Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
العدل وأن الله - تعالى - لايظلم عباده، ومنها: امتحان الخلق بالإيمان
بذلك فى الدنيا وإقامة الحجة عليهم فى العقبى. ومنها تعريف العباد بما لهم من
خير أو شر وحسنة أو سيئة، ومنها إظهار علامة السعادة والشقاوة ونظيره
أنه - سبحانه - أثبت أعمال العباد فى اللوح المحفوظ وفى محاتف الحفظة
الموكلين ببنى آدم من غير جواز النسيان عليه))(١) .
وقوله - تعالى -:.. فمن ثقلت موازينه، تفصيل للأحكام المترتبة على
الوزن، وثقل الموازين المراد به رجحان الأعمال الحسنة على غيرها، كما أن
خفة الموازين المراد بها رجحان الأعمال القبيحة على ماسواها .
وقوله - تعالى - ((بما كانوا بآياتنا يظلون)) متعلق بخسروا؛ أى:
أن خسراتهم لأنفسهم فى الآخرة كان سببه جحودهم لآيات الله واستهزاءهم
بها فى الدنيا .
ثم حكى القرآن جانباً من مظاهر نعم الله على خلقه فقال - تعالى - :
((وَلَقَدْ مَكَّتَّاكُ فى الأرضِ وجعلنا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ، قَلِيلاً
ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْ نالكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ
اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجّدوا إلاَّ إبليسَ لمْ يَكُن مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)».
مكتاكم: من التمكين بمعنى التمليك أو معناه . جعلنا لكم فيها مكانا
وقراراً وأقدر ناكم على التصرف فيها ومعايش : جمع معيشة وهى مايعاش به
من المطاعم والمشارب وماتكون به الحياة .
والمعنى: ولقد جعلنا لكم ـ يابنى آدم - مكانا وقرار! فى الأرض،
(١) حاشية الجمل على الجملالين ج ٢ ص ٢

- ٢٢ -
وأقدرناكم على التصرف فيها، وأنشأنا لكم فيها أنواعا شتى من المطاعم
والمشارب التى تتعيشون بها عيشة راضية، ولكن كثيراً منكم لم يقابلو
هذه النعم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والكفران . وفضلا عن ذلك فتحز
الذين خلقنا أبا كم آدم من طين غير مصور، ثم صور ناه بعد ذلك.
أو المعنى نحن الذين خلقناكم فى ظهر آدم . ثم صورناكم حين أخذة
عليكم الميثاق ، ثم أمرنا بعدذالك ملائكتنا بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس
فإنه لم يكن من الساجدين .
والسجود: لغة ، التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره ، وخص
فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة.
وللعلماء أقوال فى كيفية السجود الذى أمر الله به الملائكة لآدم وأرجع
هذه الأقوال . أن السجود المأمور به فى الآية بحمل على المعنى المعروف في
اللغة. أى : أن الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهراً من مظاهر
التواضع والخضوع له تحية وتعظيما، وإقراراً له بالفضل دون وضع الجبها
على الأرض الذى هو عبادة، إذ عبادة غير القشرك يتنزه الملائكة عنه،وما
هذا الرأى سار علماء أهل السنة.
وقيل إن السجود كان لقه. وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدور
تحية له . وإلى هذا الرأى اتجه علماء المعتزلة، وقد قالوا ذلك هربا من أن
تكون الآية الكريمة حجة عليهم، إذ أن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائمة
والصالحون من البشر أفضل من الملائكة. واحتجوا بسجود الملائكة لآد
وخالفت المعتزلة فى ذلك، وقالت الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائة
لآدم كان كالقبلة .
والذى تراه أن ماسار عليه أهل السنة أرجح لأن ماذهب إليه المعتر
يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل أدم على الملائكة ، وإظهار فضله علي

- ٢٣ -
لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود: وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم ،
هو لون من الابتلاء والاختبار ، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ماسبق
به العلم واقتضته المشيئة والحكم .
وإبليس : اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشىء عن شدة اليأس
وفعله بلس . والراجح أنه اسم أمجمعى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة
وهو كائن حى ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى
النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون ذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه
يرى الناس ولا يرونه. قال - تعالى - «إنه براكم هو وقبيله من حيث
لاترونهم ،.
والعلماء فى كون إبليس من الملائكة أولا قولان: أحدهما أنه كانمنهم،
لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه
الأمر بالسجود, ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصياً ولما استحق
الخزى والنكال، ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى
منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه .
والثانى: أنه ليس منهم لقوله - تعالى - ((إلا إبليس كان من الجن
ففسق عن أمر ربه ، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق
من نار ، والملائکه خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة .
ففى هاتين الآيتين بيان لنعمتين عظيمتين من نعم الله على عباده: أولاهما:
نعمة التمكين فى الأرض واتخاذهم إياهاوطنامزوداً بضروب شتى ما يحتاجون
إليه فى معايشهم وما به قوام حياتهم وكمالها ، وثانيهما : نعمة خلقهم من أب
واحد ، تجمعهم به رحم واحدة ، وبسببها كانوا خلفاء فى الأرض وفى عمارة
الكون، وفضلوا على كثير من الخلق، فكان الواجب عليهم أن يقابلوهما
بالشكر والإيمان .

