Indexed OCR Text

Pages 61-80

الأنفال
- ٦١ -
السير سورة
والمعنى: وأذكروا - أيها المؤمنون - أيضاً، وقت أن كنتم متبعين
وقلقين على مصير كمفى هذه المعركة، فألقى الله عليكم النعاس، وغشاكم به
-قبل التحافكم بأعدائكم، ليكون أمانا لقلوبكم ، وراحة لأبدافكم،
وإشارة خير لكم .
هذا، ومن العلماء الذين تكلموا عن فعمة النعاس التى ساقها الله للمؤمنين
قبل المعركة، الإمامان الرازى ومحمد عبده.
أما الإمام الرازى فقد قال ما ملخصه: واعلم أن كل قوم ونعاس لا يحصل
إلا من قبل الله - تعالى - فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله لا بدفيه من مزيد
- فائدة ، وذكروا فى ذلك وجوها: منها: أن الغانف إذا خاف من عدوه فإنه
لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون آمنوا. فصار حصول النوم لهم فى
وقت الخوف الشديد، يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن .
ومنها: أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن معه العدو من معافصتهم ، بل كان
ذلك نعاساً يزول معه الإعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو فى هذه الحالة
لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه .
ومنها : أنه غنيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس
الجمع العظيم فى الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قبل :
إن ذلك النعاس كان فى حكم المعجز (١).
وقال الإمام محمد عبده: لقد مضت سنة الله فى الخلق، بأن من يتوقع فى
صبيحة ليلته هو لا كبيرا، ومصاباً عظيماً، فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه فيصبح
خاملاضعيفا. وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك، إذ بلغهم أن
جيدا يريد على عددهم ثلاثة أضاف سيحاربهم غدا، فكان من مقتضى العادة
أن يناموا على بساط الأرض والسهاد .. ولكن الله رحهم بما أنزل عليهم
حن النعاس: غشيهم فناموا، واثقين بالله، مطمئنين لوعده، وأصبحواعلى
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ١٣٢

همة ونشاط فى لقاء عدوم وعدوه . فالنعاس لم يكن يوم بدر فى وقته
الحرب، بل قبلها .. )) (١).
وبذلك نرى أن النعاس الذى أنزله الله تعالى - على المؤمنين قبل لقائهم.
بأعدائهم فى بدر كان نعمة عظيمة ، ومنة جلبة .
وقوله - تعالى - : ((وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، معطوف.
على قوله ((يغشيكم، وهو - أى: إنزال الماء من السماء - نجمة عظمى تحمل
فى طياتها نعماً ومفياً .
أولها : يتجلى فىهذهالجملة الكريمة ؛ لأنه - سبحانه- أنزل على المؤمنين
المطر من السماء ليطهرهم به من الحدثين: الأصغر والأكبر، فإن المؤمن
- كما يقول الإمام الرازى - «يكاد إستعذر نفسه إذا كان جنباً، ويغتم إذا
لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب ... (٢).
وثانيها: قوله - تعالى -: ((ويذهب عنكم رجر الشيطان».
وأصل الرجز: الاضطراب ويطلق على كل ما قشتدمشقته على النفوس.
قال الراغب : أصل الرجر : الاضطراب ، ومنه قیل ر جز البعد رحراً
فهو أرجز. ونافة وجزاء إذا تقارب خطوها واضطرب لضعفها .. )) (٣)
والمراد برجز الشيطان: وسوسته المؤمنين، وتخويفه إياهم من العطش.
وغيره عند فقدهم الماء، وإلقائه الظنون السيئة فى قلوبهم.
أى: أنه - سبحانه - أنزل عليكم الماء - أيها المؤمنون - ليطهركم به.
تطهيرا حيا، وليزيل عنكم وسوسة الشيطان، بتخويفه إياكم من العطش.
وبإلقائه فى نفوسكم الظنون والأوهام ... وهذا هو التطهير الباطنى.
(١) تفسير المنار ج ٤ ص ١٨٥
(٢) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ١٣٣
(٣) المفردات فى غريب القرآن = ١٧٨. الأصفهانى. طبعة مصطفى
الجلبى سنة ١٩٦١

