Indexed OCR Text
Pages 161-180
تفسير سورة - ١٦١ - التوبة ومن هنا قالوا : من أنكر صحبة أبى بكر فقد كفر، لإنكار كلام الله، - وليس ذلك لسار الصحابة)، (١)». وقد ساق الإمام الرازى، والشيخ رشيد رضا، عند تفسير هما لهذه الآية -إثنى عشر وجهاً فى فضل أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - ، فارجع إليهما إن شئت((٢). وبعد هذا التذكير للمؤمنين بما كان منه - سبحانه - من تأييد لرسوله عند هجرته، أمرهم - جل شأنه - بالنفير فى كل حال فقال: انفروا خفافا وثقالا. وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله، ذلكم خير لكم - إن كنتم تعلمون)). قال الفخر الرازى ما ملخصه: أعلم أنه - تعالى- لما توعد من لا ينفر مع الرسول، وضرب له من الأمثال ما وصفنا ، أتبعه بهذا الأمر الجازم - فقال: ((انفروا خفافاً وثقالا)). والمراد : انفروا سواء أكنتم على الصفة التى يخف عليكم الجهادفيها، أو على الصفة التى يثقل. وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة. منها: (خفافا، فى النفور لنشاطكم له، و(مثقالا) عنه لمشقته عليكم. ومنها: ((خفافاً) لقلة عيالكم، و((ثقالا، لكثرتها. ومنها: ((خفافا، من السلاح، و(ثقالا، منه. والصحيح ما ذكرنا، إذ الكل داخل فيه، لأن الوصف المذكوروصف کلی يدخل فيه كل هذه الجزئيات ««٢)). والمعنى: ((أنفروا . - أيها المؤمنون، ((خفافاً وثقالا، أى: فى حال - سهولة النفر عليكم ، وفى حال صعوبته ومشقته . ((١) راجع تفسير الآلوسي ج ٠١٠-٨٩ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ١٦ ٠٦٣٥ تفسير المنار جـ ٠٤١٧٥١٠ ((٣) تفسير القرطبى =١٦ ص٠٦٩ ١١٠ - سورة التوبة» العاشر - ١٦٢ - الجزء : ((وجاهدوا، أعداءكم ببذل أموالكم. ويبذل أنفسكم ((فى سبيل الله)». أى: فى سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله - صل -. فمن استطاع منكم الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بهما. ومن .. قدر على أحدهما دون الآخر ، وجب عليه ما كان فى قدرته منهما . قال القرطبى روى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صَ لّ -. قال: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)). وهذا وصف لأكمل ما يكون الجهاد وأنفعه عند الله - تعالى - فقد حضر - سبحانه - على كمال الأوصاف. وقد الأموال فى الذكر ، إذ هى أول مصرف وقت التجهيز، فرقب .. الأمر كما هو فى نفسه (١) ) . واسم الإشارة فى قوله: (( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يعودإلى ... المذكور من الأمرين السابقين وهما : النفور والجهاد . أى : ذلكم الذى أمر قم به من النفور والجهاد فى سبيل الله، خير لكم فى دنياكم وفى آخرتكم من التثاقل عنهما، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين. لكم خالقكم ومريكم على لسان رسوله- صل -. ولقد أدرك المؤمنون الصادقون هذا الخير. فامتثلوا أمر ربهم، ونفروا للجهاد فى - بيله خفافاً وثقالا ، بدون تباطؤ أو تقاعس . وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية كثيراً من الأمثلةالتى قدل على محبة السلف الصالح للجهاد فى سبيل الله ، ومن ذلك . ما جاء عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءه، فأتى على هذه الآية: « انفروا خفافاً وثقالا فقال: أى بنى، جهزونى جهزونى. فقال بنوه . يرحمك الله !! لقد غزوت مع النبى - مَد - حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات. ومع عمر حتى مات. فنحن نغزو عنك. فقال: لا،. (١) تفسير القرطى = ٨ ١٥٣٠٠ تفسير سورة - ١٦٣ - التوبة جرزونى. فغزوا فى البحر فمات فى البحر ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ، ولم يتغير - رضى الله عنه -. وقال الزهرى : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل .. فقال: استنفر اللّه الخفيف والثقيل، فان الم يمكنى الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع((١). وأخرج ابن جرير عن حبان بن زيد الشرعبى قال : ففرنا مع صفوان ابن عمرو، وكان والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً هرما، على راحلته فيمن نفر، فأقبلت عليه فقلت: يا عماه لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه