Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة الأنعام الأول : ما أعطاه الله لعباده من النعم: يقال: خوله الشىء تخويلا ، ملكه إياه ومسكنه منه. ومنه التخول بمعنى التعهد. والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم، لأنهم لم يقدموا منه شيئاً فى دنياهم ليكون نافعالهم فى أخراهم، بل جمعوه وقر كوه لغيرهم دون أن ينتفعوابه فى معادهم. وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : يقول ابن آدم: مالى! مالى! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وماسوى ذلك فهو ذاهب وتار كه الناس)) (١) وقوله : ((وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، تقريع و توبيخ هم علی شرکهم. أى: ما ترى ما نبصر معكم من زعمتم أنهم يدفعون لكم عند الله من الأصنام والأوثان التى توهمتم أنهم شركاء لله تعالى فى ربوببتكم واستحقاقه عبادتكم. وقوله « لقد تقطع بينكم، أى: لقد نقطع الاتصال الذى كان بينكم فى الدنيا واضمحل. ففاعل ((قطع)) ضمير يعود على الاتصال المدلول عليه بلفظ ((شركاء)، و((بينكم)) منصوب على الظرفية. وقرىء بالرفع أى : لقد تقطع شما كم فإن البين مصدر يستعمل فى الوصل وفى الفراق بالاشتراك ، والأصل لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به أى: تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات. ((وضل عنكم ما كنتم تزعمون)) أى: وغلب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعة الشفعاء، ورجاء الأنداد والأصنام. كما قال - تعالى - ,إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب؛ وقال الذين اتبعوا لو أن لناكرة فتبراً منهم كما تبرؤا منا كذلك بريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وماهم بخارجين من النار)، (٢). (١) أخرجه مسلم فى كتاب الزهد والرقائق . (٢) سورة البقرة الآيتان : ١٩٧،١٦٦. ١٨٢ الجزء السابع وهكذا يسوق القرآن مشهد هؤلاء الظالمين بتلك الصورة التى تهز النفوس، وتحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح. وبعد أن ساق - سبحانه - ألواناً من الدلائل على وحدانيته، وعلى صدق نبيه ( صلى الله عليه وسلم) فيما يبلغه عن ربه، شرع - سبحانه - فى سرد مظاهر قدرته ، وكمال علمه وحكمته عن طريق التأمل فى هذا الكون العجيب، وفى بدائع مخلوقاته فقال - تعالى - : إِنَّ اللهَ قَالِقُ الخَبِّ وَالتَّوَىِّ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْغَيْتِ مِنَ الْحَيّ ذَلِكُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ٩٥ ج قَالِقُ آلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ. لِتَبْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلْمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصِّلْنَا الْآَيْتِ لِقَوْمٍِ 2,١١١٠٠٠٠ يَعْلُونَ ﴾ وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُ مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ أَمُسْتَقَرْ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصِّلْنَالْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٨﴾ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَةٌ فَأَخْرَجْنَا بِ نَاتَ كُلَّىْءٍ فَأَجْنَا مِنْهُ خَضِرَا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ اْلَّهْلِ مِن ◌َلِهَا قِنَْنٌ دَائَِةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ، وَالَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَّشَئِةٍ أَنْظُرُواْ إلَى عَمَرِ هَِ إِذَآ. أَرَ وَيَنْعِهِةٌ إِنَّ فِى ذَلِكُ لَيْتِ لِّقَوْرٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ١٨٣ سورة الأنعام قوله: ((إن الله فالق الحب والنوى)). فائق: أى شاق، والفلق هو الشق وقيل ، فالق بمعنى خالق وأفكر ابن جرير الطبرى ذلك وقال: لا يعرف في كلام العرب فلق الشىء بمعنى خلق. والحب. ما ليس له نوى كالحنطة والشعير . ١ والنوى : جمع نواة وهو الموجود فى داخل الثمرة، مثل قوى التمر وغيره . والمعنى: إن الله وحده هو الذى يشق الحبة البابسة كالحقطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى ، ويدق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية ، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد وعلى أنه هو المستحق العبادة لا غيره . هذا، وقد أفاض الإمام الرازى وهو يتحدث عن هذه الآية فى بيان بيان قدرة الله فقال ما ملخصه : (( إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة فى الأرض الرطبه ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله - تعالى - فى تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر ، فالأول يخرج منه الشجرة المساعدة إلى الهواء، والثانى يخرج منه الشجرة الهابطة فى الأرض ثم إن هاهنا عجائب . فإحداها - أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضى الهوى فى عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة فى الهواء ؟ وإن كانت تقتضى الصعود فى الهواء فكيف ولدت منها الشجرة الهابطة فى الأرض؟ فذاقولد منها الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى - علمنا أن ذلك ليس بمقتضى للطبع والخاصية ، بل بمقتضى الايجاد والإبداع والتكوين. وثانيهما أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ ١٨٤ الجزء السابع المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوى فيه ، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق فى غاية الدقة واللطافة وبحيث لو دلكها الإنسان .. ياصيحه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ فى تلك الأرض الصلبة ، والغوص فى بواطن تلك الأجرام الكثيفة . فصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التى هى فى غاية اللطافة. لابد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم . ثم قال - رحمه الله - بعد كلام طويل: فانظر أيها المسكين بعين رأسك .. فى تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، وأعرف كيفية خلقة تلك العروق .. والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى مافوقها حتى تعرف أن المقصود. الأخير منها حصول المعرفة والمحبة فى الأرواح البشرية، حينئذ ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله فى حقك غير متناهية كما قال: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وكل ذلك إنما. ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة .... (١). وقوله: ((يخرج الحي من الميت)) أى: يخرج ما ينمو من الحيوان .. والنبات والشجر ما لا ينمو كالنطفة والحية . والجملة الكريمة مستأنفة مبينة لما قبلها ولذلك ترك العطف ، وقيل خبر. فان ولم يعطف لاستقلاله فى الدلالة على عظمة الله - تعالى -. وقوله: ((.ومخرج الميت من الحمى، أى: مخرج الميت كالحب والنوى. من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠٩٧ ١٨٥ سورة الأنعام قال صاحب المنار: فإن قيل إن علماء المواليد يزعمون أن فى كل أصول الأحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينهته قلنا : إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التى يكون بها الحب قا بلا للإنبات حياة، ولكن هذا لا يصح فى اللغة إلا بضرب من التجوز وإنما حقيقة الحياة فى اللغة ما يكون به الجسم متغذياً نامياً بالفعل ، وهذا أدنى. مراقب الحياة عند العرب، ولها مراتب أخرى كالإحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام، وهذا أعلى مراقب الحياة فى المخلوق)، (١). ولقل بعض المفسرين عن ابن عباس أن معنى الجملتين : يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل وعكسه وذلك بحمله الحياة والموت على المعنوى منها كما فى قوله - تعالى - ((أو من كان ميتاً فأحيينا.)). ويبد لنا أن حمل الحياة والموت هنا على المعنى المعنوى لا يناسبه سياق الآيات التى معنا ، لأنها تتحدث عن آثار قدرة الله المحسوسة ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ويتأمل كل ذى عقل فى مظاهر قدرة الله فى كونه يهتدى إلى طريق الحق والصواب . وقوله «ومخرج الميت من الحى، معطوف على ماقبله وهو قوله ((يخرج. الحي من الميت، لأنه إخبار بصد مضمونه وهو وضع آخر جيب دال على كال القدرة. وجىء بجملة ((يخرج الحي من الميت)) فعلية لإرادة تصوير إخراج الحى. من الميت واستحضاره فى ذهن السامع . وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن فى أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضى. ويرى صاحب الكشاف أن قوله: ((ومخرج الميت من الحىء معطوف. على (( فالق، لا على (يخرج)) لأنه بيان لفالق الحب والنوى. (١) تفسير المنار = ٧ ص ٠٦٣١ ١٨٦ الجزء السابع قال - رحمه الله: فإن قلت: كيف قال ((ومخرج الميت من الحى)) يلفظ اسم الفاعل بعد قوله: «. زج الحي من الميت،؟ قلت: عطفه على فالق الحب والغوى لا على الفعل، ويخرج الحى من الميت: موقعه موقع الجملة المبينة لقوله (( فالق الحب والنوى، لأن فالق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحى من الميت، لأن النامى فى حكم الحيوان .ألاترى إلى قوله - تعالى - «ويحي الأرض بعد موتها)) (١). ((ذلكم الله فأنى تؤفكون، الأفك - بفتح الهمزة - مصدر أفكه يأفكة من باب ضرب إذا صرفه عن مكان أو عن عمل ، ويقال أفكت الأرض أفكا: أى صرف عنها المطر . والإشارة بذلكم لزيادة التمييز وللتعريض بغباوة المخاطبين والمشركين لغفلتهم عن هذه الدلالة على أنه هو المستحق للعبادة. والاستفهام فى قوله ((فأنى) للتعجيب والإفكار. وبنى فعل تؤفكون المجهول لعدم تعين صارفهم عن توحيد الله فهو مجموع أشياء: وسوسة الشيطان، وتضليل قادتهم وكبرائهم لهم، وهوى أنفسهم. والمعنى: ذلكم المقصف بما ذكر من مقتضى الحكمة البالغة والقدرة النافذه هو الله خالق كل شىء فكيف تصرفون عن عبادة من يخلق إلى عبادة من لا يخلق وتشركون معه من لا يملك لنفسه نفعا ولاضراً؟ قال الإمام الرازى : والمقصود منه أن الحى والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول العضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية بل لابد أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدير العليم)، (٢). (١) تفسير الكشاف ج ص ٠٤٨ (٢) تفسير الكفاف = ٢ ص ٠٤٨ ١٨٧ سورة الأنعام ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من مظاهر قدرته وحكمته فقال: «فااق الإصباح وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسبانا)). الإصباح: مصدر سمى به الصبح، أى: شاق ظلمة الصبح - وهى الغبش فى آخر الليل الذى يلى الفجر المستطيل الكاذب - عن بياض النهار فيضى. الوجود، ويضمحل الظلام ، ويذهب الليل بسواده، ويجىء النهار بضيائه، وجملة فالق الإصباح، خبر لمبتدأ محذوف أى: هو فالق، أو خبر آخر لأن (( وجعل الليل سكنا، أى وجعل الليل محلا لسكون الخلق فيه، وراحة لهم بعد معاشهم بالنهار وسعيهم للحصول على رزقهم . قال صاحب الكشاف: السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسابه وأسترواحا إليه، من زوج أو حبيب . ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا ترام سموها المؤنسة، واليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه ويجوز أن يراد وجعل الليل مسكونا فيه من قوله: لتسكنوا فيه (١). (( والشمس والقمر حسبأنا، الحسبان فى الأصل مصدر حسب - بفتح الين - كالغفران والشكر ان تقول حسبت المال حسبانا: أى أحصيته عددا. والمعنى: وجعل الشمس والقمر يجربان فى الفلك بحساب مقدر معلوم لا يتغير ولا يضطرب حتى ينتهى إلى أقصى منازلهما بحيث تتم الشمس دورتها فى سنة ويتم القمر دورته فى شهر، وبذلك تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة وغيرها ، قال - تعالى - ((هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب)، (٢). وقوله (( ذلك تقدير العزيز العليم، أى: ذلك الجعل والتسيير البديع الشأن (١) تفسير الكفاف = ٢ ص ٠٤٩ (٢) سورة يونس الآية .. ١٨٨ الجزء السابع تقدير العزيز، أى: الغالب القاهر الذى لا يتعاصاء شىء من الأشياء التى من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص ، العليم بكل شىء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء . قال الإمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ماملخصه . « إعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدر تهوحكمته فالنوع المتقدم - أى قوله ((إن الله فالق ... إلخ - كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور فى هذه الآية مأخوذمن الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم فى كمال القدرة من فاق الحب والنوى بالنبات والشجر ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم فى القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية ... ». وبعد أن ساق - رحمه الله - الأدلة على ذلك قال: والعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والعلم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه: أن تقدير الأفلاك بصفاتها. المخصوصة، وهيآتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة فى البطء والسرعة، لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كامنة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ فى جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، وذلك تصريح بأن حصول. هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار والله أعلم)، (١). ثم ساق - سبحانه - نوعا ثالثا من الدلائل على كمال قدرتهورحمته- وحكمته فقال - تعالى - «وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البحر والبحر ، أى: وهو - سبحانه - وحده الذى أنشألكم هذه الكواكب. النيرة لتهتدوا بها إلى الطرق والمسالك خلال سيركم فى ظلمات الليل بالبر والبحر حيث لا ترون شمسا ولا قمرا. (١) تفسير الفخر الراوى = ٤ ص ٩٩. ١٨٩ سورة الأنعام وجلة ((لهتدوا بها، بدل اشتمال من ضمير( لكم، بإعادة العامل، فكانه قيل : جعل النجوم لاعتدائكم . ((قد فصلنا الآيات لقوم بعلمون)، أى: قد وضحنا وبينا الآيات الدالة على قدرته - تعالى - ورحمته بعباده ، لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعملون بموجب علمهم، ويزدادون إيمانا على إيمانهم. فالجملة الكريمة مستأنفة للتسجيل والتبليغ وقطع معذرة من لم يؤمنوا. والتعريف فى الآيات الاستغراق فيشمل آية خلق النجوم وغيرها. تم ساق - سبحانه - لو فا رابعا من دلائل كمال قدرته ورحمته . فقال - تعالى -: ((وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع)». أى: وهو - سبحانه - الذى أو جدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم - عليه السلام - قال - تعالى - ( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)). وفى هذه الجملة الكريمة تذكير بنعمة أخرى من نعم الله على خلقه ، لأن رجوع الناس إلى أصل واحد أقرب إلى التواد والتراحم والتعاطف ، وفيها - أيضاً - دليل على عظيم قدرته - عز وجل -. والفاء فى قوله - تعالى - ((فمستقر ومستودع، للتفريع عن أنشأكم. أى: أنشأكم من نفس واحدة فلكم موضع الاستقرار فى الأرحام أو فوق الأرض وموضع استبداع فى الأصلاب أو فى القبور. وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس، وقد زكاه الإمام الرازى فقال: وما يدل على قوة هذا الفول أن النطقة الواحدة لا تبقى فى صلب الأب زمانا طويلا فالمستقر أقرب إلى الثبات من المستودع)، (١). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ١٠٤. ١٩٠ الجزء السابع وقيل المستقر حالة الإنسان بعد الموت لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت بلاك السعادة، وكذلك إن كان شقبا، والمستودع حاله قبل الموت لأن الكافر فد ينقلب مؤمنا . وقيل : المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذى لم يخلق بعد وسيخلق . والذى نراه أن الرأى الأول هو الصحيح لأنه رأى جمهور المفسرين، ولأن شواهد القرآن تؤيده كما فى قوله - تعالى - ((ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين، وكما فى قوله - تعالى - ،ونقر فى الأرحام مانشاء إلىه أجل مسمى)). وقرى. ((فمستقر» - بكسر القاف - أى: فمنكم مستقر فى الأرحام. ومنكم مستودع. وقوله ((قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ، أى: قد فصلنا الآيات الدالة على قدرتنا ووضحناها لقوم يفقهون ما يتلى عليهم ويتدبرونه فينتفعون بذلك. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قيل «يعلمون، مع ذكر النجوم و((يفقهون)) مع ذكر إنهاء بنى آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صفعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنته وتدقيق فظره مطابقا له (١). وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشرى بما ملخصه: ((جواب الزمخشرى صناعى ، والتحقيق أنه لا أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلها بفاصلتين متساويتين. (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٠٠١ L. ١٩١ سورة الأنعام فى اللفظ ، لما فى ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحديناً النظم واتساقا فى البلاغة، ويحتمل وجهاً آخر فى تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية فى تدبيره لما أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر فى إنشائهم من نفس واحدة، وتقلباتهم فى أطوار مختلفة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها ، فإذا تمهد ذمك جعل الإنسان بنفسه وبأحواله أبشع من جهله فالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم أفى من أبشع القبيلين جهلا وم الذين لأبتبصرون فى أنفسهم، وفى