Indexed OCR Text
Pages 41-60
=٤١ = فعام لجميع الناس ، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن تكث من المعاهدين ومن لم يشكك (١)». واختير يوم الحج الأكبر لهذا الإعلام ، لأنه اليوم الذى يضم أكبر عدد من الناس يمكن أن يذاع الخبر عن طريقهم فى جميع أنحاء البلاد. وأصح ما قيل فى يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر . وقيل: هو يوم عرفة . وقيل : هو جميع أيام الحج . وقدر حج ابن جرير - بعد أن بسط الأقوال فى ذلك - أن المراد بيوم الحج الأكبر: يوم النحر فقال. وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة عندنا: قول من قال: ((يوم الحج الأكبر، يوم النحر، لتظاهر الأخبار عن جماعة من الصحابة أن علياً فادى بما أرسله به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين يوم النحر. هذا مع الأخبار التى ذكر ناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال يوم النحر: «أتدرون أى يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر(٢)». وقال بعض العلماء: قال ابن القيم: والصواب أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر ، لأنه ثبت فى الصحيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفة . وفى سنن أبى داود بأصح إسناد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة . ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة .. ويكون فيه ذبح القرابين، وحلق الروس، ورمي الجمار، ومعظم أفعال الحج (٣)». (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٤٤. (٢) راجع تفسير ابن جرير جـ ١٠ من ص ٦٧ إلى ص ٧٦ (٣) تفسير القاسى - بتصرف يسير - ج ٨ص٠٢٠٦٨ طبعة عيسى الحلى الطبعة الأولى سنة ٥.١٣٧٧ - سنة ٠١٩٥٨ - ٤٢ - وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى حكت ما كان ينادي به : على بن أبى طالب فى الناس يوم الحج الأكبر ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن محرز بن أبى هريرة عن أبيه قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه النبى - صَ لّه - بنادى. فكان إذا صحل ناديت - أى كان إذا بح صوته وتعب من كثرة النداء ناديت - قلت: بأى شىء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ومن كان له عهد عند رسول الله - صَقَالله - سفعهده إلى مدته (١)» . وسمى يوم النحر بالحج الأكبر ، لأن العمرة كانت تسمى بالحج الأصغر . ولأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج - كما قال ابن القيم - . هذا، والعلماء أقوال فى إعراب لفظ ((ورسوله ، من قوله - تعالى-,أن الله برى. من المشركين ورسوله)). وقد لخص الشيخ الجمل هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال: قوله (( ورسوله)) بالرفع باتفاق السبعة. وقرى. شاذا بالجر على المجاورة. أو على أن الواو للقسم. وقرىء شاذا أيضاً بالنصب على أنه مفعول . معه ، أو معطوف على لفظ الجلالة. وفى الرفع ثلاثة وجوه: أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أى: ورسوله برىء منهم، وإنما حذف للدلالة عليه. والثانى أنه معطوف على الضمير المستتر فى الخير ... والثالث: أنه معطوف على محل اسم إن (٢) ... )). ثم أردف - سبحانه - هذا الإعلام بالبراءة من عهود المشركين بتر غيهم فى الإيمان وتحذيرهم من الكفر والعصيان فقال: ((فإن تتم فهو خير لكم، وإن قوليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم،. (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٣٣٣ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٠٢٦٤ - ٤٣ - أى: فإن تبتم أيها المشركون من كفركم. ورجعتم إلى الإيمان بالله وحده واتبعتم ما جاء كم به محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو أى المناب والرجوع إلى الحق ((خير لكم)) من النادى فى الكفر والضلال؛ ((وإن توليتم)) وأعرضتم عن الإيمان، وأبيتم إلا الإقامة على باطلكم, فاعلموا أنكم غير معجزى الله)، أى: فأيقنوا أنكم لامهرب لكم من عقاب الله ، ولا إفلات لكم من أخذه وبطشه، لأنكم أينما كنتم فأنتم فى قبضته وتحت قدرته. وقوله: ((وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)، تذييل قصد به تأكيد زجرهم عن النولى والإعراض عن الحق . أى، وبشر - يامحمد - هؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم بالعذاب الأليم فى الآخرة بعد إنزال الخزى والمذلة بهم فى الدنيا . ولفظ البشارة ورد هنا على سبيل الاستهزاء بهم، كما يقال: نحيتهم الضرب ، وإكرامهم الشتم : وقوله . تعالى . بعد ذلك: (إلا الذين عاهدةم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأنموا إليهم عهدهم إلى مدتهم.