Indexed OCR Text

Pages 181-200

- ١٨١ -
حذف المضاف، أى: أرنى أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة .
أو أنه سأل الرؤية لا لنفسه ولكن لدفع قومه القائلين , أرنا الله جهرة)) وإنما.
أضاف الرؤية إليه دوفهم ليكون منعه أبلغ فى دفعهم وردعهم عما سألوه
تنبيها بالأدنى على الأعلى ....
واعترضوا على الوجه الثانى بأنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن ،
لأن التحليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة
وجود الشرط، لأن الجبل حال سكونة كان مستقرا، بل على استقراره حال
حر کته وهو محال لذاته .
ثم أورد الآلوسى بعد ذلك ما رد به كل فريق على الآخر مما لامجال
لذكره هنا (١).
والذى تراه أن رؤية الله فى الآخرةممكنه كما قال أهل السنةلورود الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة التى تشهد بذلك ، أما فى الدنيا فقد منع
العلماء وقوعها، وقد بينا ذلك بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لقوله - تعالى -
« لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ،(٢).
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كرم الله - تعالى - به موسى - عليه السلام
فقال: (( قال ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى)).
الاصطفاء . افتعال من الصفوة، وصفوة الشىء خالصه وخياره اى :
قال الله - تعالى - لموسى إنى اخترتك واجتبيتك على الناس الموجودين فى
زمانك لأن الرسل كانوا قبل موسى وبعده، فهو اصطفاء على جيل معين من .
الناس بحكم هذه القرينة .
وقوله ((برسالاتى)) اى: بأسفار التوراة، أو بإرسال إياك إلى من
(١) تفسير الآلوسى = ٩ من ص ٤٦ - ٠٥٥
(٢) راجع تفسير سورة الأنعام ص ٠٢٢٨

- ١٨٢ --
أرسلت إليهم. و((بكلامى، أى: بتكليمى إياك بغير واسطة قال - تعالى-
((وكلم الله موسی تكلما)).
والجملة الكريمة مسوقة لتسليته - عليه السلام - عما أصابه من عدم
الرؤية فكأنه - سبحانه - يقول له: إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من
النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه ودم على شكرى .
وقدم الرسالة على الكلام لأنها أسبق ، أو ليترقى إلى الأشرف .
ثم قال - تعالى - ((خذ ما آتيك وكن من الشاكرين)) أى: نفذ باموسى
ما أعطيتك من شرف الأصطفاء والنبوة والمناجاة وكن من الراسخين فى الشكر
على ما أنعمت به عليك ، فأنت أسوة وقدوة لأهل زمانك .
ثم فصل - سبحانه - بعض النعم التى منحها لنبيه موسى وقال: ((وكتبنا له
فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء)).
المراد بالألواح كما قال ابن عباس - ألواح التوراة ، واختلف فى عددها
فقيل : سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك. كما اختلف فى
شأنها فقيل كانت من سدر الجنة ، وقيل كافت من زبر جد أوزمرد ... الخ.
والذى نزاه تفويض معرفة ذلك إلى الله - تعالى - لأنه لميرد نص صحيح
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى عددها أو كيفيتها.
والمعنى: وكتبنا لموسى - عليه السلام - فى ألواح التوراة من كل شىء
يحتاجون إليه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح. ليكون ذلك موعظة
لهم من شأنها أن تؤثر فى قلوبهم ترغيباً وترهيباً، كماكتبنا له فى تلك الألواح
تفصيل كل شىء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية .
وإسناد الكتابة إليه - تعالى - إما على معنى أن ذلك كان بقدرته - تعالى-
وصنعه ولا كسب لأحد فيه، وإما على معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء
كان الكاتب لها موسى أوملك من ملائكته - عز وجل -.

- ١٨٣ -
قال صاحب المنار: قال بعض المفسرين: إن الألواح كانت مشتملة على
التوراة، وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة. والراجح أنها كانت أول
ما أويته من وحى التشريع فكافت أصل التوراة الإجمالى، وكانت سائر
الأحكام من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل بخاطبه بها
الله - تعالى - فى أوقات الحاجة اليها (١))).
و قوله « موعظة و تفصيلا لكل شىء، بدل من قوله، من كل شىء)»
باعتبار محله وهو النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة . أى : كتبنا
له فيها كل شىء من المواعظ وتفصيل الأحكام .
والضمير فى قوله - تعالى - فخذها بقوة)) يعود إلى الألواح . والفاء
عاطفة محذوف على كتبنا ، والمحذوف هو لفظ قلنا وقوله ((بقوة، حال من
فاعل خذما أى: كتبنا له فى الألواح من كل شىء ،وقلنا له خذها بقوة أى بحد
وحزم، وصبر وجلد، لأنه - عليه السلام - قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد
وهم فى الذل والاستعماد، فإذا لم يكن المتولى لإرشادهم وإلى مافيه هدايتهم ذا
قوة وصبر ويقين ، فإنه قد يعجز عن تربيتهم . ويفشل فى تنفيذ أمر الله فيهم.
قال الجمل: وقوله - تعالى -، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، أى التوراة
ومعنى بأحسنها بحسنها إذكل ما فيها حن، أو أمروا فيها بالخير ونهوا
عن الشر، وفعل الخير أحسن من ترك الشر، وذلك لأن الكلمه المحتملة
المعنيين أو لمعان تحمل على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب.
أو أن فيها حسناً وأحسن كالقود والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور
به والمباح فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر وابا (٢).
(١) تفسير المنار ج ٩ ص ١٩٠
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٩٠

