Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كلَّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
ولاَ تُسْرِقَوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّالْمُسْرِفِينَ (٣١)).
والمعنى: عليكم يابنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم، وأن تتحلوا
بلباس زينتكم كذا صليتم أو طفتم، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام
وأنتم عرايا :
قال القرطبى: « يابنى آدم هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها
من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ؛ فإنه عام فى كل مسجد للصلاة .
لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(١)،.
وقال ابن عباس: ((كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال
بالنهار، والنساء بالليل. يقولون: لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها، فأنزل
أقه - تعالى - ((يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (٢)».
ثم أمرم - سبحانه - أن يتمتعوابالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال:
((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)).
أى : كلوا من المآكل الطيبة ، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا
لا فى زينتكم ولا فى ماكلكم أو مشربكم . لأنه - سبحانه - بكر،
المسرفين .
قال الإمام ابن كثير: ((قال بعض السلف: جمع الله الطب فى
نصف آية فى قوله («وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، ((وقال البخارى: قال
ابن عباس كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: ((سرف
وخيلة»(٣).
(١) تفسير القرطى ج ٧ ص ١٧٩.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٨ ص ١٢٥.
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٢١

- ٤٢ -
وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدى الله فى عبادتهم وهم فى أكمل
زينة، فهذا - مثلا - الإمام الحسن بن على، كان إذا قام إلى الصلاة لبس
أحسن ثيابه فقيل له ؛ يابن بنت رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك ؟ فقال: إن
الله جميل يحب الجمال، فأنا أتجمل لربى، لأنه هو القائل «خذوا زينتكم عند
كل مسجد ،١١).
وقال المكلبى: (( كانت بنو عامر لا يأكلون فى أيام حجهم إلا قوتا ولا
يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم
فأنزل - تعالى - ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)).
فهذه الآية الكريمة تهدى الناس إلى ما يلصح معاشهم ومعادهم، إذ أنها
أباحت للمسلم أن يتمتع بالطيبات التى أخلها الله، ولكن بدون إسراف أو بطر،
ولذا جاء الرد على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وسعه الله فى قوله
- تعالى - بعد ذلك :
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْشَةَ اللهِ الَّي أَخْرَجَ لعبادِهِ وَالْطَيِّبَاتِ مِنْ
الرِّزْقِ، قُلْ هِىَ لَلَّذِينَ آمَنُوا فى الحيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القيامَةِ ،
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لقومٍ يَعْلِمُونَ (٣٢))).
أى: قل يا محمد لأولئك الذين يطوفون بالبيت عرايا، ويمتنعون عن أكل
الطبيبات : من أين أتيتم بهذا الحكم الذى عن طريقه حرمتم على أنفسكم بعض
ما أحله الله لعباده؟ فالاستفهام الإنكار ما هم عليه بأبلغ وجه.
ثم أمر رسوله أن يرد عليهم بأبلغ رد فقال: ((قل هى للذين آمنوا فى
الحياة الدنيا : خالصة يوم القيامة)).
أى: قل أيها الرسول لأمتك: هذه الزينة والطيبات من الرزق ثابت
للذين آمنوا فى الحياة الدنيا ، ويشاركهم فيها المشركون أيضاً، أما فى الآخرة
فهى خالصة للمؤمنين ولا يشاركهم فيها أحد من أشرك مع الله آلهة أخرى.
(١) تفسير الآلومى ج ٨ ص ٠١٠٨

- ٤٣ -
وقوله - تعالى - ((كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)) معناه: مثل
تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما فى تضاعيفها من
توجيهات سامية، وآداب عالية ،
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من المحرمات التى نهى عماده عن
اقترافها فقال تعالى .
((قُلْ إِنََّ حَرَّمَ رَبِّىَ الفَوَاحِشَ ما ظهَرَ وما بَطَنَ، والإِثْمَ وَالْبَغْىَ
بَيْرِ الْحَقِّ، وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مالم يَزِّلْ بِهِ سُلْطَانً، وأنْ تَقُولُوا
عَلَى الله مالاَ تَعْلَمُونَ (٣٣))).
والمعنى: قل يامحمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ما وسعه الله، قل لهم:
إن ما حرمه الله عليكم فى كتبه وعلى ألسنة رسله هو هذه الأنواع
الخمس التى أولها ((الفواحش ما ظهر منها وما بطن))، أى: ما كان قبيحاً
من الأقوال والأفعال سواء أكان فى السر أو العلن ، وثانيها وثالثها ( الإثم
والبغى بغير الحق ) والإثم: هو الشىء القبيح الذى فعله يعتبر معصية، والبغى:
هو الظلم والتطاول على الناس وتجاوز الحد .
قال الإمام ابن كثير: (( وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة
بالفاعل نفسه، والبغى هو التعدى على الناس ، حرم الله هذا وهذا. (١) ..
وقيد البغى بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك . إذ معناه فى اللغة
تجاوز الحد . يقال: بغى الجرح. إذ تجاوز الحد فى فساده.
وقيل قيده بذلك ليخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه، فإنه يسمى بغيا
فى الجملة. لكنه بحق، وهو قول ضعيف لأن دفع البغى لا يسمى بغيا، وإنما يسمى
اقتصافا من الظالم، ولذا قال القرآن ,ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم
دن سبيل)).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١٢٢

