Indexed OCR Text
Pages 21-40
الجزء - ٢١ - الحادى عشر وقوله : (( أن لهم قدم صدق عند ربهم، أى : أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم . وأصل القدم العضو المخصوص ، وأطلقت على السبق، لكونها سببه وآلته، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل، كماسميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد . وأصل الصدق أن يكون فى الأقوال ، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال: فلان صدق فى القتال ، إذا وفاه حقه، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل . وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم: مسجد الجامع، والأصل قدم صدق ، أى محققة مقررة. وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ، ثم جعل الصدق كأنه صاحبها . ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب، وفى ذلك قنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم ، إنما هو بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم . قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى معنى قوله : ((قدم صدق، فقال بعضهم معناه: أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح .. وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة. وقال آخرون معنى ذلك أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - شفيع لهم. ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب قول من قال معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب، وذلك أنه محكى عن العرب قولهم: هؤلاء أهل القدم فى الإسلام. أى هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا، فكان لهم فيه تقدیم . سورة - ٢٢ - يونس ويقال : لفلان عندی قدم صدق وقدم سوء، وذلكبسببماقدمإليهمن خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت - رضى الله عنه - : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا فى طاعة الله تابع (١) ومعنى الآية الكريمة: أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركى مكهومن على شاكلتهم، أن كان إبحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكى يبلغهم الدين الحق، أمراعجبا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله عليه وسلم - ، حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنا فى مع البشرية . إن الذى يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه؛ لأن الله - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما معنى اللام فى قوله ,أكان الناس عجبا))؟ وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا ؟ قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها ، ونصبوه علما لهم بوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس فى ((عندالناس، هذا المعنى. والذى تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر ، وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يذكر لهم البعث. وينذر بالنار ويبشر بالجنة، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرا مثلهم . وقال الله - تعالى ـ((قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)، (٢). (١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٥٨ طبعة دار المعرفة ببيروت . (٢) سورة الإسراء الآية ٩٥. للجزء - ٢٣ - الحادى عشر وإرسال الفقير أو اليقيم ليس بعجب - أيضاً -؛ لأن الله - تعالى - إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما اختير له من النبوة، والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شىء . قال - تعالى -: ((وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى، ١). والبعث للجزاء على الخير والشر. هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجباً إنما العجب والمنكر فى العقول، تعطيل الجزاء، (٢). وقدم - سبحانه - خبر كان وهو ((عجباً، على اسمها وهو ((أن أوحينا))، لأن المقصود بالإنكار فى الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشراً . وقدم - سبحانه الإنذار على التبشير، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة مالا ينبغى مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغى . ولم يذكر المنذر به، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق ، الذى يؤدى اتباعه إلى النجاة من العذاب. وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقين له ، بخلاف الإنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر، ولذا قال - سبحانه ــ ((أن أنذر الناس)) أى جميع الناس. وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عندربهم - لكى تقوى رغبتهم فى طاعته ، ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما بشرهم به . (١) سورة سبأ. الآية ٣٧. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٤ طبعة مصطفى الحلى. سورة - ٢٤ - ثم وضح - سبحانه - ما قاله الكافرون عند مجىء الرسول - صلى لله عليه وسلم - بدعوته فقال: ((قال الكافرون إن هذا الساحر مبين)). أى : قال الكافرون المتعجبون من أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا إليهم ، إن هذا الإنسان الذى يدعى النبوة الساحر بين لسحر واضحة ، حيث إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين لابن وأبيه، والأخ وأخيه . وعلى هذه القراءة التى وردت عن أن كثير والكوفيين تكون الإشارة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقرأ الباقون: ((إن هذا لسحر مبين)) أى: إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس إلى الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو حيان ما ملخصه: ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحراً ظاهر الفساد، لم يحتج إلى جواب؛ لأنهم يعلمون نشأته معهم بمسكة . وخلطتهم له، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهى مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم ... وقولهم هذا هوديدن الكفرة مع أنبيائهم ، فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - ((إن هذا لساحر عليم)) وقال قوم عيسى فيه عند ما جاءهم بالبينات ((هذا سحر مبين، ودعوى السحر إنما هى على سبيل العناد والجحد )، (١) . وقال الآلوسى: وفى قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر ، نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحراً تمادياً (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٥ ص ١٢٣ - طبعة مطبعة السعادة سنة ١٣٢٨ هـ. - ٢٥ - الجزء الحادى عشر فى العناد، كما هو شنشئة المكابر اللجوج، ونشنشة المفحم المحجوج)، (١). وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر، فكأنه قيل : فإذا قالوا بعد هذا التعجب ؟ فكان الجواب : قال الكافرون إن هذا الساحر مبين . ويرى الإمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف، فقد قال -رحمه الله -: وفى الكلام حذف استغنى بدلالة ماذكر عماترك ذكره، وتأويل الكلام: أ كان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحى الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم، قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذى جاءنابه محمد - صلى الله عليه وسلم - لسحر مبين ... )) (٢). وقد اشتملت جملة (« إن هذا الساحر مبين)) على جملة من المؤ كدات، للإشارة إلى رسوخهم فى الكفر. وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق. الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا. وصدق الله إذ يقول: ((فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)). ثم ساق - سبحانه - من مظاهر قدرته ، ما يبطل تعجبهم فقال - تعالى -: إِنَّ رَبَّكُرُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوْتِ وَاْأَرْضَ فِسَِّةِ أَيَّامٍ ثُ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْضِّ يَدَيُِّ الْأَمْرِّ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّمِنْ بَعْدِ إِذْرِّ ذَ لِكُمُ اللهُرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَ ◌ّرُونَ (#) إِلَيْهِ عَرُِْرْ جِيعًا وَعَدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ لِيَجْزِىّ الَّذِينَءَامَنُواْوَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَبُ ◌َمِنْ حَيٍ وَعَذَابٌ أَلِمُ بِا كَانُواْ يَكْفُرُونَ( ٤ (١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٠٦٣ (٢) تفسير ابن جرير جـ ١١ ص ٦٠ طبعة بولاق سنة ١٣٢٧ هـ. يو نس - - ٢٦ - سورة قال الإمام الرازى ما ملخصه: أعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الكفار٦" أنهم تعجبوا من الوحى والبعثة والرسالة ثم إنه - تعالى - أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة فى أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم ... كان هذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين: أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا، نافذ الحكم بالأمر والنهى. والثانى: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما . فلا جرم أنه - سبحانه - ذكر فى هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . أما الأول: وهو إثبات الألوهية فيقوله - تعالى -: «إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ... ». وأما الثانى: وهو إثبات المعاد والحشر والنشر فيقوله: ((إليه مرجعكم : جميعا ..... فثبت أن هذا الترتيب فى غاية الحسن، ونهاية الكمال)، (١). والمعنى : إن ربكم ومالك أمركم - الذى عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم - هو الله الموجد السموات والأرض على غير مثال سابق فى مقدار ستة أيام أى أوقات . فالمراد من اليوم معناه اللغوى وهو مطلق الوقت . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٧ ج ٠٨ الحادى عشر الجزء - ٢٧ - وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تلك الأيام من أيام الآخرة ثالتى يوم منها كألف سنة مما تعدون . قال الألوسى: وقيل هى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام ، لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة فى مثل تلك المدة اليسيرة، ولأنه تعريف لنا بما فعرفه)) (١) . وقال بعض العلماء: ولا ندخل فى تحديد هذه الأيام الستة ، فهى لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها ، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير والتقدير فى الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية . وعلى أية حال فالأ يام الستة غيب من غيب اللّه، الذى لامصدر لإدراكه إلا هذا المصدر، فعلينا أن نقف عنده ولانتعداه، والمقصود بذكرها هو الإشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام الذى يسير مع الكون من بدته إلى منتهاه )) (٢) . وقال سعيد بن جبير : كان الله قادراً على أن يخلق السموات والأرض : فى لمحة ولحظة، ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام، لكى يعلم عباده التثبت والتأنى فى الأمور ». وقوله: (( ثم استوى على العرش، معطوف على ما قبله، لتأكيد مزيد قدرته وعظمته - سبحانه - . والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار، ومنه قوله - تعالى - (( واستوت على الجودى». (١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ٦٤ (٢) تفسير فى ظلال القرآن جـ ١١ ص ١٧٦٢ - طبعة دار الشروق. سورة - ٢٨ - يونس أى استقرت ، ومن معانيه - أيضاً - الاستيلاء والقهر والسلطان» ومنه قول الشاعر : قد أستوى بشر على العراق أى : أستولى عليه وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فانه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا)) (١). وقد ذكر العرش فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية ، وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله - تعالى- بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به فيجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إلى الله - تعالى -. فعن أم سلمة - رضى الله عنها - أنها قالت فى تفسير قوله - تعالى - الرحمن على العرش استوى)): الكيف غير معقول، والاستواء مجهول ، والإقرار به من الإيمان ، والجحود به كفر . وقال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعاً على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه . وقال الإمام الرازى : إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره وتعتمد عليه . (١) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٢٩ الجزء - ٢٩ - الحادى عشر وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر، لاستحالة حملها على ما يفيد، ظاهر اللفظ، لأنه - سبحانه - مخالف للحوادث، ووجوب حملها على ما يليق به - سبحانه - . وعليه فإن الاستواء هنا : كناية عن القهر والعظمة والغلبة والسلطان .وقوله: ((يدبر الأمر، استئناف مسوق لتقرير عظمته - سبحانه -، ولبيان حكمة استوائه على العرش . والتدبير معناه : النظر فى أدبار الأمور وعواقبها لنقع على الوجه المحمود. والمراد به هنا: التقدير الجارى على وفق الحكمة التى اقتضتها إرادة الله ومشيته . والمراد بالأمر: ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير .. ذلك من مخلوقاته التى تحصى للعهد . أى أنه - سبحانه - يدبر أمر مخلوقاته تدبيراً حكما. حسبما تقتضيه إرادته وعبر بالمضارع فى قوله: « يدبر، للإشارة إلى تجدد التدبير واستمراره، إذ أنه - سبحانه - لا يهمل شئون خلقه . وقوله: ((ما من شفيع إلا من بعد إذنه، استئناف آخر مسوق لبيان تفرده فى تدبيره وأحكامه . والشفيع مأخوذ من الشفع وهو ضم الشىء إلى مثلة، وأكثر ما يستعمل فى انضمام من هو أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه، لإعانته على ما يريده. والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال . أى : ما من شفيع يستطيع أن يشفع لغيره فى جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه -. وشبه بهذه الآية قوله - تعالى - ((من ذا الذي يشفع عنك إلا بإذنه)، (١). (١) الآية ٣٥٥ من سورة البقرة . سورة - ٣٠ - يونس وقوله - سبحانه -, وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئة إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، (١). ٠ واسم الإشارة فى قوله - سبحانه ــ((ذلكم الله ربكم فاعبدوه، يعود إلى ذات الله - تعالى - الموصوفة بتلك الصفات الجليلة. أى : ذلكم الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف فى شئون خلقه وفق مشيئته ، هو اللهربكم فأخلصو اله العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحداً فى ذلك. ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال: ((أفلا تذكرون)) أى: أتعلمون أن الله - تعالى - هو خالقكم وهو القادر على كل شىء، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول بشراً، فهلاتذ کرتم قدرةاللهوحكمتهحتى تشو بوا إلى رشدكم، وتتبعوا الحق الذى جاءكم به فبكم - صلى الله عليه وسلم -: وإيثار ((تذكرون) على تفكرون، للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذى لا يفتقر إلى عمق فى التفكير والبحث والتأمل . إذ أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها واضحة جلية فى الأنفس والآفاق . وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألواناً من مظاهر قدرة الله - تعالى- وبالغ حكمته ، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة . ثم بين - سبحانه - أن مرجع العباد جميعاً إليه، وأنه سيجازى كل إنسان بما يستحقه. فقال - تعالى - ((إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً .. أى: إلى الله - تعالى - وحده مرجعكم جميعاً بعد الموت ليحاسبكم على أعمالكم ، وقد وعد الله بذلك وعداً صدقاً، وان يخالف الله وعده . قال أبو