Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١ - هوتهم جميعا ثم أحيام الله - تعالى - بعد ذلك، ويرى آخرون أنهم غشى عليهم ثم أفافوا . وقد قال موسى هذا القول لاستجلاب العفو من ربه عن هذه الجريمة التى اقترفها قومه . بعد أن من عليهم - سبحانه - بالنعم السابقة الوافرة، وأنقذهم من فرعون وقومه . ف كأنه يقول: يا رب لقد رحمتهم من ذنوب كثيرة ارتكبوها فيما سبق فارحمهم الآن كما رحمتهم من قبل جرباً على مقتضى کرمك . ومفعول المشيئة محذوف، أى: لو شقت إهلاكهم لأهلكتهم. وقوله ((وإياى)) معطوف على الضمير فى (( أهلكتهم،، وقد قال موسى ذلك تسليما منه لأمر الله وقضائه وإن كان لم يسبق منه ما يوجب هلاكه، بل الذى سبق منه إنما هو الطاعة الكاملة لله رب العالمين . والاستفهام فى قوله (( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، للاستعطاف الذى بمعنى النفى أى: ألجأ إليك يا مولانا آلا تهلكنا بذقب غير ناء فلئن كان هؤلاء السفهاء قد خرجوا عن صاعتك، وانتهكوا حرماتك . فنحن يارب مطيعون لك وخاضعون لأمرك . قوله (( إن هى إلا فتتك فضل بها من تشاء وتهدى بها من تشاء)) استثناف مقرر لما قبله، و((إن)) نافية. والفتنة: الابتلاء والاختبار، والباء فى ((بها)، للسببية أى : ما الفتنة التى وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك، فأنت الذى ابتليتهم واختبرتهم ، فالأمر كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولا حثون منك إليك . ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وقوله (( أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، أى: أنت القائم بأمور ناكلها لا أحد غيرك، فاغفر لنا ما فرط منا، وارحمنا برحمتك التى وسعت كل شىء، وأنت خير الغافرين إذكل غافر سواك إنما يغفر لغرض - ٢٠٢ -. نفسانى « كحب الثناء، واجتلاب المنافع، أما أقت - با إلهنا - فغفرتك لا لطلب عوض أو غرض وإنما هى لمحض الفضل والكرم ثم أضاف موسى إلى هذه الدعوات الطيبات دعوات أخرى فقال - كما حكى القرآن عنه - ((واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة. أى: أثبت لنا فى هذه الدنيا ما يحسن من نعمة وطاعة وعافية وتوفيق، وأثبتت لنا فى الآخرة - أيضا - ما يحسن من مغفرة ورحمة وجنة عرضها السموات والأرض. وقوله « إنا هدنا إليك، استئناف مسوق لتعليل الدعاء فإن التوبة الصادقة تجعل الدعاء جديرا بالاجابة، أى: لأنا تبنا إليك من المعاصى التى جئناك للاعتذار منها. فاكتب لنا الحسنات فى الدارين ، ولا تحرمنا من عطائك الجزيل . وهدفا: بمعنى تبنا. يقال: هاد يهود إذا رجع وتاب. وصدرت الجملة الكريمة :- (((إن، المفيدة للتحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة فى مضمونها . وقوله: (قال عذابى أصيب به من أشاء ورحمتى وسعت كل شىء)) استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الجواب ، كأنه قيل : فماذا قال الله - تعالى - عند دعاء موسى، فكان الجواب: قال عذابى ... الخ. ثم قال الله - تعالى - لموسى ردا على دعائه: يا موسى إن عذابى الذى تخشى أن يصيب قومك أصيب به من أشاء تعذيبه من العصاة، فلا يتعين أن يكون قومك محلا له بعد توبتهم ، فقد اقتضت حكتى ان اجازى الذين أساءوا بما عملوا واجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ((ورحمى وسعت كل شىء)) فلا تضيق عن قومك، ولا عن غيرهم من خلقى. عن هم أهل لها . وقد استفاضت الآيات والأحاديث التى تصرح بأن رحمة الله - تعالى- قد - ٢٠٢ - وسعت كل شىء ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن لله عز وجل مائة رحمة فنها رحمة يتراحم بها الخاق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة . ثم بين - سبحانه - من هم أهل لرحمته فقال: فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون )). أى: فسأ كتب رحمن للذين يصونون أنفسهم عن كل ما يغضب الله ويؤدون الزكاة المفروضة عليهم فى أموالهم . وتخصيص إيتاء الزكاة بالذكر مع اقتضاء التقوى له التعريض بقوم موسى . لأن إيتاءها كان شاقاً على نفوسهم لحرصهم الشديد على المال . ولعل الصلاة لم تذكر مع أنها مقدمة على سائر العبادات. اكتفاء عنها. بالاتقاء الذى هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها. وترك المنهيات عن آخرها. وسأ كتبها كذلك للذين هم بآياتنا يؤمنون إيمانا تاما خالصاً لارياء فيه. ولا نقص معه . ثم أضاف - سبحانه - صفات أخرى لمن هم أهل لرحمته