، استثناء من المشركين فى قوله: « براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدةم من المشركين )). والمعنى : أعلموا . أيها المؤمنون أن الله ورسوله بريثان من عهود المشركين بسبب نقضهم لها، لكن الذين عاهد تموهم منهم ولم ينقضواعهودهم، ولم ينقصوكم شيئا من شروط العهد، ولم يعاونوا عليكم أحد امن الأعداء، فهؤلاء أتمرا إليهم عهدهم إلى مدتهم ولا تعاملوهم معاملة الناكثين. فالآية الكريمة تدل على أن المراد بالمشركين الذين تبرأ الله ورسوله منهم وأعطوا مهلة الأربعة الأشهر، هم أولئك الذين عرفوا بنقض العهود. - ٤٤ - : أما الذين عاهدوا ووفوا بعهودهم، فإن هؤلاء يجب إتمام عهدهم إلى مدتهم وفاء بوفاء، وكرامة بكرامة . وعبر - سبحانه - يتم فى قوله: ثم لم ينقصوكم شيئا، للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادى المدة وتطاولها . وقراءة الجمهور (( ينقصوكم) بالصاد المهملة، وعليها يجوز أن يتعدي لواحد فيكون شيئا منصوبا على المصدرية أى: لم ينقصو كم شيئامن النقصان لا قليلا ولا كثيراً. ويجوز أن يتعدى لاثنين فيكون شيئا مفعوله الثانى. إِى : لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد بل أدوما بتمامها . وقرأ عطاء بن السائب الكوفى وعكرمة وأبو زيد «ثم لم ينقضوكم، بالضاد المعجمة وهى على حذف مضاف أى : ثم لم ينقضوا عهدهم فذف. المضاف وأفيم المضاف إليه مقامه . وفى تنكير كلمة ((شيئا)) وكلمة(( أحدا، دلالة على أن انتقاص المعاهدة ولو شيئا يسيرا، وأن معاونة الأعداء بأى وسيلة مهما قلت ... كل ذلك مبيح لنبذ العهد، لأن الخيانة الصغيرة كثيرا ما تؤدى إلى الخيانة الكبيرة .. قالوا: والمراد بهؤلاء الذين أمر المسلمون بإتمام عهدهم معهم : بنو ضمرة وبنو مدلج وهم من قبائل بني بكر وكان قد بقى من عهدهم تسعة أشهر ، ولم ينقضوا مواثيقهم. وقوله « إن الله يحب المتقين، تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال، .. والتنبيه على أن الوفاء بالعهد إلى نهايته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التى يحبها لعباده ويحبهم بسيبها. قال صاحب المنار : والآية تدل على أن الوفاء بالعهدمن فرائض الإسلام. ما دام العهد معقودا، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاءوقته وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره .. - ٤٥ - ؟ فإن نقص شيئاً ما من شروط العهد ، وأخل بغرض ما من أغراضهعد فلقضاً، لقوله- تعالى -، ثم لم ينقصوكم شيئا))، ولفظ شىء أعم الألفاظ وهو فكرة فى سياق النفى فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. ومن الضرورى أن من شروطه التى ينتقض بالإخلال بها، عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا للاهتمام به، وإلا فهو يدخل فى عموم ما قبله . وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر ، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر ، أى معاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به، كمباشرته للقتال بنفسه . يقال: ظاهره إذا عاونه . وظاهره عليه إذا ساعده عليه، وتظاهروا عليهم تعاونوا وكله من الظهر الذى يعبر به عن القوة ، ومنه بعير ظهير أى قوى.)، (١)، وقال بعض العلماء: ويؤخذ من هذا أن الإسلام يقرر فى حالة فيذ العهود .لزوم إعلان العدو بذلك النبذ، على وجه يمكن العدو من إيصال خبر النبذ إلى أطراف بلده وأنحاء مملكته . وفى ذلك يقول الكمال بن الهمام الفقيه الحنفي، وهو بصدد قوله . تعالى. , وإما تخافن من قوم خيافة فانبذه إليهم على سواء: (( أنه لا يكفى مجرد اعلانهم ، بل لابد من مضى مدة يتمكن فيها ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخر إلى أطراف مملكته، ولا يجوز للمسلمين أن يغيروا على شىء من أطرافهم قبل مضى تلك المدة . وذلك كله أثر من آثار وجوب رعاية العهد، والبعد عن التكث بكل ما يستطاع (٢). (١) تفسير المنار جـ ١٠ من ١٨٤. (٢) تفسير القرآن الكريم = ٦١٨ لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت -٤٦ - وبعد أن قررت السورة الكريمة براءة الله ورسوله من عهود المشركين الخانتين ، وأمرت بالوفاء لمن وفى بعهده منهم .. بعد كل ذلك أخذت فى بيان كيفية معاملة المشركين بعد انتهاء المهلة الممنوحة لهم فقال . تعالى : فَإِذَا أَنْسَلَغَ الْأُشْهُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُفْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَُّهُمْ وَخُذُ وَأَحْصُرُوهُمْ وَقْعُدُوْلَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَى وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وقوله: ((السلخ)) من السلخ بمعنى الكشط. يقال: سلخ الإهاب عن الشاة يسلخه ويسلخه سلخاً إذا كشطه ونزعه عنها. أو بمعنى الإخراج من قولهم : سلخت الشاة عن الإهاب إذا أخرجتها منه. تم استعير للإنقضاء والإنتهاء فافلاخ الأشهر إستعادة لانقضاتها والخروج منها. قال الألوسى : والإنسلاخ فيما نحن فيه إستعارة حسنة، وذلك أن الزمان محيط ما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان، وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه ألخ عما فيه، وفى ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدى المسلمين فنيط قتالهم بزوالها، (١) والمراد بالأشهر الحرم: أشهر الأمان الاربعة التى سبق ذكرها فى قوله. تعالى., فسيحوا فى الارض أربعة أشهر،، وعليه فتكون أل فى قوله ((الأشهر الحرم)) للعهد الذكرى. وسميت حرما لانه . سبحانه . جعلها فترة أمان للمشركين ، ونهى المؤمنين عن التعرض لهم فيها . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٤٤، طبعة منير الدمشقى. - ٤٧ - ووضع - سبحانه - المظهر موضع المضمر حيث لم يقل فإذا انسلخت،. ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة، تأكيداً لما ينىء عنه إباحة السياحة. من حرمة التعرض لهم، مع ما فيه من مزيد الاعتناء بشأنها . وقيل المراد بالأشهر الحرم هنا : الأشهر المعروفة وهى رجب، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم . روى ذلك عن ابن عباس والضحاك. والباقر واختاره ابن جرير . قال ابن كثير: وفيه نظر، والذى يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه أبن عباس فى رواية العوفى عنه وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب ، وابن. اسحاق ، وقتادة والسدى وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أشهر التيسير الأربعة المنصوص عليها بقوله: فسيحوافى الأرض أربعة أشهر)). ثم قال (( فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أى: إذا انقضت الأشهر الأربعة التى. حرمنا عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها حيثما وجدتموهم فاقتلوهم، لأن عود العهد على مذ كور أولى من مقدر. ثم أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأنى بيان حكمها فى آية أخرى وهى قوله - تعالى - ((إن عدة الشهور عند الله أننا عشر شهراً ... )، (١). والمراد بالمشركين فى قوله: فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، أولئك الخائنون الذين انتهت مدة الأمان لهم، أما الذين لم يخونوا ولهم عمودمؤقتة. بمدة معينة فلا يحل للمسلمين قتالهم ، إلا بعد انتهاء هذه المدة ، كماسبق أن بينا قبل قليل تفسير قوله - تعالى -: ((إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم. شيئاً ولم يظاهر وا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ... )). والمعنى : فإذا انتهت هذه الأشهر الأربعة التى جعلها الله مهلة الخائنين، فاقتلوا - أيها المؤمنون - أعداءكم المشركين , حيث وجد تموهم، أى: فىأى. مكان تجدونهم فيه ((وخذوهم، وهو كناية عن الاسر ، وكانت العرب قعبر (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٣٥ - بتصرف يسير - . = ١٨ - عن الاسير (الاخينه .. واحصروهم)) أى: وامنعوهم من الخروج إذا كانت مصلحتكم فى ذلك ,واقعدوا لهم كل مرصد، والمرصد للوضع الذى يقعد فيه للعدو لمراقبته. يقال: رصدت الشىء أرعده رصدا ورصدالإذاترقيته. والمعنى : وأقعدوا لهم فی کل موضع یحتازون منه فى أسفارهم،حتىتسد السبل فى وجوههم، وتضعف شوكتهم، وتذهب ريحهم، فيستسلموا لكم. والمتدبر لهذه الآية الكريمة يرى أن هذه الوسائل الأربع - القتل والأسر والمحاصرة