- ١٨٤ -
وقوله - تعالى - «سأوريكم دار الفاسقين، توكيد لأمر القوم بالأخذ
بالأ حسن وبعث عليه على نهج الوعيد ، التهديد .
أى: ساريكم عاقبة من خالف أمرى، وخرج عن طاعتى ، كيف بصير
إلى الهلاك والدمار ، فتلك سنتى التى لا تتغير ولا تتبدل.
قال إبن كثير: وإنما قال ((سأوريكم دار الفاسقين، كما يقول القائ لمن
يخاطبه: سأريك غداً ما يصير اليه حال من خالفنى على وجه التهديد والوعيد
لمن عصاه وخالف أمره (١).
وقيل المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه وهى مصر، كيف أقفرت
منهم ودمروا لفسقهم لتعبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فيصيبكم ما أصابهم.
وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم
وقيل المراد بها أرض الشام التى كان يسكنها الجبارون . فإنهم لم يدخلوها
إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد يوشع بن نون.
والذى نراه أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة تحكى سنة من
سنن اقه فى خلقه ، وهذه السنة تتمثل فى أن كلدار نفسق عن أمرربها تكون
عاقبتها الذل والدمار، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد بدار الفاسقين .
فالآية الكريمة قد إشتملت على جانب من مظاهر نعم الله على نبيه موسى
- عليه السلام - كما إشتملت على الأمر الصريح منه - سبحانه - له بأن
يحيى نفسه لحمل تكاليف الرسالة بعزم وصبر، وأن يأمر قومه بأن ياخذوا
بأكملها وأعلاها بدون ترخيص أو تحايل، لأنهم قوم كانت طبيعتهم رخوة
وعزيمتهم ضعيفة، ونفوسهم منحرفة. كما إشتملت على التحذير الشديد لكل
من يخرج عن طاعة الله و ينتهك حرمانه .
ثم بين - سبحانه - عاقبة من يتكبرون فى الأرض بغير الحق فقال - تعالى _:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٤٦

- ١٨٥ -
((سَأَصْرِفُ عِنْ آيَاتِ الْذِينَ يَتَكْبَّرُونَ فى الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،
وَإِنْ يَرَوْا كلَّ آيةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بها. وإنْ يَرَوْا سبيلَ الرُّفْدِ
٥
لاَ يَتَّخِذُوهُ سِيلاً، وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الفَىِّ ◌َتَّخِذُوهُ سبيلاً، ذَلِكَ
كذَّبُوا بآياتناَ وكانوا عَنْهاَ غَفِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذْبُوا
بانهم
بآياتناَ ولِقَءَ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَونَ إلاَّ ما كانوا
يْتَلُونَ (١٤٧)» .
قوله - تعالى - «سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض
بغير الحق، استئناف مسوق لبيان أن أعداء دعاة الحق م المستكبرون، لأن
من شأن التكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على وجوه الخير .
ومعنى صرف هؤلاء المتكبرين عن الانتفاع بآيات الله وحججه، منعهم
عن ذلك بالطبع على قلوبهم لسوء استعدادهم لا يتفكرون ولا يتدبرون
ولا يعتبرون.
أى: سأطبع على قلوب هؤلاء الذين يعدون أنفسهم كبراء، ويرون
أنفسهم أنهم أعلى شأناً من غيرهم ، مع أنهم أجهل الناس عقلا ،
وأتعسهم حالا .
وقوله (( بغير الحق)) صلة للتكبر على معنى بتكبرون ويتطالون بما ليس
بحق وهو دينهم الباطل ، وسفهم المفرط ، أو متعلق بمحذوف هو حال من
فاعله ، أى يتكبرون ملتبسين بغير الحق .
ثم بين - سبحانه - ماهم عليه من عناد وجحود فقال: ((وإن يروا
كل آيه لا يؤمنوا بها)) أى: وإن يروا كل آية من الآيات التى تهدى إلى
الحق. وترشد إلى الخير لا يؤمنوا بها لفساد قلوبهم، وحسدهم لغيرهم على