ورضوانه. وهذه الصفات تنطبق كل الانطباق على محمد صلى الله عليه وسلم الذى أمر بنو إسرائيل وغيرهم باتباعه فقال تعالى : ((الَّذِينَ يَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّيَّ الْأَمْيَّ الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُ فى التَّوْرَاةِ والإنجيلِ، يَأْمُرَمُ بِالَعْرُوفِ وَيْهَمُ عَنْ الْمُشْكَرِ، ويَحِلُّ لَهُمُ الَّيَّاتِ ويَحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْبَائِتَ ويَضَعُ عَنْهُم إصْرَهُ والْأعْلَاَلَ التى كانَتْ عَلَيْهِمْ، فالذينَ آمَنُوا به وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّعُوا النُّورَ الذى أُنْزِلَ معَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَبِهاَ - ٢٠٤ - الناسُ إنّى رَسُولُ اللهِ إليُكُم ◌َميعًا الذى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ يُحِ وَيمِتُ فَآَمَنُوا بِاللهِ وَرَسولِهِ النَّبِىِّ الْأمِى الذى يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَتِهِ وَاتْبَعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨))) . قوله تعالى - «الذين يتبعون الرسول النبى الأمى) فى محل جر على أنه فعت لقوله: )) للذين يتقون، أو بدل منه. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى : هم الذين يتبعون ... ألخ. وقد وصف الله - تعالى . رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأوصاف كريمة تدعو الداقل المنصف إلى اتباعه والإيمان به . الوصف الأول : أنه رسول الله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً . والوصف الثانى: أنه فى أوحى الله إليه بشريعة عامة كاملة باقية إلى يوم الدين . الوصف الثالث: أنه أبى ماقرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم ولا أخذ علمه عن أحد ولكن الله - تعالى - أوحى إليه بالقرآن الكريم عن طريق جبريل عليه السلام - ، وأفاض عليه من لدنه علوما نافعة ومبادىء توضح ما أنزله عليه من القرآن الكريم، فسبق بذلك الفلاسفة والمشرعين والمؤرخين وأرباب العلوم الكونية والطبيعية ، فأميته مع هذه العلوم التى يصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، أوضح دليل على أن ما يقوله إنما هو بوحى من الله إليه . قال تعالى: ((وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت قدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا(١)». وقال - سبحانه - ((وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون (٢))). (١) سورة الشورى آية ٥٢ (٢) سورة العنكبوت آية ٤٨ - ٢٠٥ . الصبغة الرابعه : أشار إليها بقوله ( الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التورا والانجيل ) أى هذا الرسول التى الأمى من صفاته أن أهل الكتاب يحدوا اسمه وفعته مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل، ووجود اسمه وذعته فى كتبه من أكبر الدواعى إلى الايمان به وقصديقه واتباعه ولقد كان اليهوديشرور ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم قبل زمانه ويقرؤون فى كتبهم ما يدل على ذلك فلما بعث الله - تعالى - قبيه بالهدى ودين الحق آمن منهم الذين فتحو قلوبهم للحق ، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى، وأما الذير استنكفوا واستكبروا، وحسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم على ماآتاه أو من فضله فقد أخذوا يحذفون من كتبهم ما جاء عن النبي صلى أقه عليه وسما فيها, أو يؤولونه تأويلا فاسداً أو يكتمونه عن عامتهم. ورغم حرصهم على حذف ما جاء عن الرسول فى كتبهم أو تأويلهم السقي له، أو كتمانه عن الأميين منهم . أبى الله - تعالى - إلا أن يتم نوره، إذ قى فى التوراة والانجيل ما بشر بالنبى صلى الله عليه وسلم وصرح بنعرته وصفاته بل وباسمه صربحا . وقد تحدث العلماء الأثبات عن بشارات الأنيا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجمعوا عشرات النصوص التى ذكرت نعوته وصفاته، وها نحن نذكر طرة ما قاله العلماء فى هذا الشأن . قال الامام الماوردى فى ( أعلام النبوة ): ( وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما هو حجة على أمهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أصلعه الله - تعالى - على غيبه، ليكون عونا للرسل ، وحثا على القبول ، فمنهم من عينه باسمه ، ومنهم من ذكره بصفته ومنهم من عزاه إلى قومه ، ومنهم من أضافه إلى بلده ، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله -- فمالى - - ٢٠٦ - هذه الصفات جميعها فيه، حتى صار جلياً بعد الاحتمال ، ويقينا بعد الارتياب(١) ). وجاء فى ( منية الأذكياء فى قصص الأنبياء): (إن نبينا -- عليه الصلاة والسلام - قد بشر به الأنبياء السابقون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال ، حيث صرحوا باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمتة، ومع أن أهل الكتاب حذهوا اسمه من نسخهم الأخيرة إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التى اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهى أظهر دلالة من الاسم على المسمى ، إذ قد يشترك اثنان فى اسم , ويمتنع اشتراك اثنين فى جميع الأوصاف . لكن من أمد غير بعيدقد شر عوافى تحريف بعض الصفات ليبعد صدقها على النبى صلى الله عليه وسلم فترى كل نسخه متأخرة تختلف عما قبلها فى بعض المواضع اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره ، ولا ما قصد به . ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم . لانتشار النسخ بالطبع وتيسير المقابلة بينها (٢). وقال المرحوم الشيخ ( رحمة الله الهندى) فى كتابه ( إظهار الحق) . (إن الأخبار الواقعة فى حق محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيرة إلى الآن. أيضا - مع وقوع التحريفات فى هذه الكتب . ومن عرف أولاطريق أخبار. النبى المتقدم عن التى المتأخر . ثم نظر تانيا بنظر الانصاف إلى هذه الاخبارات وقبلها بالاخبارات التى نقلها الانجيليون فى حق عيسى - عليه السلام - جزم بأن الاخبارات المحمديه فى غاية القوة (٣)). وقد جمع صاحب كتاب (إظهار الحق ) وغيره من العلماء والمؤرخين (١) الباب الخامس عشر: فصل (بشائر الأنبياء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم). (٢) نقلا عن تفسير القاسمى = ٧ ص ٠٢٨٧٤ (٣) كتاب ( إظهار الحق ) للشيخ رحمه الله الهندى. - ٢٠٧ - كثيراً من البشائر التى وردت فى التوراة والإنجيل خاصة بالنبى صلى الله عليه وسلم ومبينة تعوته وصفاته . ومن أجمع ما جاء فى التوراة خاصاً بالنبى صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخارى عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله عنهما - قال: ( قرأت فى التوراة صفة النبى صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله: عبدى ورسولى، سميته المتوكل ، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب فى الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولى أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله (١)). كذلك مما يشهد بوجود النبى صلى الله عليه وسلم فى التوراة، ما أخرجه الإمام أحمد عن أبى صخر العقيل قال : (حدثنى رجل من الأعراب فقال : جلبت حلوبة(٢). إلى المدينة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فلما فرغت مر بيعى قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ، قال : فتلقانى بين أبى بكر وعمر يمشيان، فتبعتهم حتى إذا أقوا على رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤه يعزى بها نفسه عن ابن له فى الموت كأجمل الفتيان وأحسنها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذى أنزل التوراة هل تجد فى كتابك هذ صفتى ومخرجى ) فقال برأسه هكذا، أى: لا ، فقال ابنه: أى والذى أنزل التوراة إنا لنجد فى كتابنا صفتك ومخرجك ، وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (أقيموا اليهودى عن أخيكم ( ثم تولى كفنه والصلاة عليه ). هذا ، ومن أراد مزيد معرفة بتلك المسألة فليراجع ما كتبه العلماء فى ذلك(٣) (١) صحيح البخارى. بات ((كرامة الصخب فى الأسواق)) من ((كتاب البيوع)) ج ٣ ص ٠٨٣ (٢) الحلوبة : الشاة ذات اللبن وهى للواحد وللجمع . (٣) تفسير ابن كثير ج٢ ص ١ - ٢٠٨ - ثم وصف الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم بصفة خامسة فقال تعالى: ((يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)) أى هذا الرسول النبى الأمى الذى يجده أهل الكتاب مكتوباً عندهم فى التوراة والانجيل من صفاته كذلك أنه يأمرهم بالمعروف الذى يتناول الإيمان بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر كما يتناول مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وغير ذلك من الأمور التى جاء بها الشرع الحنيف. وارتاحت لها العقول السليمة ، والقلوب الطاهرة وينهاهم