فقال. يا بن أخى ، استنفرنا الله خفافاً وثقالا، من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلى الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله (٢)). وعن أبى راشد الحبرانى قال ، وافيت المقداد بن الأسود ، فارس رسول الله- ب - جالساً على قابوب من توابيب الصيارفة بحمص، وهو يريد الغزوج ـ وقد تقدمت به السن - فقلت له: لقد أعذر اته إليك . فقال: أبت علينا سورة البعوث ذلك. يعنى هذه الآية: ((انفرواخفافاً وثقالا٣٠)). هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت بآيات أخرى. قال الجمل ما ملخصه : فإن قلت هذه الآية تجعل الجهاد على الجميع حتى المريض والزمن والفقير ... وليس الأمر كذلك، فما معنى هذا الأمر؟ ((١) تفسير القرطبى ج٨ صـ٠١٥١ ((٢) تفسير ابن جرير ص١٠ صـ١٤٠ - بتصريف بسير - (٣) تفسير الآلوسى ج٩٣٥٠١ - بتصريف يسير - الجزء - ١٦٤ - العاشر قلت . من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه فسخ بقوله - تعالى- ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ... ) ( سورة التوبة . الآية (٩). ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب . والصحيح أنها منسوخة، لأن الجهاد من فروض الكفاية، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت فى غزوة تبوك، وأن النبى - بيع - خلف فى المدينة فى تلك الغزوة النساء وبعض الرجال ، فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات، وأنه ليس على الأعيان(١) ويرى بعض العلماء أن الآية ليست منسوخة، فقد قال الإمام القرطبى - ما ملخصة - واختلف فى هذه الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى- ( ليس عن الضعفاء ولا على المرضى ... ) والصحيح أنها ليست بمنسوخة . روى ابن عباس عن أبي طلحة فى قوله - تعالى -: (أنفرواخفافا وثقالا) قال. شباناً وكهولا. ما سمع الله عذر أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجواللجهاد خفافاً وثقالا - فلهذا وما كان مثله ماروى عن الصحابة والتابعين قلنا. إن النسخ لا يصح. فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل، وذلك إذا تعين الجهاد الغلبة العدو على قطر من الأقطار الإسلامية، أو بحلوله فى العقر، ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا اليه خفافاً وثقالا؛ شباباً وشيوخاً، كل على قدر طاقته ... ولا يتخلف أحد بقدر على الخروج. فان عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو ، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ٢ ص ٠٢٨٥ تفسير سورة - ١٦٥ - التوبة حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التى نزل العدو عليها، سقط الفرض عن الآخرين ... ثم قال - رحمه الله -: ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة ... لإظهار القوة، وإعزاز دين الله . ثم قال : وقال ابن العربى، ( ولقد نزل بنا العدو - قصمة الله . سنة سبع وعشرين وخمسمائة ـ فجاس ديارنا ف وأسر خيرتنا ، وتوسط بلادنا .. فقلت للوالى والمولى عليه . عدو الله قد حصل فى الشرك والشبكة، فلمتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس ... فيحاط به فيهلك . فغلبت الذنوب، ورجفت القلوب بالمعاصى ، وصاركل أحد من الناس ثعلباً يأوى إلى وجاره (١)، وإن رأى المكيدة بحاره . فإنا لله وإن إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله))(٢). والذى نراه. أن ما ذهب إليه الإمام القرطبى، من أن الآية الكريمة ليست منسوخة ، أولى بالإتباع. لأن الجهاد قد يكون فرض كفاية فى بعض الحالات، وقديكون فرض عین فی حالات أخرى . والآية الكريمة التى معنا تدعو المؤمنين إلى النفير العام فى تلك الحالات الأخرى التى يكون الجهاد فيها فرض عين . وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تدعو إلى النفير العام، والآيات التى تعفى بعض الناس من مشاقه ومتاعبه : (١) الوجار بكسر الواو وفتحها - بيت الثعلب. ((٢) تفسير القرطبى ج٨ ص٠١٥٠ الجزء - ١٦٦ - العاشر ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن هذه الآيات الأربع قد عاقبت المؤمنين الذين تخلفوا عن الجهاد فى غروة قبوك عتا باً شديداً، وأنذرتهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا ... ، وذكرتهم بما كان من نصر الله لنبيه حين أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين .. ، وأمرجم بالتفور إلى الجهاد خفافاً وثقالا. وبمجاهدة المشركين بأموالهم وأنفسهم ، فذلك هو الخير لهم فى عاجلتهم وآجلتهم. ثم أخذت السورة الكريمة فى بيان قبانح المنافقين، ومعاذيرهم الواهية، ومسالكهم الخبيثة . وأعانهم الفاجرة ... فقال - تعالى -: .