- ١٨٦ --
ما آتاه الله من فضله، وتكبرهم على الناس. والجملة الكريمة معطوفة على جملة
(((يتكبرون فى الأرض بغير الحق) داخلة معها فى حكم الصلة.
والمقصود بالآية إما المنزلة فيكون المراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس
بها عن طريق السماع. وإماماً يعمها وغيرها من المعجزات، فيكون المراد
برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع الإبصار.
((وأن يروا سبيل الرشد)) أى: الصلاح والاستقامة والسداد (( لا يتخذوم
سبيلا)، أى : لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه لمخالفته لأهوائهم وشهواتهم
((وإن يروا سبيل الغى)، أى: طريق الضلال عن الحق ((يتخذوه سبيلا))
أى : طريقاً بميلون إليه، ويسيرون فيه بدون تفكر أو تدبر. وهذا شأن
من مرد على الضلال، وانغمس فى الشرور والآثام . إنه لالفه المذكرات
صار الحسن عنده قبيحا والقبيح حسنا، وصدق الله إذ يقول: « أفمن زين له
سوء عمله فرآه حسنا ،.
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان الأسباب التى أدت بهم إلى هذا الضلال
العجيب فقال - تعالى: ((ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين، أى:
ذلك المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشىء من الدلائل الدالة على الحق
وإعراضهم عن سبيل الهدى . وإقبالهم التام على طريق الغواية، كائن بسبب
إنهم كذبوا بآياتنا الدالة على بطلان ماهم عليه من أباطيل، وبسبب أنهم كانوا
عن هذه الآيات غافلين لامين لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بما اشتملت
عليه من عظات :
فالله - تعالى - لم يخلقهم مطبوعين على شىء ما ذكر طبعاً، ولم يجيرم
ويكرههم عليه إكراهاً ، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته
الدال على الحق .
واسم الإشارة (( ذلك، مبتدأ، وخبزه الجار والمجرور بعده، أى : ذلك
الصرف بسبب تکنیهم .

- ١٨٧ -
ثم قال - تعالى - ((والذين كديوا بآ بائنا ولقاء الآخرة حبات أعمالهم،
أى: بطلت وفسدت وصارت هباء منثورا، بسبب تكذييهم لآيات الله ،
وإنكارهم للآخرة ومافيها من ثواب وعقاب .
والاستفهام فى قوله « هل يجزون إلا ما كانوا يعملون، للنفى: أى:
لا يجزون يوم القيامة إلا الجزاء الذى يستحقونه بسبب أعمالهم فى الدنيا.
فربك - سبحانه - لا يظلم أحدا .
وقوله(( والذين كذبوا، فى خبره وجهان: أحدهما أنه الجملة من قوله :
((حبطت أعمالهم)، وهل يجزون خبر ثان أو مستأنف. والثاني: أن الخبر
هل يجزون)) والجملة من قوله, حبطت أعمالهم، فى محل نصب على الحال
وقد مضمرة عند من يشترط ذلك ، وصاحب الحال فاعل كذبوا .
وقوله , ولقاء الآخرة، فيه وجهان: أحدهما أنه من باب إضافة المصدر
لمفعوله والفاعل محذوف والتقدير: ولقائهم الآخرة . والثانى: أنه من باب
إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله فى الآخرة(١))).
ثم قصت السورة علينا رذيلة من رذائل بنى إسرائيل المتعددة ، وذلك.
أنهم بعد أن تركهم موسى - عليه - وذهب لمناجاة ربه مستخلفا عليهم أخاه
هارون، انتهزوا لين جانب هارون معهم، فعبدوا عجلا جسداً له خوار صفعه.
لهم السامرى من الحلى التى استعارها نساؤهم من نساء قبط مصر.
وحاول هارون - عليه السلام - أن يصدهم عن ذلك بشتى السبل،
ولكنهم أعرضوا عنه قائلين, لن نبر حعليه عا کفین حتى يرجع إليناموسى»،
وأعلم الله - تعالى - موسى بما حدث من قومه فى غبيته فعاد إليهم مغضبا.
حزينا، فوبخهم على كفرم وجهالاتهم، وعاقب بشدة أخاه هارون التركم
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٠١٦١

- ١٨٩ -
إياهم يعبدون العجل ولكن هارون اعتذر له، وأقنعه بأنه لم يقصر فى نصيحتهم
ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين .
وعلى مشهد من بنى إسرائيل أحرق موسى العجل ، وقال السامرى رأس
الفتنة ومديرها , وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننفته
فى اليم نسفاً: إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علماً، وبذلك
أثبت موسى - عليه السلام - لقومه أن المستحق للعبادة إنما هو اله
رب العالمين .
واستمع معى إلى هذه الآيات التى قصت علينا ماحدث منهم بأسلوبها
البليغ فقالت :
((وَالْخَذَ قَوْمَ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيْهِمِ عجلاً جَسَداً لهُ
خوَّارٌ، أَلَمَّ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلَّهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا
ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمًّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمِ وَرَأَوْا أَنْهُمْ قَدْ ضَلُوا ، قَالوا
◌َنْ لمَّ يَرْعْنَا رَبَّ وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَا
رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِثْسَمَا خَفْتُمُوْنِى مِنْ بَعْدِى
أَمَبِّلْتُمْ أَمْرِ رَبْكُم وَأَلْقَى الْلوَاحَ وأَخَّذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ
قَالَ ابْنَ أُمَّ إِذَّ القَوْمِ اسْتَضْعَفُوْنِى وَكَادُوا يَقْتُلُونِى فَلا تَشِْتْ بِىّ
الْأَعْدَاء ولا تَجْعَلْنِ مَعَ القَوْمِ الْظَالِمِنَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلْأُخِى
وَأَدْخِلْنَا فِى رََّتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
المِجْلَ سَيَنَهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِم وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَاَ وَكَذَلِكَ تَجْزِى
المُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ ثَبُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا
إِنّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِمَا لَغَفُورٌ رَحِيم (١٥٣)».

