Indexed OCR Text
Pages 281-300
تفسير سورة - ٢٨١ - التوبة
وقيل المراد بهم : الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل الذين شهدواغزوةبدر.
والطائفة الثانية: السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين بايعوا النبى
صَ لّ قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة؟ بيعة العقبة الأولى والثانية.
وكانت بيعة العقبة الأولى فى السنة الحادية عشرة من البعثة، وكان عدد
المشتركين فيها سبعة أفراد .
... ؛ أما بيعة العقبة الثانية فكانت فى السنة الثانية عشرة من البعثة، وكان عدد
المشتركين فيها سبعين رجلا وامرأتين .
ثم على هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوافى الإسلام على
يد مصعب بن عمير ، قبل وصول الرسول. وت خليه - اليها.
ثم يلى هؤلاء جميعاً أولئك الذين آمنوا بالنبى. ولو بعد مقدمه إلى
المدينة :
والطائفة الثالثة: ((الذين أتبعوهم بإحسان، أى: الذين اتبعوا السابقين
فى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، اتباعاً حسناً فى أقوالهم وأعمالهم
وجهادهم وقصرتهم لدعوة الحق.
قال الآلوسى ما ملخصه: وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين
الأولين، جميع المهاجرين والأنصار. ومعنى كونهم سابقين: أنهم أولون
بالنسبة إلى سائر المسلمين .
روى عن حميد بن زياد قال: قلت يوماًلمحمد بن كعب القرطبى، ألا تخبرنى
عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لى: إن الله - تعالى - قدغفر
لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة فى كتابه، محسنهم ومسيتهم. فقلت له: وفى أى
-موضع أوجب لهم الجنة، فقال: سبحان الله! ألم تقرأ قوله، تعالى -:
((والسابقون الأولون .... الآية)، فقد أوج. سبحانه لجميع الصحابة
الجنة وشرط على تابعيهم أن يقتدوا بهم فى أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم
إلا حسنالاسوماً .... (١).
(١) تفسير الالوسى ح١١ ص٧.
الجزء
- ٢٨٢ -
العاشر
وقوله: ((رضى الله عنهم ورضوا عنه) بيان لسمو منزلتهم، وارتفاع منز لتهم.
أى : رضى الله عنهم فى إيمانهم وإخلاصهم ، فتقبل أعمالهم ، ورفع.
درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم، ورضوا عنه ، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة،
وبما نالوه منه . سبحانه . من هداية وثواب.
ثم ختم . سبحانه. الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم فى الآخرة من إكرام
فقال: (( وأعد لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. ذلك
الفوز العظيم )).
أى: أنه - سبحانه. بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه فى الدنيا، فقد أعدلهم
-سبحانه - فى الآخرة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها"
خلوداً أبدياً وذلك الرصا والخلود فى الجنات هو الفوز العظيم الذى لا يقاربه
فوز ، ولا قدافيه سعادة .
قال الإمام ابن كثير: أخبر الله. تعالى. فى هذه الآيه,أنه قدر ضى عن
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فياويل
من أبغضهم، أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيماسيد الصحابه
بعد الرسول ، وخيرهم وأفضلهم، أعنى الصديق الأكبروالخليفة الأعظم أبا
بكر بن أبى قحافة ؛ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ،
ويبغضونهم ويسبونهم؛ عياذا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم
معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من
رضى الله عنهم؟
وأما أهل السنه فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه، ويسبون من سبه ألله
ورسوله، ويوالون من يوالى اللّه، ويعادون من يعادى الله، وهم متبعون
لا مبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون (١).
وبهذا نرى أن هذه الآ ية الكريمة قدمد حت السابقين الأولين من المهاجرين.
(١) تفسير ابن كثير جـ٢ص٣٧١
التوبة
- ٢٨٣ -
تفسير سورة
والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم»
وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها ...
ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس، منهم قوم.
أجادوا النفاق، ومرفوا عليه، ولجوا فيه، ومنهم قوم خلطوا عملا صالحاً
وآخر سيئاً، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمة فيهم فقال تعالى:
وَبَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَِقُونَ وَمِنْ
أَهْلِ الْعَدِينَةِ مَرَدُواْعَلَى الْتِفَاقِ لَا تَعْلَّهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ
عَّتَيْ ثُمَ يُدُّونَ إلَىه ◌َذَابٍ عَظِ (َّ وَاخْرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ
خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَ اخَرَ سَيِّنًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ
اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿يَ خُذْ مِنْ أَمْوَالِمْ صَدَقَةً تُطَهِرُهُمْ وَتُزَِّمٍ بِهَا
وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَرٌ لَهُمٌّ وَالَهُ سَمِعُ عَلِيمٌ يَ أْ
يَعْلَمُواْ أَنَّ الَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ
وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الَّحِيمُ (﴾ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونٌّ وَسَتْرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
فَيُنَِّّئُكُ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢) وَاخْرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرٍ اَللّهِإِنَّاً
بُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ـ
قال القرطبى: ومعنى: «مردوا على النفاق، أقاموا عليه ولم يتوبوا منه،
أو لجوافيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد، فكأنهم.