- ٤٤ -
وقيل إن القيد هنا لإخراج الأمور التى ليس لهم فيها حقوق ، أو التى
تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمنفعة أو
مصلحة لهم يرجونها يبذلها .
ورابع الأمور التى حرمها الله أخبر عنه القرآن بقوله: ((وأن تشركوا
باقه ما لم ينزل به سلطانا ، .
أى: وحرم عليكم أن تجعلوا قه شركاء فى عبادته بدون حجة أو برهان .
وقوله «ما لم ينزل به سلطانا» بيان الواقع من شركهم، إذ أنهم لا حجة
عندهم على شركهم: لا من العقل ولا من النقل، فالجملة الكريمة قد اشتملت على
التهكم بالمشركين وتوبيخهم على كفرهم .
وخامسها قوله - تعالى - ((وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)، أى:
حرم عليكم أن تقولوا قولا يتعلق بالعبادات أو المحللات أو المحرمات
أو غيرها بدون علم منكم بصحة ما تقولون، وبغير بينة على صدق ما تدعون ،
قال صاحب المنار: ((ومن تأمل هذه الآية حق التأمل ، فإنه يجتنب أن
يحرم على عباد الله شيئاً أو يوجب عليهم شيئا فى دينهم بغير نص صريح عن
الله ورسوله، بل يجتنب - أيضا - أن يقول: هذا مندوب أو مكروه
فى الدين بغير دليل واضح من النصوص ، وما أكثر الغافلين عن هذا
المتجرئين على التشريع ... ،(١).
وبعد أن بين القرآن ما أحله الله وما حرمه. عقب على ذلك بأن بين أن
أجل الناس فى هذه الدنيا محدود، وأنهم إن آجلا أو عاجلا سوف يقفون
أمام ربهم للحساب فقال :
((ولكلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، فَإِذَا جَاء أَجُلُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَامَةً
ولاَ يَسْتَقدِمُونَ (٣٤) ».
(١) تفسير المنار ج ٨ ص ٣٩٩

- ٤٥ -
أى: لكل أمة من الأمم ولكل جيل من الأجيال مدة من العمر محدودة
فى علم الله، فإذا ما انتهت هذه المدة انقطعت حياتهم وفارقوا هذه الدنيا بدون
أى تقديم أو تأخير .
وليس المراد بالساعة هنا ما اصطلح عليه الناس من كونها ستين دقيقة ،
وإنما المراد بها الوقت الذى هو فى غاية القلة .
ثم أورد القرآن بعد ذلك النداء الرابع والأخير لبنى آدم ، وحضهم فيه
على اتباع الرسل ، والسير على الطريق المستقيم فقال :
((يَا بَنِى ادمَ إِمَّا يَأْتِنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكَمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ
آيَاتِى، فَمَنِ اتَّقَى وَأَمْلَحَ فلا خوفٌ عَلَيْهم ولاَ مْ يَخْزَنُونَ (٣٥)
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنّها أُولئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ
فيهاَ خَالِدُونَ (٣٦)،
والمعنى: يابنى آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنكم، يتلون عليكم آياتى
التى أنزاتها عليهم ابدايتكم فآمنوا بهم وعزروهم وانصروهم، فإن من آمن
بهم واتقى مانهاه عنه ربه، وأصلح نفسه وعمله ، فأولئك لاخوف عليهم يوم
القيامة ، ولاهم يحزنون لمفارقتهم الدنيا، أما الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا
عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
فالآيتان الكريمتان تخبران جميع بنى آدم أن رسل الله قد بلغوا الرسالة
وأدوا الأمانة ، فعلى المرسل إليهم أن يطيعوهم حتى يفوزوا برضاء خالقهم.
قال اجمل: (( وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد به واحدا وهو
النبى صلى الله عليه وسلم، لأنه خاتم الأنبياء، وهو مرسل إلى كافة الخلق،
فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، فعلى هذا يكون الخطاب فى قوله«يابنى
آدم، لأهل مكة ومن يلحق بهم . وقيل أراد جميع الرسل. وعلى هذا الخطاب

