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة. فقال
مفر : هل وجدت فى قلبك تضرعا ودعاء. فقال نعم . فقال جعفر: فإلهك
د الذى تضرعت إليه فى ذلك الوقت)) (٢).
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠٩٧
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٢٧.

الجزء - ٦٩ - الحادى عشر
وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله
- تعالى - ((هو الذى يسيركم فى البر والبحر ... ، فراعته بلاغة وصفها
لطغيان البحر ... وكان يعمل قائدا لإحدى السفر ... فسأل بعض المسلمين:
أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد سافر فى البحار؟
فقالوا له لا .... (( فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام
البشر وإنما هو كلام الله - تعالى .... )) (١).
٣ - دل قوله - تعالى ((يأبها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ... ، على أن
البغى يجازى أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة .
فأما فى الآخرة فهو مادل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه
أسوأ الجزاء .
وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم»
ويؤيده مارواه البخارى فى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من
حديث أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: مامن ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى
الآخرة من البغى وقطيعة الرحم، (٢) .
قال الآلوسي: وفى الآية من الزجر عن البغى مالا يخفى، فقد أخرج
أبو نعيم والخطيب والديلى وغيرهم عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغى . ثم تلا
- صلى الله عليه وسلم-قوله - تعالى -: ((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم)).
وقوله - تعالى - ((ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. وقوله -تعالى-ولا يحيق
المكر السىء إلا بأهله)).
(١) راجع تفسير المنار جـ ١١ ص ٣٤١.
(٢) , ,
ج ١١ ص ٢٤٣.
,

سورة - ٧٠ - يونس
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: ((لوبغى جبل على جبل لدك الباغى منهما)).
وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه :
فارجع فخير فعال المرء أعدله
اصاحب البغى إن البغى مصرعه
لاندك منه أعاليه وأسفله (١)
لو بغى جبل يوما على جبل
ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل، ولزخرفها الفانى،
قال - تعالى - :
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ
لْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ نَاتُ الْأَرْضِ مِمَّ يَأْكُلُ النَّاسُ
لَأَنْعَمُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَّتِ الْأَرْضُ زُثْرُفَهَا وَأَّنَتْ وَظَرَِّ
لَهَا أَنَّهُمْ قَدِدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُ نَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا.
صِيدًا كَأَن لَّمْ تَفْنَ بِالْأَمْسِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ
مَكَّرُونَ (چ)
وقوله - سبحانه - ((إنما مثل ... )) المثل بمعنى المثل. والمثل: النظير
والشبيه ، ثم أطلق على القول السائر المعروف لماثلة مضر به - وهو الذى يضرب
فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا. ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم أستعير
لمصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة، وعلى هذا المعنى
يحمل المثل فى هذه الآية وأشباهها .
والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفى، وتقريب الشىء المعقول من
الشىء المحسوس، وعرض الأمر الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى
الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.
(١) تفسير الآلونى جـ ١١ ص ٠١٠٠

الجزء : - ٧١ - الحادى عشر
والمعنى: إنما صفة الحياة الدنيا وحالها فى سرعة زوالها، وانصرام
تعيمها بعد إقباله، كحال ((ماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض)»
أى : فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره
وتجاوزه ونمائه .
وشبه - سبحانه - الحياة بماء السماء دون ماء الأرض، لأن ماء السماء
وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص ، بخلاف ما. الأرض،
فكان تشبيه الحياة به أنسب .
وقوله: (( مما يأكل الناس والأنعام، معناه: وهذا النبات الذى نماوازدهر
جسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه .
وبعضه ما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة .
وجملة ((مما يأكل الناس والأفعام، حال من النبات.
وقوله: (( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزيلت .. )) تصوير
بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها ، وبعد أن أفبتت من كل
زوج بهج.
ولفط (( حتى)) غاية المحذوف: أى نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض
وربت وأنبتت النبات الذى مازال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض
زخرفها .
والزخرف: الذهب وكمال حسن الشىء. ومن القول حسنه، ومن
الأرض أوان نباتها .
أى : حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبها.ها وجمالها، وأزينت بمختلف
أنواع النباتات ذات المناظر البديعة ، والألوان المتعددة .
قال صاحب الكشاف: وهو كلام فصيح، جعلت الأرض آخذة زخرفها
حزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الشباب الفاخرة من كل لون فاكتستها،