تفسير سورة
- ٦٣ -
الأنفال
وثالثها قوله - تعالى -: وليربط على قلوبكم، أى: وليقويها بالثقة فى
قصر الله، وليوطنها على الصبر والطمأنينة ... ولا شك أن وجود الماء
فى حوزة المحاربين يزيدهم قوة على قوتهم ، وثباتاً على ثباتهم ، أما فقده فإنه
يؤدى إلى فقد الثقة والاطمئنان، بل وإلى الهزيمة المحققة .
وأصل الربط: الشد. ويقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه عليه،
أى: حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع ، ومنه قولهم : رجل رابط.
الجأش . أى: ثابت متمكن.
ورابع هذه النعم التى تولدت عن نزول الماء من الماء على المؤمنين،
قبل خوضهم معركة بدر، يتجلى فى قوله - تعالى - «ويثبت به الأقدام.
أى: أنه - سبحانه - أنزل عليهم المطر قبل المعركة لتطهيرهم حسياً
ومعنوياً"، ولتقوبتهم وطمأنينتهم، وليثبت أقدامهم به حتى لا تسوخ
فى الرمال، وحتى يسهل المشى عليها، إذ من المعروف أنه من العسير المشى
على الرمال، فإذا ما نزلت عليها الأمطار جمدت وسهل السير فوقها، وانطفاً
غبارها ... فالضمير فى قوله ((به)) يعود على الماء المنزل من السماء.
قال الزمخشرى: ويجوز أن يعود للربط - فى قوله ((وليربط على
قلوبكم))، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم فى
مواطن القتال.
هذا، وقد وردت آثار متعددة توضح ما اشتملت عليه هذهالآ ية الكريمة.
من نعم جليلة، ومن ذلك ماجاء عن ابن عباس أنه قال: فول النبى - ز الع ـ
يعنى حين سار إلى بدر، والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دهصة - أى كثيرة
مجتمعة - فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان فى قلوبهم
الغيظ ، فرسوس بينهم، تزعمون أنکم أولیاء الله وفيکم رسوله ، وقد
غليكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا

الجزء
- ٦٤ -
التاسع
شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ،
وقبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى
القوم ... (١) .
وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادى دمساً فأصاب
رسول الله - - - وأصحابه مالبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير،
وأصاب قريشاً مالم يقدروا على أن يرحلوا معه» (٢).
ومن هذا القول المنقول عن عروة - رضى اله عنه - نرى أن الاركان
خيراً المسلمين، وكان شراً على الكافرين، لأن المسلمين كانوا فى امكان
يصلحه المطر، بينما كان المشر كون فى مكان يؤذيهم فيه المطر.
ثم ذكرهم بنعمة أخرى كان لها أثرها العظيم فى قصرهم على المشركين
فقال - سبحانه -: (( إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى لمعكم. فتبتوا الذين
آمنوا، ألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فرق الأعناق]
وأضربوا منهم كل بنان».
والبنان : - كما يقول القرطبى - واحدة بناقة. وهى هنا الأصابع وغيرها
من الأعضاء .. وهو - أى البنان - مشتق من قولهم أبن الرجل بالمكان إذا
أقام به . فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة . وقيل: المراد بالبنان
هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهو عبارة عن الثبات فى الحرب
وموضع الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف
سائر الأعضاء.
وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التى بها يستقر
الإنسان ٠٠٠ (٣) .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ١٩٥
(٢) تفسير ابن كثير =٢ ص ٢٩٢
(٢) تفسير القرطبى = ٧ ص ٣٧٩

تفسير سورة
- ٢٥ -
الأنفال
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أوحى ربك إلى
الملائكة الذين أمد بهم المسلمين فى بدر «أنى معكم، أى بعونى وتأييدى
((فثبتوا الذين آمنوا)، أى فقورا قلوبهم، واملأوا نفوسهم ثقة بالنصر،
وصححوا نياتهم فى القتال حتى تكون غايتهم إعلاء كلمة الله ...
قال الألوسى: والمراد بالتثبيت: الحمل على الثبات فى موطن الحرب
والجد فى مقاساة شدائد القتال .. وكان ذلك هنا - فى قول - بظهورهم لهم فى
صورة بشرية يعرفونها، ووعدهم إياهم النصر على إعدائهم ؛ فقد أخرج
البيهقى فى الدلائل أن الملك كان يأتى الرجل فى صورة الرجل يعرفه فيقول
له: أبشروا فإنهم ليسوا بشىء، واقه معكم. كروا عليهم ..
وقال الزجاج : كان بأشياء يلقونها فى قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد
جدهم . وللملك قوة إلقاء الخير فى القلب ويقال له إلهام، كما أن الشيطان
- قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة» (١).
وقوله - تعالى -: ((سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب، بشارة
عظيمة للمؤمنين .
أى: سأملاً قلوب الكافرين بالخوف والفزع منكم -أيها المؤمنون-،
وسأقذف فيها الهلع والجوع حتى تتمكنوا منهم ...
والرعب : أنزعاج النفس وخوفها من توقع مكروه، وأصله التقطيع من
قولهم: رعبت السنام ترعيبً إذا قطعته مستطيلا. كأن الخوف يقطع الفؤاد.
وقوله: ((فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)) الخطاب
فيه المؤمنين ، وقبل . للملائكة .
والمراد بما فوق الأعناق الرءوس كما روى عن عطاء وعكرمة . أو
المراد بها الأعناق ذاتها فتكون فوق بمعنى على وهو قول أبى عبيدة.
(١) تفسير الآلوسى ج ٩ ص ١١٧ - بتلخيص إسير -
(٥٢ - الأنفال)