- ٤٦ -
فى قوله (( يا نى آدم ، عام لكل بنى آدم، وانما قال منكم أى: من جنسكم
ومثلكم من بنى آدم، لأن الرسول اذا كان من جنسهم كان أقطع العذوهم:
وأثبت للحجة عليهم، لأنهم يعرفونه ويغرقون أحواله، فإذا أتاهم بما لا يليق
بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذى أتى به معجزة له ، وحجة على من
خالفه ، (١).
ثم تعرض السورة الكريمة بعد ذلك لمشاهد يوم القيامة فى خمس عشرة
آية فتصور لنا قأسلوبها البليغ المؤثر حال المشركين عند قبض أرواحهم،
وحالهم عندما يقفون أمام الله للحساب يوم الدين، وتحكى لنا ما يجرى بين
رؤساء المشركين ومرء وسيهم من مجادلات وملاعتات ، ثم تعقب على ذلك
ببيان ما أعده الله للمؤمنين من أجر عظيم وثواب جزيل، ثم يختم هذه
المشاهدة بالحديث عما يدور بين أصحاب الجنة واصحاب النار من محاورات
ونداءات. استمع الى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بطريقته التصويرية
المعجزة فيقول .
((فَمَنْ أَظْلَ مِمّنْ افْتَرَى عَلَى الهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بَآيَاتِهِ ؟ أولئِكَ
◌َلُهُمْ نَصِبُهُمْ مِنَ الكِتَبِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَغَوْنَهُمْ قَالُوا
أَيْتَمَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دونِ اللهِ قالوا ضَّلُوا مَنَا، وَشَهِدُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانوا كافِرِينَ (٣٧)».
أى. لا أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله، بأن أجل ماحرمه
أو حرم ما أحله ، اوكذب بآياته المنزلة على أنبياته، والإستفهام فى قوله(فن
أظلم .... للإنكار .
ثم بين - سبحانه - غاقبتهم فقال - , اولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب))
(١) حاشية الجمل على الجلالين -٢ص١٣٧

- ١٧ --
أى . أولئك الذين كذبوا بآيات الله سينالهم نصيبهم ما كتب لهم وقدر من
رزق وأجر، وخير وشر ، والمراد بالكتاب ، كتاب الوحى الذى أنزل على
الرسل، فإنه يتضمن ما أعده الله المؤمنين من ثواب وما أعده للكافرين من
عقاب وقيل المراد به اللوح المحفوظ، أى أولئك ينالهم نصيبهم المكتوب
هم فى كتاب المقادير، وهو : اللوح المحفوظ
ثم صور القرآن حالهم عند قبض أرواحهم فقال .. حتى إذا جاءتهم
وصلنا يتوفونهم، قالوا. أينما كنتم تدعون من دون الله؟ قالوا. ضلوا عنا،
وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين)).
أى . أولئك المفترون ينالهم نصيبهم الذى كتب لهم مدة حياتهم، حتى
إذا ما انتهت آجالهم وجامتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم سألتهم سؤال
توبيخ وتقريع: أن الآلهه التى كنتم تعبدونها فى الدنيا، وتزعمون أنها شفعا ؤكم
عند الله لكى تنقذكم من هذا الموقف العصيب؟ وهنا يجيب المشركون على
الملائكة بقولهم بحسرة وندامة . ((ضلوا عنا، أى: غابوا عنا وصر فالاندرى
مكانم ، ولا نرجو منهم خيرا أو نفعا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
بعبادتهم لغير الله الواحد القهار .
وهنا يصدر عليهم قضاء الله العادل الذى صوره القرآن فى قوله:
((قال ادخُلُوا فى أُمَمٍ قَدْ خَلْتْ مِن قَبْلِكُم مِنَ الْجِنُّ وَالإنْسِ
فِى النَّارِ ، كُلّا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَاَ ادَّارَ كُوا فيها ◌َجِيماً
فالَّتْ أُخْرَامٌ لِأوْلاَمُ رَبَّنَ مُؤْلَاءِ أَضْلُونا، فَآَتِهِمْ عَذَاباً مِفاً مِنَ
النَّارِ، قال: لِكلِّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ (٣٨))).
أى : فال الله - تعالى - لأولئك المكذبين ادخلوا فى ضمن أمم من الجن
والإنس قد سبقتكم فى الكفر ، وشاركتكم فى الضلالة .