. العاشر:
- ٢٨٤ -
الجزء
تجر دوا للتفاق، ومنه رملة مردا. أى لانبت فيها (وغصن أمرد. أى لا ورق
له ... ويقال : مرد يمرد مروده ، (١).
والمعنى : أذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من
الأعراب منافقون، فاحترسوا منهم، واحترسوا - أيضاً - من قوم آخرين
يسكنون معكم داخل المدينة، مردوا على النفاق، أى: مرفوا عليه، وأجادوا
فنونه، حتى بلغوا فيه الغاية .
قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالموصول. فى قوله (( ومن حولكم)).
قبائل جهينة، ومزينة وأشجع، وأسلم ... وكانت منازلهم حول المدينة .
وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين .
واستشكل ذلك بأن النبى - ية - مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها،
فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال : قريش، والأنصار ،
وجهينة، ومزينة، وأشجع وأسلم، وغفار، موالى الله. تعالى. ورسوله،
لا والى لهم غيره.
وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم» (٢).
وقوله: ((لا تعلمهم نحن نعلمهم، بيان لتمردهم فى النفاق وتمهرهم فيه.
أى: أنت. أيها الرسول الكريم. لا تعرف هؤلاء المنافقين. مع
كمال فطفتك، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم، وهم قد أجادوا
النفاق وحذقوه، واجتهدوافى الظهور بمظهر المؤمنين، أما نحن فإننا فعلهم
لأننالا يخفى علينا شىء من ظواهرهم أو بواطنهم ...
قال الإمام ابن كثير: وقوله . تعالى (( لا تعلمهم نحن فعلمهم، لا ينافى قوله
تعالى (( ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنه فى أن القول .. »
لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده
من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان . ستر الله . يعلم أن فى بعض
من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء.
(١) تفسير القرطى بتصرف وتلخيص -٨ ص ٠٢٤٠
(٢) تفسير الآلوسي <١١ ص١٠
تفسير سورة - ٢٨٥ - ٠ التوبة
، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: قلت:
يا رسول الله، أنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال:التأتينكم أجور كم
ولو كنتم فى جحر ثعلب، وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - برأسه
فقال: ((إن فى أصحابى منافقين)): ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين
بما لا صحة له من الكلام، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذى سمعه جبير بن مطعم
ثم قال: وقد تقدم فى تفسير قوله - تعالى , وهموا بما لم ينالوا، أنه-
لم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقاً. وهذا تخصيص
لا يقتضى أنه أطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم.
وروى الحافظ بن عساكر عن أبى الدرداء، أن رجلا يقال له حرمله
أتى النبى وَ لَّى. فقال: الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق
ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله مؤلم، (( اللهم أجعل له لساناً
ذاكراً، وقلباً شاكراً، وأرزقه حى، وحب من يحبنى، وصير أمره إلى خير».
فقال الرجل يا رسول الله: إنه كانلى أصحاب من المنافقين وكنت
رأساً فيهم، أفلا آتيك بهم؟ فقال . .: «ومن أتانا استغفرنا له،
ومن أصر فالله أولى به ، ولا تخرقن على أحد ستراً، (١)
وقال الآلوسى . واستدل بالآية على أنه لا ينبغى الإقدام علىدعوىمعرفة
الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر
وغيرهما عن قتادة: أنه قال : ما بال أقوام يتكلفون عن الناس يقولون: فلان
فی الجنة وهلان فى النار ، فإذا سألت أحدهمعن نفسهقال:لا أدرى. لعمری
لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه بنى.
فقد قال نوح عليه السلام ((وما علمى بما كانوايعملون) وقال شعيب
عليه السلام. ((وما أنا عليكم بحفيظ، وقال الله تعالى. لنبيه محمد مايتم
لا تعلمهم نحن نعلمهم .
وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل فى الرد على من يزعم الكشف والاطلاع
على المغيبات بمجرد صفاء القلب ، وتجرد النفس عن الشواغل .
ثم قال: والجملة الكريمة ((لا تعلمهم نحن نعلمهم) تقرير لماسبق من مهارتهم
.. (١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٣٨٤.