- ١٨٩ -
قوله تعالى : ( و اتخذ قوم موسى من بعده من حلیهم مجلا جسدا له خوار
بيان لما صفعه بنو إسرائيل بعد فراق موسى - عليه السلام - لهم، وذها به
لتلقى التوراة عن ربه . مستخلفا عليهم أخاه هارون .
والحلى(١) - بضم الحاء والتشديد - جمع حلى - بفتح فكون -
كثدى وندى - وهى اسم لما يتزين به من الذهب والفضة ، وهذه احلى كان
نساء بنى إسرائيل - قبيل خروجهن من مصر - قد استعرنها من نساء
المصريين ، فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه، بقيت تلك الحلى فى
أيديهن، فجمعها السامرى بحجة أنها لا تحل هن، وصاغ منها عجلا جدا له
خوار، وأوهمهم بأن هذا إلههم وإله موسى فعبدوه من دون الله.
قال الحافظ ابن كثير : ( وقد اختلف المفسرون فى هذا العجل هل صار
لحما ودما له خوار، أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء
فيصوت كالبقر على قولين والله أعلم (٢).
والمعنى: واتخذ قوم موسى من بعد فراقه لهم لأخذ التوراة عن ربه عجلا
جسدا له صوت البقر ليكون عبودا لهم.
وقوله (( عجلا)) مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل. وقيل إن اتخذ متعد إلى
اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثانى محذوف أى : إلها .
و((جسدا)، بدل من (( عجلا)) أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسدا.
قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت لم قيل واتخذ قوم موسى من بعده.
من حليهم عجلا والمتخذ هو السامرى؟ قلت فيه وجهان: أحدهما : أن ينسب
الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد بين ظهر انيهم، كما يقال بنو تميم
(١) قال الفرطى : (من حليهم) هذهقراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقر أهل
الكوفة إلا عاصمها (من حليهم) بكسر الحاء، وقرأ يعقوب (من حليهم) بكسر
الحاء وقرأ يعقوب حليهم ( بفتح الحاء والتخفيف). اهـ حـ ٧ ص: ٠٢٨
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٤٧

- ١٩٠ -
قالوا كذا ، وفعلوا كذا والقسائل والفاعل واصد. ولأنهم كانوا مريدين
لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه . والثاني: أن يراد واتخذوه إلها
وعبدوه. فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن الحلى لهم إنما كانت عارية فى
أيديهم ؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسه وكونها عوارى فى أيديهم
كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كماملكوا غيرها من أملاكهم
ألا ترى إلى قوله تعالى: ( فأخر جناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام
كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل(١) أهـ.
وقوله تعالى: ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) تقريع لهم على
جه الاتهم . وبيان لفظداد عقولهم، والمعنى : أبلغ عمى البصيرة بهؤلاء القوم،
أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجلى، أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر،
من الكلام والارشاد إلى أى طريق من طرق الافادة، و لهم ذلك منصفات
ربهم الذى له العبادة، لأن من صفاته -- تعالى - أنه يكلم أنبياءه ورسله ،
ويرشد خلقه إلى طريق الخير ، وينهاهم عن طرق الشر !!
ثم أكد - سبحانه ــ ذمهم بقوله ( اتخذوه وكانوا ظالمين) أى :
اتخذوا العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأى كلام ، ولا ير عدم
إلى أى طريق ، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانواظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير
الله، وبوضعهم الأمور فى غير مواضعها .
وفى التعبير عن ظلمهم بلفظ (كانوا) المفيد للدوام والاستمرار، إشعار
بأن هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل هذا الاتخاذ وأن ماصدر عنهم ليس بدعامنهم
ولا أول منا كيرهم ، فقد سبق لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أنوا على قوم
يعكفون على أصنام لهم ( يا موسى اجعل لنا إلها كمالهم آلهة، قال إنكم
قوم تجهلون) !.
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٥٩