حيان: وانتصب ((وعد الله، و((حقاً، على أنهما مصدران مؤكدان لمضمون الجملة ، والتقدير وعد الله وعداً، فلما حذف الناصب أضاف. (١) الآية ٢٦ من سورة النجم . "مها الجزء - ٣١ - الحادى عشر المصدر إلى الفاعل، وذلك كقوله ((صبغة اله)) و((صنع الله)) والتقدير فى ((حقا): حق ذلك حقا .. )) (١) . وقوله (( إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده، كالتعليل لما أفاده قوله - سبحانه - ( إليه مرجعكم، فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء المناسب على الأعمال الدنيوية. أى: إن شأنه - سبحانه - أن يبدأ الخلق عند تكوينه ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته وفنائه . ثم بين - سبحانه - الحكمة من الإعادة بعد الموت فقال: ((ايجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)). والقسط - كما يقول الراغب - النصيب بالعدل . يقال قسط الرجل إذا جار وظلم. ومنه قوله - تعالى - ((وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا))، ويقال أقسط فلان إذا عدل، ومنه قوله - تعالى - وأقسطوا إن الله يحب المقسطين» والحم : الماء الذى بلغ أقصى درجات الحرارة، قال - تعالى - ((وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم، أى: فعل ما فعل - سبحانه -من بدء الخلق وإعادتهم ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بعدله الجزاء الطيب الذى أعده لهم، وأما الذين كفروا فبجزيهم - أيضا - بعدله ما يستحقونه من شراب حميم يقطع أمعاءهم، ومن عذاب مؤلم لأبدانهم، وذلك بسبب كفرهم واستحباجم العمى على الهدى . وقوله: (( بالقسط، حال من فاعل ((ليجزى)) ليجزيهم ملتبسا بالقسط. ويصح أن يكون المعنى: فعل مافعل ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات. (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٥ ص ٠١٢٤ سورة - ٣٢ - يونس الجزاء الحسن بسبب عدلهم وتمسكهم بتكاليف دينهم، وأما الذين كفروافلهم شراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم . قال الجمل ما ملخصه: وقال - سبحانه ــ((والذين كفروالهم شراب ... » بتغيير فى الأسلوب للمبالغة فى استحقاقهم للعقاب. وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإنابة، والعذاب وقع بالعرض . وأنه - تعالى - يتولى إنابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم (١). وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماوات والأرض ، أتبع ذلك بذكر مظاهر أخرى لقدرته، تتمثل فى خلق الشمس والقمر والليل والنهار فقال - تعالى -: هُوَ الَّذِى جُعَلَ ١/١٫٠٠ / ٠ر١٫٠ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدِّرَهُ مُنَاِلٌ لِتَعْلُواْ عَدَدَ السِِّنِينَ وَأْخِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّ بِالْخَيِّ يُفَصِّلُ الْآَيْتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (ْإِنَّ فِ أَنْلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَا خَلَقَ الَّهُفِ السَّمَنَوْتِ. زُالْأَرْضِ لَآَيَنْتِ لِقَوْمِ يَتَّقُونَ (3) فى هاتين الآيتين - كما يقول الآلوسى - تنبيه على الاستدلال على وجوده - تعالى - ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته. بآثار صنيعه فى النيرين بعد التنبيه على الاستدلال بمامر، وبيان لبعض أفراد التدبير الذى أشير إليه إشارة إجمالية، وإرشاد إلى أنه - سبحانه - حين دبر أمور هم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير البديع، فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل وإنزال :الكتب أولى وأخرى (٢)» . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ص ٢٣٤. طبعة حجازى بالقاهرة. (٢) تفسير الألوسى = ١١ ص ٠٦٧ الجزء - ٣٣ - الحادى عشر وقوله (( جعل )، يجوز أن يكون بمعنى أنشأ وأبدع، فيكون لفظ «ضياء، حال من المفعول، ويجوز أن يكون بمعنى صير فيكون اللفظ المذكور مفعولا ثانياً . وقوله («ضياء، جمع ضوء كسوط وسياط، وحوض وحياض، وقيل هو مصدر ضاء يضوء ضياء كقام يقوم قياما، وصام يصوم صياما ، وعلى ... كلا الوجهين فالكلام على حذف مضاف . والمعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى جعل لكم الشمس ذات ضياء، وجعل لكم القمر ذا نور، لكى تنتفعوا بهما فى مختلف شئونكم . قال الجمل: وخص الشمس بالضياء لأنه أقوى وأ كمل من النور، وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما إذا تساويا لم يعرف الليل من النهار ، فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر)، (١) . هذا دليل مما يدل على التفرقة بين الشمس والقمر فى نورهما قوله-تعالى- (( وجعل القمر فيهن فورا وجعل الشمس سراجا (٢)،، وقوله - سبحانه -: (( تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا)، (٣). وقوله: (( وقدره منازل، معطوف على ما قبله. والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة فى الزمان أو المكان أو غيرهما قال - تعالى -: «والله يقدر الليل والنهار)). والمنازل : جمع منزل، وهى أما كن النزول ، وهى - كما يقول بعضهم - ثمانية وعشرون منزلا، وتنقسم إلى إثنى عشر برجا وهى: الحمل، والثور، (١) سورة فوح الآية ٤٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٢٤ (٣) سورة الفرقان ٦١ (٣ - سورة يونس ) تفسير سورة الحادى