التاسع
- ٦٦ -
الجر.
ويرى صاحب المكشافى أن المراد بما فوق الأعناق: أهالى الأعناق التى ..
هى المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها جزا وتطبير اللرءوس.
والمراد بالبنان - كما سبق أن بينا - الأصابع أو مطلق الأطراف .
والمعنى: لقد أعطيتكم - أيها المؤمنون - من وسائل النصرما أعطيتكم،
فها جموا أعدائى واعداء كم بقوة وغلظة، وأضربوهم على أعناقهم ورءوسهم .
ومواضع الذبح فيهم. واضربوهم على كل أطرافهم حتى تشلوا حر كنهم،
فيصبحوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم ...
ثم بين - سبحانه - السبب فى تكليفه المؤمنين بمجاهدة الكافرين ..
والإغلاط عليهم وقتلهم ...
فقال - تعالى - , ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق القه.
ورسوله فإن الله شديد العقاب)).
قاسم الإشارة ((ذلك، يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين،
وأمرهم بضرب الكافرين .. وهو فى محل رفع على الابتداء. وقوله ..
« بأنهم .... خبره. والباء اللسيبية.
وقوله: ((شافوا، من المشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة مشتقة من الشق ..
أى الجانب - ، فكل واحد من المتعاديين أو المتخالفين صار فى شق.
غير شق صاحبه .
والمعنى: ذلك الذى ذكره الله -تعالى - فيما سبق، من ذا بيده للمؤمنين وأمره
إياهم بضرب الكافرين، سببه أن هؤلاء الكافرين , شافوا الله ورسوله))
أى: عاد وهما وخالفوا شرعهما، ((ومن بشافق الله ورسوله، بأن يسيرفى
غير الطريق الذى أمرا به، ((فإن الله شديد العقاب، لهذا المعادى والمخالف.
قال الآلومى: وقوله: فإن الله شديد العقاب، إما نفس الجزاء، وقد
حذف منه العائد عند من يلتزم ولا يكتفى بالعائد فى الربط . أى : شديد
العقاب له. أو قائم مقام الجزاء المحذوف أى: يعاقبة الله - تعالى - فإن الله ..

الأنفال
- ٦٧ -
تفسير سورة
شديد العقاب. وأباما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهانى.
كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقه لله - تعالى - ولرسوله - رج}-
وكل من يشاقق الله ورسوله كائنا من كان، فله بسبب ذلك عقاب شديد.
فإن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقاب شديد (١).
ثم يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا
الله ورسوله، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول: ((ذلكم فذوقوه وأن
الكافرين عذاب النار)) فاسم الإشارة ((ذلكم)، يعود إلى ماسبق بيانه من
تأييد المؤمنين ((وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم.
أى ذلكم الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر فى
بدر ، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم ، فذوقوا
آلامه، وتجرعوا غصمه، وهيشوا فى مذلته .
هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة فلكم عذاب النار الذى هو أحمد وأبقى
من عذاب الدنيا. فأقر كوا الكفر، وادخلوا فى الإيمان لتنجوا من العذاب
وتغالوا الثواب .
قال الجمل ما ملخصه وقوله: ((ذلكم فذوقوه .. ، يجوز فيه وجوه
من الاعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب.
الثانى: أن يرفع على أنه خير لمبتدأ محذوف أى: العقاب ذلكم أو الأمر
ذلكم وعلى هذين الوجهین یکون قو له «فذوقوه، لا نعلق له بماقبله من جهة
الاعراب فهو مستأنف، والوقف يتم على قوله: ((ذلكم) الثالث: أن
يرتفع بالابتداء . والخبر قوله ((فذوقوه)، وهذا على رأى الأخفش.
وقوله (.وأن للكافرين عذاب النار)، معطوف على(قوله ,ذلكم، أو منصوب
على أنه مفعول معه، والمعنى: ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم فى الآخرة
(١) تفسير الآلومى = ٩ ص ١٧٩

