Indexed OCR Text
Pages 21-40
الأنفال - ٢١ - تفسير سورة ثلاثة، ننحر الجزر، ونطم الطعام، وبسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان، وقسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يها بوننا أبداً بعدها. وقال الأخفس بن شريق أنى زهرة، يابنى زهرة قد نحى الله لكم أموالكم فرجعوا فرجعوا فلميشهد غزوة بدر زهرى واحد .. ومضت قريش حتى زلوا بالعدوة القصوى من الوادى :.. وبعت اله السماء بالماء فأصاب المسدور منه مالبدلهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا منه مالم يقدرواعلى أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى اله عليه وسلم - يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء ماء نزل به ... فقال الحباب بن المنذر يارسول الله؟ أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأى والمكيدة والحرب ؟. فقال رسول الله عليٍ : - بل هو الرأى والمكيدة والحرب. فقال الحباب بارسول اللّه، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نتورما وراءه من القلب - أى : ثم تغطى ما خلفها من الآبار - ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ما.، ثم نقائل القوم فشرب ولا يشربون . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ((لقد أشرت بالرأى)، ثم نهض ومعه الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فعورت وبنى حوضنا على القليب الذي نزل على فلى .ما .. ثم قال سعد بن معاذ يارسول الله، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه،وتعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا،وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن ورانا .. فقد تخلف عنك أقوام .. يانبى الله ما نحن بأشد للك حيامنهم، وأو ظنوا أنك قلقى حرباما تخلفو عنك فأثنى عليه رسول الله صلى الله صلى عليه . ودعاله بخير، ثم بنى أرسول ان عریش فکار فیه . . هره - ٢٢ - التاسع ثم ارتحلت قريش حين أصبحت، فلما رأها رسول أة - ٣ - قادمة من الكثيب إلى الوادى قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفترها، تحادك والكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى. اللهم أحنهم الغداة)). ثم أرسلت قريش عمير بن وهب الجمحى فقالوا له: أحرر لنا أصحاب محمد ، فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: م ثلاث مائة رجل يزبدون قليلا أو ينقصون قليلا .. ولقد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنابا، فواضح يثرب تحمن المؤث النافع. قوم ليس معهم متعة ولا ملجأ إلا سيوفهم. واندفا أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلامنكم، فإذا أصابوا منكم أعدادم فما خير العيش بعد ذلك ، فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى أن تفعل شيئاً تذكر به بخير إلى آخر الدهر؟ فقال عتبة: وما ذاك يا حكيم؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى ... قال عتبة: قد فعلت .. ثم قام عتبة خطيبا فى الناس فقال: يا معشر قريش إنكم واقه ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لأن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر فى وجه رجل بكره النظر إليه. قتل ابن عمه أو ابن خاله .. فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألقا كم ولم تعرضوا منه ما تريدون .. وبلغ كلام عتبة أبا جهل فسبه . .، ثم بعث أبو تجهل إلى ابن الحضرمى فقال له: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك - أى: فقم فاطلب من الناس الوفاء بالعهد والأخذ بثأر أخيك . سورة - ٢٣ - الأثقال . فقام أبد الحضرمى فاكتشف ثم صرخ: واحمراه، واعمراه، لحميت "الحرب، واشتد أمر الناس، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد «أبو جهل الرأى الذى دما عتبة الناس إليه .. قال ابن إسحاق: ثم خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى - وكان رسامىء الخلق - فقال: أعاهدالله لأشر بن من حوضهم أو لأهد منه، أو الأموقن دونه. فلما دنا منه خرج إليه حمزة بن عبد المطلب. فلما التقيا . ضربه حرة فأطق قدمه بنصف ساقه - أى . أطارها - وهو دون الحوض، نفوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه. ثم حبا إلى الحوض حتى .