العاشر
الجزء - ٢٨٦ -
فى النفاق ، أى : لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم، إلامن لا تخفى عليه
خافية، لمن هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص ((١)
وقوله : سنعذبهم مرتين، ثم يردون إلى عذاب عظيم، وعيد لهم بسوء
المصير فى الدنيا والآخرة.
أى: هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق، ستعذبهم فى الدنيامرتين،
مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون فى قلق وهم دائم
والأخرى عن طريق ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم
وما يتبع ذلك من عذابهم فى قبورهم إلى أن تقوم الساعة، فيجدون العذاب
الأكبر الذى عبر عنه - سبحانه - بقوله (( ثم يردون إلى عذاب عظيم،
أى : ثم يعودون ويرجعون إلى خالقهم - سبحانه- يوم القيامة فيهذبهم
عذاباً عظيماً بسبب إصرارهم على النفاق ، ورسوخهم فى المكر والخداع .
قال أبو السعود: ولعل تكرير عذابهم، لما فيهم من الكفر المشفوع
بالنفاق؛ أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه . ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد
التكثير، كمافى قوله تعالى. ((فأرجع البصر هل قرى من فطور ((٢)، أى:
كرة بعد أخرى (٣٠).
ثم بين - - بحانه - حال طائفة أخرى من المسلمين فقال: «وآخرون
اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً ...
قال الآلوسي: قوله : وآخرون اعترفوا بذنوبهم .... بيان حال طائفة
من المسلمين ضعيفة الهمم فى أمر الدين، ولم يكونوا منافقين على الصحيح.
وقيل هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم)،((٤)).
والمعنى: ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم أعترفوا
بذنوبهم ، أى أفروا بها ولم ينكروها .
وقوله: ((خلطها عملا صالحاً وآخر سيئاً أى خلطوا عملهم الصالح وهو
جهادهم فى سبيل اللّه قبل غزوة تبوك, بعمل سى. وهو تخلفهم عن الخروج
إلى هذه الغزوة .
((٢)) سورة الملك الآية ٣
((١) تفسير الآلوسي ١١٥ ص١١.
٣٠. تغير أبى العود حـ٢٢_ ٠٤٠٠٩٣ تفسير الآله:١١ ص٠١١
- ٢٨٧-
التوبة
تفسير سورة
وقوله: (« عسى الله أن يتوب عليهم، أن عسى الله تعالى - أن يقبل
قو بتهم، ويغسل، حوبتهم، ويتجاوز عن خطاياهم.
وعبر سبحانه - بعى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل
التفضل منه، حتى لا يتكل الشخص ، بل يكون على خوف وحذر .
وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى فهى متحققة الوقوع،
لأنها صادرة من کریم واللهتعالى:أكرممن أن يطمع أحدفیشی. لا يعطيه إياه
وقوله: إن الله غفور رحيم، تعليل أرجاء قبول قوبتهم، إذ معناه، إن
اللّه تعالى كثير المغفرة التائبين ، واسع الرحمة للمحسنين .
هذا، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى سبب نزول هذه
الآية ولعل أرجح هذه الرويات مارواه ابن جرير من أن هذه الآيةزات
فى أبي لبابة وأصحابه، وكانوا تخلفوا عن النى - عَ لّهِ - فى غزوة
تبوك. فلما ففل رسول الله - صِّ لج ـ من غزوته ، وكان قريبا من
المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: نكون فى الظلال والأطعمة
والنساء وفى الله فى الجهاد واللأواء. والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى: ثم
لا نطلقها حتى يكون فى الله هو الذى يطلقنا ..
وأوثقوا أنفسهم. وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم
رسول اللّه عَّه من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم، فقيل له:
إنه أبو لبابه وأصحابه تخلفوا عنك يا فى الله، فصنعوا بأنفسم ما ترى،
وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنقسم حتى تكون أنت الذى تطلقهم.
فقال ◌َ له: لا أطلقهم حتى أمر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى
يحذرهم الته ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ، فأنزل الله تعالى :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً ... الآية
. فأطلقهم رسول الله عزالقل وعذرهم(١).
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ١٠٠ طبعة دار المعارف.
الجزء
: العاشر
- ٢٨٨ -
ثم أمر الله تعالى - نبيه عدّ له أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين.
أعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم، فقال خذأموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله عزَ اله
أبا لبابه وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله يؤلفّ فقالوا له يارسول الله
هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا: فقال: ما أمرت أن آخذ
من أموالكم شيئا .
فأنزل الله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة ... الآية)(١).
وقال الإمام ابن كثير : أمر الله تعالى - رسوله أن يأخذ من أموالهم.