١٠١٠ -
ثم بين - سبحانه - ما كان منهم بعد أن رأوا ضلالهم فقال تعالى:
(( وناسقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لمن لم يرحمنا ربنا ويغفر
لنا لنكونن من الخاسرين، أى وحين اشتد ندمهم على عبادة العجل، وتبينوا
ضلالهم واضحا كأنهم أبصروه بعيونهم قالوا متحسرين ,لئن لم يرحمنا ربنا
ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، أى لنكونن من الهالكين الذين حبطت
أعمالهم .
وكان هذا الندم بعد رجوع موسى إليهم من الميقات وقد أعطاه
الله التوراة، بدليل أنه لما نصحهم هارون بترك عبادة العجل قالوا , ان
فبرح عليه عاكفين حتى يجمع إلينا موسى، وبدليل أن موسى - عليه
السلام - لما رجع أنكر عليهم ماهم عليه وهذا دليل على أنهم كانوا
مستمرين على عبادته إلى أن رجع موسى إليهم وبصرم بما هم عليه من
ضلال مبين .
ولذلك قال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى (( ولما سقط فى أيديهم))
(ولما قدم الذين عبدوا العجل الذى وصف - جل ثناؤه - صفته، عند
رجوع موسى إليهم، واستسلموا لموسى وحكمه فيهم ، وكذلك تقول العرب
لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شىء: قد سقط فى يديه
وأسقط . لفتان فصيحتان، وأصله من الاستثمار، وذلك يضرب الرجل
الرجل أو يصرعه، فيرمى به من بين يديه إلى الأرض ليأسره، فالمرمى به
مسقوط فى يدى الساقط به ، فقيل لكل عاجز عن شىء ومتندم على ما فاته:
سقط فى يديه وأسقط )(!).
وعبر - سبحانه - عن شدة ندمهم بقوله تعالى: ( ولما سقط فى أيديهم،
لأن من شأن من اشتد ندمة وحسرته أن بعض يده عما فتصير يده مسقوطا
(١) تفسير ابن حرير حـ ٩ ص ٠٦٢

٤٠
- ١٩٢ -
فيها، لأن فاه قد وقع فيها . وكأن أصل الكلام ولما سقطت أفواههم فى أيديهم،
أی ندهوا أشد الندم .
قال صاحب تاج العروس: وفى ( العباب ) مذا نظم ان يسمع به قبل
القرآن ولا عرفة العرب (والأصل فيه نزول الشىء من أعلى إلى أسفل)،
ووقوعه على الأرض ، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام (سقط ) لأنهم.
شبهوه بما لا يحتاج إليه، وذكر اليد لأن الندم يحدث فى القلب. وأثره يظهر
فى اليد ، كقوله تعالى: ( فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، ولأن اليد هى
الجارحة العظمى ، فربما يسند إليها ما لم تباشره كقوله تعالى. ,ذلك بما قدمت
يداك ،(١) اهـ.
وقوله تعالى: ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسقا، بيان الحالة التى
كان عليها موسى - عليه السلام - عند رجوعه من الطور، ومشاهدته للعجل
الذی عبده قو مه ، فهو کا ن غاضبا عایهم لعبادتهم غير الله - تعالى - وحزينا
لفتنتهم بعبادتهم مجلا جدا له خوار .
قال الإمام الرازى : فى الأسف قولان: الأول : أن الأسف الشديد
الغضب ، وهو قول أبى الدرداء وعطاء عن ابن عباس، واحتجوا له بقوله
تعالى: (فلما آسفونا أنتقمنا منهم، أى: أغضبونا: والثاني: أن الأسف هو
الحزين، وهو قول الحسن والسدى وغيرهما، واحتجوا له بحديث عائشة أنها.
قالت: ((إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين)).
قال الواحدى : والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن، والحزن من.
الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو
فوقك حزفت، فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا .... (٢).
(١) تفسير القاسمى - ٧ ص ٢٨٥٩،
(٢) تفسير الرازى < ٤ ص ٢٠٢.

- ١٩٣-
وقوله ((عضبان أسفاً) منصوبان على الحال من موسى عند من يجيز تعدد
الحال . وعند من لا يجيزه يجعل أسفا حالا من الضمير المستكن فى غضبان
فتكون حالا متداخلة .
وقول موسى لقومه: (بشما خلفتمونى من بعدى) ذم منه لهم، والمعنى:
بئس خلافة خلفتمونيها من بعد ذهابى عنكم إلى مناجاة ربى ، وبئس الفعل
فعلكم بعد فراقى إياكم. حيث عبدتم العجل ، وأشربت قلوبكم محبته ، ولم
تعيروا التفاقا لما عهدت به اليكم ، من توحيد الله، وإخلاص العبادة والسير
على سنتى وشريعتى .
قال الجمل: و((بس)) فعل ماض لإنشاء الذم، وفعمله مستتر تقديرههو
وما تمييز بمعنى خلافة، وجملة خلفتموفى صفة لما. والرابط محذوف، والمخصوص
بالذم محذوف، والتقدير بمس خلاف، خلفتمونيها من بعدى خلافتكم (١).
وقوله ( من بعدى ) معناه: من بعد مارأيتم منى توحيد الله ، ونفى
الشر كاء عنه، وإخلاص العبادة له، أو من بعد ما كنت أحمل بنى إسرائيل
على التوحيد واكفهم عما طمحت نحوها ابصارهم من عبادة البقر حين قالوا
(إجعل لنا إلها كما لهم آلهة). ومن حق الخلفاء ان يسيروابسيرة المستخلف
من بعده ولا يخالفوه .
وقوله تعالى ( أعجلتم أمر ربكم) معناه أسبقتم بعبادة العجل ما امركم به
ربكم وهو إنتظارى حافظين لعهدى، وما أوصيتكم به من التوحيد وإخلاص
العبادة لله حتى آتيكم بكتاب الله، فغيرتم وعبدتم العجل قيل : كانوا قد
استبطأوا نزوله من الجبل، فخدعهم السادرى وصفع لهم المجل فعبدود، وجعلوا
يغنون ويرقصون حوله ويقولون: هذا هو الإله الحق الذى نقذنا من الظلم
قال صاحب الكشاف ( يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام . ويضمن
معنى سبق فعدى تعديته فقال: عجلت الأمر. والمعنى: اعجلتم عن أمر ربكم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٩٣
(١٢ - - ور الأعراف)