کَوْ كَانَ عِرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًّا لََّتَّبَعُوكَ وَلَلِكِنَّ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِلَه لَوٍ أَسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (1) قال الفخر الرازى هذه الآية نزلت فى المنافقين الذين تخلفواعن غزوة تبوك((١)، والعرض. ما يعرض للانسان من منافع الدنيا وشهواتها. والسفر القاصد: هو السفر القريب السهل الذى لا يصاحبه ما يؤدى إلى التعب الشديد. من القصد بمعنى التوسط والاعتدال فى الشىء. والشقة: المسافة التى لا تقطع إلا بعد تكبد المشقة والتعب، فهى مأخوذة من المشقة وشدة العناء . قال القرطى: حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة: السفر إلى أرض بعيدة. يقال . منه شقة شاقة. والمراد بذلك كله غزوة تبوك٢٠٠٠(٢)). والمعنى : لو كان الذى دعوتهم إليه يا محمد، متاعاً من متع الحياة الدنيا، ((١) تفسير الفخر الرازى ج٤٤٢٥٤- المطبعة الشرقية سنة ٢٣٢٤هـ الطبعة الثانية (٢) تفسير القر طبى ج٨ص ١٥٤ طبعه دار الكاتب العربى سنه ٢٩٤٧ تفسير سورة - ١٦٧ - التوبة وسفراً سهلا قريباً، لا تبعوك فيمادعوتهم اليه، لأنه يوافق أهوا.هم، ويشبع رغباتهم، ولكنهم حين عرفوا أن ما دعوتهم اليه هو الجهاد فى سبيل الله وما يصحبه من أسفار شاقة، وتضحيات جسيمة ..... تعالوا لك بالمعادير الكاذبة، وتخلفوا عن الخروج معك، جبناً منهم، وحباً الراحة والسلامة. وشبيه بهذه الآية من حيث المعنى، قول الرسول - عَ ل ـ فى شأن المتخلفين عن صلاة الجماعة . (( لو يعلم أحدهم أنه بحد عظماً سميناً، أو مر ماتين ((١)) حسنتين لشهد العشاء : أى: لو يعلم أحد هؤلاء المتخلفين عن صلاة العشاء فى جماعة ، أنه يجد . عند حضور صلاتها فى جماعة شيئاً من اللحم لحضرها. ثم حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعدعودة المؤمنين من الجهاد فقال: ( وسيحلفون بالله لو أستطعنا لخرجنا معكم). أى. وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله - كذباً وزوراً - قائلين . أو أستطعنا أنها المؤمنون أن نخرج معكم للجهاد فى قبوكلخرجنا: فأننالم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين، فقد كانت لنا أعذارها القاهرة التى حملتنا على التخلف !! وأتى - سبحانه - بالسين فى قوله: (( وسيجلفون) لأنه من قبيل الإخبار بالغيب . فقد كان نزول هذه الآية قبل رجوعه - ێّ ــ من تبوك . وحلفهم هذا کان بعد رجوعه منها. قال الفخر الرازى: (قالوا: الرسول - ميج - أخبر عنهم أنهم -سيحلفون، وهذا إخبار عن غيب يقع فى المستقبل، والأمر لما وقع كما :أخبر كان هذا إخباراً عن الغيب فكان معجزاً،(٢). ((١) مرماتين: تثنيه مرماة، وهى ظلف الشاة، أو ما بين ظلفها من الملحم: ٠.(٢) تفسير الفخر الرازى ٤٤٣٠٥٤٦ : الجزء - ١٦٨ - الباشر والمراد بالإستطاعة فى قوله: ((لو استطعنا)»: وجود وسائل الجهاد. معهم، من زاد وعدة وقوة فى البدن ، وغير ذلك مما يستلزمة الجهاد فى. سبيل الله : وقوله: ( لخرجنا معكم )، ساد مسد جوابى القسم والشرط : ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بسبب كذبهم ونفاقهم فقال: ويهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون»: أى. أن هؤلاء المتخلفين عن الجهاد ،المكون أنفسهم بسبب خلفهم الكاذب ، وجرأتهم على الله. تعالى. فى اختلاق المعاذير الباطلة، مع أنه. صبحانه . يعلم إنهم لكاذبون فى أيمانهم ، وفيما افتحلوه من أعذار. قال ابن جرير قوله: (( والله پعلم إنهم لكاذبون ) فى قو هم ,لو استطعنا لخرجنا معكم)، لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجود السبيل إلى ذلك بالذى كان عندهم من الأموال ، مما يحتاج اليه الغازى فى غزوه، وصحة الأبدان، وقوة الأجسام ،(١). هذا، ومن الإحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية، أن الإيمان الكاذبة. تؤدى إلى الخسران والهلاك: وفى الحديث الشريف: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع). ثم عاقب الله: تعالى. نبيه. عَ له. عتاباً رقيقاً لأنه أذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك ، دون أن يتبين أحوالهم. فقال - تعالى. عَفَا ◌َللَّهُ عَنَكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ خَتَّى/ يَبَيِّنَّ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِيِّنَ (((١) تفسير ابن جرير حـ١٤ ٢٧١٠٠ طبعة دار المعارف. تحقيق محمودشاكر .. تفسير سورة - ١٦٩ - التوبة قال ابن كثير. قال مجاهد. نزلت هذه الآية فى أناس قالوا: استأذنوا. سول الله. وعٍ، فإن أذن لكم فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. والعفو: يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير , كما يطلق على ترك ؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل ، وهو المراد هنا . والمعنى: عفا الله عنك يا محمد، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع ؤلاء المنافقين من سماحك لهم بالتخلف عن الجهاد معك فى غزوة تبوك، بين اعتذروا إليك بالأعذار الكاذبة ، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأتى ، السماح لهم بالتخلف , حتى يتبين لك الذين صدقوافى اعتذارهم من الذين ذبوافيه، فقد كانوا. إلا قليلا منهم. كاذبين فى معاذيرهم ، وكانوا صرين على القعود عن الجهاد حتى ولو لم تأذن لهم به . وقدم سبحانه . العفو على العتاب. وهو قوله: ( لم أذنت لهم)- ، الإشارة إلى المكانة السامية التى له . عَقط له. عند ربه قال بعض العلماء: هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا ؟لقد خاطبه سبحانه العفو قبل أن يذكر المعفو عنه . وقال العلامة أبو السعود ما ملخصه. وعبر. سبحانه. عن الفريق الأول الموصول الذى صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثانى باسم الفاعل لمفيد للدوام، للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث فى أمر خاص غير مصحح لنظمهم فى سلك الصادقين، وبأن ما صدر من الآخرين ، وإن كان كذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة، اشىء عن رسوخهم فى الكذب . وعبر عن ظهور الصدق بالتبين « وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو الجزء - ١٧٠ - العاشر صدق الخبر إنما هو تبين ذلك المدلول ، وانقطاع احتمال نقيضة بعدما كان محتملا له احتمالا عقلياً. وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه فى الجملة حتى يكون ظهوره تبيناً له، بل فقيض لمدلوله . فما يتعلق به يكون علما مستأنفاً ... )) (١). هذا ، ومن الأمور التى تكلم عنها العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية ما يأتى: ١ - أن النبى صَّةٍ كان يحكم بمقتضى اجتهاده فى بعض الوقائع. وقد بسط القول فى هذه المسألة صاحب المنار فقال ما ملخصه . وقد كان الإذن المعاقب عليه اجتهاداً منهچام فيما لا نصفيه منالوحى، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحى ببيانه والعمل به، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو أن يخطئ. فيما يبلغه عن ربه أو يخالفة بالعمل . ويؤيده حديت طلحة فى تأبير النخل إذا رآهم. وَ لَّم. يلقحونها فقال : ما أظن يغنى ذلك شيئاً، فأخذوا بذلك فتركوه ظناً منهم أن قوله هذا من أمر الدين. فنفضت النخل وسقط ثمرها. فأخبر بذلك فقال: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانى ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن' إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فانى لن أكذب على الله عز وجل. وقد صرح علما الأصول بجواز الخطأ فى الاجتهاد على الأنبياء. عليهم الصلاة والسلام.