سورة - ٧٢ - يونس
.تزينت بغيرها من ألوان الزينة، أصل أزينت تزينت، ١١).
وقال الآلوسي: وذكر غير واحد أن الكلام استعارة بالكناية، حيثه.
سبهت الأرض بالعروس، وحذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه، وإثبات.
زخرف لها تخييل ، وما بعده ترشيح (٢).
وقوله: « وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أى: وظن أهل تلك الأرض
زاخرة بالنباتات النافعة ، أنهم قادرون علىقطف ثمارها . ومتمكنون من
تمتع بخيراتها، ومن الانتفاع بغلاتها .
وقوله: (( أقاها أمرنا ليلا أونهارا فجعلناها حصيدا ... )، قصوير معجز
ا أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و«أو، للتنويع أى: قارة
تی لیلا وقارة باتی نهارا.
والجملة الكريمة جواب إذا فى قوله ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها .. ))
أى : بعد أن بلغت الأرض الذروة فى الجمال وفى تعلق الآمال بمنافع
روعها، أقاها قضاؤنا النافذ، وأمرنا المقدر لإهلاكها بالليز وأصحابها قائمون،
- بالنهار وهم لاهون ، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة، التى ..
متؤصل زرعها .
وقوله : كأن لم تغن بالأمس، تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها من
ات بصورة سريعة حاسمة .
أى: جعلناها كالأرض المحصودة التى قطع زرعها، حتى لكانها لم يكن
امنذ وقت قريب: الزرع النضير، والنبات البهيج ، والنخل الباسق »
الطلع النضيد ...
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٣٣
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٠١٠١

الجزء
- ٧٣ -
الحادى عشر
قال القرطبى: قوله: ((كأن لم تغن بالأمس، أى: لم تكن عامرة ؛ من غنى.
بالمكان إذا أقام فيه وعمره، والمغانى فى اللغة: المنازل التى يعمرها الناس، (١).
وقال ابن كثير : قوله: ((كأن لم تغن بالأمس، أى كأنها ما كانت حينا
قبل ذلك ، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ، ولهذا جاء فى الحديث
الشريف: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس فى النار غمسة فيقال له: هل رأيت
خيرا قط ؟ هل مربك نعم قط ؟ فيقول لا . ويؤتى بأشد الناس عذابا فى الدنيا
فيغمس فى النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤسافط ، فيقول لا، (٢).
والمراد بالأمس هنا : الوقت الماضى القريب : لاخصوص اليوم الذى
قبل يومك .
وقوله : كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون، تذييل قصد به الحض.
على التفكر والاعتبار .
أى: كهذا المثل فى وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها،
نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون.
التفكر والتدبر، فى ملكوت السموات والأرض .
قال الجمل ما ملخصه: وهذه الآية مثل ضربه الله - تعالى - للتشبث فى الدنيا،
الراغب فى زهرتها وحسنها .... ووجه التمثيل أن غابة هذه الدنيا التى ينتفع بها
المرء، كناية عن هذا النبات الذى لما عظم الرجاء فى الانتفاع به ، وقع
اليأس منه. ولأن التمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلمبه
ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها)،(٣).
(١) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٠٢٢٨
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤١٣.
(٣) حاشية الجمل على الجلااين جـ ٢ ص ٠٣٤٢

يونس
- ٧٤ -
سورة
وبعد أن بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا، وقصر مدة التمتع بها، أقبح
ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذي يوصلهم إلى الجنة فقال-تعالى -:
وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَنِمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ
إِلَ صِرَاطٍ مُسْتَقِّلِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَةٌ وَلَا يَرْهَقُ
ج
وُجُومَهُمْ فَتَرٌ وَلَا ذِلَةُ أُوْلَّكَ أَعَْبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٣)
وَالَّذِينَ كَبُوْلَِّّعَاتِ ◌َزَآءُ سََِّّ بِهَا وَتَهَقُهُمْ زِلَّةٌ مَّنَهُ مِّنَّ
◌َلَه مِنْ عَصٍِ كَأَنَّمَ أُغْشِيَتْ وُجُومُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلًاً
أُوْلَئِكَ أَعْتَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلُونَ ﴾
والمقصود بدار السلام: الجنة التى أعدها الله - تعالى- لعباده المؤمنين.
وسميت بذلك، لأنها الدار التى سلم أهلها من كل ألم وآفة، أو لأن تحيتهم
فيها سلام، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما لشأنها،
وتشريفا لقدرها، كما يقال للكعبة : بيت الله .
وقوله: ((والله يدعو إلى دار السلام ... ، معطوف على محذوف يدل
عليه السياق .
والتقدير: الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها، والله
- تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار كرامته .
وقوله: ((ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، معطوف على ما قبله.
أى: ويهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، المؤدى بصاحبه إلى
رضوان الله ومغفرته .
والمراد بالصراط المستقيم: الدين الحق الذى شرعه الله لعباده، وبلغه لهم
عن طريق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