- ٤٨ -
ثم بين - سبحانه - بعض أحوالهم فقال (( كلما دخلت أمة لعنت أختها،
أى : كلما دخلت أمة من أمم الكفر النار لمنت أختها فى الدين والملة ، فالأمة
المتبوعة تلعن الأمة التابعة لأنها زادتها ضلالا ، والأمة التابعة تلعن الأمة
المتبوعة لأنها كانت سببا فى عذابها .
ثم قال - تعالى - ((حتى إذا ادار كوا فيها جميعا ... )، أى: حتى إذا
ما إجتمعو جميعا فى النار الرؤساء والأتباع، والأغنياء، والفقراء، قالت
أخراه دخولا أو منزله وهم الأتباع، لأولاهم دخولا أو منزلة وهم الزعماء
والمتبوعين ((ربنا هؤلاء أضلونافآ تهم عذابا ضعفا من النار)).
أى: قال الأتباع: باربنا هؤلاء الرؤساءهم السبب فى ضلالنا وهلا كنا،
فأذقهم ضعفاً من عذاب النار لإضلالهم إياها فضلا عن أنفسهم.
وهنا يأتيهم الجواب الذى يحمل لهم التهكم والسخرية ,فيقول الله لهم:
((قال: لكل ضعف ولكن لا تعلمون)) أى: لكل منكم ومنهم عذاب
مضاعف من النار . أما أنتم فبسبب تقليدكم الأعمى، وأما هم فبسبب إضلالهم
لكم ولغيركم ، ولكنكم يامعشر المقلدين لا تعلمون ذلك لجهلكم وانطماس
بصير تكم .
((وَقَلَتْ أُوْلاَمُ لِأُخْرَامٍ فَمَا كَانَ لَكَم عَلَيْنَ مِنْ فَضْلٍ فَذُونُوا
العَذَابَ بِمَاَ كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)).
أى: قال الزعماء لأتباعهم بعد أن سمعوا رد الله عليهم: إنا وإيا كم
متساوون فى استحقاق العذاب ، وكلنا فيه سواء. لأنا لم يجبركم على الكفر ،
ولكنكم أنتم الذين كفرتم باختياركم، وضللتم بسبب جهلكم، فذوقوا العذاب
المضاعف مثلنا بسبب ما اكتسبتعوه فى الدنيا من قبائح ومتكرات :
فقوله - تعالى - (( بما كنتم تكسبون)) بيان لأسباب الحكم عليهم.

٠٠ ٤٩ -
وأنهم ما وردوا هذا المصير الأليم إلا بسبب ، ما اكتسبوة من آثام:
وما اجترحوه من سيئات .
ثم بين القرآن بعد ذلك لونا آخر من ألوان عذاب المكذبين فقال :
((إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِاَ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَاَ لاَ تُفَتَّحِ لَهُمْ
أَوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّهَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلِ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ،
وَكَذَلِكَ تَجْزِى المُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَتْمَ مِهِاَهٌ وَمِنْ فَوْقِمْ
غَوَامٍ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْظَالِنَ (٤١))).
فهاتان الآيتان تصوران أكمل تصوير استحالة دخول المشركين الجنة
بسب تكنيهم لآيات الله واستكبارهم عنها.
وقد فسر بعض العلماء قوله - تعالى - ((لا تفتح لهم أبواب السماء))
بمعنى، لا نقبل أعمالهم ولا ترفع إلى اللّه كما ترفع أعمال الصالحين. قال ..
تعالى - «إليه يصعد المكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه:
وفسره بعضهم بمعنى أن أرواحهم لا تصعد إلى السماء بعد الموت ، لأنها
قد أغلقت عليهم بسبب شركهم ، ولكنها تفتح لأرواح المؤمنين :
والمراد أن الكافرين عند موتهم وعند حسابهم يوم القيامة يكونون عنى
غضب أنته ولعنته بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من شرك وظلم.
أما قوله - تعالى -. ((ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط))
فمعناه : أن هؤلاء المشركين لاتفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء
ولا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مثل فى الضخامة وهو الجمل الكبير ،
فيما هو مثل فى الضيق وهو نقب الإبرة.
وفى قراءة « حتى يلج الجمل)) - بضم الجيم وتشديد الميم وفتحها -
وهو الحبل الغليظ أى : لا يدخلون الجنة حتى يدخل ذلك الحبل الغليظ الذى
(٤ - سورة الأعراف )

- ٥٠ -
تربط به السفن فى ذلك الثقب الصغير للابرة، وهيهات أن يحصل هذا ،
فكما أنه غير ممكن حصول ذلك فكذلك غير ممكن دخول المشركين الجنة .
قال الجمل فى حاشيته: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط ..
الولوج الدخول بشدة ، ولذلك يقال هو الدخول فى ضيق فهو أخص من
مطلق الدخول . والجمل معروف وهو الذكر من الإبل، وسم الخياط ثقب
الإبرة، وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبرها،
وثقب الابرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه فى ثقب
الابرة الضيق محالا فثبت أن الموقوف على المحال محال. فوجب بهذا الاعتبار
أن دخول الكفار الجنة ميئوس منه قطعا (١))).
وقوله (( وكذلك نجزى المجرمين، معناة: ومثل ذلك الجزاء الرهيب
نجزى جنس المجرمين ، الذين صار الاجران وصفا لازما لهم .
ثم بين - سبحانه - ما أعد لهم فى النار فقال: لهم من جهنم مهاد ومن
فوقهم غواش ، وكذلك نجزى الظالمين، .
جهنم: إسم لدار العذاب . والمهاد: الفراش. والغواشى جمع غاشية، وهى
ما يغشى الشىء أى يغطيه ويستره .
أى : أن هؤلاء المكذبين لهم نارجهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم،
فهى من تحتهم بمنزلة الفراش ، ومن فوقهم بمثابة الغطاء ، ومثل ذلك الجزاء
نجزى كل ظالم ومشرك. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا
بأسلوب مؤثر مصور حال المشركين عندما تقبض أرواحهم ، وحالهم
عندما يقفون أمام الله للحساب ، وحالهم عندما يلعن بعضهم بعضا، وحالهم
والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم، وهى مشاهد تفزع النفوس ، وتحمل
العقلاء على الاستقامة والاهتداء .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ١٤١

- ٠١ -
ثم نرى السورة بعد ذلك تسوق لنا ما أعده الله للمؤمنين بعد أن بينت
فيما سبق عاقبة الكافرين فقال - تعالى - :
(وَأَِّينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتٍ لاَ تُكَلِّبُ نَفْسًا إِلاَّ وَسْتَهَا
أُولَئِكَ أَسْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَاَ خَلِدُونَ (٤٢) وَزَعْنَ مَا فِى صُدُ ورِهِمْ
مِنْ غِلَّ تَجْرِى مِنْ تَتْهِمْ الأنْهَرُ، وَقَالُوا: الْمُنْدُ شْرِ الَّذِى هَدَانَ
لَمْذَا ومَا كُنَّا لَهْتَدِى لَّوْلاَ أَنْ هَدَانَ اللهُ، لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّناً
بالْحَقْ، ونُودُوا أَنْ تِلْكُم الْجَبُِّ أَوْرِعْتُمُوهَا بمَا كُنْتُمْ تَعْتُلُونَ (٤٣) ».
ز
أى : والذين آمنوا باقه وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا
الأعمال الصالحة التى لاعسر فيها ولا مشقة. إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها،
أولئك الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
وجملة - لافكلف نفساً إلا وسعها - معترضة بين المبتدأ الذى هو قوله
« والذين آمنو ... ، وبين الخبر الذى هو قوله، أولئك أصحاب الجنة .. )).
** " قال الجمل: («وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر، لأنه
من جفس هذا الكلام: لأنه - سبحانه - لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن
ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار
على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة
أولا صعوبة (١))).
وقال صاحب الكشاف: ((وجملة (( لانكلف نفساً إلا وسعها، معترضة
بين المبتدأ والخبر، للترغيب فى اكتساب مالا يكتنوه وصف الواصف من
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٠١٤٣

٠ ٥٢ -
النعيم الخالد مع التعظيم بما هو فى الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق
من الإيمان والعمل الصالح(٢١).
ثم بين - سبحانه - ماهم عليه فى الجنة من صفاء نفسى وفقاء قلبى فقال
- تعالى - :« ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهار ، أى:
; قلعنا ما فى قلوبهم من تحاقد وعداوات فى الدنيا، فهم يدخلون الجنة بقلوب
سليمة، زاخرة بالتواد والتعاطف حالة كونهم تجرى من تحتهم الأنهار فيرونا
وم فى غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحیورهم .
(((وقالوا الحمد فقه الذى هدانا لهذا وما كنا لتهتدى لولا أن هدانا أنه)). أى:
قالوا شاكرين لله أفعمه ومننه: الحمد لله الذى هدانا فى الدنيا إلى الإيمان والعمل
الصالح، وأعطانا فى الآخرة هذا النعيم الجزيل ، وما كنا لنهتدى إلى مانحن فيه
من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه . وجواب لولا محذوف لدلالة
ماقبله عليه ، والتقدير: ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا .
وقوله (( لقد جاءت رسل ربنا بالحق، جملة قسمية، أى: والله لقد جاءت.
رسل ربنا فى الدنيا بالحق ، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه فى الآخرة.
((ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)، أى: ونودوا
من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم: تلكم هى الجنة التى كانت
الرسل تعدكم بها فى الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتوه من عمل
صالح .
فالآية الكريمة صريحة فى أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم.
الصالحة .
1
فإن قيل : إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل
وإنما بفضل الله، ومن ذلك ماجاء فى الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ١٠٤.