والمراقبة - هى الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأعداء، ولا يخلو عصر من العصور من استعمال بعضها أو كاها عند المهاجمة . وهكذا نرى تعاليم الإسلام تحض المسلمين على استعمال كل الوسائل المشروعة لكيد أعدائهم، والعمل على هزيمتهم ... مادام هؤلاء الأعداء مستمرين فى طغيانهم وعدوانهم وانتها كهم لحدود الله - تعالى -. أما إذا فتحوا قلوبهم للحق واستجابوا له ، فإن الآية الكريمة ترفع عنهم السيف، وتأمر المؤمنين بإخلاء سبيلهم. استمع إلى بقيتها حيث تقول: ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم)). أى: عليكم - أيها المؤمنون - إذا ما أنتهت أشهر الأمان الأربعة أن تقتلوا المشركين الناكثين لعهودهم أينما وجد تموهم وأن تأسروهم وتحبسوهم وتراقبوهم على كل طريق حتى تضعف شوكتهم فينقادوا لكم .. ((فإن تابوا، عن الشرك بأن دخلوا فى الإسلام فاتركرا التعرض لهم، وكفوا عن قتالهم، وافتحوا الممالك والطرق فى وجوههم. ٤ واكتفى - سبحانه - بذكر الصلاة والزكاة عن ذكر بقية العبادات، لكونهما الأساسين للعبادات البدنية والمالية . -٤٩- تفسير سورة التوبة وقوله: (( إن الله غفور رحيم ) تذييل قصد به التعليل لوجوب إخلاء. سبيلهم أى. إن فعلوا ذلك فخلوا سبيلهم . ولا تعاملوهم بما كان منهم من شرك ، فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن الله قد غفر لهم ما سلف من الكفر والغدر بفضله ورحمته . قال الإمام ابن كثير : وقد اعتمد الصديق - رضى اله عنه- فى قنال. ما نعى الزكاة على هذه الآية وأمثالهها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهى الدخول فى الإسلام والقيام بأداء واجباته. ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الاسلام بعد الشهادتين الصلاة التى هى حق الله - تعالى- وبعدها الزكاة التى هى نفع متعد إلى الفقراء. وهى أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله الصلاة والزكاة . وقد جاء فى الصحيحين عن ابن عمر عن رسول اللّه بشر الله قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ). وروى الإمام أحمد عن أفس أن رسول الله - برقم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فاذا شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ورواه البخاري وغيره . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ثم قال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه(١). وبذلك نرى هذه الآية قد جمعت فى إرشادها بين الترغيب والترهيب؛ - فقد أمرت المؤمنين بأن يستعملوا مع أعدائهم كل الوسائل المشروعة لإرهابهم .(١) تفسير ابن جـ كثير ٠٣٢٥ بتصرف وتلخيص (٤ - سورة التوبة ) - ٥٠ - الجزء العاشر تم أمرتهم فى الوقت نفسه بإخلاء سبيلهم منى تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ... وبعد أن بين - سبحانه -حكم المصرين على الشرك وهو قتالهم وأخذهم. وحكم الراجعين عنه وهو إخلاء سبيلهم بعد ذلك بين - سبحانه - حكم المشركين الذين يطلبون الأمان لمعرفة شرائع الإسلام فقال. تعالى: وَإِنْ أَحَدٌّمِنَ الْمُشْرِ كِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَبِرَهُ خَّى يَسْمَعَ كَلَمَ الَهِ ثُمَّأَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ, ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (*) وقوله : استجارك . أى . طلب جوارك وحمايتك من الاعتداء عليه .. وقد كان من الأخلاق الحميدة المتعارف عليها حماية الجار والدفاع عنه،حتى .. سمى النصير جارا، وعلى هذا المعنى جاء قوله. تعالى .: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم !! ). أى : نصير لكم . و((إن، شرطيه و((أحد)) مرفوع بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر وهو (( استجارك والمعنى: وإن استأمنك - يا محمد - أحد من المشركين، وطلب جوارك وحمايتك بعد انقضاء مدة الأمان المحددة له،, فأجره، أى: فأمنه وأجبه إلى طلبه ،« حتى يسمع كلام الله، أى: لكى يسمع كلام. اللّه ويتدبره ويطلع على حقيقه ما تدعو إليه من تعالم مقنعة العقول السليمة بأن الشرك ظلم عظيم . . واقتصر على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شىء آخر فى الفهم، لأنهم من. أهل الفصاحة والبلاغة ، وقد كان سماع بعضهم اشىء من كلام اللّه سببه. فى هدايته .. (١) سورة الأنفال الآية ٤٨ - ٥١ - تفسير سورة التوبة وقوله: ((ثم أبلغه .