- ٢٤ -
ثم حكى القرآن الكريم الأسباب التى حملت إبليس على عدم السجود
لآدم فقال :
(( قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى
مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَّهُ مِنْ طِنٍ (١٢) )).
أى: قال الله - تعالى - لأبليس: ما ألزمك واضطرك إلى أن
لا تسجد لآدم؟ فالمنع مجاز عن الإنجاء والاضطرار. أو ما حملك ودعاك إلى
ألا تسجد ؟ فالمنع بجاز عن الحمل. والاستفهام للتوبيخ والتقريع.
و((لا , فى قوله, ألا تتجد، مزيدة للتنبيه على أن الموبخ عليه ترك
السجود . وتوكيد لمعنى الفعل الذى دخلت عليه وتحقيقه، كأنه قيل: مامنعك
أن تحقق السجودو تلزمه نفسك.
وقد حكى القرآن ما أجاب به إبليس فقال: ((قال أنا خير منه خلقتنى
من نار وخلقته من طين ، أى : قال إبليس أنا خير من آدم، لأنى مخلوق
من عنصر النار الذى هو أشرف من عنصر الطين ، والأشرف لا يليق به
الانقياد لمن هو دونه ،
قال ابن كثير: ((وقول إبليس - لعنه الله ــ ((أنا خير منه .. إلخ
من العذر الذى هو أكبر من الذنب، إذ بين بأنه خير من آدم لأنه خلق
من النار وآدم خلق من الطين ، فنظرا اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى
التشريف العظيم ، وهو أن الله - تعالى - خلق آدم بيده، ونفخ فيهمنروحه،
وقاس قياساً فاسداً فى مقابلة نص، وهو قوله - تعالى -((فقهوالمساجدين))
فئذ من بين الملائكة لترك السجود فأبعده الله عن رحمته، وكان قياسه فاسداً
لأن النار ليست أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والأناة
والتثبت، وهو محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح ، والنار من شأنها

- ٢٥ -
الإحراق والطيش والسرعة ، ولهذا خان إبليس عنصره، ونمع آدم عنصره
بالرجوع والإنابه والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله . وفى صحيح
مسلم عن عائشة قالت :
: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , خلقت الملائکه من نور ،
وخلق إبليس من مارج من نار، وحلق آدم مما وصف لكم.(١).
وقد حكى القرآن ما رد الله به على إبليس بقوله:
((قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَّرَ فيها فَاخرجْ إِنَّكَ
مِنَ الصَّاغِرِين (١٣))).
أى : قال الله - تعالى - لإبليس فاهبط من الجنة بسبب عصيانك لأمرى
وخروجك عن طاعتى .
وقيل إن الضمير فى (( منها ، يعود على المنزلة التى كان فيها قبل أن يطرده
الله من رحمته. أى: فاهبط من رتبة الملكية التى كنت فيها إلى رقبة العناصر
الشريرة .
وقيل: إن الضمير يعود على روضة كانت على مرتفع من الأرض خلق
فيها آدم - عليه السلام - .
وقوله: (( فما يكون لك أن تتكبر فيها، معناه: فما يصح ولا يستقيم ولا
يليق بشأنك أن تتكر فيها، لأنها ليست مكانا للتكوين وإنماهى مكان
للمطيعين الخاشعين المتواضعين .
وقوله («فاخرج، تأكيد للأمر بالهبوط ومتفرع عليه.
وقوله: ((إنك من الصاغرين، تعليل الأمر بالخروج. أى : فاخرج
منها فأنت من أهل الصفار والهو ان على الله وعلى أوليائه لتكبرك وغرورك.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠٣ بتصرف وتلخيص.