عن المفكر الذى يتناول الكفر والمعاصى ومساوىء الأخلاق . ثم وصف الله - تعالى - رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بصفة سادسة فقال تعالى: (( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، أى: يحل لهم ما حرمه الله عليهم من الطيبات كالشحوم وغيرها بسبب ظلمهم وفسوقهم عقوبة لهم، ويحل لهم كذلك ما كانوا قد حرموه على أنفسهم دون أن يأذن به اللحوم كلحوم الإبل وألبانها ، ويحرم عليهم ما هو خبيث كالدم ولحم الميتة والخنزير فى المأكولات ، وكأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل فى المعاملات وفى ذاك سعادتهم وفلاحهم . ثم وصف الله تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بصفة سابعة فقال تعالى: (( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم)). الأصر: الثقل الذى يأصر صاحبه. أى بحيسه عن الحركة لثقله، ويطلق على العهد كما فى قوله تعالى: ( قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصرى)) أى عهدى . قال القرطبى: (( وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بنى إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوصع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، كفل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض، ومؤاكلتها ومضاجعتها . فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. وإذا - ٢٠٩ - جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها وإذا حاضت المرأة لم يقربوها . إلى غير ذلك ما ثبت فى الصحيح وغيره ،(١)، والأغلال: جمع غل . وهو ما يوضع فى العنق أو اليد من الحديد. والتعبير بوضع الإصر والأغلال عنهم استعارة لما كان فى شرائعهم من الأشياء الشاقة والتكاليف الشديدة كاشتراط قتل النفس لصحة التوبة . فقدشبه - سبحانه- ما أخذ به بنو إسرائيل من الشدة فى العبادات والمعاملات والمأكولات جزاء ظلمهم بحال من يحمل أثقالا يئن من حملها وهو فوق ذلك مقيد بالسلاسل ؛ والأغلال فى عنقه و يديه ور جلیه . والمعنى: إن من صفات هذا الرسول النى الأمى أنه جاءهم ايرفع عنهم ما نقل عليهم من تكاليف كلفهم الله بها بسبب ظلمهم . لأنه - عليه الصلاة والسلام جاء بالتبشير والتخفيف. وبعث بالحنيفة السمحة . ومن وصاياه : (((بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسرواء. قال الإمام ابن كثير: ((وقد كانت الأمم التى قبلنا فى شرائعهم ضيق عليهم. فوسع الله على هذه الأمة أمورها. وسهلها لهم . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم ((إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسهم مالم نقل أو تعمل. وقال:، رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ولهذا قال: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ((ربنا ولا تحملنا مالاطاقة لنا به . ولعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين . وثبت فى صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قـ فعلت قد فعلت )،(٢) . إذاً، فمن الواجب على بنى إسرائيل أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم (١) تفسير القرطى =٧ ص ٢٠٠ (٢) تفسیر أین کثیر × ٢ ص ٢٥٤ ١٠٠ سورة الأعراف. - ٢١٠ - الذى هذه صفاته ، والذى فى أتباعه سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم ، ولهذا ختم اته - تعالى - الآية - الآية الكريمة ببيان حالة المصدقين لنبيه فقال تعالى: « فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذى أنزل معه، أولئك هم المفلحون)». أى: فالذين آمنوا بهذا الرسول النبى الأمى من بنى إسرائيل وغيرهم وعزروه)، بأن منعوه وحموه من كل من يعاديه، مع التعظيم والتوقير له ونصروه بكل وسائل النصر ((واتبعوا النور الذى أنزل معه، وهو القرآن والوحى الذى جاء به ودعا إليه الناس، ((أولئك هم المفلحون، أى الفائزون الظافرون برحمة الله ورضوانه . وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت التى صلى الله عليه وسلم بأحسن الصفات وأكرم المناقب ، وأقامت الحجة على أهل الكتاب بما يحدونه فى كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بأنه ماجاء إلالهدايتهم وسعادتهم، وأنهم إن آمنوا به وصدقوه، كانوا من (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ). ثم أمر الله رسوله أن يبين للناس أنه مرسل إلى الناس كافة ، فقال تعالى: ( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) أى: قل يا محمد لكافة البشر من عرب وعجم ، إنى رسول الله إليكم جميعاً ، لافرق بين نصرانى أويهودى، وإنما رسالتى إلى الناس عامة، وقد جاء فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية ما يؤيد عموم رسالته . أما فى القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وقال تعالى: (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) . وقال تعالى: ((وأوحى إلى هذا القرآن لأفذركم به ومن بلغ)). أى وأنذر من بلغه القرآن ممن سيوجد إلى يوم القيامة من سائر الأمـ - ٢١١ - وفى ذلك دلالة على عموم رسالة النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أن أحكام القرآن تعم الثقلين إلى يوم الدين . وأما فى السنه فمن ذلك مارواه البخارى عن جابر عبد الله أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتى أدر كته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة(١))). وفى صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعرى - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((والذي نفسي بيده لا يسمع بى رجل من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن بى إلا دخل النار،(٢). قال الامام ابن كثير : والآيات فى هذا كثيرة ، كما أن الأحاديث فى هذا أكثر من أن تحصر ، وهو معلوم من دين الاسلام ضرورة أنه رسول إلى الناس كلهم (٣) هـ. . ثم وصف الله تعالى ذاته بما هو أهل له من صفات القدرة والوحدانية فقال تعالى: ( الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت) أى: قل - يا محمد -- للناس إنى رسول إليكم من الله الذى له التصرف فى السموات والأرض، والذى لامعبود بحق سواه والذى بيده الاحياء والإماتة ، ومن كان هذا شأنه فمن الواجب أن يطاع أمره ، وأن يترك ما نهى عنه، وأن يصدق رسوله . ثم بنى - سبحانه - على هذه النعوت (١) صحيح البخارى ( باب التيمم) = ١ ص ٠٧٧ (٢) صحيح مسلم ( كتاب المساجد). (٣) تفسير ابن كثير =٢ ص ٢٠٥ - ٢١٢ - الجليلة التى وصف بها نفسه الدعوة إلى الإيمان فقال تعالى: ( فآمنوا بالله ورسوله التى الأمى الذى يؤمن باته وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) أى فآمنوا أيها الناس جميعاً بالله الواحد الأحد وآمنوا - أيضاً برسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) التى الأمى الذى يؤمن بالله، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه واسلكو سبيله ، واقتفوا آثاره ، فى كل ما يأمربه. أو ينهى عنه رجاء أن تهتدوا إلى الصراط المستقيم . وفى وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية مرة ثانية، إشارة إلى كمال عله ، لأنه مع عدم مطالعته للكتاب، أو مصاحبته لمعلم. فتح الله له أبواب العلم ، وعليه مالم يكن يعلم من سائر العلوم التى تعلمها الناس عنه، وصاروا بها أئمة العلماء وقادة المفكرين، فأكرم بها من أميه تضاءل بجانبها علم العلماء فى كل زمان ومكان . وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد وصفتا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأشرف الصفات وأقامتا أوضح الحجج وأقواها على صدقه فى نبوته ودعتا اليهود بل الناس جميعاً .. إلى الإيمان به لأنه قد بشرت به الكتب السماوية السابقة ولأنه صلى الله عليه وسلم ما جاءهم إلا بالخير، وما نهام. إلا عن الشر، ولأن شريعته تمتاز باليسر والسماحة، ولأن أنصاره وأتباعه هم المفلحون، ولأن رسالته عامة للجن والانس ، ومن كانت هذه صفاته، وتلك شريعته، جدير أن يقبع، وقمين أن يصدق ويطاع، وما يعرض عن . . دعوته إلا من طفى وآثر الحياة الدنيا . ثم بين القرآن الكريم أن قوم موسى لم يكونوا جميعا ضالين. وإنما كان فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال - تعالى - : ((ومِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقُّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٠٩)). أى: ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذى جاءهم به - ٢١٣ - من عند الله، وبالحق - أيضا - يسيرون فى أحكامهم فلا يجورون ، ولا ير تشون، وإنما يعدلون فى كل شئونهم : والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح فى عهد موسى - عليه السلام، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه . وقيل المراد بهم من آمن بالنبى - صلى الله عليه وسلم - عند بعثته . وهذا لون من ألوان عدالة القرآن فى