- ٥٣ -
الله - صلی الله عليه وسلم - قال: لن يدخل أحداً عمله الجنة ، قالوا: ولا.
أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته ..
فاجواب على ذلك أنه لا تنافى فى الحقيقة ، لأن المراد أن العمل لا يوجب
دخول الجنة ، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى.
وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهى ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة،
فإن النعمة الأخروية سلعة غاليه جداً فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصوراً
شاهقة وضياعا واسمة بدرهم واحد .
فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس المساواة بين العمل وفعمة الجنة، بل
لتفضله على المشترى ورحمته به ، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض
أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عندما
قرأ قوله - تعالى -: ((إن أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن
لهم الجنة)): نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رأزقها ثم يمنحنا
عليها الجثة .
" على أنه - سبحانه -- هو المتفضل فى الحقيقة بالثمن والمثمن جميعاً.
لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه.
ويمكن أن يجاب ـ أيضاً ــ بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل
الله والعمل جميعا، فقوله: ((ونودوا أن تلكم الجنة أورئتموها بما كنتم
تعملون)، أى: مع فضل أقه - تعالى -، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا.
وقوله - صلی الله علیه وسلم -« لن يدخل أحدا عمله الجنة .. ، أى مجردا
من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا .
هذه أصح الآراء فى الجمع بين الآية والحديث، وهناك آرا. أخرى لم
تذكرما لضعفها.
وبعد هذه الموازنة بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين، بدأ القرآن

- ٥٤ -
يسوق لنا مشهداً آخر من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين أصحاب الجنة
وأصحاب النار .
استمع إلى سورة الأعراف وهى تحكى لنا هذا المشهد المؤثر بأسلوبها
العجيب فتقول :
((وَنَدَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّ
حَقَّا قَلْ وَجَدْتُمْ مَ وَقَدَ رَبْكُم حَقَّاءَ قَالُوا: نَعَمْ، فَأَذْنَ مُؤَذِّن
بَيْهُمْ أنْ لِعْنَةُ اللّهِ عَلَى الَّطَالِنَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّ ونَ عَنْ سَبِيلِ الهِ
ويُبْتُونَهاَ عِوَجَا، وَمُ بِالْآخِرَةٍ كَافِرُونَ (٤٥) ويَيْنَهَمَاَ حِجَابٌ، وَقَ
الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كَلاَّ بِسِيمَاهُ، ونَادَوْا أَصْحابَ الجُنَّةِ أَنْ
سَّلاَمٌ مَلَيْكُمْ لم يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَْمُونَ (٤٦) وإذَا صُرِقَتْ أَبْصَارُهُ
تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا: رَبْنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِالظَّالِمِنَ (٤٧)
ونَدَى أَصْحَابُ لَمْرَافٍ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُ، قَالُوا: مَا أَغْنَى
قَدْكُ بَدُكُ ومَا كُنْتُمْ تَسْتَكُبِرُوزَّ (٤٨) أَهْوْ لاَءِ الّذِينَ أَقْسَتُمْ
لاَ يَلُهُمْ الله بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الْجَنََّ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُم وَلاَ أَنْتُمْ
تحزَ نُونَ (٤٩) ونَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْتَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْه
مِنَّ الَاءِ أَوْ يِمَا رَزَفَكُم اللهُ، قالوا: إنَّ الَّهَ حَرَّمَهَا عَلَى الكَفِرِينَ (٥٠)
أَّرِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لِهْاً وَلَمِيّاً وغَرَتْهُمُ الْحَيَاةُالدُّنْيَاءِ فَاليَوْمَ تَنْسَامُ
كمّا نَسُوالِقَاءِ يَوْمِهِمْ هُذَا ومَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١))).
والمعنى: أن أصحاب الجنة سوف يسألون أهل النار سؤال تعبير وتوبيخ
يوم القيامة فيقولون لهم قد وجدنا ماوعدناربنا حقا من الثواب ومن الجزاءء