- ٢٦ -
ثم حكى القرآن ماطلبه إبليس من الله - تعالى - وما أجاب الله به عليه
(( قَالَ أَنْظِرْ بِى إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنّ الْمنْظَرِين (١٥)
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْنِي الْأَقْعُدَنْ لَهُمْ صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ (١٦) ثُمْ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمَنِمْ وعَنْ تَمَائِمْ ولاَ تَجِدُ
أَكَتَرَمُ شَّاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْهوماً مَّدْخُوراً لَمَنْ
تَبِّكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنْكُمْ أَنْجَمِينَ (١٨))).
أى: قال إبليس لله - تعالى - أخرفى ولا تمتنى إلى يوم بعث آدم.
وذريته من القبور ، وهو وقت النفخة الثانية عند قيام الساعة . وقد أرادبذلك
النجاة من الموت : إذا لاموت بعد البعث . كما أراد بذلك أن يحد فسحة من
الإغواء لبنى آدم .
وقوله: ((أنظرنى، مأخوذ من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير. تقول.
أنظرته بحقى أنظر• إنظارا أى : أصلته.
وقوله: (( قال إنك من المنظرين، معناه: قال الله - تعالى - له: إنك.
من المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم كما جاء ذلك فى قوله - تعالى - , قال
رب فأنظرتى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم.
وهو - على الراجح - وقت النفخة الأولی فیموت كما يموت غيره . وقيل:
المراد به الوقت المعلوم فى علم اله أنه يموت فيه .
قال ابن كثير: أجابه الله - تعالى - إلى ما سأل. لما له. فى ذلك من
الحكمة والإرادة والمديئة التى لا تخالف ولاتمانع ولامعقب لحكمه وهو
سريع الحساب .
ثم حكى القرآن ماتوعد به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال : (قال.
فيما أغويتنى لأفعدن لهم صراطك المستقيم .. ،.

٠ ٢٧ -
الباء للقسم أو السببية أى: فأقسم بإغوائك إياى، أو بسبب إغوائك
إیای، لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع
الطرق للسائرين فيها فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل. ن أصرفهم عن صراطك.
المستقيم ، وأن أقمكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم.
والإغواء : خلق الغى بمعنى الضلال . وأصل الغى الفساد ، ومنه غوى
الفصيل .- كرضى - غوى ، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته ، أو منع
الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل فى الضلال ، يقال: غوى يغوى غياً
وغواية فهو غاو وغوى إذا وضل . وأغواه غيره : أضله .
وقوله « ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.
زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال بنى آدم بشتى الوسائل، أى: آتيهم
من الجهات الأربع التى إعتاد العدو أن يهاجم عدوه منها. والمراد لأسوان لهم
ولأضلنهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا أيأس .
وقيل إن معنى (( ثم لآقيتهم ومن بين أيديهم)) أى: من قبل الآخرة لأنها.
مستقبلة آتية، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدى. ((ومن خلفهم)) أى من
قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الاخرة ولأنها فافية متروكة «وعن أيمانهم
وعن شمائلهم، أى: من جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات.
وأزهدهم فى الحسنات .
وقوله ((ولا تجد أكثرهم شاكرين، أى: مطيعين مستعملين القوام
وجوارحهم وما أنعم الله به عليهم فى طريق الطاعة والتقرب إلى القه .
وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله - تعالى -:
( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين)).
ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة فى التحذير من الشيطان
وكيده، ومن ذلك قوله - تعالى -: «ان الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدوا

- ٢٨ -
إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السمير». وجاء فى الحديث الشريف الذى
رواه الإمام أحمد عن سبرة من الفاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
- يقول -: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام.
فقال: أقسام وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم . ثم
قعد له بطريق الهجرة فقال: أنهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر
كالفرس فى الطول - أى كالفرس المربوطة بالحبل - قال: فعصاه فهاجر.
قال : ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهاد النفس والمال. فتقائل فتقتل
فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال فعصاه فجاهد: فقال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ،
أو قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وان غرق كان حقا على الله أن
يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة)).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عبد الله بن عمر قال
لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يترك هؤلاء الدعوات حين
يصبح وحين يمسى . يقول . اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى ذينى ودنياى
وأهلى ومالى. اللهم أستر عورنى وآمن روعاتي. اللهم احفظنى من بين يدى
ومن خلفى وعن يميني وعن شمالى ومن فوقى، وأعوذ بعظمتك ان اغتال
من تحتى .
ثم حكى القرآن ما توعد الله به الشيطان واتباعه فقال: «قال اخرج منها
مذموما، أى. أخرج من الجنة أو من تلك الروضة مهانا محقرا.
يقال. ذأمه بذامه ذاماً اذا عاقبه وحقره فهو مذموم ،وقوله.(مدحورا))
أى. مطرودا معدا. يقال. دحره دخرا ودحورا طرده وأبعده.
(( لمن تبعك منهم لأسلأن جهنم منكم أجمعين، أى. لمن أضاعك من الجن
والإنس لأملأن جهنم من كفاركم. كقوله - تعالى - ((قال ذاهب فمن
تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء هوفورا)).