أمنه) بيان لما يجب على المسلمين نحو هذا المشرك المستجير إذا ما أستمع إلى كلام الله ثم بقى على شركه. أى: عليك ـيا محمد - أن تجيره حتى يسمع كلام الله ويتدبره ولا يبقى له عذر فى الاصرار على شركة ، فان آمن بعد سماعه صار من أتباعك، وإن بقى على شركة وأراد الرجوع إلى جماعته ، فعليك أن تحافظ عليه حتى يصل إلى مكان أمنه واستقراره، وهو ديار قومه: ثم بعد ذلك يصبح حكمه كحكم المصرين على الشرك، ويعامل بما يعاملون به . واسم الإشارة فى قوله: ((ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)) يعود إلى الأمر بالاجارة وإبلاغ المأمن . أى : ذلك الذى أمرناك به من إجارة المستجير من المشركين وإبلاغه مأمنه إذا لم يسلم، يسجب أنهم قوم لا يعدون الإسلام ولا حقيقة ماتدعوهم إليه أى قوم يحتاجون إلى فترة من الوقت يسمعون كلام اللّه فيها وهم آمنون، وبهذا السماع منك ومن أصحابك لا يبقى لهم عذر أصلا فى استمرارهم على الباطل عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من المشركين إلى على بن أبى طالب فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتى إلى محمد - وَ الله بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام اللّه أو لحاجة قتل؟ فقال له علىّ لا، لأن الله يقول , وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه. الآية (١). هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من الآية ما يأتى: أن المستأمن لا يؤذى ، بل يجب على المسلمين حما يته فى نفسه وماله وعرضه مادام فى دار الاسلام ، وقد حذر الاسلام أتباعه من الغدر أشد تحذير، ومن ذلك مارواه البخارى والنسائى عن النبى وت القيم أنه قال: «من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا برىء من القاقل وإن كان المقتول كافرا . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٨ - ٥٢ -- الجزء العاشر وروى الشيخان وأحمد عن أنس قال: قال رسول الله - عزَّ له (الكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة (١)). ٢ - يلحق بالمستجير الطالب لسماع كلام الله من كان طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا ، ومن كان طالبا للجواب عن الشبهات التى أثارها أعداء الإسلام، لأن هؤلاء وأمثالهم يطرقون باب الفهم والمعرفة ويبحثون عن الحق فعلينا أن تحميهم، وأن نبذل أقصى الجهود فى تعليمهم وإرشادهم وإزالة الشبهات عهم ، لعل الله أن يشرح صدورهم للاسلام بسبب هذا التعليم والإرشاد. قال ابن كثير: كان رسول الله - عَ ◌ّم - يعطى الأمان لمن جاءه مسترشدا أو فى رسالة ، كما جاءه يوم الحديدية جماعة من الرسل من قريش منهم عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم واحدا بعد واحد ، يترددون فى القضية بينه وبين المشر كين ، فر أوامن إعظام المسلمين لرسوطم - صلى الله عليه وسلم - ما بهرهم وما لم يشاهدوه عندملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم ، وأخبر وهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم (٢)». ٣ - على الإمام أو من يقوم مقامه أن يعطى المستأمن المهلة التى يراها كافية لفهمه حقائق الاسلام وأن يبلغه مأ منه بعد انقضاء حاجته، وأن لا يمكنه من الإقامة فى دار الاسلام إلا بمقدار قضاء حاجته . قال الامام الرازى: « ليس فى الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم يكون، ولعله لا يعرف مقدارها إلا بالعرف، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك . ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه (٣)). ٣٠٧ (١) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص) (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٧ (٣) تفسير المخر الرازى جـ ١٥ ص ٢٢٧ - ٥٣ - تفسير سورة التوبة ٤ - أخذ العلماء من هذه الآية وجوب التفقه فى الدين، وعدم الاكتفاء بالظنون والتقليد للغير، وقد وضح الإمام الرازى هذا المعنى فقال: ( دلت الآية على أن التقليد غير كاف فى الدين ، وأنه لا بد من النظر والاستدلال ؛ وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، لوجب أن لا يمهل هذا الكافر، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك. فلما لم يقل له ذلك - بل أمهل وأزيل الخوف عنه