صدقة يطهرهم ويزكيهم بها. وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير فى.
أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم .
ولهذا أعقتد بعض مانعى الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى.
الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صِّ ل ـ؛ ولهذا.
احتجوا بقوله : - تعالى -: ((خذ من أموالهم صدقة ... الآية).
وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر
الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى
رسول الله - صَّدة - حتى قال الصديق ,والله لو منعونى عناقا كانوا
يؤدونه لرسول الله - عَّ له - لقاقلتهم على منعه، (٢).
والمعنى: خذ - أيها الرسول الكريم - من أموال هؤلاء المعترفين
بذنوبهم، ومن غيرهم من أصحابك ((صدقة، معينة، كالزكاة المفروضة،
أو غير معينة كصدقة التطوع .
وقوله: ((تطهيرهم وتزكيهم بها، بيان الفوائد المترتبة على هذه الصدقة
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ١٠٢
(٢) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٣٨٦
تفسير سورة - ٢٨٩ - التوبة
أى: من فوائد هذه الصدقة أنها تظهر النفوس مز رذائل الشح والبخل
والطمع ... وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة، وتنمى الأموال والحسنات
قال بعضهم: قوله: ((تطهرهم) قرىء مجزوما على أنه جواب الأمر. وقرى.
مرفوعاً على أنه حال من ضمير المخاطب فى قوله: ((خذ)، أو صفة لقوله
(« صدقة»، والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى: تطهرهم بها ...
وقوله: ((وتزكيهم بها)، لم يقرأ إلا بإثبات الياء، على أنه خبر لمبتدأ
محذوى ، والجملة حال من الضمير فى الأمر أو فى جوابه. أى: وأنت
تر کیهم بها .
هذا على قراءة الجزم فى ((تطهرهم))، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله
(((وتزكيهم بها، معطوف على قوله ((تطهرهم، حالا أو صفة (١).
وقوله: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، أى : وادع لهم بالرحمة
والمغفرة، وقبول القوبة ، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم ، وتطمئن به
قلوبهم، ويجعلهم فى ثقة من أن الله - تعالى- قد قبل توبتهم، فأنت رسوله
الأمين ، وفيه الكريم .
فالمراد بالصلاة هنا : الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة .
قال بعضهم: ((وظاهر، قوله: «وصل عليهم، أنه يجب على الإمام أو نائبه
إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق . وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر.
وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، لأن
الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ« أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من
أغنياتهم فترد على فقر أنهم ، ولم يأمره بالدعاء ...
أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا مارواه الستة - غير الترمذى -من
(١) تفسير القاسمى - بتصرف وتلخيص - <ـ ٨ ص ٠٣٢٥٢
(١٩ - سورة التوبة )
الجزء
- ٢٩٠ -
العاشر
قواه - صلى الله عليه وسلم -«اللهم صل على آل أبي أوفى، - عندما أخذ
منهم الزكاة - .
ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر، لا مانع من أن يقول آخذ
الزكاة : اللهم صل على آل فلان .
وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان، وإن ورد
فى الحديث، لأن الصلاة صارت مخصوصة فى لسان السلف بالأنبياء - صلوات
الله عليهم -، كما أن قولنا : - عز وجل - صار مخصوصا بالله - تعالى -.
قالوا: وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة فى بعض
الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهى عنه .
ولاخلاف فى أنه يحوز أن يجعل غير الأنبياء تبعالهم فيقال: اللهم صل على
محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ... لأن السلف استعملوا ذلك ،
وأمرنا به فى التشهد، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع ... ، (١).
وقوله: ((والله سميع عليم، أى: سميع لاعترافهم بذنوبهم وجميع لدعائك
سماع قبول وإجابة، وعليم بندمهم وقوبتهم ، وبكل شىء فى هذا الكون ،
وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
ثم حرضهم - سبحانه - على التوبة النصوح، وحثهم على بذل الصدقات
فقال: (( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ... )).
أى: ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم، أن الله - تعالى - وحده،هو
الذى يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين، وأنه - سبحانه - هو الذى
(( يأخذ الصدقات)).
أى: يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله ؛ فالتعبير بالأخذ
للترغيب فى بذل الصدقات، ودفعها للفقراء. والاستفهام للتقرير والتحضيض
على تجديد التوبة وبذل الصدقة .
(١) تفسير آيات الأحكام - بتصرف وتلخيض حـ ٣ صـ ٠٤٨
تفسير سورة - ٢٩١ - التوبة
وقوله: (( وأن الله هو التواب الرحيم)) تذييل قصد به تقرير ما قبله
وتأكيده .