- ٢٩ -
واللام فى قوله (لمن) لتوطئة القسم والجواب (لأملاًن جهنم منكم أجمعين).
ثم حكى القرآن ما أمر الله - تعالى - ه آدم فقال. ر.
((وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنََّ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ مِثْتُمَاً
وَلاَ تَقْرَ بَ هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَ مِنَ الَّظَّالِمِنَ (١٩)».
صدر الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به ، وتخصيص الخطاب
بآدم - عليه السلام - الإيذان بأصالته بالتلقى وتعاطى المأمور به.
وقوله ( اسكنى) من السكنى وهو الليث والاقامة والاستقرار ، دون
السكون الذى هو ضد الحركة .
والزوج. يطلق على الرجل والمرأة . والمراد به هنا حواء ، حيث تقول
العرب للمرأة زوج ولا تكاد تقول زوجة .
والجنة . هى كل بستان ذى شجر متكاثف ملتف الأغصان ، يظلل ماتحته.
ويستره من الجن وهو ستر الشىء عن الحواس .
٠٫٠
وجهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب التى أعدها الله
للمؤمنين يوم القيامة، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الاطلاق.
ويرى جمهور علماء المعتزلة ان المراد بها هذا بستان بمكان مرتفع من.
الأرض، خلقه الله لاسكان آدم وزوجته . واختلفوا فى مكانه، فقيل انه
بفلسطين ، وقيل بغيرها .
وقد ساق ابن القيم فی کتابه ((حادى الأرواح، أدلة الفریقین دون ان
يرجح شيئا منها .
والذى تراه ان الأحوط والأسلم . الكف عن تعيينها وعن القطع به،
والية ذهب أبو حنيفة وابو منصور الماتريدى فى التأويلات، إذ ليس لهذه
المسألة تأثير فى امقيدة .

- ٣٠ -
وتوجيه الخطاب اليهما فى قوله (فكلا من حيث شئتما لتعميم القشريف
والايذان بتساويهما فى مباشرة الماًمور به. أى. كلا من مطاعم الجنة وثمارها
أكلا واسعا من أى مكان أردتم .
ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال :-
« ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)».
القرب: الدنو والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهى
على القرب منها القصد منه المبالغة فى النهى عن الأكل، إذ فى النهى عن القرب
من الشىء فهى عن فعله من باب أولى. وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب+
الأكل من الشجرة ظلما، فقال ((فتكونا من الظالمين، وقد ظلما أنفسهما إذ
أكلا منها، فقد ترتب على أكلهما منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان
فيها عيشة راضية.
وقد تكلم العلماء كثيراً عن إسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة ،
وقيل هى السنبلة ، وقيل هى الكرمة ... ألخ الا أن القرآن لم يذكر نوعها على
عادةه فى عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة الى بيانه.
وقد أحسن ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال:« والصواب فى ذلك
ان يقال: ان الله - تعالى - فى آدم وزوجه عن الأكل عن شجرة بعينها
من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا على عندنا بأى شجرة
كانت على التعيين ، لأن الله لم يضع لعبادة دليلا على ذلك فى القرآن ولا من
السنة الصحيحة ، وقد قيل كانت شجرة البر، وقيل شجرة العنب ، وذلك
علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وان جهله جاهل لم يضره جهله به.(١)
ثم بين القرآن بعد ذلك ماوقع فيه آدم من خطأً فمال:
((فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ بَيْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِنْ
سَوْاتِهِما وقالَ ما تَهَاَ كُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٥٢١