التفاح
- ٦٨ -
الجزء
ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال ((فذوقوه، وأن الكافرين،
ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل
أو الجمع بينهما ، (١).
ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين الذين
اشتركوا فى غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم، وبأنواع من البشارات
التى كانت تدل على أن النصر سيكون لهم .
١ - ذكرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين: الغير أو النغير
ستكون لهم، وقد وفى لحم - سبحانه - بوعده، حيث جعل النصر
لهم، ومن أوفى بعهده من الله ؟ ..
٢ - وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين.
٤ - وذكرتهمُ بالنعاس الذى ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة،
ليكون أماناً لهم، وراحة لأبدانهم.
٤ - ذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية
وباطنية لهم؛ وليكون طمأمينة لقلوبهم ، وتثبيتاً لأقدامهم.
٥ - وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم، بأن يغرسوا فى قلوبهم
الثقة فى نصر الله لهم، والاستهانة بقوة أعدائهم .
٦ - وذكرتهم بما ألقاه - سبحانه - فى قلوب الكافرين من رهب
وفزع وجزع ، جعلهم ينهزمون أمامهم .
٧ - وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر
وخسران كان سببه كهرهم وعنادهم وإيثارهم سبيل الغى على سبيل
الرشد، وأنهم - إذا استمروا فى كفرهم - فسيلقون فى الآخرة عذاباً
أشد وأبقى بما نزل بهم فى الدنيا .
ولا شك أن هذا التذكر من مقاصده الأساسية حض المؤمنين على
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٩ ص ٧٩!

الأنفال
- ٦٩ -
تفسير سورة
الاستجابة لله ولرسوله ، وعلى مداومة الشكر لخالقهم، فهو - سبحانه.
الذى منحهم هذه النعم الجزيلة التى تمكنوا معها من رقاب أعدائهم، وهو
الذى جعلهم بغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال
ولا ظهر ولا عناد .
هذا، ومن الخير قبل أن ننتقل من هذه الآيات إلى غيرها، أن نتكلم
بشيء من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها.
وهذه المسألة هى: ماذا كانت وظيفة الملائكة فى بدر ؟ أكانت وظيفتهم
تثبيت المؤمنين حسب أم أنهم بجانب هذا التثبت قاتلوا فعلا معهم ؟ إننا
معطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم فى كتابتهم ينقسمون إلى
ثلاثة أقسام :
(أ) أما القسم الأول منهم، فيرى أن الملائكة فى غزوة بدر لم تكن
وظيفتهم التثبيت فحسب، وإنما هم قالوامع المؤمنين فعلا، ويستدلون على
ذلك بأدلة من أهمها :
١ - ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال: بينما رجل
من المسلمين يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط
فوقه وقائلا بقول: أقدم حيزوم . دخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا
هو قد حطم وشق وجهه. فجاء تحدث رسول الله - والتر - فقال :
صدقت . ذلك من مدد السماء الثالثة (١) .
وجاء عنه أنه قال - أيضاً -: كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم
بیضاء ، ویوم أحد عمائم خضراء، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوی بدر ،
وكانوا فيما سواء عددا وعددا (٢).
وعن أبى داود المزنى قال : قبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم
بدر. فوقع رأسه بين يدى قبل أن يصل إليه سيقى.
(١) تفسير الالوسى ج ٩ ٠١٧٨ (٢) معالم التنزيل للبقرى ١٠٠١٣

الجزء - ٧٠ - التاسع
٤ - وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر: من
« أين كان ذلك الصوت الذى كنا نسمعه ولا نرى شخصاً؟ فقال: من
الملائكة، فقال له أبو جهل: هم إذن غلبونا لا أنتم (١))).
٥ - وقال القرطبي: وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم
بدر وقاتلت . ومن ذلك قول أبى أسیه مالك بن ربيعة و کان شهد بدرا:
لو كنت معكم الآن بيدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى
الجبل - الذى منه الملائكة". لاأشك ولا أمارى، وعن سهل بن حنيف
قال : لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدفا يصير يسيفه إلى رأس المشرك فتقع
رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه (٢) .
هذه أهم الروايات التى استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة
قد انلوا مع المؤمنين يوم بدر، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبى، فهو
يرى أن هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور .
(ب) أما القسم الثانى من| العلماء فيرى أن الملائكة لم تقائل يوم بدر،
وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فى المعركةفي، وتقوية أرواحهم
وقلوبهم، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها:
١ - أنه ليس فى الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة
صريحة فى أن الملائكة قد قانات بالفعل، وإنما هى صريحه فى أن الله
- تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة، وجعل هذا الإمداد بشارة لهم.
قال الألوسى عند تفسيره لقوله - تعالى -: ((وما جعله الله إلا بشرى .. ))
وفى الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا ، وهو مذهب لبعضهم.
ويشعر ظاهرها بأن النبى - د - أخبرهم بذلك الإمداد، وفى الأخبار
ما يؤيد .
(١) تفسير الكشاف = ٢ هـ ٢٠١ (٢) تفسير القرطى +٤ - ١٩٢٪