- ٥٥ -
فهل وجدتم أنتم ماوعدكم ربكم حقا من العقاب وسوء المصير؟ قالوا: نعم .
أى: قال أهل النار: نعم وجدنا ما وعد ربنا على ألسنة رسله حقا.
وهذا النداء وإنما يكون بعد استقرار أهل الجنة فى الجنة ، وأهل النار
فى النار .
والظاهر أن هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن الجمع إذا
قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد . فمكل فريق من أهل الجنة ينادى من كان
يعرفه من الكفار فى دار الدنيا .
د
وعبر بالماضى مع أن هذا النداء يكون فى الآخرة لتحقق الوقوع
وتأكده .
وكلمة «حقا)، نصبت فى الموضعين على الحالية، وقيل إنها مفعول ثان
ويكون وجد بمعنى علم .
ثمرابين - سبحانه - ماجرى بعد ذلك فقال: ((فأذن ،مؤذن بينهم، أن لعنه
الله على الظالمين . الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا .. )).
التأذين : رفع الصوت بالإعلام بالشىء. واللمنة: الطرد والإبعادمع
الخزى والإهانة .
والمعنى: بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين . نادى
مناد بين الفريقين بقوله: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم ، واغيرهم، الذين من
صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله ، ويريدون لها أن تكون
معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس ، وهم بالآخرة وما فيها من أواب
وعقاب جاحدون مكذبون .
وفى قوله (( فأذن مؤذن بينهم. فكر المؤذن ؛ لأن معرفته غير مقصودة
بل المقصود الإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيه شىء، فهو من أمور الغيب التى لا تعلم علما صحيحا إلا

- ٥٦ -
بالتوقيف المستند إلى الوحى، وما ورد فى ذلك فهو من الآثار التى لا يعتمد
عليها .
قال بعض العلماء : «وفى هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من
مراحل العذاب، وهى نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم
الخزى والنكال، ويشعرهم بالحسرة والندامة، إذ كذبوا بما يرونه الآن
واقعا فى مقابلة النعيم الذى صار إليه أهل الإيمان، وأحسوا به كذلك واقعط.
وفى هذا نرى صورة من الحديث الذى يمثل الرضا والاطمئنان واللذة
من جانب . ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر. ويصور الحكم
النافذ الذى لامرد له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم
من هو ولا ماصوته ولا كيف يلقى أذانه، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن
فى نفوس سامعه .
وإنه لتصوير قوى بارع، يحرك إليه النفوس ، ويهز المشاعر، ويبين
أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين، إنما هى تسجيل اللعنة عليهم ،
والطرد والحرمان من رحمة الله ، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان المماثلة فى
ظلمهم الذى كونه صدهم عن سبيل الله، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرم
بدار الجزاء،١١).
ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة، محدثنا
فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من
حوار فيقول :
((وبينهما حجاب)) أى: بين أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل بينهما،
ويمنع وصول أحد الفريقين إلى الآخر ،
ويرى بعض العلماء أن هذا الحجاب هو السور الذى ذكره الله في قوله
(١) تفسير القرآن الكريم ص لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود
شلتوت .

- ٠٧ -
- تعالى - فى سورة الحديد . . يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا
انظرونا نقتبس من فوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، فضرب بينهم
بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» .
ثم قال - تعالى - ((وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ، ونادوا
أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)).
الأعراف: جمع عرف، وهو المكان المرتفع من الأرض وغيرها .
ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر الذى يكون فى أعلى الرقبة .
والمعنى : وبين الجنة والنار حاجز يفصل بينهما وعلى أعراف هذا الحاجز
- أى فى أعلاه - رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فيعرفون كلا منهم
بسيماهم وعلاماتهم التى وصفهم الله بها فى كتابه كبياض الوجوه بالنسبة لأهل
الجنة، وسوادها بالنسبة لأهل النار، ونادى أصحاب الأعراف أصحاب
الجنة عند رؤيتهم لهم بقولهم: سلام عليكم ونحية لسكم ( لم يدخلوها وهم
يطمعون ، .
هذا، وللعلماء أقوال فى أصحاب الأعراف أوصلها بعض المفسرين إلى اثنى
عشر قولا من أشهرها قولان :
أولهما: أن أصحاب الأعرافقوم استوت حسناتهم وسيئلتهم، وقدروى
هذا القول عن حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف
والخلف .
وقد استشهد أصحاب هذا القول بما وواه ابن مردويه عن جابر بن عبدالله
قال: ((سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- عمن استوت حسناتهم
وسيئاتهم فقال: (( أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وم مطمعون)).
وعن الشعبى عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : هم قوم
استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم

- ٢٨ -
حسناتهم عن النار. قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضى الله فيهم(١)،.
وهناك آثار أخرى تقوى هذا الرأى ذكرما الإمام ابن كثير فى
تفسيره(٢) ،.
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن أصحاب الأعراف قوم من أشرف
الخلق وعدولهم كالأنبير والصديقين والشهداء. وينسب هذا القول إلى مجاهد
وإلى أبى مجلز فقد قال مجاهد: « أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء»
وقال أبو مجلز: أصحاب الأعراف هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة
وأهل النار . ومعنى كونهم رجالا ــ فى قول أبى مجلز أى: فى صورتهم.
وقد رجح بعض العلماء الرأى الثانى فقال: ((وليس أصحاب الأعراف
من تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما جاء فى بعض الروايات، لأن مانسب إليهم
من أقوال لا يتفق مع انحطاط منزلتهم عن أهل الجنة ، أنظر قولهم المستكبرين:
((ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، فإن هذا الكلام لا يصدر
إلا من أرباب المعرفة الذين اطمأنوا إلى مكانتهم ... ولذا أرجح أن رجال
الأعراف ثم عدول الأمم والشهداء على الناس ، وفى مقدمتهم الأنبياء
والرسل ، .. (٣)).
والذى نراه: أن هناك حجاباً بين الجنة والنار ، الله أعلم بحقيقته ، وأن
هذا الحجاب لا يمنع وصول الأصوات عن طريق المناداة ، وأن هذا الحجاب
من فوقه رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فينادون كل فريق بما يناسبه،
يحيون أهل الجنة ويقرءون أهل النار، وأن هؤلاء الرجال -- يغلب على
ظننا - أنهم قوم تساوت حسناتهم وسياتهم. لأن هذا القول هو قول جمهور
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢١٦
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢١٦ وما بعدها.
(٣) تفسير القرآن الكريم ٣ .• لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت

- ٥٩ -
العلماء من السلف والخلف، ولأن الآثار تؤيده، ولذا قال ابن كثير («واختلفت.
عبارات المفسرين فى أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى
واحد، وهو أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن
عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله (١)).
وقوله (« لم يدخلوها وهم يطعمون، فيه وجهان: أحدهما أنه فى أصحاب
الأعراف، أى أن أصحاب الأعراف عندما راوا أهل الجنة سلموا عليهم.
حال كونهم :- أى أصحاب الأعراف - لم يدخلوها معهم وهم طامعون فى
دخولها مترقبون له .
وثانيهما: أنه فى أصحاب الجنة: أى: أنهم لميدخلوها بعد، وهم طامعون.
فى دخولها لما ظهر لهم من يسر الحساب . وكريم اللقاء.
ثم قال - تعالى - ((وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا
لا تجعلنا مع القوم الظالمين)).
أى: وإذا ما اتجهت أبصار أصحاب الأعراف إلى جهة أصحاب النار
قالوا مستعيذين بالله من سوء مارأوا من أحوالهم: باربنا لاتجعلنا مع
هؤلاء القوم الظالمين ، ولا تجعلنا وإياهم فى هذا المكان المهين .
قال صاحب المنار: (( وقد أفاد هذا التعبير بالفعل المبنى للمجهول أنهم
يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام،
وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار، فإذا صرفت أبصارهم تلقاءهم من غير
قصد ولا رغبة، بل بصارف بصرفهم إليها قالوا: ربنا لاتجعلنا مع القوم ـ
الظالمين .
ثم قال : والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠١١٦

- ٦٠ -
وسيئاتهم وكانوا موقوفين مجمولا مصيرم ... (١))).
ثم بين - سبحانه - ما يقوله أهل الأعراف لرءوس الكفر فى هذا
الموقف العصيب فقال: «ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم
قالوا: ماأغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون)).
أى: ومادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار كانوا أصحاب وجاهة
وغنى فى الدنيا ، فيقولون لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ما أغنى عنكم جمعكم
وكثرتكم واستكباركم فى الأرض يغبر الحق . فقد صرتم فى الآخرة بسبب
كفركم وعنادكم إلى هذا الوضع المهين .
وقد كرر - سبحانه - ذكرهم مع قرب العهد بهم، فلم يقل («ونادوا، لزيادة
التقرير، وكون هذا النداء خاصاً فى موضوع خاص فكان مستقلا .
وقوله ((يعرفونهم بسيماهم، أى: بعلاماتهم الدالة على سوء حالهم يومئذ
کسواد الوجوه، وظهورالذلة على وجوههم .أو يعرفونهم بصورهم التيكانوا
يعرفونهم بها فى الدنيا .
ثم : يدون توبيخهم وتبكيتهم فيقولون لهم, أهؤلاء الذين أقسمتم لا بنالهم
الله برحمة، أدخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون,.
أى: أن أصحاب الأعراف يشيرون إلى أهل الجنة من الفقراء والذين
كانوا مستضعفين فى الأرض ثم يقولون لرء وس الكفر الذين كانوا يعذبونهم:
أهؤلاء الذين أقسمتم فى الدنيا أن الله - تعالى - لا ينالهم برحمة فى الآخرة لأنه
لم يعطهم فى الدنيا مثل ما أعطاهم من مال وبتين وسلطان .
وهنا ينادى مناد من قبل الله - تعالى - على هؤلاء الفقراء فيقول لهم :
(( أدخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون)).
(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٠٤٢٤