- ٣١ -
مَلَكَيْنِ أو تَكُونَاً مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُما إنّى لَكُمَا لَمِن
النَّاسِحِينَ (٢١) فَدَلَهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَا ذَانَ الشَّجَّرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتَهُما
وَطَفَقَاَ يَخْصِفِانٍ عَلَيْهُمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ونادَاهُمَا رَبَّهُمَاَ أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقَلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُ وٌّ مُبِينٌ (٢٣)
قالَاَ رَبََّ ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وإنْ لَمْ تَتْفِرْ لَنا وَتَرْتَعْنَا لِتَكُونَنَّ مِنَ
الْاسِرِينَ (٢٣) قَالَ امْبُطُوا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وَلَكُمْ
فىِ الأرضِ مُسْقَرٌ وَمَتَعٌ إلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فيها تَحْيَوْنَ وفِيَهَا
كَثُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)» .
مے
قوله - تعالى - ((فوسوس لهما الشيطان) أى! ألقى إليهما إبليس
الوسوسة ، والوسوسة فى الأصل الصوت الخفي ، ومنه قيل لصوت احلى.
وسواس . والمراد بها منا: الحديث الخفى الذى يلقيه الشيطان فى قلب الإنسان
ليقارف الذنب .
وقوله («ليدى لهما ماوورى عنهما من سواءتهما، .. وورى)) من
المواراة وهى الستر. والسوءة. فرج الرجل والمرأة، من السوء. وسميت
بذلك ، لأن انكشافها يسوء صاحبها. وقيل الكلام كناية عن إزالة الحرمة
وإسقاط الجاه .
والمعنى: أن إبليس وسوس إلى آدم وحواء بأن يأ كلا من الشجرة المحرمة
لتمكون عاقبة ذلك أن يظهر لهما ما ستر عنوما من عوراتهما، وكانا لايرياتها
من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وفى هذا التعبير تصريح بأن كشف العورة
من أقبح الفواحش التى نهى الله - تعالى - عنها .
وقد حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة، وإنما خدعهما بقوله:

٣٢ -
((مانها كما وبكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملمكين أو تكونا من
الخالدين ».
أى قال لهما: ما نها كماربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية
أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الذين لا؟ وتون ويبقون فى الجنة
ساكين .
وقوله: (( إلا أن تكونا ملكين، استثناء مفرع من المفعول لأجله
بتقدير مضاف أو حذف حرف النفى ليكون علة. أى كراهية أن تكونا
ملكين .
ثم حكى القرآن أن إبليس لم يكتف بالوسوسة أو بالقول المجرد،
وإنما أضاف إلى ذلك القسم المؤكد فقال: « وقاسهما إنى لكما لمن
الناصحين ، أى: أقسم لهما بالقه إنه لهما لمن الناصحين المخلصين الذين يسعون
لما فيه منفعتهما .
قال الألوسى : إنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة، لأن من يبارى أحداً فى
فعل يجد فيه . وقيل المفاعلة على بابها ، والقسم وقع من الجانبين ، لكنه
اختلف متعلقه، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسماله على القبول(١).
ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس فى خداع آدم وحواء فقال: «فدلاهما.
بغرور )). أى: فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية، وأطمعهما فى غير
مطمع بسبب ماغرهما به من القسم .
ودلاهما مأخوذ من التدلية ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى فى البشر بدلوه
ليشرب من مائها، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء، فيكون مدليا فيها بغرور.
والغرور إظهار النصح مع إيطال الغش ، وأصله من غررت فلانا أى أصبت
غر ته وغفلته ونلت منه ما أريد .
(١) تفسير الآلوسي ج ٨ ص ١٠٠

- ٣٣ -
ثم بين القرآن الآثار التى ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال: ((فلما
ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا بخصفان عليهما من ورق الجنة)).
أى: فلما خالفا أمر القه - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التى نهاهما الله عن
الأكل منها ، أخذتهما العقوبةوشؤم المعصية، فتساقط عنهما لباسهما، وظهرت
لهما عوراتهما . وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما
لسترما .
وبخصفان: مأخوذ من الخصف ، وهو خرز طاقات الفعل ونحوه بإلصاق
بعضها ببعض ، وفعله من باب ضرب .
قال بعض العلماء: ((ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد
نهيا عن الأكل منها ظهر هما أنهما قد زلا، وخلما ثوب الطاعة , وبدت منهما
سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا يفعلان
ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، وذلك
بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، وماهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما
سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولو مهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفر امن ذنبهما
بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال
لهما فقط أولها ولذريتهما، أو لها ولإبليس: اهبطوا من الجنة إلى الأرض،
لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته فى الأرض، وعمارة الدنيا بهم
إلى الأجل المسمى . ومنازعة عدوهم لهم فيها، والله بالغ أمره، قـ جعل الله
(-كل شىء قدرا،(١) .
ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره. فقل:
((( وناداهما ربها، بطريق العتاب والتوبيخ, ألم أنهكما عن قلكما الشجرة)).
(١) صفرة البيان لمعانى القرآن ص٢٥٥. لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين
محمد مخلوف .
٣ - سورة الأعراف