أى: وأن الله وحده هو الذى يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى، وأنه
هو الواسع الرحمة بهم ، الكثير المغفرة لهم:
قال ابن كثير: قوله: ((ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ
الصدقات .. ، هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب
ويمحقها، وأخبر - تعالى - أن كل من قاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق
بصدقة من كسب حلال فإن اللّه يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تصير
الثمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى -.
فعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله يقبل
الصدقة ويأحذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره، حتى إن اللقمة
لتكون مثل أحد، وتصديق ذلك فى كتاب الله قوله: «ألم يعلموا أن الله
:هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)).
وقوله: ((يمحق اللّه الربا ويربى الصدقات).
وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الصدقة تقع فى يد الله -تعالى- قبل أن
تقع فى يد السائل، ثم قرأ هذه الآية. «ألم يعلموا أن اله هو يقبل التوبة عن
عباده ويأخذ الصدقات ... ))(١)
ثم أمر - سبحانه - بالتزود من العمل الصالح، وحذر من الوقوع فى العمل
السى.، فقال-تعالى -: ((وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)).
أى: وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النائبين وغيرهم، قل لهم:
أعملوا ما تشاءون من الأعمال ، فإن الله مطلع عليها، وسيطلح رسوله
والمؤمنون عليها كذلك .
وخص - سبحانه - رسوله والمؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم الذين يهتم
المخاطبون باطلاعهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٣٨٦
الجزء ٠ ٣: ٢٩٢ -- العاشر.
قال الآلومى ما ملخصه: وقوله: (فسيرى الله عملكم ... ، تعليل لماقبله ،
أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسين للتأكيد ... والمراد ..
من رؤية العمل - عند جمع - الإطلاع عليه، وعلمه علما جلها. ونسبة ذلك
للرسول - عَ - والمؤمنين، باعتبار أن الله - تعالى - لا يخفى.
ذلك عنهم ، بل بطلعهم عليه ... »(١).
، :
وقوله: ((وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)
بيان لما سيكون عليه حالهم فى الآخرة ..
أى: وسترجعون بعد موتكم إلى الله - تعالى - الذی لا يخنیعلیهشىء،
فينبئكم بما كنتم تعملونه في الدنيا من خير أو شر، وسيجازيكم بما تستحقونه
من ثواب أو عقاب .
ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك، ..
فقال-تعالى -: ((وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .. )).
قال الجمل: قوله: ((وآخرون مرجون ... )) قرأ ابن كثير وأبو عمرو
وابن عمر وأبو بكر عن عاصم (مرجأون) بهمزة مضمومة بعدها واوساكنة.
وقرأ الباقون (مرجون)) دون تلك الهمزة ... وهما لغتان، يقال أرجأته
وأرجتيه ... )(٢).
وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: «وآخرون
اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سينا ... ))
-
والمعنى: ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يا محمد - قوم
آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل، فهو - سبحانه .
((إما يعذبهم، بأن يميتهم بلاقوبة ((وإما يتوب عليهم)) أى: يقبل قوبتهم.
٢
(١) تفسير الآلوسي جـ ١١ ص ١٦.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٣١٦
تفسير سورۀ
٠ ٢٩٣
التوبة
وهذا الترديد الذى يدل عليه لفظ « إما،، إنما هو بالنسبة للناس، وإلا
.. فالله - تعالى - عليم بما هو فاءله بهم.
والحكمة من إبهام أمرهم، إثارة الهم والخوف فى قلوبهم لتصح قوبتهم؛
لأن التوبة عندما تجىء بيد قدم شديد، وتأديب نفسى ... تكون مرجوة
- القبول منه - سبحانه - .
وقوله ((والله عليم)، أى: والله - تعالى - علم بأحوال خلق، وبما
يصلحهم فى أمورهم، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام ...
قال الآلوسى: والمراد بهؤلاء ((المرجون لأمر الله ... ، كما جاء فى
الصحيحين: هلال بن أمية، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، كانواقد
تخلفوا عن رسول - عَّ اللّه - فى غزوة تبوك، وهموا باللحاق به
فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا فى المدينة كبلا وميلا إلى الدعة - ولم يكن
تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النى - بَلّ - وكان ما كان من أمر
المتخلفين - قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذرواكما اعتذر غيرهم،
فأمر رسول الله - عَّ له - باجتنابهم ... إلى أن نزل قوله - تعالى -
. بعد ذلك: (( لقد تاب اللّه على النى والمهاجرين .... وعلى الثلاثة الذين
خلفوا ... )) فأمر - صلى الله عليه وسلم - بمخالطتهم، وكانت مدة وقفهم
خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة غيبه - صَل - عن
المدينة خمسين ليلة، فلما تمتعوا بالراحة فى تلك المدة مع قب إخوانهم فى
السفر، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة ... ، (١):
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف .
المتخلفين عن غزوة تبوك
أما الطائفة الأول فهى التى مردت على النفاق ، وقد عبر عنها - سبحانه -
بقوله: (ومن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا
على النفاق ... )).
وأما الطائفة الثانية فهى التى سارعت إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب،
(١) تفسير الآلوسى - بتصرف - ج١١ ص ١٧.
الجزء - ٢٩٤ - العاشر
فقبل الله قوبتهم، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله: ((وآخرون اعترفوا"
بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سينا ... )).
وأما الطائفة الثالثة فهى التى لم تجد عذرا تعتذر به، فأوقف الله أمرهم إلى
أن حكم بقيول قوبتهم بعد خمسين ليلة، وقد عبر عنها - سبحانه -بقوله:
((وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ... )).
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها الطويل المتنوع عن النفاق والمنافقين،
بالحديث عن مسجد الضرار الذى بناه المنافقون ليكون مكانا للإضرار
بالإسلام والمسلمين ، فقال - تعالى - .
وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
مُسْجِدِّ اضِرَارً ا وَ كُفْرًا وَتَقْرِ يِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنَ وَإِرْصَادًالِمَنْ حَرَبَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ الْحُسْنِّ وَاللهُ يَشْهَدُ
إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٣َ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُّ أُسّسَ عَلَى الْتَّقْوَى.
مِنْ أَوِّ يَوْمٍ أَخْتُ أَنْ تَقُومَ فِهْ فِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَتَطَهَّرُوّاً
وَاللهُ مُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ هَ أَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَتَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ
اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرُّ أَمَ مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَدَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَرَ
بِهِ، فِي نَارِ جَهَتَّمْ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِنَ (٨) لَزَالُ
يَُُّّمُ الَّذِى يَوْرِيَةً فِي قُلُوبِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ
حَكِيمُ﴾
قال الإمام ابن كثير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان
بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها، رجل من الخزرج
يقال له أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر فى الجاهلية ، وقرأ علم أهل .
تفسير سورة - ٢٩٥ - التوبة
الكتاب ، وكان فيه عبادة فى الجاهلية، وله شرف فى الخزرج كبير ، فلما قدم.
رسول الله - صَل ـ مهاجرا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه
وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهر هم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقة
وبارز العداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة لما اتهم على حرب
المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام ((أحد،فكان
من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع فى إحداهن.
رسول الله - عن ج - وأصيب فى ذلك اليوم، فجرح وجهه وكسرت.
رباعيته اليمينى والسفلى وشج رأسه وتقدم أبو عامر فى أول المبارزة إلى قومه
من الأنصار، فخاطبهم ، واستمالهم إلى نصره وموافقة: فلما عرفوا كلامه.
قالوا: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق ياعدو الله، ونالوا منه وسبوه ...
وكان رسول الله - عدّ له - قد دعاه إلى الله قبل فراره - إلى مكة -
وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. فدعا عليه رسول الله - { لَع -
أن يموت بعيداً طريداً فنالته هذه الدعوة .
وذلك أنه لما فرغ الناس من (أحد، ورأى أمر الرسول - صلى الله
عليه وسلم - فى ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على
النبى - صلى الله عليه وسلم -، فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة
من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب بعدهم ويمنهم، أنه سيقدم بجيش
ليقاتل به النبي - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه، ويرده عما هو فيه. وأمرهم.
أن يتخذوا ك معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون
مرصدا له إذا قدم عليه بعد ذلك .
فشرعوا فى بناء مسجد مجاور لمسجدقباء ، فينوه وأحكموه، وفرغوامته
قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن
يأتى إليهم فيصلى فى مسجدهم، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباتهوذكروا
العاشر
- ٢٩٦ -
الجزء
أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم، وأهل العلة فى الليلة الشاقية !! فعصمه الله من
الصلاة فيه فقال: ((إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء الله. أتيناكم
فصلينا لكمفيه ،
فلما ففل راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو
بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضراروما أعتمده بانوه من الكفر،
والتفريق بين جماعة المؤمنين فى مسجدهم . مسجد قباء . الذى أسس من
أول يوم على التقوى فبعث رسول اللّه عَّ إلى مسجد الضرار من هدمه
قبل مقدمه إلى المدينة .
وقوله : والذين اتخذوا مسجدا ضرراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين ..
منصوب على الذم .