سورة
- ٧١ -
الأنفال
.. بل جاء فى غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة - عليهم السلام - (١) .
٢ - أن بعض الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت
.. وظيفة الملائكة توضيحاً تاماً، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((إذ يوحى ربك
إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقى فى قلوب الذين كفروا
، الرعب، فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان)).
قال ابن جرير فى معنى «فثبتوا الذين آمنوا، ((قووا عزمهم، وصححوا
. قياتهم فى قتال أعدائهم من المشركين .. ).
وقال فى معنى قوله - تعالى - «فاضربوا فرق الأعناق .. ): والصواب
.. من القول فى ذلك أن يقال. إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين
وضربهم بالسيف، أن يضربوافوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل .. ، (٢)
وقال الفخر الرازى: قوله «فاضربوا فوق الأعناق، فيه وجهان :
الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله - تعالى - ,فتيتواء. وقيل: بل
أمر المؤمنين. وهذا هو الأصح لما بينا أنه - تعالى - ما أنزل الملامكة
لأجل المقائلة والمحاربة ... (٣).
٣ - أن الروايات التى استند إليها من قال بأن الملائكة قائلت مع
المؤمنين فى بدر لم ترد فى كتب السنة المعتمدة، بل لم يذكر معظمها الإمام
ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات فى تفسيره . وفضلا عن ذلك فإن
أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت.
فثلا رواية أبى داود المازنى لم تصرح بأن المشرك الذى أرادهو أن يقتله
قد قتله ملك . وكذلك الحال بالنسبة لروايتى أبي أسيد وسهيل بن حنيف
وأما قول أبي جهل لا بن مسعود: «هم إذن غلبونا - يعنى الملائكة - لا أنتم،
(١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٧٤
(٢) «ابن جرير ج ٩ ص ١٩٧، ص ١٩٨
(٣) ((الفخر الرازى = ١٥ ص ١٣٥

الجزء
- ٧٢-
التاسع،
فريمح أنه من باب التبرير والمغالطة . فهو يريد أن يننى - حقداً منه
وهناداً - قوة المؤمنين الذين صرفوا أعضائه من الطبقات ....
والخلاصة أن معظم هذه الروايات - مع ضعفها - لم تصرح بأن ...
الملائکا قد قاتلوا مع المؤمنین یوم بدر .
٤ - استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة فى القتال، ومن مؤلا.
الغذاء الإمام أبو بكر الأصم فقد قال :
(((إن الملك الواحد يكفي فى إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدئن
قوم لوط. فإذا حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه كان على
رأس الملائكة - ((أى حاجة إلى مقالة الناس مع الكفار؟ بل أى حاجة حينئذ
إلى إرسال سائر الملائكة؟ وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوامشهورين.
وائل كل منهم من الصحابة معلوم .
وأيضالو قائلوا فإما أن يكونوا بحيث براهم الناسر أولا .. وعلى الأول ..
يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ، ولم يقل أحد
بذلك ... وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس، وتمزيق البطون ، وإسقاط
الكفار من غير مشاهدة فاعل، ومثل هذا من أعظم المعجزات، فكان يجب
أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف ... » (١).
وقال صاحب المنار: مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة ((وما جعله
إلا بشرى ... إلخ)،.
وقوله - تعالى - ((سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب ... إلخ))
بده كلام خوطب به النبي ◌َّ - والمؤمنون قتمة البشرى. فيكون الأمر
بالضرب موجهاً إلى المؤمنين قطعاً، وعليه المحققون الذين جزموا بأن
الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعاً لما قبله من الآيات ...
ثم قال: وفى كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون.
(١) تفسير المنار ج ٤ ص ١١٣