- ٣٤ -
أى عن الأكل منها«وأقل لكما إن الشيطان لكا عدو مبين، أى : ظاهر
العداوة لا يفتر عن إبذاتكما وإيقاع الشر بكا .
وهنا التمس آدم وحواء من ربهما الصفح والمغفرة ((قالاربناظلمنا أنفسنا،
أى: أضررناها بالمعصية والمخالفة ((وإن لم تغفر لنا، ما سلف من ذنوبنا
((وترحمنا، بقبول قوبقنا ((لنكونن من الخاسرين)) أى: لنصيرن من الذين
خسروا أنفسهم فى الدنيا والآخرة، .
وقد حكى القرآن مارد الله به على آدم وحواء وإبليس، فقال: قال اهبطوا،
أى من الجنة إلى ما عداها. وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما . وقيل
الخطاب لهما فقط لقوله - سبحانه - فى آية أخرى , قال اهبطا منها جميعا:
والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر.
وجملة (( بعضكم لبعض عدو، فى موضع الحال من فاعل اهبطوا، والمعنى
اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته، وبين [بلس
وشيعته (( ولكم فى الأرض مستقر، {أى موضع استقرار , ومتاع، أى:
تمتع ومعيشة (( إلى حين)) أى: إلى حين انقضاء آجالكم.
، قال فيها ، أى فى الأرض ( نحیون ) تعيشون (( وفيها نمو قون ومنها
تخرجون، أى: يوم القيامة للجزاء، كما فى قوله - تعالى - «منها خلفنا كروفيها
تعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ، .
وبعد أن قص القرآن على بنى آدم قصة خلقهم وتصويرهم وما جرى بين
أبيهم وبين إبليس ، وكيف أن إبليس قد خدع آدم وزوجه خداعا ترتب عليه
إخراجهما من الجنة ... بعد كل ذلك أورد القرآن أربع نداءات لبنى آدم
حضهم فيها على تقوى الله وحذرهم من وسوسة الشيطان وذكرهم بنعمه عليهم،
فقال فى النداء الأول :

- ٣٥ -
(يَا ◌َنِىِ آدمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْسُكُمْ لِبَاسَ يَوَارِى سَوْءَاتِكُمْ
وَرَبشاً، ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ، ذَلِكَ مِنْ آَيَتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ
◌َذَّ كُرُونَ (٢٦) ».
السوءة: العورة . والريش: لباس الزينة: أستعير من ريش الطائر، لأنه
لباسه وزينته. وقال الجوهرى: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس،وهو
اللباس الفاخر .
والمعنى : يابنى آدم تذكروا واعتبروا واشكروا الله على ماحبا كم من
نعم، فإنه - سبحانه - قد ميأ لكم سبيل الحصول على الملبس الذى تسترون به
عوراتكم ، وتنزيتون به فى مناسبات التجمل والتعبد.
والمراد بإنزال ماذكر أنه خلق لبنى آدم مادة هذا اللباس التى تتكون من
القطن والصوف والحرير وما إليها، وألهمهم بما خلق فيهم من غرائز طرق
استنباتها وصناعتها بالغزل والنسج والخياطة .
والتعبير بأنزانا يفيد خصوصية البشر باللباس الذى يستر العورة، وبالرياض
التى يتزينون بها، أى أنزلنا عليكم لباسین: لباسا يوارى -وآفكم، ولباسا
يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح وحبها من طبيعة البشر. قال - تعالى -:
( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه)).
قال الجمل: (( وقوله - تعالى - ((وريشا، يحتمل أن يكون من باب عطف
الصفات . والمعنى: أنه وصف اللباس بوصفين: موارة السوأة، والزينة .
ويحتمل أن يكون من باب عطف الشىء على غيره. أى: أنزلنا عليكم لباسا
موصوفا بالمواراة، ولباسما موصوفاً بالزينة)) (١).
ثم بين - سبحانه - أن هناك لباسا آخر أفضل وأكمل من كل ذلك
(١) حاشية الجمل على الحلالين جـ ٢ ص ٠١٣٢