أى: وأذم الذين اتخذوا مسجدا ضراراً .. أو معطوف على ما سبق
من أحوال المنافقين، والتقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجد أضراراً ...
وقوله «ضراراً، مفعول لأجله أى: أتخذوا هذا المسجد لا من أجل
العبادة والطاعة لله تعالى. وإنما اتخذوه من أجل الإضرار بالمؤمنين. وإيقاع
الآذی بهم .
وقوله ((وكفرا، معطوف على «ضراراً, ؛ وهو علة ثانية لاتخاذ
هذا المسجد .
أى : اتخذوه للإضرار بالمؤمنين، وللازدياد من الكفر الذى يضمرونه
ومن الغل الذى يخفونه ...
وقوله : وتفريقاً بين المؤمنين )) علة ثالثة .
أى : واتخذوها أيضاً للتفريق بين جماعة المؤمنين الذين كانوا
يصلون فى مسجد واحد هو مسجد قباء، فأرادهؤلاء المنافقون من بناء مسجد
الضرار إلى جوار مسجد قباء، أن يفرقوا وحدة المؤمنين ، بأن يجعلوهم
يصلون فى أماكن متفرقة. حدالهم على نعمة الإخاء والتآلف والاتحاد
التى غرسها الإسلام فى قلوب أقباعه . .
(١) راجع تغير ابن كثير <٢ ص ٠٧٨٢
تفسير سورة
- ٢٩٧ -
التوبة
وقوله: (( وإرسادا لمن حارب الله ورسوله)، علة رابعة لاتخاذ هذا المسجد.
أى: واتخذوه ليكون مكانا يرقبون فيه قدوم (من حارب اللهورسوله.
-وهو أبو عامر الراهب ، الذى أعلن عداوته لدعوة الإسلام ((من قبل،
بناء مسجد الضرار .
فقد سبق أن ذكرنا فى أسباب نزول هذه الآيات ، أن أباعامر هذا ،
كتب إلى جماعة من قومه . وهو عند هرقل . يعدهم ويمنيهم، ويطلب منهم
إن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه فشرعوا فى بناء هذا المسجد ..
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، قد ذكرت أربعة من الأغراض
: الخبيثة التى حملت المنافقين على بناء هذا المسجد ، وهى : مضارة المؤمنين ،
وتقوية الكفر ، وتفريق كلمة أهل الحق وجعله معقلا لالتقاء المحاربين
الله ولرسوله ...
.. وقد خيب الله تعالى مسعاهم؛ وأبطل كيدهم، بأن أمر نبيه - عَّ له.
بهدمه وإزالته ..
وقوله: ((وايحلفن أن أردنا إلا الحسنى، ذم لهم على أيمانهم الفاجرة،
.. وأقوالهم الكاذبة.
أى: أن هؤلاء المنافقين قد بنوا مسجد الضرار لتلك المقاصد الخبيثة.
ومع ذلك فهم يقسمون بأغلظ الإيمان بأنهم ما أرادواببنائه إلا الخصلة الحسنى
التى عبروا عنها قبل ذلك. كذبا. بقولهم: (( إمنا بنيناه للضعفاء. وأهل
العلة فى الليلة الثانية . .
وقوله: والله يشهد إنهم الكاذبون، زيادة فى مذمتهم وتحقيرهم.
أى: والله - تعالى-يعلم ويشهد أن هؤلاء المنافقين الكاذبون فى إيمانهم
- بأنهم ما أرادوا من بناء مسجدهم إلا الحسنى، فانهم فى الحقيقة لم يريدوا
ذلك، وإنما أرادوا تلك الأغراض القبيحة السابقة، وهى مضارة المؤمنين،
.. وتفريق كلمتهم ...
الجزء
- ٢٩٨ -
العاشر
ثم نهى الله - تعالى - رسوله والمؤمنين عن الصلاة فى هذا المسجدنها!
مؤكداً فقال - سبحانه .: (( لا تقم فيه، أبداً)).
أى : لا تصل . أيها الرسول الكريم . فى هذا المسجد فى أى وقت من
الأوقات لأنه لم يبن لعبادة الله، وإنما بنى للشقاق والنفاق.
قال القرطبى: قوله . تعالى. ((لا تقم فيه أبداً، يعنى مسجد الضرار.
لا تقم فيه للصلاة، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام. يقال: فلان يقوم الليل أى:
يصلى، ومنه الحديث الصحيح: (من قام رمضان إيماناً واحتساباًغفر لهما تقدم.
من ذنبه )).
وقد روى أن رسول الله. عند الله لما نزلت هذه الآية كان لا يمر
بالطريق التى فيها هذا المسجد ، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها
الجيف والأفذار .... (١).
وقوله: ((لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، جملة.