ووجب تبليغه مأمنه. على أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في الدين ، وأنه لا بد من الحجة والدليل: فلذا أمهل ليحل له النظر والاستدلال، (١). ٥ - تكلم العلماء عمن له حق إعطاء الأمان للمستأمن. فقال القرطى: , ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز؛ لأنه مقدم النظر والمصلحة . نائب عن الجميع فى جلب المصالح ودفع المضار . واختلفوا فى أمان غير الخليفة ؛ فالحر يمضى أمانه عند كافة العلماء .. وأما العبدفله الأمان فى مشهور مذهب المالكية وبه قال الشافعى وأحمد .. وقال أبو حنيفة: لا أمان له . والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم. (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدزاهم)). قالوا: فلما قال(( أدناهم) جاز أمان العبد٠٠٠٠(٢). وقال بعض العلماء : هذه الأية كانت أصلا عند الفقهاء فى إباحة تأمين المشرك، وقد توسع الإسلام فى باب الأمان فقرر به عصمة المستأمن، وأوجبه على المسلمين حمايته مادام فى دار الإسلام، وجعل للمسلمين حق إعطاء ذلك الأمان، ولم يشترط فى ذلك إلا ما يضمن على المسلمين سلامتهم؛ بأن لا تظهر على المستأمن مظاهر الركون إلى التجسس على المسلمين. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ٢٢٧ (٢) تفسير القرطبى ج ٨ ص ٨٦ - ٥٤ - الجزء العاشر ولا ينسى الإسلام - وهو يعطى هذا الحق للأفراد - حق الإمام المهيمن على شئون المسلمين، بل جعل له بمقتضى هيمنته العامة ، وتقديره لوجوه المصلحة، حق إبطال أى أمان لم يصادف محله ، أو لم يستوف شروطه ، كما له أن ينتزع ذلك الحق من الأفراد متى رأى المصلحة فى ذلك. والإسلام يبيح بهذا الأمان التبادل التجارى والصناعى والثقافى ، وفى سائر الشؤون مالم يتصل شىء منها بضرر الدولة.)، (١) ٦ - هذه الآية الكريمة تشهد بسمو تعاليم الإسلام وسماحتها وحرمها على هداية الناس إلى الحق ، وعلى صيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم من العدوان عليها ... حتى ولو كان هؤلاء الناس من أعداء الإسلام. وقد بسط هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه: إن هذه الآية تعنى أن الإسلام حريص على كل قلب بشرى أن يهتدى وأن يثوب، وأن المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان فى دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوارو الأمان ذلك أنه فى هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه ، فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين ، لعل قلوبهم أن تتفتح وتستجيب وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحر سوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم. ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم فى دار الإسلام .. ولكن قمة القمم هذه الدراسة للمشرك - عدو الإسلام والمسلمين - حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام ... إنه منهج الهداية لا منهج الابادة ، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الاسلام . إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون، وإجارة لمن يستجيرون ، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحار بوه وعاندوه ... )، (٢). (١) تفسير القرآن الكريم جـ ٦٢٢ لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت. (٢) راجع تفسير (فى ظلال القرآن) =١ ص ١٤٢ للاستاذ سيد قطب. - ٥٥ - وبعد أن صرحت السورة الكريمة ببراءة اللهورسوله من عمود المشركين الخاثنين، وأمرت المؤمنين بإعطائهم مهلة يسبحون فيهافى الأرض،ويدبرون خلالها أمرهم، ثم بعد ذلك على المؤمنين أن يقتلوهم حيث وجدوم، وأن يستعملوا معهم كل الوسائل المشروعة لإذلالهم، وأن يؤمنوا المشرك الذى يريد أن يسمع كلام الله، وأن يحافظوا عليه حتى يصل إلى مكان استقراره. بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان الأسباب التى أوجبت البراءة من عهود المشركين، والحكم التى من أجلها أمر الله بقتالهم والتضييق عليهم فقال - تعالى - : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْهُ عِنْدَ اللهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ، إِلَّ الَّذِينَ عَهَدُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَجِّ ◌َمَا أَسْتَقَمُوْلَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ (﴿ كَيْفَ وَ إِن يَظْهُرُواْ عَيْكٌ لَايَرْقُوْ فِكُ إِلَّ وَلَا ذِمَّهُ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاِهِمْ وَأَبَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثُهُمْ فَسِقُونَ (*) أَشْتَرَوْاْ ◌ِكَايَتِ اللَّهِثَنَا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَنْ سَبِّةٍ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَا يَرْقُونَ فِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَ ذِمَّةُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (٨٠) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الَّكَوَةَ فَإِنْحَانُكُمْ فِ الدِيْنُ وَنُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ وَإِن نَّكَنُواْ أَعْمَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَعَنُواْ فِى دِيِّكُمْ فَقَدِلُواْ أَمَّةَ الْكُغْرِ إِنَّهُمْلَ أَيَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتَهُونَ ( - ٥٦ ٠. وقوله - سبحانه -: ((كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعندرسوله.». الاستفهام فيه للإنكار والاستبعاد لأن يكون يكون للمشركين عهد . وهو إنبكار للوقوع لا للواقع . أى: تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك فى المستقبل. والمراد بالمشركين أولئك الذين فقضوا عهودهم؛ لأن البراءة إنما هى فی شأنهم . والعهد: ما يتفق شخصان أو طائفتان من الناس على التزامه بينهما، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به مهمى ميثاقا؛ لا شتقاقه من الو ثاق - بفتح الواو - وهو الحبل أو القيد. وإن أكداه بالمين خاصة سهمی يمينا. وسمى بذلك أوضع كل من المتعاقدين يمينه فى يمين الآخر عند عقده . والمعنى: لا ينبغى ولا يجوز أن يكون للمشر كين عهد عند الله وعند رسوله لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية ، ولا لرسوله بالطاعة، ولأنهم قوم دأبهم الخيانة . وعادتهم الغدر، ومن كان كذلك لا يكون له. عهد عند الله ولا عند رسوله . قالوا: وفى توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس. فی توجیهه إلی نبو ته، لأن كل موجود يحب أن يكون وجوده على حالمن الأحوال ؛ فإذا انتفت جميع أحوال وجوده؛ فقد انتفى وجوده بالطريق. البرهانى. وتكربر كلمة ((عند)) للإيذان بعدم الاعتداد بعهودهم عند كل. من الله - تعالى - ورسوله - بعده - على حدة. و ((يكون)) من الكون التام و«كيف، محلها النصب على التشبيه بالحال. ٥٧٠٠- تفسير سورة التوبة أو الظرف. أو من الكون الناقص فيكون قوله («عهد ، اسمها، وقوله (كيف، خبرها وهو واجب التقديم، لأن الاستفهام له صدر الكلام(١). وقوله: (( إلا الذين عاهدقم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم .. ، استثناء من المشركين الذين استشكرت الآية أن تكون لهم عهود عند الله وعند رسوله . والمراد بالشركين الذين استشنوا هنا : أولئك الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك ((إلا الذين عاهدةم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأنموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ... » وهم - كما رجحه ابن جرير والخازن - بنو خزيمة وبنو مداج وبنو ضمرة من قبائل بني بكر ، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين (٢). وأعيد ذكر استثنائهم هنا. لتأكيد هذا الحكم وتقريره ... والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم ، فيكون الكلام على حذف مضاف . أى : عند قرب المسجد الحرام . والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أصحابها، وللإشعار بسبب وجوب الوفاء بها . والمعنى: لا ينبغى ولا يصح أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، لكن الذين عاهد تموهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام ،ن المشركين ولم ينقضوا عهودهم ,فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم،. (١) تفسير الآلوسى. بتصرف وتلخيص. جـ ١٠ ص ٤٩. (٢) راجع تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ٨٢ - وحاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٦٦. - ٥٨ - الجزء العاشر أى: فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم ، فتكون ((ما) مصدرية منصوبة المحل على الظرفية . ويصح أن تكون شرطية وعائدها محذوف فيكون المعنى : فأى زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم ، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم . وقوله «إن الله يحب المتقين)) تذييل قصد به التعليل لو جوب الامتثال، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التى يحبها لعباده، ويحبهم بسبب تمسكهم بها. هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية : أن العهد المعتد به فى شريعة الإسلام ، هو عهد الأوفياء غير الناكتين، وأن من استقام على عهده عاملناه بمقتضى استقامته ، وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التى يحبها لعباد،. وقوله - سبحانه - ((كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولاذمة ... )) لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، ولاستنكار أن يكون لهم عهد حقيق بالمراعاة ، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على المؤمنين . وفائدة هذا التكرار للفظ ((كيف)): التأكيد والتمهيد لتعداد الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإغلاظ عليهم ، والحذر منهم . قال الآلوسي : وحذف الفعل - بعد كيف هنا لكونه معلوما من الآية السابقة - وللإبذان بأن النفس مستحضرة له، مترقبة اورود ما يوجب استنكاره . - ٥٩ - تفسير سورة التوبة وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية جعده . ومن ذلك قول كعب الغنوى يرثى أخاه أبا المغوار : وخبر تمانى إنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وقليب يريد فكيف مات والحال ماذكر . والمراد هنا: كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعندرسوله وحالهم أنهم (( إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة)) (١). وقوله فـ(( يظهروا عليكم ) يظفروا بكم ويغلبوكم . يقال: ظهرت على فلان أى: غلبته ومنه قوله - تعالى - ((فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين » أى : غالبين . وقوله: «لا يرقبوا فيكم، أى: لا يراعوا فى شأنكم . يقال: رقب فلان الشىء يرقبه إذا رعاه وحفظه .. ورقيب القوم حارسهم. والإل : يطلق على العهد، وعلى القرابه، وعلى الحلف ... قال ابن جرير - بعد أن ساق أقوالا فى معنى الإل ـ وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : والإل: اسم يشتمل على معان ثلاثة : وهى العهد، والعقد، والحلف والقرابة ... ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل : أسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم أى : قطعوا القرابة . (١) تفسير الألوسى - بتصرف يسير - جـ ١٠ ص ٤٩. - ٦٠ - الجزء العاشر ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل : وجدناهم كاذباً إليهم وذو الإل والعهد لا يكذب وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعانى الثلاثة، ولم يكن اللّه خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها - جل ثناؤه - معانها الثلاثة ... ، . (٤). والذمة: كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هى ما يتذمم به أى يجتذب فيه الذم . والمعنى: بأية صفة أو بأية كيفية يكون المشركين عهد عند الله وعند رسوله، والمال المعهود منهم أنهم أن يظفروا بكم ويغلبوكم، لا يراعوا فى. أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق . وقوله - تعالى -: ((يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون)) زيادة بيان الأحوال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين . أى: أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم - أيها المؤمنون - فعلوا بكم الأفاعيل، وتفتنوا فى إيذائكم من غير أن يقيموا وزنا لما بينكم وبينهن من. عهود ومواثيق، وقرابات وصلات ... أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم فى هذه الحالة ((يرضونكم بأفواههم، أى: يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لحكم، وهم فى الوقت نفسه ((تأبى قلوبهم)) المملوءة حقدا عليكم. وبغضا لكم تصديق ألسنتهم ، فهم كما وصفهم - سبحانه - فى آيةأخرى: ((يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، (٢). (١) تفسير ابن جرير - بتصرف وتلخيص - جـ ١٠ ص ٠٨٣ (٢) سورة آل عمران الآية ١٦٧.