اقتحم فيه، فضربه حمزة حتى قتله فى الحوض .. ثم خرج عتبه بين أخيه شبية وابنه الوليد بن عتبة ... فنادى يا محمد : :أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول اله -صلى الله عليه وسلم -: قم ياعبيدة وقم يا حمزة وقم با على .. ١. أما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما على فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه - أى: جر حه جر حاشديداً لا يملك معه الحركة - وكر حمزة . وعلى بأسيا فهما على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا عبيدة خازاه إلى أعمابه. قال ابن إسحاق: ثم تواحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر , رسول الله الناس أن لا يحملوا حتى بأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فائضحوهم عنكم بالنبل .... • ثم عل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -الصفوف، ورجع إلى العريش -فدخله، ومعه أبو بكر الصديق .. وأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وناشد ربه ويقول فيم يقول: «اللهم إن تلاح مد العصابة اليوم لا تعبده وأبو بكر يقول: يارسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجو لك ـما وعدك .. ثم خفق رسول الله - صلى اله عليه وسلم - خفقة وهو فى العريش، ثم التاسع - ٢٤ - الجزء انتبه فقال: «أبشريا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس. يقوده على ثناياه النقع» - أى الغبار . وكان قد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل .. من المسلمين . ثم رمى حارثة بن سراقه وهو يشرب من الحوض بسهم فقتل .. ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس فرضهم وقال: (,والذى نفس محمد بيده لا يقافلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدير، إلا أدخله الله الجنة، .. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحذ حفنة من الحصياء فاستقبل قريشا بها، ثم نفخهم بها وأمر أصحابه فقال: «شدوا، فكانت الهزيمة فقتل .. الله - تعالى - من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم .. فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله. - ٣ - متوشحا السيف فى نفر من الأنصار بحرسون رسول الله. يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله - بَ ﴾ - فى وجه سعد الكراهية. لما يصنع الناس، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وانه ا-كأنك .. باسعد تكره ما يصنع القوم !، فقال سعد : أجل واقه یارسول الله ؟ کانت هذه أول موقعة أو قمها انه .. أهل الشرك، فكار الإئحان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال ... ثم قال الرسول الله - ٣ - لأصحابه بؤمنذ: «إنى قد عرفت أن رجالا من بغى هاشم، غيرهم ق- أحرجوا كرها، حاجة لهم بقتا لنا)، فمن اتقى منكم أحداً من بنى هاشم فلا بضله ومن لقى أب البحترى ولا يقتله ... قال ابن إسحاق : - وبعد انتهاء المعركة - أمر رسول اله - زلت} -. بالقتلى من المشركين أن يطرحوا فى القلب فدا طرحوا وقف عليهم فقال .. دورة - ٢٥ - الأنفال , بس العشيرة کنتملنبیکم ۔یا أهل للقلیب ۔لقد كذبتمونی ومدقنی الناس ،» وأخر جتعونى وآواني الناس، وقاتلتمونى ونصرفى الناس .. ثم قال : «هل وجدتم ماوعدكے دیکمحقا ؟ فإنى قد وجدتماوعد نیر بی حقا، فقال المسلمون: يارسول أنه !! أقنادى قوماً قد جيفوا؟ فقال - م -: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يچییونی». ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بما فى العسكر ما جمع الناس المجمع، فاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ..: والله لولا نحن ما أصبتموه .. ثم بعث رسول الله - چېځ - عبد الله بن رواحة وزيد بن حار ثة ليبشرا أهل المدينة بنصر الله لهم على المشركين . ثم فرق الرسول - لتر - الأسرى من المشركين بين أصحابه وقال لهم : ((استوصوا بالأسارى خيراً)). قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبدالله الخزاعى فقالوا له: ماوراءك؟ فقال، قتل عتبة، وشيبة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف ... فلما جعل يعدد أشراف قريش الذين قتلوا، قال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر: والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى !! فقالو له : ما فعل صفوان بن أمية؟ فقال : ما هو ذاك جالسا فى الحجر، وقد واقه رأيت أباه وأخاه حين قتلا .. ولما قدم أبو سفيان بن الحارث قال له أبو لهب: «لم إلى، فعند ك العمرى الخبر !! لجلس إليه والناس قيام عليه فقال له أبو لهب: يا بن أحى أحبرنى. كيف كان أمر الناس ؟ الجزء - ٢٦ - التاسع فقال أبو سفيان: والله ماهو إلا أن لقينا القوم فتحناهم أكتافنا يقودوننا -كيف شاءوا، ويأمروننا كيف شاؤا ... أما بعد: فهذا ملخص لغزوة بدر سقناه قبل البدء فى التفسير التحليلى لسورة الأنفال، وقصدنا من ذكر هذا الملخص لهذه الغزوة الحاسمة: أن فقنسم الجوء الذى نزلت فيه السورة - كماسبق أن أشرنا - وأن نستعين به على فهم الآيات فهما واضحا مستنيراً ... لأن سورة الأنفال هى -ورة بدر كماسماها ابن عباس - رضى الله عنه - .وفى ختام هذا التعريف بسورة الأنفال، نسأل الله - تعالى - أن يوفقنا لتفسير آياتها تفسيراً واضحا مقبولا، بعيداً عن الانحراف. محرراً من لغو القول حباطله ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين المؤلف د. محمد سيد طنطاوى التفسير قال - تعالى -: يَسْكَلُونَكَ عَنِ آلْأَنْقَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلِّ وَالَّسُولِ فَأَتَّقُواْ الله وَأَمِْخُوْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهُ وَرَسُولَهُ ◌ٍإِن كُنتُ مُؤْمِنَ ◌ّ إِنَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِبَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَ تَُّونَ (يَّ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَبِّ رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ ( أُوْلَِّكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَّ ◌َهُمْ دَرَجَتَّ عِندَ رَبِهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِبٌ (*) لعل من الخير قبل أن نتكلم فى تفسير هذه الآيات الكريمة أن نذكر بعض الروايات التى وردت فى سبب نزولها، فإن معرفة حدب النزول يعين على الفهم السليم- قال الإمام ابن كثير - ما ملخصه - روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرا فالتقى الناس، فهزم الله - تعالى- العدو، فانطلقت طائفة فى آثارهم بهزمون ويقتلون. وأقبلت طائفة على العسكر بحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكى لا يصيب العدو منه غرة. حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض: قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا فى طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم . وقال الذين أحدقوا برسو الله - صلى الله عليه وسلم -: لستم بأحق بها منا. نحن أحدقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يصيب العدو منه غرة اشتغلنا به - قنوات:« يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول ... فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين. التاسع - ٢٨ - الجزء وروى أبو داود والنسائى وابن جرير وابن مردويه - واللفظ له - عن. ابن عباس قال: ((لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صنع كذاوكذا فله كذا وكذا: فتسارع فى ذلك شبان القوم، وبقى الشيوخ. تحت الرايات. فلما كانت المغاهم (جاءوايطلبون الذى جعل لهم. فقال الشيوخ لانستأثروا علينا وإن كنا رداً لكم، لو انكشفت لناتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله - تعالى -: (( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال قه والرسول .. » وقال الثوری، عن الكلبی،عن أبیصالحعن ابنعباس قال :لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قتل قتيلا فله كذا وكذا ، ومن أتى بأسير فله كذا وكداء، فجاء أبو البر بأسيرين، فقال يارسول الله صلى الله عليك - أنت وعدننا فقام سعد بن عبادة فقال: يارسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شىء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة فى الأجر ولا جبن عن العدو، وإنماقمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا، ونزل القرآن: ((يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله والرسول)) وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن عن سليمان بن موء عن مكحول عن أبى أمامة قال: سألت عيادة بن الصامت. عن الأنفال فقال: فينامعشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا فى النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقسمه بين المسلمين عن بواء - أى: على السواء (١) -. هذه بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول هذه الآيات، ومنها يتين. لنا أن نزاعاً حدث بين بعض الصحابة الذيناشتر کوا فىغزوةبدر ، حول الغنائم التى ظفروا بها من هذه الغزوة، فأنزل الله - تعالى - هذهالآيات لبيان حكمه فيها . والضمير فى قوله «يسألونك)، يعود إلى بعض الصحابة الذين اشتركوا فى غزوة بدر، وصح عودالضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأن السورة. (١) تفسير ابن کثیر ج ٢ ص ٢٨٣ ٦. تفسير سورة - ٢٩ - الأنفال فزات فى هذه الغزوة، ولأن هؤلاء الذين اشتركوا فيها هم الذين همهم حكمها، ويعينهم العلم بكيفية قسمتها . قال الإمام الرازى - ما ملخصه -: فإن قيل من هم الذين سألوا؟ فالجواب: ((إن قوله «يسألونك عن الأنفال، إخبار عمن لم يسق ذكرهم، وحن ذلك ههها، لأنه فى حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوماً معيناً فانصرف اللفظ إليهم. ولاشك أنهم كانوا أقواماً لهم تعلق بالغنائم والأنفال ، وهم أقوام من الصحابة اشتركوا فى غزوة بدر (١)». والأنفال جمع نقل - بفتح النون والفاء ، كسبب وأسباب - وهو فى أصل اللغة من النفل - بفتح فكون - أى: الزيادة، ولذا قيل التطوع ناملة، لأنه زيادة عن الأصل وهو الفرض وقيل لولد الولد نافلة ، لأنه زيادة على الولد. قال - تعالى -: ((ووهبنا له إسحاق وتعقوب نافلة (٢))). قال الآلوسى: ثم صار النفل حقيقة فى العطية ، لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كأن زيادة، ويسمى به الغنيمة أيضاً وماشترطه الإمام الغازى زيادة على سهمه لرأى يراه سواء أكان اشخص معين أو لغير معين، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإمام لمن صدرمن أثر محمودفى الحرب كبر ازو حسن إقدام، وغيرهما . وإطلاقه على الغنيمة ، باعتار أنهازبادة على ماشرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة، أو باعتبار أنها منحة من الله - تعالى - من غير وجوب . ثم قال: ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص. فقيل: الغنيمه ما حصل مستغنما سواء أ كان بتعب أو بغير تعب، قبل الظفر أو بعده، والنقل ما كان قبلا الظفر ((أو ما كان بغير قتل وهو الفيء)). والمراد بالأفعال هذا الغنائم كما روى عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة ، والضحاك، وابن زيد، وطائفة من الصحابة وغيرهم (٣). (١) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ١١٣، طبعة عبد الرحمن محمد (٢) سورة الأنبياء الآية ٧٢. ١٣٥٧٠هـ ٠١٩٣٨ (٣) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص ٩٣ ص١٦ طبعة منير الدمشقى التاسع - :٣ - الجر. هذا، وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأفقال - أى الغنائم - إنما هو حكمها وعن المستحق لها ، فيكون المعنى . يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدركيف تقسم؟ ومن المستحق لها؟ قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه - سبحانه - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو الذى يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها. وفى هذه الإجابة على سؤالهم تربية حكيمة لهم - وهم فى أول لقاء لهم مع أعدائهم حتى يجهلوا جهادهم من أجل إعلاء كلمة الله. أما الغنائم والأسلاب وأعراض الدنيا التى تأتيهم من وراء جهادهم فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم، وأن يفوضوا الأمرفيهاه ورسوله عن إذعان وقسلم. وبعض العلماءيرى أن السؤال للاستعطاء، وأن المراد بالأنفال ماشرط الغازی زیادة علی سهمه ، وأن حرف (عن ، زائد ، أو هو بمعنى من ، فيكون المعنى : يسألك بعض أعما بك بامحمد إعطاءهم الأنفالالتى وعدتهم بها زيادة على سهامهم فيها. قل لهم: الأنفال لله وارسول. والذى نراه أن الرأي الأول أرجح وذلك لأمور منها : ١ - بعض الروايات التى وردت فى أسباب نزول هذه الآية تؤيده، تأييداً صريحاً، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال: (( فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا فى النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اله من أيدينا. فجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم- فقسمه بين المسلمين عن بواء). ٢ - ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لهاشأتها وأثر ها بين المسلمين والكافرين، وكانت غنائمها الضخمة التى ظفر بها المؤمنون من المشركين، حافزاً لسؤال بعض المؤمنين رسولطم - صلى الله عليه وسلم - عن حكمها وعن المستحق لها . ٢ - ولأن الجواب من السؤال بقوله-تعالى -: (قل الأنغال قه والرسول». - ٣١ - الأنفال تفسير سورة يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها، إذ أن هذا" الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى أقله ورسوله دون تدخل أحد سواهما . ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جواباً له، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله والرسول لايتنافى إعطاءه إياهم بل يحققه ، لأنهم إنما يسألونه بموجب شرطه لهم الصادر عنه بإذن الله - تعالى - لا بحكم سبق. أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور)، (١). ٤ - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ,فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ... الخ)» يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا فى شأنها، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا التنازع ، وبأمرهم بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضب الله ... ولو كان السؤال للاستعطاء - بناء على ماشرطه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعضهم زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ماوعدهم. به وهذا لا محظور فيه . • - ولأن الآية الكريمة بمنطوقها الواضح، وبتركيبها البليغ، وبتوجيهها السامى، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها .. أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه . والمعنى الواضح الجلى الآية الكريمة - كما سبق أن بينا - : يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم، ومن المستحق لها ؟ قل لهم: الأنفال فته يحكم فيا بحكمه، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها، فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده، الحكيم فى جميع أقواله وأفعاله. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه الجمع بين ذكر الله والرسول فى قوله: ((قل الأنفال قه والرسول،؟ (١) تفسير الآلوسى =٩ ص ١٦١ - ٢٢ - الجزء التاسع قلت: معناه أن حكمها مختص بالله ورسوله، بأمر الله بقسمتها على حالقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر فى قسمتها مفوضاً إلى رأى أحد، والمراد: أن الذى اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يوامى المقالة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاءوهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيها بين المسلمين من التحاب والنصافى ... » (١). وقوله: (( فاتقوا ات وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ، حض لهم على تقوى الله وامتثال أمره، وإصلاح ذات بينهم ، وتحذير لهم من الوقوع فى المعاصى والنزاع والخلاف. وكلمة («ذات)، بمعنى حقيقة الشىء ونفسه، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الظاهر، كذات الصدور ، وذات الشوكة . وكلمة «بينكم،من البین، وهو مصدر بأن يبين بيناً بمعنى بعد، ويطلق على الاتصال والفراق، أى : على الضدين ، ومنه قول الشاعر : فواقه لولا البين لم یکن الهوى ولولا الهوى ماحس للبين آلف والمراد به فى الآية |الاتصال . أى: فاتقوا الله - أيها المؤمنون -، وأصلحوا نفس مابينكم وهى الحال والصفة التى بينكم والتى تربط بعضهم بعض وهى رابطه الإسلام. وإصلاحها يكون بما يقتضيه كمال الإيمان من الموادة والمصافاة، وترك الاختلاف والتنازع، والتمسك بفضيلة الآثار . وكلمة (( ذات)) على هذا المعنى مفعول به . ومنهم من يرى أن كلمة («ذات» بمعنى صاحبة، وأنها صفة لمفعول محذوف، فيكون المعنى: فاتقوا الله وأصلحوا أحوالا ذات بينكم. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: (فإن قلت: ما حقيقة .قوله : (( ذات بينكم)). (١) تفسير الكشاف ٢٧ ص١٩٥، طبعة دار الكتاب العربى بيروت: سورة الأخال - ٣٢ - قل: أحوال بينكم، يعنى ما يدنكم من الأحوال، حتى تكون أحوال الفة ومودة واتفاق. كقوله ((بذات الصدور، وهى مضمراتها. ولما كانت أحوال ملابسة البين قبل لها : ذات البين ، كقولهم : اسفنى هذا إرامك، يريدون ما فى الإناء من الشراب ... ، (١). وقوله ((وأطيعوا الله ورسوله)) معطوف على ما قبله، وهو قوله: - « اتقوا الله)). أى: فاتقوا اله - أيها المؤمنون - فى كل أقوالكم وأفعالكم، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة ومودة، وأطيعوا الله ورسوله فى حكمه الذى قضاء