- ٣٦ -
فقال: (( ولباس التقوى ذلك خير، أى: أن اللباس الذى يصون النفس من
الدفايا والأرجاس ، ويسترما بالإيمان والعمل الصالح هو خير من كل لباس.
حتى يتزين به البشر. فاسم الإشارة هنا يعود على لباس التقوى. وقد عبر
القرآن هنا عن التقوى بأنها لباس ، وعبر عنها فى موضع آخر بأنها زاد،
مشاكلة للسياق الذى وردت فيه هنا أو هناك، وذلك من باب تجسيم المعنويات
وتنسيقها مع الجو العام الذى وردت فيه، وتلك طريقة أنفرد بها القرآن
الكريم.
قال صاحب الكشاف: وقوله: (( ولباس التقوى)) مبتدأ، وخبره إما
الجملة التى هى «ذلك خير، كأنه قيل: ولباس التقوى هى خير؛ لأن أسماء
الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر . وإما المفرد الذى هو
خير، وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير)،(١).
وقوله - تعالى - ((ذلك من ٦ يات الله لعلهم يذكرون، معناه: ذلك
الذى أنزله الله على بنى آدم من النعم من دلائل قدرته وإحسانه عليهم ، لعلهم.
بعد ذلك لا يعودون إلى النسيان الذى أوقع أبويهم فى المعصية .
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب
ذكر ظهور العورات وخصف الورق عليها، إظهارا للبنة فيما خلق من اللباس،
ولما فى العرى وكشف العورة من المهافة والفضيحة، وإشعاراً بأن القستر
باب عظيم من أبواب التقوى (٢).
ثم أتبع القرآن النداء الأول بنداء آخر مبالغة فى وعظ بنى آدم وتذكيرم.
بفضل الله عليهم ، فقال - تعالى -:
(يَأَِ آدمَ لاَ يْتِنَشْكُمُ الشَّيْطَانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَبْكُم مِّنّ
الَّةِ يَنْزِعُ مَنْهَا لِكَسَُّّمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِما، إنّهُ يَرَالثُ هُوَ
(٢،١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٩٧ :

- ٢٧ -
وَفَيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ، إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِنَّ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُون (٢٧) )).
والمعنى: يابنى آدم لا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، بأن تمكنوه من
أن يوقعكم فى المعاصى كما أوقع أبو بكم من قبل فيها ، فكان ذلك سبباً فى
خروجهما من الجنة التى كانا يتمتعان بنعيمها.
وقوله: (« ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءانهما)) جملة حالية من أبويكم.
أى أخرجهما من الجنة حال كونه فازعاً عنهما لباسهما. وأسند النزع إلى
الشيطان لأنه كان متسبباً فيه . ثم أكدتحذيرهم من الشيطان بجملة تعليلية فقال:
((إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)) أى: إن الشيطان وجنوده برونكم
يا بنى آدم وأنتم لاتر ونهم ، فالجملة الكريمة تعليل للنهى السابق . وهو قوله:
«لایفتنشکم .. ، وتا کید للتحذير، لأنالعدو إذا أنی من حيث لا يرى كان
أشد وأخوف، ولذا قال مالك بن دينار: «إن عدواً يراك ولا تراه لشديد
المؤنة إلا على من عصمه الله)).
وقوله ((وقبيله، معطوف على الضمير المستتر فى قوله , يراكم، المؤكد
بقوله ((هو).
قال الآلوسى ما ملخصه: والقضية مطلقة لا دائمة ، فلا تدل على ماذهب إليه
الممتزلة من أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس أصلا ولا يتمثلون. ويشهد
لما قلنا ماصح من رؤية النبي - صلى اله عليه وسلم - لأحدهم حين رام أن
يشغله عن الصلاة فامكنه الله منه، وأراد أن يربطه فى سارية من سواوى
المسجد ثم ذكر دعوة سليمان فى قوله: «رب اغفرلى وهب لى ملكا لا ينبغى
لأحد من بعدى، فتركه(١).
(١) تفسير الألوسى ج ٩ ض ٥

- ٢٨ -
ثم بين -- سبحانه - سنته فى خلقه فقال: « إنا جعلنا الشياطين أولياء
الذين لا يؤمنون)). أى: إنا صيرنا الشياطين قر ناء الذين لا يؤمنون، مسلطين
عليهم، متمكنين من إغوائهم ، لأن حكمتنا اقتضت أن يكون الشياء ين الذين
ثم شرار الجن، متجانسين مع الكافرين الذين هم شرار الإنس .
وبذلك فری أن الآ ية الأولى التى ورد فيها النداء الأول قد ذ کر ت بنىادم
بجانب من نعم الله عليهم، ثم جاءت هذه الآية مصدرة بنداء اخر حذر تهم فيه
من وسوسة الشيطان ومداخله حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أبوهم آدم من قبل .
ثم حكى القران بعض القبائح التى كان يفعلها المشركون ، ورد على
أكاذيبهم بما يدحضها فقال :
((وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَلُوا وَجَدْنا عَليْهاَ آباءنا واللهُ أَمَرَناِهَ،
قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مالا تَعْلَمون (٢٨)».
الفاحشة : هى كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك باقه،
والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة .
قال الإمام ابن كثير :« كانت العرب- ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت
الحرام فى ثيابهم التى لبسوها، يتأولون فى ذلك أنهم لا يطوفون فى ثياب عصوا
الله فيها، وكانت قريش - وهم الخمس(١) - يطوفون فى ثيابهم، ومن أعاره
أحمسى ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكا
أحد، ومن لميحد ثوبا جديداً ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا ، وربما
كانت المرأة تطوف عريانة، فتجعل على فرجهاشيئا ليستره بعض الستر، وأكثر
ما كان النساء يطفن عراة ليلا، وكان هذاشيئا قد ابتلاعوه من تلقاء أنفسهم
وأتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من اله فأنكر
(١) سمو بالحمس لأنهم تحمسوافى دينهم أى: تشددوا. والحماسة: الشجاعة.