أحكامه، وإنصافه لمن يستحق الانصاف من الناس. إنه لا يسوق أحكامه مغممة بحيث بندرج تحتها الصالح والطالح بدون تمييز ، كلا وإنما القرآن يسوق أحكامة بإنصاف واحتراس ، فهو يحكم للصالحين بما يستحقون ، وتلك هى العدالة التى ما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى السير على طريقها ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ليسوا سواء. من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ، . وقوله: (( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين فقه لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ... )). وقوله (( بالحق، الباء للملايسة ، وهى مع مدخولها فى محل الحال من الواو فى يهدون. أى: يهدون الناس حال كونهم ملتبين بالحق. ثم ذكر القرآن بعض النعم التى أنعم الله بها على بنى إسرائيل ، وكيف وقفوا من هذه النعم موقف الجاحد الكنود فقال - تعالى: (( وَقَطَّعْنَمُ الْفَىْ عَثْرَةَ أَسْبَاطً أُعماً وأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذٍ اسْتَسْقَهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بَعَصَّاكَ الْحَجَرِ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ الْقَتَ عَشْرَةَ عَبْا، قَدْ عَلٍ كَلُّ أُنَسٍ مَشْرَبَهم، وظَّنَا عَلَيهِمُ الفَمَ وأَنْزَلْنَا عَلَيهِم ثَلَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيَِّتٍ مَا رَزَقْنَاَ لْ، ومّا ظَلَمُونَ ولَكِنْ - ٢١٤ - كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظِونَ (١٦٠) وإِذْ قِلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةِ، وكُلُوا مِنْها حيثُ شِئْتُمْ، وَقُولوا حَِّّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً تَغْفِرُ لَكَمْ خَطِئَاتِكُم، ◌َنْزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَّموا قَوْلاً غيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ ، فَأَرْسَلْنَا قَلَيهِم رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بما كانوا يَظْلُونَ (١٦٢))). قوله (( وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أما، أى: فرقنا قوم موسى وصيرأالم أثنى عشرة أمة اتتميز كل أمة عن الأخرى . والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب. والسبط : ولد الولد فهو كالحفيد. وقد يطلق السبط على الولد. وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قيلة من اثنى عشر ولداً هم أولاديعقوب - عليه السلام - قالوا: والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين ، فعلى هذا يكون اثنتى عشرة حالا من مفعول , قطعنام)) وهو ضمير الغائبين ((م)). ويرى الزمخشرى وغيره أن ((قطعناهم، بمعنى صير ناهم وأن, اثنتى عشرة» مفعول ثان ، وتميز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم اثنتى عشرة فرقة . و ((أسباطا)، بدل من ذلك التمييز، و ((أمما)) بدل بعد بدل من أثنى عشرة . والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل ، لمشار كتها لها فى كل ما يقصد به من العظات والعبر . وقوله: ((وأوحينا إلى موسى إذ استسقاء قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا)). - ٢١٥ - الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أوحبس المطر. وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة، وقد سأل موسى - عليه السلام -ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى التيه . فعن ابن عباس أنه قال : كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها،(١). وقيل : کان الاستسقاء فى البرية ولکن الآثار التى تدل على أنه کان فى التيه أصح وأكثر . والمعنى: وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاك الحجر فضربه :خرج منه الماء من اثنتى عشرة عيناليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة الى نؤيدموسى فى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - . وقوله« إذ استسقاه قومه، يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده ، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه ، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر. وأل فى ((الحجر، لتعريف الجنس، أى: أضرب أى حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد، ويكون المراد حجراً معينا معروفا لموسى - عليه السلام- بوحى من الله - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين فى ذلك آثاراً حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف، ولذا لم نعتد بها . والذى رجحه أن ((أل)) هنا لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لا يمان بنى إسرائيل وأنصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى، إذلو كان انفجار الماء من حجر معين (١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٠١٠٠ - ٢١٦ - لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل -. والفاء فى قوله « فانبجب منه اثنتا عشرة عينا)) معطوفة على محذوف والتقدير : فضرب فانبجست .. قال بعضهم: والانبجاس والانفجار واحد. يقال بحست الماء أبحسه فانبجس ، بمعنى خر ته فانفجر : وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة . ولاتنافى بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة (( فانفجرت)) وبين قوله هنا ((فانبجست)) لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا. وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم یکثر لدوام خروجه . وكانت العيون اثنتى عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما النعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر . وقوله (( قد علم كل أناس مشربهم)) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الأنقسام إلى اثنتى عشرة عينا. أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شر به فلا يتعداه إلى غيره ، وفى ذلك مافيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض . ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال: «وظللنا عليهم الغمام » . الغمام: جمع غمامة وهى السحابة: وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض. أى: وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس . وقوله ((وأنزلنا عليهم المن والسلوى)) معطوف على ماقبله . ٠-٢١٧ - والمن: اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال- مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل . والسلوى: اسم جنس جمعى واحدته سلواه، وهو طر برى لذيذ اللحم ، سهل الصيد يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب . وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة قيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى -: ((قال إنها محرمة عليهم أربعين سنة يقيهون فى الأرض . قال السدى: (( لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى - عليه السلام - كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل ((والسلوى وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فان كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا أسمن أتاه ، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب ؟ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا , فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله عليهم بالغمام فقالوا: هذا الظل فأين اللباس ؟ فمكافت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - «وظللنا عليكم "الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ... ))(١). وقوله (( كلوا من طيبات ما رزقناكم)) أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقنا كم، واشكروا ربكم على هذه النعم لکی یریدكم منها . وقوله: (( وماظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلون)) معطوف على محذوف أى : فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٧ - ١١٨ - ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، وأن جملة ,وما ظلمونا، معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل. والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة « كانوا، والفعل المضارع ((يظلمون)، يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول فى ذم إنسان • كان يسىء إلى الناس ، إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى. قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه: « هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقنا كم خالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم وما ظلمونا)، فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله: ((وما ظلمونا، أى: ماظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إياناموضع مضرة. علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها . فإن الله - تعالى - لا تضره معصيه عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم. ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل ، بل نفسه يظلم الظالم ، وحظها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل ،(!). وقوله - تعالى - ((وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا ... الخ )). قذ كير لهم بصفة جليلة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ، وما رعوما حق رعايتها، وهى نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك . قال الألوسى: وقوله ((وإذا قيل لهم، معمول لفعل محذوف تقديره: أذكر . وإيراد الفعل هنا مبنيا للمفعول جريا على سنن الكهرباءمع الإيذان بأن الفاعل غنى عن التصريح. أى: أذكر لهم وقت قولنا لأسلافهم))(٢). (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٣٧ (٢) تفسير الآلوسي ج ٩ ص ٨٨ - ٢١٩ - والقرية هى البلدة المشتملة على مساكن، والمراد بها هنا بيت المقدس - على الراجح - وقيل المراد بها أربحاء. والجطة: كجلسة: إسم للهيئة ، من الخط بمعنى الوضع والإنزال، وأصله إنزال الشىء من علو. يقال: إستحطه وزرة: سأله أن بحطه عنه وينزله . وهى خبر مبتدأ محذوف أى: مسألتنا حطة، والأصل فها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات . والمعنى: وإذكروا أيها المعاصرون العهد النبوى من بنى إسرائيل وقت أن قيل لأسلافكم إسكنوا قرية بيت المقدس بعد خروجهم من التيه ، وقيل لهم كذلك كلوا من خيراتها أكلا واسعا، وأسألوا اللّه أن يحط عنكم ذنوبكم ، وادخلوا من بابها خاضعين خاشعين شكرا لله على نعمه، فإنكم إن فعلتم ذلك غفر نالكم خطيئاتكم . وقوله - تعالى - ((وكلوا منها حيث شئتم» فيه إشعار بكمال النعمة عليهم وإقساعها وكثرتها ، حيت أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أى مکان شاءوا . وقوله: ((وقولوا حطة وأدخلوا الباب سجدا)) إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم عمله نحو خالقهم، وتوجههم إلى مايعينهم على بلوع غاياتهم بأيسر الطرق وأسهل السجل لأن كل ما كلفهم الله - تع الى - به أن يضرعوا اليه بأن يحط عنهم خطيئاتهم، وأن يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله عليهم مخبتين . وقوله (( نغفر لكم خطيئاتكم ) مجزوم فى جواب الأمر. وهذه الجملة الكريمة بيان للثمرة التى تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم وإغراء لهم على الإمتثال والشكر - لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه. العقلاء هو غفران الذنوب . - ٢٢٠ - وقوله - تعالى - ((سنزيد المحسنين)) وعد بالزيادة من خيرى الدنيا والآخرة لمن أسلم وجهه لله وهو محسن. وقد أمر الله - تعالى - أن يفعلوا ذلك، وأن يقولوا هذا القول، لأن تغلبهم على أعدائهم نعمة من أجل النعم التى تستدعى منهم الشكر الجزيل فه - تعالى -، ولهذا كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يظهر أقصى درجات الخضوع، وأسمى ألوان الشكر عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعند ما تم له فتح مكة دخل إليها من الثفية العليا وهو خاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكرا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة إغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح . ومن هنا إستحب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثمانیر کعات عندأول دخوهاشكرا لله،و قدفعل ذلك سعد بنأبى وقاص عندما دخل إيوان كسرى . فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات . ولكن ماذا كان من بنى إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح ، لقد حكى القرآن ما كان منهم من جحود وبطر فقال: ((فبدل الذين ظلوا منهم قولا غير الذى قيل لهم . . قال صاحب الكشاف: ((أى وضعوا مكان حطة قولا غيرها، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفارفخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمراقه، وليس الغرض أنهم أمر وابلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤخذوا به . كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم أعف عنا وما أشبه ذلك ، (١) وقال الامام ابن كثير: (( وحاصل ماذكره المفسرون ومادل عليه السياق (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ١٤٣