فى الأنفال وفى غيرها ، من کل أمر ونى ، وقضاء وحكم ... وقد كرر - سبحانه - الاسم الجليل فى هذه الآية ثلاث مرات، أتربية المهابة فى القلوب، وتعليل الحكم حتى تقبله النفوس بإذعان وتسليم. وذكر - سبحانه - رسوله )معه مرتين فى هذه الآية، لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأن طاعته - عبد الله - طاعة لله - تعالى -، ومخالفته مخالفة لأمر الله - تعالى -. قال - سبحانه - ((من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً)، (٢). ووسط - سبحانه - الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالنقوى والأمر بالطاعة، لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وايندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة . وقوله: (( إن كنتم مؤمنين) متعلق بالأوامر الثلاثة السابقة، وهى: التقوى، وإصلاح ذات البين (وطاعة الله ورسوله. (١) تعبير الكشاف = ٢ صحة ١٩٥ (٢) سورة النساء. الآية ٨٠ (م ٣ - سورة الأنفال) . اهزم] - ٢٤ - التاسع وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبلة. أى: أف كنتم مؤمنين إيمانه حقا فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثه السابقة . قال الألوسى: قوله ((إن كنتم مؤمنين، جوابه محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه، أو هو الجواب على الخلاف المشهور. وأيا ما كان فالمراد. بيان ترتب ماذكر عليه لا التشكيك فى إيمانهم، وهو يكفى فى التعليق بالشرط. والمراد بالإيمان: التعنديق. ولا خفاء فى اقتضائه ما ذكر . على معنى .. أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة . وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر. فالمعنى :.. إن كنتم كاملى الإيمان، فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء، والاصلاح وإطاعة الله - تعالى -. ويؤيد إرادة الكال قوله - سبحانه - بعد ذلك ((إنما المؤمنون ... ». إذ المراد به قطعا الكاملون فى الإيمان وإلا لم يصح الحصر ... )، (١) وعلى أية حال ففى هذا التذييل تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على الامتثال .. والطاعة، ودعوة لهم إلى أن يكون إيمانهم إيمانا عميقا راسخا، متفقامع كل - من هدايات وإرشادات ، ومقساميا . ما جاءهم به رسولهم - عن كل ما يخدش صفاءه ونقاءه من منع ومحهوات .. ثم وصف - سبحانه - المؤمنين الصادقين خمس صفات، وبشرهم بأعلى الدرجات، فقال فى بيان صفتهم الأولى: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .. ، فالجملة الكريمة مستأنفة وهى مسوقة لبيان أحوال المؤمنين الذين هم أهل لرضا الله وحسن ثوابه، حتى يتأسى بهم غيرهم، وقوله («وجلت، من الرجل وهو استشعار الخوف. يقال: وجل .. يوجل وجلا فهو وجل ، إذا خاف وفرع . (١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ١٦٤. سورة - ٢٠ - الأنفال والمراد بذكر الله: ذكر صفاته الجليلة، وقدرته النافذه، ورحمته الواسعة، وعقابه الشديد، وعلمه المحيط بكل شىء، وما يستتبع ذلك من حساب وثواب وعقاب والمعنى: إنما المؤمنون الصادقون الذين إذا ذكر اسم الله وذكرت صفاته أمامهم ، خافت قلوبهم وفزعت، استعظاماً جلاله، وتهيبا من سلطانه، وحذراً من عقابه. ورغبة فى ثوابه. وذلك لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم، وشدة مراقبتهم لله - عز وجل -، ووقوفهم عند أمره ونميه . . وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من صبغ القصر وهى« إنماء ، للإشعار بأن من هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون فى إيمانهم وإخلاصهم، أما غيرهم ممن لم تتوفر فيه هذه الصفات ، فأمره غير أمرهم، وجزاؤه غير جزاتهم. قال الفخر الرازى: فإن قيل: إنه - تعالى-قال ههنا: درجات قلوبهم. وقال فى آية أخرى: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله (١) .... فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : الاطمئنان : إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل: إنما يكون من خوف العقوبة ولا مناقأة بين هاتين الحالتين . بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا فى آية واحدة وهى قوله - تعالى -: ((الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم قلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (٢) ... )) والمعنى تقشعر الجلود من خوف عذاب الله. ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله)) (٣). والصفه الثانية من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين عبر عنها - سبحانه. بقوله: وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا). (١) سورة الرعد. الآية ٢٨ (٢) سورة الزمر . الآية ٣٢ (٣) تفسير الفخر الرازى = ١٥ ص ١١٨ التاسع - ٢٦- الجزء أى أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات الله أى : حججه وهى القرآن، زادتهم إيمانا، أى: زامتهم تلاوتها قوةفى التصديق، وشدة فى الإذعان، ورسونا فى اليقين، ونشاطا فى الأعمال الصالحة، وسعة فى العلم والمعرفة . وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى للمفعول فى قوله (ذكر الله )، و((قلهت عليهم آياته،، للإبذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا كانوايخافون عندما يسمعون من غيرهم آيات اله .. فإنهم يكونون أشد خونا وفزعاً عند ذكرهم اله وعند قلاوتهم لآياته بألسنتهم وقلوبهم . فالمقصود من هذه الصيغة مدحهم، والثناء عليهم، وبيان الأثر الطيب الذى يترقب على ذكر الله وعلى تلاوة آياته . والصفة الثالثة من صفاتهم قوله - تعالى -: ((وعلى ربهم يتوكلون». أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين -أيضاً- أفهم يعتمدون على ربهم الذى خلقهم بقدرته، ورباهم بنعمته، فيفوضون أمورهم كلها إليه وحده - سبحانه - لا إلى أحد - واء، كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: أى: أنهم لا يرجون سواء، ولا يقصدون إلا إباه ، ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا برغبون إلا إليه ، ويعلمون أنه ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف فى الملك لإشريك له، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. ولهذا قال سعيد بن جبير. ((التوكل على الله جماع الإيمان)) (١) (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٨٦ سورة ٢٧٢٠٠ - الأنفال ومن الواضح عند ذوى العقول السليمة أن التوكل على الله لا يناق الأخذ بالأسباب التي شرعها - سبحانه - بل إن الأخذ بالأسباب الى شرعها اتها وأسر بها بلوغ الغايات، لدليل على قوة الإيمان، وعلى حسن طاعته - سبحانه - فيما شره وفيما أمر به. وليس من الإيمان ولا من العقل ولا من التوكل على الله أن ينتظر الإنسان ثماراً بدون غرس، أو شبعا بدون أكل ، أو نجاحا بدون جهد، أو ثواباً بدون عمل صالح .. إنما المؤمن العاقل المتوكل على الله، هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة .. ثم بعد ذلك يترك النتائج فى - سبحانه - يسيرها كيف يشاء، وحسبما يريد .. . أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله -تعالى- ((الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)). والمراد بإقامة الصلاة: أداؤها فى مواقيتها مستوفية أركانها وشروطها وآدابها وخشوعها - من أقام الشىء إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن فى صلاة المؤمنين أن تكون: إحساساً عميقاً بالوقوف بين يدى الله ، وانقطاعاً تاماً لمناجاته، وتمثلاحياً لجلاله وكبريائه، واستغراقا كاملا فی دیاہے . والمراد بقوله: ((ينفقون)) يخرجون ويبذلون، من الانفاق وهو إخراج المال وبذله وصرفه . يقال: نفق - كفرح ونصر - بمعنى: فقد وفنى أو قل. وأنفق ماله: أى: أنفده، والهمزة التعدية. وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب. والجملة الكريمة فى محل رفع صفة الموصول فى الآية السابقة أو بدل منه أو بیان له. الجزء - ٢٨ - التاسع والمعنا. أن من صفات هؤلاء المؤمنین أنهم يؤدون الصلاة فی مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وسفنها وآدابها" وخضوعها .. وأنهم يقلون أمر الهم الفقراء والمحتاجين بسماحة نفس، وسخاء يد، استجابة لتعاليم دينهم. فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف هؤلاء المؤمنين بخمس صفات: الأولى والثانية والثالثة منها ترجع إلى العبادات القلبية التى تدل على شدة خشيتهم من ربهم، وقوة تأثرهم بآيات خالقهم، واعتمادهم عليه - سبحانه. وحده لا علی أحد سواه . والصفة الرابعة ترجع إلى العبادات البدنية ، وهى إقامة الصلاة بإخلاص وخشوع . أما الصفة الخامسة ترجع إلى العبادات المالية، وهى إنفاق المال فى سبيل الله ولاشك أن هذه الصفات متى تمكنت فى النفس، كأن صاحبها أهلالحية اللّه؛ ورضوانه، ولذا مدح - سبحانه - أصحاب هذه الصفات، وبين ما