- ١٩٤ -
وهو إنتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد
قذ بلغ آخره ولم أرجع اليكم، فحدتم أنفسكم بموتى فغيرتم كما غيرت الأمم
بعد أنبيائهم.
وروى أن السامرى قال لهم حين أخرج لهم العجل: هذا إلهكم وإله
موسى ، وأن موسى لن يرجع وانه قد مات .
وروى أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا
ما أحدثوا (١).
ثم بين - سبحانه - أن غضب موسى ترقب عليه أمران يدلان على شدة
الإنفعال: أولها: قوله تعالى: ( وألقى الألواح) أى طرحها من يديه لما
إعتراه من فرط الدهش، وشدة الضجر، حين أشرف على قومه وهم عاكفون
على عبادة العجل، فإلقاؤة الألواح لم يكن إلا غضبا لله، وحمية لدينه، وسخطا
على قومه الذين عبدوا ما يضرب به المثل فى البلادة .
قال الألوسى: (قوله - تعالى -، ((وألقى الألواح، حاصلة أن موسى لما
رأى من قومه مارأى. غضب غضبا شديدا حمية لدينه فمجل فى وضع الألواح
لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيما لفعل قومه
حيث كانت معاينته سببا لذلك وداعيا اليه ، وليس فيه ما يتوهم منه الإهانة
لكتاب الله بوجه من الوجوه. وإنكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون
فيه ولم يكن غرض موسى ولامر بباله ولاغان ترتيبه على ما فعل . وليس هناك
إلا العجلة فى الوضع الناشئة من الغيرة فقه . وقد أنكر بعض العلماء أن يكون
شىء منها قد تكسر ، لأن ظاهر القرآن خلافة. نعم أخرج أحمد وغيره عن ابن
عباس قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - (( يرحم الله موسى، ليس
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥١٠

- ١٩٥ -
المعاين كالخبر أخبره ربه أن قومه فتنوابعده فلم يلق الألواح فلمارآهم وعاينهم
ألقى الألواج فتكسر منها، (١)
وثانيهما: قوله تعالى: ( وأخذ برأس أخيه يجره اليه) أى . أخذ موسى
ج شعر وأس أخيه هارون يجره اليه غضبا منه، لظنه أنه قد قصر فى نصحهم
وزجرهم عن عبادة العجل . ولكن هارون - عليه السلام - أخذ يستجيش
فى نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه الشديد. وليكشف
له عن طبيعة الموقف، وليبرىء ساحته من مغبة التقصير، فقال له : (يابن أم إن
القوم إستضعونى وكادوا يقتلوفى فلا تثدمت بى الأعداء ولا تجعلنى مع القوم
الظالمين . أى: قال هارون لموسى مستعطفا: يا ابن أمى - بهذا النداء الرقيق
وبتلك الوشيجة الرحيمة - لاتعجل بلومى وتعتينى، فإنى ما آليت جهدا فى
الإنكار عليهم، وما قصرت فى نصيحتهم ولكنهم لم يستمعوا إلى،يل قهرنى
وإستضعفونى، وأوشكوا ان يقتلوفى عندما بذات أقصى طاقتى لأخفف
هياجهم وإندفاعهم نحو العجل، فلا تفعل بى ما هو أمنيتهم ومحل شماتهم،
من الاستهانة بى والإساءة إلى، فإن من شأن الآخرة التى بيننا أن تكون
ناصرة معينة حين يكون هناك أعداء ، ولا تجعلنى فى زمرة القوم
الظالمين ، فإنى برىء منهم . ولقد نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين
وهنا إقتنع موسى - عليه السلام - ببراءة هارون من مغبة التقصير
ققال :
(ب إغفر لى ولأخى وأدخلنا فى رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) أى :
قال موسى ليرضى أخاه، وليظهر لأهل الشماتة رضاه عنه بعد أن ثبقت براءته
وب إغفر لى مافرط منى من قول أو فعل فيه غلظة على أخى . واغفرله كذلك
ما عسى أن يكون قد قصر فيه مما أنت أعلم به منى، وادخلنا فى رحمتك التى
وسعت كل شىء فأنت ارحم بعبادك من كل راحم .
(١) تفسير الآلوسى = ٩ ص ٠٦٧