الأنفال
- ٧٣ -
تفسير سورة
لأشد المشركين بأسماء فهل تعاوض هذه البينات النقلية بروايات لم يرها
شيخ المفسرين ابن جرير حرية بل تنقل ...
كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق،
حتى إنها خالفت نصر القرآر نفسه فائقه - تعالى بقول فى إمداد الملائ که.
وما جعلهفى الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم .. . وهذه الروايات تقول
بل جعله مقاتلة ، وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن
قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكه عليهم مع المسلمين الذين
خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة .
إلا أن فى هذا من تعظيم شأن المشركين، وتكبير شجاعتهم وتصغير
شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب
عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث
مرسل عن ابن عباس ذكره الآلومى وغيره بغير سند. وابن عباس لم يحضر
غزوة بدر لأنه كان صغيرا؛ فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسله .)) (١)
هذه أهم الأدلة التى استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاقل يوم بدر،
وإنما كانت وظفيتهم تثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم. وتصحيح نياتهم.
(جـ) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا فى هذه المسألة؛ فمنهم
الذى اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها؛ ومن هؤلاء صاحب
الكشاف ، فقد قال :
فإن قلت : هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت: اختلف فيه. فقيل: نزل
جبريل فى يوم بدر فى خمسائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ،وميكائيل فى
خمسائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب فى صورة الرجال. فقالت.
وقيلى: قاتلت يوم بدر ولم تقائل يوم الأحزاب .... وقيل: لم يقاتلوا
وإنما كانوا يكثرون السواد ، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف
فى إهلاك أهل الدنيا كلهم ٢٫٠٠٠٠)
(١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٥٦٥
(٢) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢٠١

التاسع
- ٧٤ -
الجزء
ومنهم الذى يرى أن البحث فى تفاصيل أمثال هذه المسائل «ليس من
الجد الذى هو طاع هذه العقيدة، ومن هؤلاء صاحب ((فى ظلال القرآن»
فقد ال ما ملخصه :
«قروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة فى يوم بدر: عددهم وطريقة
مشاركتهم فى المعركة . وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين ، وما كانوا
يقولونه المشركين مخذلين ونحن - على طريقتنا فى الظلال- نكتفى فىمثل
هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد فى النصوص المستيقنة من قرآن أوسنة،
والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم
أتى محمد كم بألف من الملائكة .. ، فهذا عددهم (إذ يوحى ربك إلى الملائكة
أتى معكم فثبتوا الذين آمنوا ... فهذا عملهم. ولا حاجة إلى التفصيل وراء
هذا فإن فيه الكفاية. وحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها
فى ذلك اليوم، وهى قلة والاعداء كثرة، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا
الدين قد شارك فيه الملا إلا على مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله سبحانه
فى كلماته .. إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة، ولكنا لا ندرك
من طبعتهم إلا ما أخبرها به خالقهم عنهم. فلا تملك من إدراك الكيفية التى
اشتر كوا بها فى نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى.
وقد أوحى إليهم ربهم : أنى معكم . وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا
- لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لاندرى كيف فعلوا ...
أن البحث التفعيل فى كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذى هو
طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث
صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام فى العصور
المناحرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية فى هذا الدين،
وتسلط الرف العقلى على النفوس والعقول. وإن وقفة أمام الدلالة المائة
لمعية الله - سبحانه - الملائكة فى المعركة، واشتراك الملائكة فيها
مع المصة المسلمة لهى أنمع وأجدى ... )، (١).
تقر فى ظلال القرآن ج٩ ص ٨١٥ المرحوم الأستاذ سيد قطب

الأنفال
- ٧٥ -
تفسير سورة
وبعد فهذه أم الأقول التى قالها العلماء فى مسألة وظيفة الملائكة فى
جدر، بسطناها بشىء من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها.
والذى نراه بعد كل ذلك: أن أقرب الأقوال إلى الصواب، هو القول
الذى ذهب أصحابه إلى أن الملائكة فى بدر لم تقاتل، وإنما كانت وظيفتهم
تثبيت، وتقوية عزائم المؤمنين .. وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج-
والله أعلم بالصواب .
وبعد أن بين - سبحانه - بعض البشارات والنعم التى ساقها للمؤمنين
الذين اشتركوا فى بدر. وجه - سبحانه - نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات
فى وجوه أعدائهم، وذكرهم بجانب من منته عليهم.
فقال - تعالى -: ، يَأْيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُ أَلَّذِينَ كَفَرُواْزَجْفًا فَلَا تُوَلَّهُمُ الْأَدْبَرَ ◌َّهِ وَمَنْ
يُوَلِّمْ يَوْمَيِذٍ دُبْرَهُ، إِلَّا مُتَحْرِفًا لِفِتَالٍ أَوْ مُتَحًَِّا إِلَى فٍِّ فَقَدْ
بَآءٍ بِغَضَبٍ مِّنَ اَلّهِ وَمَأْوَنُ جَهُمٌ وَيِنْسَ الْمَصِرُ نَّم
تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَهُمْ وَمَا رَمَّْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَمْكِنَّ اللهَ رَمَنَّ
"وَلَيْلَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَّةً حَسَنَّا إِنَّ اللَّهَ سَمِعُ عَلِيمٌ(يَذَ لِكُمْ
وَأَنَّ اللَّهَ مُؤْمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُرُ
الْفَتْحُ وَ إِن تَنَهُوْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَ إِنْ تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُرْ
فِتَتُكُمْ شَبْعًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ الَّهَ مَعَ الْمُؤْمِينَ ﴾