مسوقة لمدح مسجد قباء وقشريفه ..
أى: لمسجد بنى أساسه، ووضعت قواعده على تقوى الله وإخلاص العبادةله
منذ أول يوم بدىء فى بنائه. أحق أن تقوم للصلاة فيه من غيره .
قال الآلوسى ما ملخصه: واللام فى قوله والمسجد، إما للإبتداء أو القسم،
أى: والله لمسجد، وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ، والجملة بعدهصفته، وقوله
, أحق أن تقوم فيه، خبر المبتدأ: ((وأحق، أفعل تفضيل، والمفضل عليه كل.
مسجد . أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير، أو على زعمهم ، وقيل إنه
بمعنى حقيق، أى : ذلك المسجد بأن تصلى فيه ... » (٢) .
وقوله: (( فيه رجال يحبون أن يتطهر وأر الله يحب المطهرين)) جملة مسوقة
(١) تفسير القرطبى -٨ص٢٥٨.
(٢) تفسير الآلوسى -١١ ص١٩.
تفسير سورة - ٢٩٩ - التوبة
لتكريم رواد هذا المسجد ومديجهم .
أى : فى هذا المسجد رجال أتقياء الظاهر والباطن ، إذهم يحبون
الطهارة من كل رجس حسى ومعنوى، ومن كان كذلك أحبه الله ورضى عنة.
ثم بين - سبحانه. أنه لا يستوى من أسس بنيانه على الحق، ومن أسس
بنيانه على الباطل فقال: ((أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانخير،
أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ، فالنهار به في نار جهنم ... »
قال صاحب الكشاف : قرى أسس بنيانه ، وأسس بنيانه على البناء
الفاعل والمفعول. والشفا. الحرف والشفير. وحرف الوادى: جانبه الذى
يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول ، فيبقى واهيا والهار وهو المتصدع
الذی أوشك على التهدم - ومار صفة لجرف، أى جرفمو صور بأنهها تر
أى متساقط .
والمعنى : أفمن أس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة ، وهى الحق الذى
هو تقوى الله ورضوانه (( خير أم من) أسسه على قاعدة هى أضعف القواعد
وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذى مثله مثل, شفا جرف هار»
فى قلة الثبات والإستمساك. وضع شفا الجرف فى مقابلة التقوى، لأنه جعل
مجازاً عما ينافى التقوى.
فان قلت: فما معنى قوله: ((فانهار به فى نار جهنم)).
فلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل ، قيل: فانهار به فى نار
جهم، على معنى: فطاح به الباطل فى نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز ىء
بلفظ الانهيار الذى هو الجرف، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على
شفا جرف من أودية جهنم . فاتهار به ذلك الجرف فهوى فى قعرها، ولا
ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل منه على حقيقة الباطل وكنه أمره، (١).
(١) تفسير الكشاف =٢ص١١٠ - بتصرف وتلخيص.
- ٢٠٠ -
وقال صاحب المنار ما ملخصه: والمراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذى
هو دين الإسلام وقوته ، ودوامه ، وسعادةأهله به ، وذكره بأثره و ثمر تهفى
عمل أهله وجماعها التقوى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلا اله وقرب زواله،
وخيبة صاحبه ، وسرعة انقطاع آماله ..
وقد ذكر فى وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به
لأنههو المقصود بالذات؛ وذكر من وصف الفريق الثانى - وهم المنافقون
الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء
مسجد الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن)، (١).
وقوله: (( والله لا يهدى القوم الظالمين، أى: مضت سنة الله - تعالى-فى
خلقه أنه - سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير، أولئك الذين استحبوا
العمى على الهدى وظلموا أنفسهم بوضعهم الأمور فى غير مواضعها .
ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على هدم مسجد الضرار، فى نفوس
هؤلاء المنافقين الأشرار فقال - تعالى -؛ , لا يزال بنيانهم الذى بنواريبة فى
قلوبهم ، إلا أن تقطع قلوبهم، والله عليم حكيم، .
الريبة: اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة، وتقطع - بفتح التاء -
أصلها تتقطع فذفت إحدى التامين ، من التقطع بمعنى التمزق. وقرأ بعضهم.
((تقطع، - بضم التاء - من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق.
والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال، والمستثنى منه محذوف،
والتقدير: لايزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق فى نفوسهم فىكل
وقت وحال إلا فى وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك
أى: أنهم لا يزالون فى قلق وحيرة ماداموا أحياء ، أما بعد موتهم فستتكشف
لهم الحقائق، ويجدون مصيرهم الأليم .
-
(١) تفسير المنار جـ ١١ ص ٤٥.