- ١٩٦ -
وبهذا يكون القرآن الكريم قد برا ساحة هارون من التقصير، وأثبت.
انه قد عرض نفسه للأذى فى سبيل ان يصرف عابدى العجل عن عبادته وفى
ذلك تصحيح لما جاء فى التوراة ( الفصل الثانى والثلاثين من سفر الخروج)
من أن هارون - عليه السلام - هو الذى صنع العجل لبنى إسرائيل ليعبدوه
فى غيبة موسى - عليه السلام - .
ثم أصدر القرآن الكريم حكمه الفاصل فى شأن عبدة العجل فقال تعالى:
(إن الذين اتخذوا المجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا
وكذلك نجزى المفترين ).
والمعنى. إن الذين اتخذوا العجل معبودا، واستمروا على ضلالتهم سيحيق
بهم سخط شديد من ربهم، ولا تقبل توبتهم إلا إذا قتلوا انفسهم، وسيصيبهم
كذلك هو ان وصغار فى الحياة الدنيا ، وبمثل هذا الجزاء فجازى المفترين جميعا
فى كل زمان ومكان، لخروجهم عن طاعتنا ، وتجاوزهم لحدودنا، فهو جزاء
متكرر كلما تكررت الجريمة من بنى إسرائيل وغيرهم .
ثم فتح - سبحانه - بابه لكل تائب صادق فى توبته فقال تعالى:
(والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها
لغفور رحيم).
والمعنى: والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعد فعليم لها قوبة صادقة
نصوحا، ورجعوا إلى الله - تعالى - معتذرين نادمين مخلصين الإيمان له،
فإن الله - تعالى - من بعد الكبائر التى أقلعوا عنها لسائر عليهم اعمالهم
السيئة ، وغير فاضحهم بها، رحيم بهم وبكل من كان مثلهم من التائبين.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة - بعد ان دهشت بنى إسرائل بما
يستحقونه من تقريع ووعيد - قد فتحت أمامهم وأمام غيرهم باب التوبة
ليفيؤا إلى نور الحق، وليتركوا ما إنغمسوا فيه من ضلالات وجهالات.

٠-١٩٧ -
ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى بعد أن هدأ غضبه فقال:
((وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ أَخْذَ الْأَلْوَاحَ وفى نُسْخَتها
هُدَى وَرَّحْمَةً لِلَّذِينَ هُمْ لِرَ بِهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)) .
السكوت فى أصل اللغة ترك الكلام، والتعبير القرآنى هنا يشخص
الغضب كأنما هو كائن حى يدفع موسى ويحر كه، ثم تركه بعد ذلك . ففى
الكلام استعارة مكنية حيث شبه الغضب بشخص آمر ناه وأثبت له السكوت على
طريق النخيل .
قال صاحب الكشاف: قوله: (( ولما سكت عن موسى الغضب» هذا
مثل . كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا)، وأاق
الألواح « وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم
يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحهما كل ذى طبع سليم رذوق صحيح إلا لذلك
ولأنه من قبل شعب البلاعة . وإلا ، فما لقراءة معاوية بن قرة ((ولما سكن عن
موسى الغضب ، لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة، وطرفا من تلك
الروعة )) (١) .
والمعنى: وحين سكت غضب موسى بسبب إعتذار أخيه وتوبة قومه أخذ
الألواح التى كان قد ألقاها .
وظاهر الآية يفيد أن الألواح لم تتكسر ، ولم يرفع من التوراة شىء ، وأنه
آخذها بعينها .
وقوله (( وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون، أى: أخذ
موسى الألواح التى سبق له أن ألقاها (وفيما نسخ فى هذه الألواح أى: كتب
هداية عظيمة إلى طريق الحق ، ورحمة واسعة للذين هم لربهم يرهبون. أى :
يخافون أشد الخوف من خالقهم - عز وجل -
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٦٣

- ١٩٨ -
والنسخ : الكتابة، ونسخة هنا بمعنى منسوخة أى. مكتوبة، والمراد
وفى منسوخها ومكتوبها هدى ورحمة.
و((م)) مبتدأ. ويرهبرن خبره، والجملة صلة الموصول، واللام فى
((للذين)) متعلقة بمحذوف صفة لرحمة أى: كائنة لهم. أو هى لام العلة أى.
هدى ورحمة لأجلهم . واللام فى لربهم)) لتقوية عمل الفعل المؤخر كما فى قوله
- تعالى -: ((إن كنتم الرؤيا تعبرون)) أو هى أيضا لأم العلمة والمفعول
محذوف، أى: يرهبون المعاصى لأجل ربهم لا للرياء والتباهى.
ثم تمضى السورة فى حديثها عن بنى إسرائيل فتحكى لنا قصة موسى مع
السبعين الذين إختارهم من قومه فنقول :
((واخْتَرَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقَاتِنَا، فَمَا أَخَذَتْهُمُ
الرَّجْقَةُ قَالَ رَبُّ لو شِئْتَ أَمْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّىَ، أَتُهْلِكْنَا
بما فَعَلَ السُّفَهِ مِنَّا، إِنْ هِىَ إلاَّ فِثْتُكَ تُضِلُّ بها مَنْ نَشَاءِ وَهْدِى
مَنْ تَشَاءٍ، أَنْتَ وَلِيُتَ فَاغْفِرْ لَنَا وَارَْعْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ النَّفِرِينَ (١٥٥)
واكْتُبْ لَنَ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وفى الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إلَيكَ ،
قَالَ هَذَابِى أَصِيبُ بهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَْتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ، فَسَأْ كُبها
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ والذينَ هُمْ بَآيَاتِنَاَ يُؤْمِنُونَ (١٥٦))).
قال الآلوسى: قوله - تعالى - (( واختار موسى قومه سبعين رجلا
لميقاتنا)) تتمة لشرح أحوال بنى إسرائيل وقال البعض: إنه شروع فى بيان
كيفية إستدعاء التوبة وكيفية وقوعها. واختار ـ من الاختيار بمعنى الانتخاب