أعده لهم من ثواب جزيل فقال: ((أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم » . أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم المؤمنون إيمانا حقاً «لهم درجات)، مالية، ومكانة سامية ((عند ربهم)) ولحم ومغفرة) شاملة لمافرط. منهم من ذنوب، ولهم («رزق كريم)، فى الجنة، يجعلهم يحيون فيها حياة طيبة (( لا لغو فيها ولا تأثيم)). وقوله («حقاً)) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أى: أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً. والتنوين فى قوله «درجات، التعظيم والتهويل. أى: لهم درجات رفيعة، ومنازل عظيمة، وفى وصف هذه الدرجات بأنها ((عندربهم، مزيد الحريف لهم، واطف بهم، وإيذان بأن ماوعدهم به متيقن الوقوع، لأنه وحد من كريم لا يخلف وعده - سبحانه - - الأنفال ٢٩٠٠- تفسير سورة أنا: وفى وصف الرزق الذى أعد لهم بالتكرم، زيادة فى إدخال السرور على قلوبهم؛ لأن لفظ الكريم بصف به العرب كل شىء حسن فى بابه، بحيث يكون لا قبح ولا شكوى معه . وبذلك نرى أن أصحاب تلك الصفات الحميدة قد مدحهم الله - تعالى- - مدحاً عظيما، وكانأم على إيمانهم الحق بالدرجات المالية، والمغفرة العاملة، والرزق الكريم: «وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والقذو الفضل العظيم». هذا، وقد استنبط العلماء من تلك الآيات جملة من الأحكام والآداب منها: ١ - حرص الصحابة على سؤال النبى - صلى الله عليه وسلم - عما چمهم من أمر دينهم وهنیاهم. فإن قيل : كيف تأتى الصحابة الذين شهدوا بدراً - وهم من هم فى -عفتهم وزهدهم - أن يختلفوا فى شأن الغنائم. فالجواب، أن بعض الصحابة المثق كين فى هذه الغزوة هم الذين حدث - بينوم الخلاف فى شأنها؛ لأنهم لم يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها. أما أكثر الصحابة فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه الغنائم، بل تركوا أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - يضعها كيف يشاء. • أيضاً فإن هؤلاء الذين حدت بينهم الخلاف فى شأن الغنائم ، كان من :الدوافع التى دفعتهم إلى هذا الخلاف، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن البلاء، وشدة القتال فى سبيل الله، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر بهذا المظهر المشرف وهم فى أول لقاء لهم مع أعدائهم. وعندما يجاوز هذا الحرص حده، بأن غطى على ما يجب أن يسودبينهم من سماحة وصفا ... نزل القرآن ابربيهم بتربيعه الحكيمة ، وليؤديهم بأدبه السامى، ويخبرهم بحكراته فى شأن هذه الأنفال .. وبعد أن عرفوا حكم الة فى شأنها، تابلوه بالرضا والإذعان والتسليم. ٠- ٤٠ - التاسع . ٢ - أن القرآن فى ترتيبه الحرامث، لا يلتوم سردعاعلى حسب زمن. وفرعها، وإنما يرتبها بأسلوبه الخاص الفعم ير أعى فيهمة«حتى جال المخاطب. فلقد افتتحت السورة التى معنا بالحديث عن النتائم التى غنمها الملون فى يدر - مع أن ذلك كان يعد إنتهاء الغزوة - ليشعر المخاطبين من أول .. الأمر أن النصر فى هذه الغزوة كان المسلمين، وأن الاسلام قد سرع الكفر منذ أول معركة نازله فيها . وهذا اللون من الافتاح هو ما يعبر عنه البلغاء ببراعة الاستهلال. ولقد أفاض بعض العلماء فى شرح هذا المعنى فقال ما ملخصه. وقد بدأت السورة بموضوع الأففال واختلافهم فى قسمتها وسؤالهم. عنها، فساقت فى ذلك أربع آيات. من: «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال. فه والرسول فاتقوا الله .. إلى قوله - «ورزق كريم)). وقد عالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين، وعملت على تطويرها من الاختلاف الذى ينشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة ، ولا ريب أن حب. الملل والتطلع إلى المادة من أكبر أسباب الفشل . ولأهمية هذا الموضوع فى حياة المؤمنين بدأت به السورة، وأن كان . اختلافهم فى قسمة الأنفال متأخراً فى الوجود عن الاختلافهم فى الخروج. إلى بدر، وقتالى الأعداء . وقد عرفنا من ستة القرآن فی ذکر التصص والرتائح أنه لا يتعرض لها. مرتبة حسب وقوعها، وذلك لأنه لا يذكرها على أنها تاريخ بعين لها الوقت. والمكان، وإنما يذكرها لما فيها من العبر والمواعظ، ولمما تتطلبه من. الأحكام والحكم . وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول الأمر بنتائج النصر الذى كفله الله المؤمنين . وليس من تربية النفوس أن نبدأ الكلام معها بما يدل على الاضطرايه