؛ قالوا: ولكن لا يقرهم الله على ذلك، بل يبين لهم الصواب فيه ٢٠٢٠٠)). ((!)) تفسير أبى السعود حـ٥٢ـ٢٧٢، طبعة صبيح. (٢٠) تفسير المنار جـ١٠ ص٠٤٥٣ تفسير سورة - ١٧١ -- التوبة ٢ - أن من الواجب على المسلم التريث فى الحكم على الأمور. قال الفخر الرازى: دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، وو جوب التثبت والتأنى، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة فى التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد(١): ٣ -- أن المتتبع لآراء العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية يرى لهم ثلاثة أقوال : أما القول الأول فهو لجمهور العلماء: وملخصه: أن المرادبالمفوفى قوله سبحانه -: (عفا الله عنك، عدم مؤاخذته: بلى - فى تركه الأولى والأفضل ، لأنه كان من الأفضل له ألا يأذن للمنافقين فى التخلف عن الجهاد حتى يتبين أمرهم . وهذا القول هو الذى نختاره وفرجحه، لأنة هو المناسب لسياق الآية ولما ورد فى سبب نزولها : وأما القول الثاني فهو اصاحب الكشاف: وملخصه: أن العفوهنا كناية عن الجناية، فقد قال: قوله « عفا الله عنك)) كناية عن الجناية لأن العفو مرادف لها، ومعناه. أخطأت وبيس ما فعلت، وقوله . لم أذقت لهم) بيان لما كنى عنه بالعفو (٢). ولم يرقض كثير من العلماء ما ذهب اليه صاحب المكشاف من أن العفو هنا كتابة عن الجناية، ووصفوا ما ذهب اليه بالخطأ وإساءة الأدب: قال أبو السعود .. ولقد أخطأ وأساء الأدب وبتسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كنايه عن الجناية ، وأن معناه أخطأت، وبئس ما فعلت: هب أنه كتابة، أليس إيثارها على النصيح بالجناية للتلطيف فى الخطاب والتخفيف فى العقاب ؟ :: (٣)). ١٠. قفسير الفخر الرازى جـ٤ صـ ٤٤٤ : (٢) تفسير الكشاف ج٢ ٠ ١٩٢ طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٦٦ (٣)، تفسير أبى السعود ج ٢ص٢٧٢ الجزء -- ١٧٢ -- العاشر وقال الشيخ أحمد بن المنير: ليس له - أى الزمخشرى : - أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير، وهو بين أحد أمرين: إما أن لا يكون هو المراد وإما أن يكون هو المراد ، ولكن قد أحل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب، وخصوصاً فى حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - فالزمخشرى على كلا التقديرين ذهل عما يجب فى حقه - مقلد ولقد أحسن من قال فى هذه الآ به: إن من لطف الله - تعالى- بنبيه، أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء «لم أذفت لهم)) لتفطر قلبه - عليه الصلاة والسلام. فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه فى حق سيد البشر- عليه الصلاة والسلام (١)». وأما القول الثالث فهو للامام الفخرى الرازى، ولمن حذاحذوه كالقرطبى وغيره، وملخص هذا القول أنه يجوز أن يكون المراد بالعفو هنا: المبالغة فى تعظيم النبى - مول - وتوقيره، أو أن قوله - سبحانه -: (عفا الله عنك)) افتتاح كلام. قال الفخر الرازى ما ملخصه: لا نسلم أن قوله - تعالى- ((عفا الله عنك)) يوجب الذنب ، ولم لا يجوز أن يقال : إن ذلك يدل على مبالغة الله، تعالى فى تعظيمه وتوقيره ,كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده، عفا الله عنك ما صنعت فى أمرى ... فلا يكون غرضه من هذا الكلام. إلا مزيد التبجيل والتعظيم ويؤيد ذلك قول على بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه: تعوذ بعفوك أن أبعد عفا الله عنك ألا حرمة ومولى عفا ورشيداً هدى ألم تر عبداً عدا طوره (((١) حاشية تفسير الكشاف ج٢ص١٩٢. التوبة - ١٧٣ - تفسير سورة أقلنى أقالك من لم يزل يقيك، ويصرف عنك الردى(١) وقال القرطبى: قوله : - تعالى - «عفا الله عنك لم أذنت لهم، قيل: هو افتتاح كلام؛ كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا .. (٣) والذى تراه أن القول الأول هو الراجح لما سبق أن بيناه. ثم بين - سبحانه - الصفات التى يتميز بها المؤمنون الصادقون، عن غيرهم من ضعاف الإيمان ، فقال - تعالى - : لَا يَسْتَعْذِتُكَ الَّذِينَ ؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ أَن يَُهِدُواْ بِأَمْوَ لِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ لِمْ بِلْمُتَّقِينَ ﴿ إَِّ يَسْتَعَذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ لَآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ أى: ليس من شأن المؤمنين الصادقين أن يستأذنوك - يا محمد - فى ((أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم)) فى سبيل إعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه .. وإنما الذى من شأنهم وعادتهم -كما أثبته واقعهم وتاريخهم-أن ينفروا خفافا وثقالا عندما يدعو الداعى إلى الجهاد ، دون أن ينتظروا إذنا من أحد . فهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، يسارعون إلى الجهاد بقلوب مشتاقة إليه ، وبنفوس تتمنى الموت عن طريقه . وهم فى ذلك متثلون لقول النبى - عَلَّم -: (( من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ٠٤٤٣ (٢) تفسير القر طبى جى ص. ٠١٥٤ الجزء ٠- ١٧٤ - العاشر - أى صيحة - وفزعا طار على متنه يبتغى القتل أو الموت فى مظانه)) (٧) وقوله: ((والله عليم بالمتقين)) تحريض لهم على الاتصاف بهذه الصفة الكريمة ، وهى صفة التقوى . والمراد بالعلم هنا لازمه، وهو مجازاتهم بالثواب الجزيل على تقواهم. أى: والله - تعالى - عليمهؤلاء الذين ملأت خشيته قلوبهم. ويشبهم. على ذلك ثوابا يرضيهم . هذا، وقد استنبط العلماء من هذه الآية أنه ينبغى على المؤمن أن يقوم. بأداء الأعمال الحسنة ، والأفعال الجميلة بدون تردد أو استئذان . قال صاحب الانتصاف عند تفسيره لهذه الآية: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمـ. أن يستأذن أخاه فى أن يسدیله معروفا ، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه فى أن يقدم إليه طعاما؛ فإن الاستئذان فى أمثال. هذه المواطن أمارة التمكلف والتكره. وصلوات الله وسلامه على خليله إبراهيم ، فقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئاً من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم ، فلذلك مدحه الله - تعالى - على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الخلة الجميلة، فقال - تعالى -: ((فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين .. ، أى: ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا به .. » (٢) وقال صاحب المنار : وقد استنبط من الآية أنه لا ينبغى الاستئذان فى. أداء شىء من الواجبات، ولا فى الفضائل والفواضل من العادات ، كقرى الضيف ، وإغاثة الملهوف ، وسائر عمل المعروف . ويعجبنى قول بعض العلماء ما معناه: من قال لك أنا كل ؟ هل آتيك بكذا من الفاكهة مثلا ؟ فقل له لا؛ فإنه لو أراد أن يكرمك لما استأذنك، (٣). (١) تفسير الآلوسي ج ١٠ ص ١١٠. (٢) حاشية الكشاف جـ ٣ ص ٢٧٤ - طبعة دار الكتب العربى ببيروت. (٣) تفسير المنار = ١٠ ص ٤٥٤. - ١٧٥ - التوبة تفسير سورة ثم بين - سبحانه - الصفات التى يعرف بها المنافقون، بعد بيأنه للصفات. التى يعرف بها المؤمنون الصادقون فقال: ((إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارقابت قلوبهم ... )) أى: إنما يستأذنك - يا محمد - فى القعود عن الجهاد أولئك الذين من صفاتهم أنهم لا يؤمنون بالله إيمانا كاملا ، ولا يؤمنون باليوم الآخر ومافيه من ثواب وعقاب إيمانا يقينيا . قال الآلوسي: وتخصيص الإيمان بهما- أى بالله واليوم الآخر - فى الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما و عدم الإيمان بهما، فمن آمن بهما قاتل فى سبيل دينه، وهان عليه القتل فيه لما يرجوه فى اليوم الآخر من النعيم المقيم، ومن لم يؤمن كان بمعزل عن ذلك . على أن الإيمان بهما مستلزم الإيمان بمائر ما يجب الإيمان به)) (١). وقوله: ((وأرقابت قلوبهم)) صفة ثالثة من صفاتهم الذميمة . أى : أهم بجانب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، رسخ الريب فى قلوبهم. فصاروا يشكون فى صحة ما جئت به - أيها الرسول الكريم -، ويقفون من تعالمك وتوجيهاتكموقف المكذب المرقاب لا موقف المصدق المذعن. وأضاف الشك والارتياب إلى القلوب ، لأنها محل المعرفة والإيمان. وأوثرت صيغة الماضى - ارتابت ، للدلالة على تحقق الريب وأو بيخهم. وأصل معنى التردد: الذهاب والمجىء. والمراد به هنا التحير على سبيل المجاز، لأن المتحير لا يستقر فى مكان ، ولا يثبت على حال أى : فهم فى شكهم الذى حل بهم يتحيرون، فتراهم كما وصفهمسبحانه فى آية أخرى. ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... (٢). (١) تفسير الآلوسي جـ ١٠ ص ١١٠. (٢) سورة النساء الآية ١٤٢. الجزء - ١٧٦ - العاشر أى: متحيرين بين الكفر وبين الإيمان. وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا السمات التى بها يتميز المؤمنون الصادقون عن غيرهم من الذين قالوا آمنا وما هم بمؤمنين . ثم حكى - سبحانه - بعض المسالك الخبيثة التى كان يتبعها هؤلاء المنافقون لمحاربة الدعوة الإسلامية ، وكيف أنه - سبحانه - أحبط مكرهم فقال - تعالى - : وَلَوْ أَرَادُواْ اٌلْخُرُوجَ لَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَكِنْ كَرِهَ اللهُ أَنَِّعَانَهُمْ فَبَّطَهُمْ وَقِلَ أَقْعُدُ وا مَعَ الْقَدْعِدِينَ (٤٦) لَوْ ◌َرَجُواْ فِكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّ خَبَالًا ﴿وَلَوْضَعُواْ ◌َِلَّكُمْ يَبْغُونَكُ اَلْفِئْئَةَ وَفِكُمْ سَّعُونَ لَهُمْ وَآلَهُ عَلِيمٌ بِالَِّنَ ﴿ لَقَدِ أَبْتَغُواْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَُّواْلَكَ الْأُمُورَ خَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ الَّهِ وَهُمْ كَِهُونَ (﴾ وقوله: ((ولو أرادوا الخروج ... )) كلام مستأنف لبيان المزيد من رذائل المنافقين . أو معطوفعلى قوله - سبحانه - قبل ذلك , لو كانعرضا قريبا وسفرا قاصد الاتبعوك)). وقوله: (انبعاثهم)) أى: نهوضهم وانطلاقهم الخروج بنشاط وهمة . من البعث وهو إثارة الإنسان أو الحيوان وتوجيهه إلى الشىء بقوة وخفة . تقول : بعثت البعير فافبعث إذا أثرته للقيام والسير بسرعة . وقوله: ((فشبطهم) أى: فمنعهم وحبسهم، من التثبيط ((وهو رد الإنسان عن الفعل الذى هم به عن طريق تعويقه عنه ومنعه منه . يقال: ثبطه تثبيطا، أى: قعد به عن الأمر الذى يريدهومنعه منهيالتخذيل ونحوه. تفسير سورة - ١٧٧ - التوبة والمعنى: ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك - بامحمد - إلى تبوك، لأعدوا لهذا الخروج عدته اللازمة له من الزاد والراحلة ، وغير ذلك من الأشياء التى لا يستغنى عنها المجاهد فى سفره الطويل، والتى كانت فى - مقدورهم وطاقتهم . وقوله. ( ولكن كره الله انبعائهم ) استدراك على ما تقدم. أى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته، ولكنهم لم يريدوا ذلك، لأن الله - تعالى - كره خروجهم معك، فحبسهم عنه، لما يعلمه - سبحانه- ... من نفاقهم وقبح نواياهم، وإشاعتهم للسوء فى صفوف المؤمنين : قال صاحب الكشاف: فان قلت . كيف موقع حرف الاستدراك؟ - قلت: لما كان قوله ( ولو أرادوا الخروج، معطيا معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: (ولكن كره الله انبعاثهم)، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تشبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول. ما أحسن إلى زيد ولكن أساء إلى، (١). وقال الجمل. وها هنا يتوجه سؤال، وهــ و أن خروج المنافقين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة، فإن كان فيه مصلحة فلم قال. ولكن كره انته انبعاثهم فشبطهم. وإن كان فيه مفسدة فلماذا عاقب نبيه - بي - فى إذنههم فى القعود ؟ والجواب عن هذا السؤال: أن حروجهم مع رسول اللّه بَّ له كان فيه مفسدة عظيمة، بدليل أنه سبحانه . أخبر بتلك المفسدة بقوله . « ما.زادوكم الاخبالا .... بقى أن يقال. فلم عاقب أنه نبيه بقوله: ((لم أذنت لهم،؟فنقول. إنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم قبل إتمام الفحص، وإكمال التدبر والتأمل فى ((١) تفسير الكشاف ج٣ ص٢٧٥. (١٢ - سورة التوبة) الجزء - ١٧٨ - . العاشر حالهم، فلهذا السبب قال. تعالى. (لم أذنت لهم) وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى اليه فى أمرهم بالقعود (١): وقوله. ( وقيل اقعد وا مع القاعدين) تذييل المقصود منهذمهم ووصفهم بالجبن الخالع، والهمة الساقطة، لأنهم بقعودهم هذا سيكونون مع النساء والصبيان والمرضى والمستضعفين الذين لا قدرة لهم على خوض المعارك والحروب قال الآلوسى. وقوله. ((وقيل اقعدوا مع القاعدين): تمثيل لخلق الله داعية القعود فيهم ، وإلقائه كرامة الخروج فى قلوبهم بالأمر بالقعود أو تمتيل الوسوسة الشيطان بذلك «فليس هناك قول حقيقة. ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض؛ أو حكاية لإذن الرسول. لتم لهم فى القعود، فيكون القول على حقيقته ٢٠٢). هذا، ومن الأحكام انتى أخذها العلماء من هذه الآ ية. أن الفعل يحسن بالنية، ويقبح بها . أيضاً.