- ٣٩ -
الله عليهم ذلك وقال: ((وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا واقه
أمرنا بها(١) .....
فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يرتكبون القبائح
التى نهى اللّه عنها كالطواف بالكعبة عرايا، وكالإشراك بالله، ثم بعد ذلك
يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، وبأن الله قد أمرهم بذلك،
ولا شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التى ما أنزل الله بها من سلطان،
ولذا عاجلهم القرآن بالرد المفحم ، فقال: ((قل إن الله لا يأمر بالفحشاء
أتقولون على الله ما لا تعلمون) .
أى: قل ما محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب: إن كلامكم هذا يناقضه
العقل والنقل . أما أن العقل يناقضه ويكذبه . فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم
فى أن ما تفعلونه هو من أقيح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله، وأما
أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحى أن الله أمر هذا،
بل الثابت أن الله لا يأمر به، لأن الفاحشة فى ذاتها تجاوز لحدود الله،
وانتهاك لحرمانه , فهل من المعقول أن يأمر الله بانتهاك حدوده وحرماته؟
والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أتقولون ... ، للإنكار والتوبيخ وفيه
معنى النهى .
ثم بين - سبحانه - ما أمر به من طاعات عقب تكذيبه للمشركين فيما
افتروه فقال :
((قُلْ أَمَرَ رَبِى بالقِسْطِ وَأَقِيعُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَ كُمْ تَعُودُون (٢٩) فَرِيقاً هَدَى
وفَرِقً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلاَةَ، إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِنَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ
اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون (٣٠))).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٠٨ .

- ٤٠ -
أى : قل لهم يا محمد إن الذى أمر اقه به هو العدل فى الأمور كلها ، لأنه
هو الوسط بين الإفراط والتفريط، كما أنه - سبحانه - قد أمركم بأن قتوجهوا
إليه وحده فى كل عبادة من عبادة-كم، وأن تكثروا من التضرع إليه بخالص
الدعاء وصالحه، فإنه منخ العبادة .
ثم ذكرهم - سبحانه - بمبدئهم ونها يتهم فقال: كما بدأكم تعودون فريقاً
هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)) .
أى: أن الذى قدر على ابتدائكم وإنشائكم ولم تكونوا شيئا، يقدر على
إعادتكم ليجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة والطاعة .
قال صاحب المنار: ((وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجر؛ فإنها
دعوى متضمنة الدليل ، بتشبيه الإعادة بالبده فهو يقول: "ابدأ كم ربكم خلفا
وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة حالة كونكم فريقين ، فريقا هدام
فى الدنيا فاهتدوا بإيمانهم به وإقامة وجوههم له وحده فى العبادة ودعائه مخلصين
له الدين، وفريقا حق عليهم الضلالة لإتباعهم إغراء الشيطان، وإعراضهم
عن طاعة الرحمن، وكل فريق يموت على ما عاش عليه ويبعث على مات عليه،
ومعنى حقت عليهم الضلالة، ثبتت بثبوت أسبابها لكسبية، لأنها جعلت
غريزة لهم فكانوا مجبورين عليها ، يدل على هذا تعطيلها على طريق الاستئناف
البيانى بقوله: « إفهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم
مهتدون ) ومعنى اتخاذهم الشياطين أولياء، أنهم أطاءوهم فى كل ما زينونه لهم
من الفواحش والمنكرات، ويحسبون أنهم مهتدون فيما تلقتهم الشياطين إباء
من الشبهات (١)» .
ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه بالتمتع بالحلال،
ويزينه الله التى أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير فقال - تعالى:
(١) تفسير المنار ج ٨ ص ٠١٧٩