التاسع
- ٧٦ -
الجزء
قوله - سبحانه - ((زحفا)): مصدر زحف وأصله الصبى، وهو
أن يرحف على إسته قبل أن يمشى. ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه
لعدوه لأنه لكثرته وتكائفة يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن
كان سريع السير .
قال الجمل: وفى المصباح: زحف القوم زحفا وزحونا . ويطلق على
الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس.
ونصب قوله: ((زحفا، على أنه حال من المفعول وهو ((الذين كفروا))
أى إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحو كم .
والأدبار: جمع دبر - بضمتين - وهو الخلف، ومقابله المقبل وهو
الإمام، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا.
والمعنى: با أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا(( إذا لقيتم الذين كفروا)».
زاحفين نحوكم لقتالكم («فلا قولوم الأدبار، أى. فلا تفروا منهم، ولا
قولوهم ظهوركم منهزمين ، بل قابلوهم بقوة وغلظة وشجاعة ، فإن من.
شأن المؤمن أن يكور شجاعا لا جيانا ، ومقبلا غير مدبر.
فالمراد من قولية الأدبار : الاهرام ، لأن المنهزم يولى ظهره وفقا
لمن أنهزم منة .
وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار ، تقبيحا للانهزام، وتغير أ منه ،
لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوء تين ثم بين - سبحانه - أن قولية
الأدبار محرمة إلا فى حالتين فقال - تعالى -: ((ومن يولهم يومئذ دره

سورة
- ٧٧ -
الأنفال
إلا متحرنا لقتال أو متحيزاً إلى فئة - فقد باء بغضب من الله، ومأواه
جهنم وبئس المصير ).
وقوله: ((متحرفا، من التحرف بمعنى الميل والانحرافى من جهة إلى
· جهة بقصد الخادعة فى القتال وهو منصوب على الحالية .
وقوله ((أو متحيزاً إلى فئه، من التحيز بمعنى الانضمام. تقول: حيث
الشىء أحوزه إذا ضممته إليك. وتحوزت الحية أى أنطوت على نفسها.
والفئة والجماعة من الناس. سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض فى
التعاضد والتقاصر . من الفىء بمعنى الرجوع إلى حالة محمودة.
والمعنى: أن تولية الأدبار محرمة إلا فى حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون المؤمن عند قوليته الأدبار مائلا عن مكانه
إلى مكان آخر أصلح للقتال فيه، أو أن يكون منعطفا إلى قتال طائفة من
الأدبار أهم من الطائفة التى أمامه، أو أن يوم عدوه بأنه منهزم أمامه
استدراجا له، ثم يكر عليه فيقته .
الحالة الثانية : أن يكون فى توليه منحازا إلى جماعة أخرى من الجيش
ومنضبما إليها للتعلون معها على القتال، حيث إنها فى حاجة إليه.
وهذا كله من أبواب خدع الحرب ومكايدها .
وقد توعد - سبحانه - الذى ينهزم أمام الأعداء فى غير هاتين
الحالتين بقوله: ((فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)).
أى: ومن يول للكافرين يوم لقائهم دبره غير متحرف ولا متميز
فقد رجع ملتبسا بغضب شديد كائن من الله - تعالى - ومأواه الذى
يأوى إليه فى الآخرة جهنم وبئس المصير هى .
وقوله: (( فقد باء بغضب من الله .. ، جواب الشرط أقوله، ومن بولهم
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما بأنى:

الجزء
- ٧٨ -
التاسع
١ - وجوب مصابرة العدو، والثبات فى وجهه عند القتال، وتحريم
الفرار منه .. قال الألوسى: «فى الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف
على غير المنحرف أو المنحيز . وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة
- رضى الله عنه - عن النبى - وَل - أنه قال: ((اجتذوا السبع
الموبقات - أى المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن قال: الشرك
باقه والسحر«وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وآكل.
مال اليتيم، والتولى يوم الزحف - وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات-)».
ثم قال: وجاءعد - التول يوم الزحف - من الكبائر فى غير ماحدث (١) ..
٢ - أن الخطاب فى الآيتين لجميع المؤمنين وليس خاصاً بأهل بدر ..
قال الفخر الرازى ما ملخصه : اختلف المفسرون فى أن هذا الحكم -
وهو تحريم التولى أمام الزحف - هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل.
على الإطلاق ؟
فتقل عن أبى سعيد الخدرى والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم.
مختص بمن كان اتهزم يوم بدر. قالوا: والسبب فى اختصاص بدر بهذا
الحكم أن رسول الله - صل كان حاضراً يوم بدر .. وأنه - سبحانه -
شدرد الأمر على أهل بدر؛ لأنه كان أول الجهاد ، ولو الفق المسلمين (هزام
فيه لوم منه الخلل العظيم .
والقول الثانى : أن الحكم المذكور فى هذه الآية كان عاماً فى جميع الحروب
بدليل أن قوله - تعالى - ((يا أيها الذين آمنواإذا لقيتم الذين كفروا .. ) عام
فيتناول جميع الصور . أقصى مافى الباب أنه نزل فى واقعة بدر، لكن العبرة.
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، {٢).
(١) تفسير الآلوسى ج ٩ ص ١٢٨
(٢) ((أن جرير ج٩ ص ١٠٣

سورة - ١٩ - الأنفال
وهذا القول الثانى هو الذى فرجعه ، لأن ظاهر الآية يفيد العموم
لكل المؤمنين فى كل زمان ومكان «ولأن سورة الأنفال كلها قد نزات بعد
الفراغ من غزوة بدر لا قبل الدخول فيها .
٣ - أن الآيتين محكمتان وليستا منضوختين. أى أن تحريم التولى
يوم الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ .
وقد رجح ذلك الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه : «سئل عطاء بن أبى
رباح عن قوله ((ومن يولهم يومئذ دبره)) فقال: هذه الآية منسوخة
بالآية التى فى الأنفال بعد ذلك وهى قوله - تعالى - : «الآن خفف الله
عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين .. .
وليس لقوم أن يفروا من مثليهم .
وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام فى كل من ولى الدبر عن
العدو منهزما .
وأولى التأويلين بالصواب فى هذه الآية عندى: قول من قال: حكمها.
عنكم، وأنها نزلت فى أهل بدر. وحكمها ثابت فى جميع المؤمنين. وأن الله
حرم على المؤمنين إذا لقوا العدد أن يولوم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال ،
أو التحيز إلى فئة من المؤمنين؛ حيث كانت من أرض الإسلام، وأن ولاهم
الدر بعد الزحف لقتال منهزما - بغير نية إحدى. الخلتيين القتل أباح الله
التولية بهما - فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه.
وإنما قلنا: هى محكمة غير منسوخة ، لما قد بينا فى غير موضع أنه لا يجوز
أن يحكم لحكم آية بنسخ وله فى غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها :
من خير يقطع العذر، أو حجة عقل، ولاحجة من هذين المعنين تدل على
نسخ حكم قوله - تعالى - «ومن بولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال.
أو متحيزاً إلى فئة، فقد باء بغضب من الله)) (١).
(١) تفسير ابن جرير ج ٩ ص ٢٠٣

- ٨٠ -
التاسع
ثم بين لهم - سبحانه - بعض مظاهر فضله عليهم ليزدادوا شكراً له،
-وطاعة لأمره فقال - تعالى -: ((فلم تقتلوهم ولکن الله قنلهم، وما رميت إذ
رميت ولكن الله رمى، وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا، إن الله سميع عليم)»
قال القر طبى: قوله - تعالى -: ((فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم، أى يوم
بدر. روى أن أصحاب رسول الله - بلح - لما ضدروا عن بدر.
ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال قتلت كذا، وأسرت كذا، بلجاءمن
ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر
لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بتكبه وقصده ... (١).
وقال ابن كثير : قال على بن طلحة عن ابن عباس: رفع رسول الله
- 4 -، بديه - يعنى يوم بدر - فقال: «يا رب إن نهلك هذه
العصابة فلن نعيد فى الأرض أبدا، فقال جبريل: «خذ قبضة من التراب
فارم بها فى وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرعى بها فى وجوههم، فما من
المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخربه وفمه قراب من تلك القبضة فولوا
مدبرين .
وقال السدى: قال رسول الله - ومؤلتخ - لعلى بوم بدر,أعطنى
حصا من الأرض، فنا وله حصا عليه تراب «مرمى به فى وجوه القوم، فلم
يبق مشرك إلا دخل فى عينيه من ذلك القراب شىء ، ثم ردفهم المؤمنون
يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: «فم تقتلوم ولكن الله فتلهم وما رميت
إذ رميت ولكن الله رمى .. »
وقال أبو معشر المدنى عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا:
لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسوله - مواقع - قبضة من قراب
خرمى بها فى وجوه القوم وقال: شاهدت الوجوه،، فدخلت فى
(١) تفسير القرطبى = ٧ ص ٣٨٤