، وإن استويا فى الصورة، لأن النفير واجب مع فية النصر. وقبيح مع إرادة تحصيل القبيح، وذلك لأنه. تعالى . أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل من إرادة المكر بالمسلمين. ومنها: أن للامام أن يمنع من يتهم بمضرة المسلمين من الخروج للجهاد؛ حماية لهم من شروره ومفاسده . ومنها : أن إعداد العدة للجهاد أمر واجب ,وقد قال. تعالى. فى آية. أخرى .. وأعدوالهم ما استطعتم من قوة.»(٣)). ثم بين . سبحانه - المفاسد المترتبة على خروج المنافقين فى جيش المؤمنين فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم الاخبالا)، وأصل الخبال . الاضطراب. والمرض الذى يؤثر فى العقل كالجنون ونحوه. أو هو الاضطراب فى الرأى . (١) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص٠٢٨٧ (٢) تفسير الألوسى =١٠ ج١١١. تصرف يسير. (٣) تفسير القاسمى جه ص ٠١٦٧ تفسير سورة - ١٧٩ - التوبة أى: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم أيها المؤمنون إلى تبوك، مازادوكم شيئاً من الأشياء إلا اضطراباً فى الرأى؛ وفسادا فى العمل، وضعفا فى القتال، لأن هذا هو شأن النفوس المريضة التى تكره لكم الخير، وتحب لكم الشر. قال الألوسى . والاستثناء مفرغ متصل، والمستثنى منه محذوف، ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه« لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذى وقع منه الاستثناء. وقال أبو حيان : إنه كان فى تلك الغزوة منافقون لهم خيال فلو خرج هؤلاء أيضاً واجتمعوا بهم زاد الخبال ، فلا فساد فى ذلك الاستلزام لو ترقب ) (١). وقوله: ولأوضعوا خلالكم، معطوف على قوله: ((مازادكم)). والإيضاغ . كما يقول القرطبى . سرعة السير قال الراجز. أخب فيها وأضع با ليعنى فيها جذع يقال: وضع البعير. إذا أسرع فى السير، وأوضعته. حملته على العدو(٢) . والخلل الفرجة بين الشيئين . والجمع الخلال، أى : الفرج التى تكون بين الصفوف وهو هنا ظرف مكان بمعنى بين، ومفعول الإيضاع محذوف، أى. ولأسرعوا بينكم ركاتبهم بالوشايات والنمائم والإفساد. ففى الكلام استعارة قبعية ، حيث شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير الرا كب ، ثم أستعير لها الإيضاع وهو للابل وأصل الكلام. ولأوضعوا ر كاتبهم ، ثم حذفت الركائب . وجملة (« يبغونكم الفتنة، فى محل نصب على الحال من فاعل (أوضعوا) أى: لو خرجوا فيكم ما زادو كم إلا شراً وفساداً ، ولأسرعوا بينكم (١) تفسير الآلوسى ١٠ ص١١٢ (٢) تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٥٧ الجزء - ١٨٠ - العاشر بالإشاعات الكاذبة ، والأقوال الخبيئة ، حال كونهم باغين وطالبين لكم الافتتان فى دينكم، والتشكيك فى صحة عقائد كم، والتشبيط عن القتال ، والتخويف من قوة أعدائكم، ونشر الفرقة فى صفوفكم . فالمراد بألفتنه هنا : كل ما يؤدى إلى ضعف المسلمين فى دينهم أو فى دنياهم . وقولهم: (وفيكم سماءون لهم ، بيان لأحوال المؤمنين فى ذلك الوقت. أى. وفيكم. فى ذلك الوقت. يا معشر المؤمنين، أناس كثيرو السماع لهؤلاء المنافقين ، سريعو الطاعه لما يلقون إليهم من أباطيل. قال ابن كثير. قوله: ((وفيكم سماعون لهم) أى: مطيعون لهم، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوالا يعلمون حالهم، فيؤدى إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير . وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير، (وفيكم سماءون لهم) أى: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم . وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام فى جمع الأحوال . والمعنى الأول أظهر فى المناسبه بالسياق. وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين . وقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا، فما بلغنى ، من ذوى الشرق، منهم عبد الله بن أبى ين سلوك، والجد بن قيس، وكانواأشر انا فى قومهم ، فشبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا فيفدواعليه جنده. وكان فى جنده قوم أهل محبه لهم ، وطاعه فيما يدعونهم اليه لشرفهم فقال: ((وفيكم سماعون له. (١) ١٠) تفسير ابن كثير جص ٠٣٦١