- ١٩٩ -
والاصطفاء - وهو يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن وقد حذفت
هنا وأوصل الفعل والأصل من قومه، والمفعول الأول سبعين، (١).
أى : اختار موسى سبعين رجلا من قومه الميقات الذى وقته اللّه له،
ودعاهم للذهاب معه .
وهؤلاء السبعون كانوا من خيرتهم أو كانوا خلاصتهم، لأن الجملة الكريمة
جعلتهم بدلا من القوم جميعا فى الاختيار ، وكأن بنى إسرائيل على كثرتهم
لا يوجد من بينهم فضلاء سوى هؤلاء السبعين.
وتختلف روايات المفسرين فى سبب هذا الميقات وزمانه ، فمنهم من يرى
أنه الميقات الكلامی الذی کلم اتمه فيه موسی تکلیما فقد كان معه سبعوزرجلا
من شيوخ بنى إسرائيل ينتظرونه فى مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة ،
فلما تمت مناجاة موسى لربه طلبوا منه أن يخاطبوا الله - تعالى - وأن
يكلموه كما كله موسى، وأن يروه جهرة فأخذتهم الصاعقة، وكان ذلك قبل
أن يخبر الله - تعالى - موسى أن قومه قد عبدوا العجل فى غيبته.
والذى ترجحه وعليه المحققون من المفسرين والسياق القرآنى يؤيده أن
هذا الميقات الذى جاء فى هذه الآية غير الميقات الأول ، وأنه كان بعد عبادة
بنى إسرائيل للعجل فى غيبة موسى ، فقد عرفنا أن الله قد أخبره بذلك عند
ذهابه إليه لتلقى التوراة ، فرجع موسى إليهم مسرعا وربخهم على صنيعهم
وأحرق العجل ، وأمره الله - تعالى - بعد ذلك أن يأتيه مع جماعة من بنى
إسرائيل ليتوبوا إليه من عبادة العجل فاختار «وسى هؤلاء السبعين، وهناك
روايات ترجح ذلك منها ما جاء عن محمد بن إسحاق قال : إن موسى - عليه
السلام - لما رجع إلى قومه فرأى ماهم فيه من عيادة العجل، وقال لأخيه
والسامرى ما قال وحرق العجل وذراه فى اليم ، اختار من بنى إسرائيل سبعين
(١) تفسير الآلوسي - ٩ ص ٧١

- ٢٠٠ -
وجلا الخير فالخير وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه ما صنعتم واسألوه التوبة على
من تركم وراءكم من قومكم، فصوموا وتطهروا وطهر وانيابكم. يخرج بهم إلى
طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون
- فيما ذكر لى - حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه ياموسى:
أطلب لنا تسمع كلام ربنا . فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجيل، وقع عليه
عمودالغمام حتى نغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم : ادنوا.
وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، فى يستطيع أحد
من بنى آدم أن ينظر إليه. ودنا القوم حتى إذا دخلوا فى الغمام وقعوا سجودا
فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، أفعل ولا تفعل، فلما الكشف عن
موسى الغمام أقيل إليهم فقالوا له: « لن نؤمن لك حتى نرى اته جهرة فأخذتكم
الصاعقة ، وهى الصاعقة التى يحصل منها الاضطراب الشديد فماتوا جميعاً فقام
موسى يناشد ربه وبدءوه ويرغب إليه ويقول: «رب أو شئت أهلكتهم من
قبل وإياى ، قد سفهوا، أقهلك من ورائى من بنى إسرائيل) (١).
وهكذا نرى أن هؤلاء السبعين المختارين من بنى إسرائيل قد طلبوا من
فيهم موسى - عليه السلام - مالا يصح لهم أن يطلبوه فأخذتهم الرجفة
بسبب ذلك ، أو بسبب أفهم عندما عبد بنو إسرائيل العجل فى غيبة موسى
لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف.
وقوله: فلما أخذتهم الرجفة قال رب أو شئت أهلكتهم من قبل وإياى ،
أى: فلما أخذت هؤلاء السبعين المختارين الرجفة قال موسی بارب إننى أتمنى
لو كانت سبقت مشيئتك أن تملكهم من قبل خروجهم معى إلى هذا المكان
وأن تهلكنى معهم حتى لا أقع فى حرج شديد مع بنى إسرائيل ، لأنهم
سيقولون لى : قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم .
ويرى بعض المفسرين أن هذه الرجفة التى أخذتهم وصعقو منها أدت إلى
(١) تفسير ابن كثير « ٢ ص ٢٤٩