عشر - ٣٤ - والجوزاء ، والسرطان، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب» والجدى ، والدلو ، والحوت، لكل برج منها منزلان وثلث منزل ، وينزل القمر فى كل ليلة منزلا منها إلى إنقضاء ثمانية وعشرين. ويستتر ليلتين أن كان الشهر ثلاثين يوما، ويستمر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما (١). والضمير فى قوله: ((قدرناه)) يعود إلى القمر، كما فى قوله - تعالى -: ((والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)). أى: الله - تعالى - هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدر للقمر منازل ينزل فيها فى كل ليلة على هيئة خاصة ، وطريقة بديعة تدل على قدرة الله وحكمته . قالوا : وكانت عودة الضمير إلى القمر وحده ، لسرعة سيره بالنسبة إلى الشمس ؛ ولأن منازل معلومة محسوسة ، ولأنه العمدة فى تواريخ العرب ، ولأن أحكام الشرع منوطة به فى الأغلب (٢). وجوز بعضهم أن يكون الضمير للشمس والقمر معاً، أى : وقدر لهما منازل ، أو قدر لسيرهما منازل لايجاوزانها فى السير ، ولا يتعدى أحدهما على الآخر كما قال - تعالى -: ((لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون، (٣). وإنما وحد الضمير للإيجاز كما فى قوله - تعالى -: ((والله ورسوله أحقأن يرضوه)، (٤) وقوله: ((لتعاموا عدد السنين والحساب) بيان الحكمة من الخلف والتقدير .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٣٤. (٢) تفسير الآلوسى = ١١ ص ٦٩ . (٣) سورة يس. الآية ٠٤٠ (٤) سورة التوبة . الآية ٦٢ . الجزء - ٣٥ - الحادى عشر أى : جعل - سبحانه - الشمس ضياء، والقمر نورا، وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين التى يفيدكم علمها فى مصالحكم الدينية والدنيوية. ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام لضبط عباداتكم ومعاملاتكم. قال الأمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: بخبر الله - تعالى - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه ، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر فورا، هذافن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ، وقدر القمر منازل ، فأول ما يبدو القمر يكون صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق وبكمل إبداره، ثم يشرع فى النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى . فبالشمس تعرف الأيام ، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام)، (١) . واسم الإشارة فى قوله (( ما خلق الله ذلك إلا بالحق)) يعود إلى المذكور من جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل . أى: ما خلق الله ذلك الذى ذكره لكم إلا خلقا ملتبسا بالحق، ومقترنا بالحكمة البالغة التى تقتضيها مصالحكم. وقوله: ((يفصل الآيات لقوم يعلمون)، استئناف مسوق ابيان المنتفعين بهذه الدلائل الدالة على قدرة الله ووحدانيته ورحمته بعباده. أى : يفصل - سبحانه - ويوضح البراهين الدالة على قدرته لقوم يعلمون الحق ، فيستجيبون له ، ويكثرون من طاعة الله وشكره على ما خلق وأنعم . ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان قدرته ورحمته فقال: «إن فى (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٠٤٠٨ - ٣٦ - يونس سورة أختلاف الليل والنهار ، طولا وقصرا، وحرا وبردا، وتعاقبا دقيقالا يسبق أحدهما معه الآخر (( وماخلق الله فى السموات والأرض) من أنواع الإنس والجن والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من المخلوقات التى لا تعد ولا تحصى .. إن فى كل ذلك الذى خلقه « لآيات لقوم يتقون، أى: لدلائل عظيمة كثيرة دالة على قدرة الله ورحمته ووحدانيته، لقوم يتقون الله - تعالى - فيحذرون عقابه ، ويرجون رحمته . وخص - سبحانه - المتقين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر فى هذه الدلائل . وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد سلك أنجح الوسائل فى مخاطبة الفطرة البشرية ، حيث لفت الأنظار إلى ما أشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة، تدل على وحدانية الله، وقدرته النافذة، ورحمته السابعة بعباده . ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله من عذاب للكافرين، وما أعده من ثواب للطائعين ، فقال - تعالى - : : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَنُواْبِهَا وَالَّذِيْنَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ (يَ أُوْلَكَ مَأْوَنُهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ (*) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ يَهْدِيِمْ رَبُّهُ بِمَتِهِمْ تَجْرِى مِنْ تَحِهِمٌ آَلَنْهَرُ فِ جَنَّتِ النَّعِبِ دَعْوَنُهُمْ فِيهَا سُبْحَكَ آَّهُمْ وَحِّنْهِمْ فِيَهَا سَمْ وَدَائِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لَِّرَبِّ الْعَلَمِينَ فيم - ٣٧ - الجزء الحادى عشر قال الإمام الرازى : أعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القوله بإثبات الإله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفربها، وفى شرح أحوال من يؤمن بها،،(١). والرجاء : الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع ، وفسره بعضهم بمجرد التوقع الذى يشمل ما يسر وما يسوء. والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا «ورضوا بالحياة الدنيا)) رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها ، واطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها, والذين هم عن آياتنا، التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ((غافلون)) بحيث لا يخطر على بالهم شىء ما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة . وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - تعالى - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإنكار الدار الآخرة . ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها . قال الإمام الرازى : واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب الذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٣٨ تفسير سورة - ٣٨ - يونس أما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية، ا كنفائه بها، واستغرقه الله فى طلبها» (١). ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى شىء الذى لاملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فان ؤلاء الأشقياء ماقت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة نحياة الدنيا . ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آبات اللّه التى توقظ القلب، وتهدى عقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير . وبالجملة فهذه الصفات الأربعة، تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء، د آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا لذى هو أدنى بالذي هو خير . فاذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: «أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ،. أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى الجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات، وما اقترفوه ـمن منكرات . هذه هى صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل. أما السعداء بقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات،. أى : آمنوا بما يجب الإيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة لتى ترفع درجاتهم عندريهم . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٣٩. - ٢٩ - الحادى عشر الجزء (((يهديهم ربهم إيمانهم، أى: يرشده ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة . وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار . قال الإمام ابن كثير: يحتمل أن تكون الباء فى قوله, بإيماء.)) للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى بجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون الاستعانة كما قال مجاهد: (( يهديهم ربهم بإيمانهم)): أى يكون إيمانهم لهم نورا عشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة، وربح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت ؟ فيقول أنا عملك ، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله - تعالى - ((يهلايهم ربهم بإيمانهم)). والكافر مثل له عمله فى صورة سيله، وربح مفتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار (١) .. )). وقوله: (( تجرى من تحتهم الأنهار فى جنات النعيم، أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بمالاعين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: «دعواهم فيها سبحانك اللهم، أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم . فالدعوى هاهنا بمعنى الدعاء. يقال دعايدعو دعاء ودعوى . كما يقال : شكا يشكو شكاية وشكوى . ولفظ سبحان : إسم مصدر بمعنى التسبيح، وهو منصوب بفعل مضمر لا یکاد یذ کر معه . : (١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٠٤٠٨ سورة = ٤٠ - يونس ولفظ اللهم أصله يا أنته، فلما استعمل دون حرف النداء الذىهو «یا». جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضاً عن حرف النداء . قال الإمام الرازى: ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم. قالوا: الهم، وهذا نداء لله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم . إنا نسبحك، كقول القافت فى دعاء القنوت « اللهم إياك نعبد،. ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى - ((وأعتزلكم وما تدعون من دون الله، أى: وما تعبدون. فيكون معنى الآية، أنه لاعبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله -تعالى-(١). وقوله: وتحبتهم فيها سلام ، معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه . أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا: سبحانك اللهم . وتحيهتم التى يحيون. بها هى السلامة من كل مكروه . وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - ((تحيتهم يوم يلقونه سلام(٢). وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى - : (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما ه برتم فنعم عقبى الدار، (٣). وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - ((لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ... )، (٤). (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٧ ص ٤٣ (٢) سورة الأحزاب الآية ٤٤ (٤) سورة مريم الآية ٦١ (٣) سورة الرغد الآيتان ٢٤، ٢٥