للجزء
- ٧٥ -
الحادى عشر
وقوله: (( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ... )) بيان لحسن عاقبة الذين
استجابوا لدعوته، ولقبعوا صراطه المستقيم.
أى: للمؤمنين الصادقين الذين قدموا فى دنياهم الأعمال الصالحة، المنزلة
الحسنى، والمثوبة الحسنى وهى الجنة ، ولهم زيادة على ذلك التفضل من الله
- تعالى - عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم.
وتفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم، مأثور عن جمع من الصحابة
منهم أبو بكر، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعرى
وغيرهم - رضى الله عنهم - .
ومستندهم فى ذلك الأحاديث النبوية التى وردت فى هذا الشأن والتى منها
. ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن صهيب - رضى الله عنه - أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: تلا هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .. ))
.وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ، فادى مناد: يا أهل الجنة
إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجز كموه.
فيقولون : ماهو ؟ ألم يثقل موازيننا، ألم بيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ،
.ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فو الله
ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم)، (١)
وذكر بعضهم أن المراد بالزيادةهنا: مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو أكثر،
أو مغفرته - سبحانه - مافرط منهم فى الدنيا ، ورضوانه عليهم فى الآخرة.
والحق أن التفسير الوارد عن الصحابة ، والمؤيد بما جاء فى الأحاديث
النبوية هو الواجب الاتباع، ولا يصح العدول عنه، ولا مانع من أن يمن الله
عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان ، بعد نظرهم إلى
وجهه الكريم، أوقبل ذلك .
(١) صحيح مسلم جا كتاب الإيمان. حديث رقم ٢٩٧ طبعة محمد فؤاد عبد الباقى.

سورة
- ٧٦ -
يو أس
ولذا قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله ((وزيادة، هى تضعيف ثواب»
الأعمال .. وأفضل من ذلك النظر إلى وجهه الكريم . فإنه زيادة أعظم من
جميع ما يعطوه .. وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن جمع.
من السلف والخلف؛ وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم-
فى ذلك ، ومنها ما رواه ابن جرير عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادى يا أهل.
الجنة - بصوت يسمعه أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة.
فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن - عز وجل -)) .
وعن أبى بن کعب آنه سأل رسول الله - صلی الله عليه وسلم- عن قول ..
الله - تعالى - ((للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)) قال: ((الحسنى الجنة
والزيادة النظر إلى وجه الله - تعالى - ، (١)).
والمقصود بقوله: (ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة،: الإخبار عن خلوص.
نعيمهم من كل ما يكدر الصفر، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان .
وقوله: ((يرهق)) من الرحق بمعنى الغشيان والتغطية. يقال: رهقه برهقه.
رهقا . - من باب طرب - أى غشيه وغطاه بسرعة.
والقتر والفقرة : الغبار والدخان الذى فيه سواء، والذلة: الهوان والصغار.
يقال : ذل فلان يذل ذلة وذلا ، إذا أصابه الصغار والحقارة.
أى ولا يغطى وجوههم يوم القيامه شىء مما يغطى وجوه الكفار، من.
السواد والهوان والصغار .
وهذه الجملة بما اشتملت عليه من معانى، توحى بأن فى يوم القيامة من
الزحام والأهوال والكروب. ما يجعل آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على
الوجوه والمشاعر، فهناك وجوه «عليها غبرة ترهقها فترة، وهناك وجوه
«ناضره إلى ربها ناظرة)).
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤١٤