الأدنى أبشع من ةفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفربين حالا .. وإذا قيل: فلان،لا يفقه شيئاً، كان أذم فى العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئاً (وكأن معنى قولك لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك ((لا يعلم شيئاً، فغايته :فى حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم .. ، (١). ثم ساق - سبحانه - حجة خامسة تدل دلالة واضحة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه إلى خلقه فقال - تعالى -: ((وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء)). أى: وهو - سبحانه - الذى أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسيب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة فى الكم والكيف والطعوم والألوان، قال - تعالى - ((وفى الأرض قطع متجاورات وجنات من أعتاب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بما. واحد وتفضل بعضها على بعض فى الأكل ، إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون). (١) حاشية الانتصاف على تفسير الكشاف = ٢ ص٥ لابن المنير . ١٩٢٠ الجزء السابع وهى السحاب سماء لأن العرب تسمى كل ماعلا سماد، ونزول الماء من السحاب قد جاء صريحاً فى مثل قوله - تعالى - ,أفر أيتم الماء الذى تشربون أأنتم أنزلتموه من المون أم نحن المنزلون ». و(من)) فى قوله ،من السماء، ابتدائية، لأن ماء المطر يتكون فى طبقات الجو العليا الباردة عندة صاعد البخار الأرضى إليها فيصير البخار كثيفا وهو السحاب ثم يتحول إلى ماء، والباء فى ((به، للسببية. إحيث جعل الله - تعالى -الماء سبباً فى خروج لنبات، والفاء فى قوله ((فأخر جنابه، للتفريع و((أخرجنا) عطف على ((أنزل)، والالتفات إلى التكلم إظهار احمالى العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله . ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل ما أجمل من الإخراج فقال: ((فأخرجنا منه خضراء أى : فأخرجنا من النبات الذى لا ساق له نباتا غضا أخضر ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، وخضر بمعنى أخضر (سم فاعل. يقال: خضر الزوع - من باب فرح - وأخضر، فهو خضر وأخضر . وقوله (( تخرج منه حباً متراكباً)). أى: تخرج من هذا النبات الخضر («حباً متراكباً، أى: متراكا بعضه فوق بعض كمافى الحنطة والشعير وسائر الحبوب، يقال: ركبه - كسمعه . ركوباً ومراكباً. أى : علاء. وجملة (( تخرج منه، صفة لقوله (( خضراء. وعبرعنها بصيغة المضارع لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة لأن إخراج الحب المراكب من هذا الخضر الغض يدعو إلى النأمل والإعجاب بمظاهر قدرة الله. وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ينبت من الحب أقبعه بذكر ما ينبت من النوى فقال: ((ومن النخل من طلعها قنوان دافية)). ١٩٣ سورة الأنعام الطلع : أول ما يبدو ويخرج من تمر النخل كالكيزان . وقشره يسمى الكفرى؛ وما فى داخله يسمى الإغريق لبياضه. والقنوان . جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ، وهو ورشناه سواه لا يفرق بينهما إلا فى الإعراب. أى: وتخرج بقدرتنا من طلع النخل قنوان دافية القطوف ، سهلة التناول أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها. قال صاحب الكشاف: و((قنوان)) رفع بالابتداء، و((من النخل)) خبره و ((من طلعها)) بدل منه. 5أنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان دانية . وذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأن النعمة فيها أظهر وأدل واكتفى بذكر القريبة على ذكر البعيدة كقوله: ((سرابيل تقيكم الحر)) (١). وقوله: ( وجنات من أعناب) معطوف على (نبات كل شىء) أى: فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شىء وأخرجنا به جنات كائنة من أعتاب. وجعله: بعضهم عطفاً على ( خضرا). وقيل هو معطوف على (حباً). وقوله: (والزيتون والرماز) منصوب على الاختصاص أى: وأخص من نبات كل شىء الزيتون والرمان، وقيل معطوف على (نبات كل شىء). قال الآلوسي: وقوله: ( مشقبها وغير متشابه) إما حال من الزيتون لسبقه اكتفى به عن حال ماءطف عليه وهو الرمان والتقدير: والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من الرمان لقربه وبقدر مثله فى الأول . وأياما كان فى الكلام مضاف مقدر وهو بعض. أى بعض ذلك مشقبراً . وبعضه غير متشابه فى الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف. (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٥١ . (١٣ - سورة الأنعام) ١٩٤ الجزء السابع الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها كما قال - تعالى - ((يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الأكل)) (١). ثم أمر الله عباده أن يتأملوا فى بديع صنعه فقال: ((انظروا إلى ثمره إذا. أثمر وينعه، أى: انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمار كل واحد ما ذكرنا حال ابتدائه حين يكون ضئيلا ضعيفاً لايكاد ينتفع به، وحال يتعه أى : فضجه كيف يصير كبيراً أو جامعاً لألوان من المنافع والملاذ. يقال: أينعت الثمرة إذا نضجت . وقوله, إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)، أى: إن فى ذلكم الذى ذكر ناه من أنواع النبات والثمار، وذلكم الذى أمر تم بالنظر إليه لدلائل عظيمة. وجود القادر الحكم لقوم يصدقون بأن الذى أخرج هذا النبات وهذه الثمارهوالمستحق للعبادة دون ماسواه أو هو القادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم. قال الشيخ القاسمى: قال بعضهم: القوم كانوا ينكرون البعث فاحتج عليهم بتعريف ماخلق وفقله من حال إلى حال وهو ما يعدونه قطعاً ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها. وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله - تعالى - فبين أنه - سبحانه - كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء، ثم إنبات الأجساد كالنبات ، ثم جعلها خضرة بالحياة ثم تصوير الأعمال بصور كثيرة، وإفادة أمور زائدة وتفريعها، وإعطاء أطعمة مشتبهة. فى الصورة غير متشابهة فى اللذة جزاء عليها)، (٢) . هذا وقد أفاض الإمام الرازى - رحمه الله - عنده تفسيره لهذه الآية فى بيان مظاهر قدرة الله وكمال رحمته وحكمته فقال ما ملخصه : (١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٢٤٠ (٢) تفسير القاسى ج ٦ ص ٢٤١٩ ١٩٥ سورة الأنعام ((أعلم أنه - تعالى - ذكرها هنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب والزيتون والرمان . وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجرى مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ... وإنما ذكر العنب عقيب النخيل، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر به ير منتفعاً به إلى آخر الحال ... وأما الزيتون فهو - أيضاً - كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو وبنفصل - أيضاً - عنه دهن كثير عظيم النفع.،. وأما. الرمان خاله عجيب جداً ... واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفى بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر - سبحانه - هذه الأقسام الأربعة التى. هى أشرف أنواع النبات ، واكتفى بذكرها تنبيهاً على البواقى . ثم قال: وقد أمر - سبحانه - بالنظر فى حال ابتداء الثمر وأضجه لأن هذا هو موضوع الاستدلال، والحجة التى هى تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد فى أول حدوثها عن صفات مخصوصة وعند تمامها لا قبقى على حالاتها الأولى بل تنتقل إلى أحوالمضادة للأحوال السابقة مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة، وربما كانت فى أول الأمر باردة بحسب الطبيعة فتصير فى آخر أمرها حارة بحسب الطبيعة - أيضاً - فمحصول هذه المتبدلات والمتغيرات لابد له من سبب، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة . ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسناده إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدير لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة الحكيمة)، (١). (١) راجع الفخر الرازى = ٤ ص١٠٧ طبع المطبعة الشرقية سنة ١٣٢٤ هـ ١٩١ الجزء السابع وبعد أن ذكر - سبحانه - تلك الدلائل الدالة على عظم قدرته ، وباهر حكمته ووافر فعمته. واستحقاقه الألوهية، أنبعها بتويخ المشركين والرد عليهم بما يرشدهم إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال - تعالى -: وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ أَبِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرٍ عِلَّمْ سُبْحَتَهُ. وُتُعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ (٨) بَدِبِعُ السَّمَنَوَتِ وَالأَرْضِّ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وٌَ وَلَمْ تُكُن لَّهُ صَدِحَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ(3) ذَلِكُ الهُ رَبُّكُمَّ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوّ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ف ◌َ لَّا يُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَّ وَهُوَ اَلَّطِيفُ الْخَيرُِ ١٠٣ قوله ((وجعلوا لله شركاء الجن)، أى: وجعل هؤلاء المشر كون الله - سبحانه - شركاء فى الألوهية والربوبية من الجن . وفى المراد بالجنهنا أقوال: أحدها، أنهم الملائكة حيث عبدوهم وقالوا إنهم بغات اللهو قسميتهم جنامجازاً لاجتنانهم واستقارهم عن الآعين كالجن. والثانى: أن المراد بالجن هنا الشياطين. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوم فى أمور الشرك والمعاصى كما يطاع الله - تعالى - والثالث: أن المراد بالجن إبليس فقد عبده قوم وسموه ربا ومنهم من ساه إله الشر والظلمة وخص البارى بألوهية الخير والنور. وقد نقل هذا الرأى عن ابن عباس وقد قال الرازى عن هذا الرأى أنه أحسن الوجوه المذكورة فى هذه الآية أما ابن كثير فقد رجح الرأى الثانى وقال : فإن قيل كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة ١٩٧ سورة الأنعام الجن وأمرم لهم بذلك كقوله: «إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريداً)، وكقوله «ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين، وأن إعبدونى (هذا صراط مستقيم)، وتقول الملائكة يوم القيامة: ((سبحانك أنت واينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرم بهم مؤمنون)) (١). وقال - سبحانه - ((وجعلوا لله شركاء الجن) ولم يقل: وجعلوا الجن شركاء لله. لإفادة أن محل الغرابة والفكارة أن يكون لله شركاء. ولو قال وجعلوا الجن شركاء لله لأوم أن موضع الإنكار أن يكون الجن شركاء له لكونهم جنا. ولي الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون ته شريك من أى جفس كان . وجملة: (( وخلقهم)، حال من فاعل ((جعلوا، مؤكدة لما فى جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان . أى: وجعلوا فقه شركاء الجن والحال أنهم قد علموا أن الله وحده هو الذى خلقهم دون الجن وليس من يحلق كمن لا يخلق، وعليه فالضمير فى خلقهم يعود على المشركين الذين جعلوا لله شركاء. وقيل الضمير للشركاء أى: والحال أنهم قد علموا أن الله هو الذى خلق الجن فکیف یجعلونه مخلون شريكا له ؟ وقوله)، وخرقوا له بين وبنات بغير علم، أى: واختلقوا وافتروا له بجهلهم وانطماس بصيرتهم بنين وبنات من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أوصواب ، ولكن رمياً بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية . أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره. وفيه ذم لهم بأنهم يقولون ما يقولون بمجرد الرأى والهوى وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه - تعالى - إلا ما قام الدليل على حته. قال الراغب: ((أصل الخرق قطع الشىء على سبيل الفساد من غير تدبر (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦٠ ١٩٨ الجزء السابع ولا تفكر، قال - تعالى - ,أخرقتها لتغرق أهلها، وهو ضد الخلق لأن الخلق هو فعل الشيء بتقدير ورفق .... (١). ثم ختمت الآية الكريمة يتنزيه الله - تعالى - عما نسبوه إليه فقال - تعالى -: ((سبحانه وتعالى عما يصفون)) أى: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه به هؤلاء الصالون من الأداد والأولاد والنظراء والشركاء. ثم ساق - سبحانه - الأدلة المبطلة لما تفوه به المشركون من مزاعم فقال - تعالى -« بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم،. أى: هو مبدعهما ومنشئهما وخالقهما على غير مثال سبق، ومنه سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فما سلف . وقوله: ((أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، أى: من أين وكيف يكون له ولد - كمازعموا - والحال أنه ليس له صاحبة يكون الولد منها، ويستحيل ضرورة وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد ، وأيضاً الولد لا يحصل إلا بين متجانسين ولا مجانس له - سبحانه -. وجملة (( أنى يكون له ولد، مستأنفة لتقرير تنزهه عن ذلك، وجملة ((ولم تكن له صاحبة، حال مؤكدة لاستحالة مانسبوه إليه من الولد . وقوله ((وخلق كل شىء)) جملة أخرى مستأنفة لتحقيق ما ذكر من الاستحالة، أو حال ثانيه مقررة لها . أى: كيف يكون له ولد والحال أنه خلق كل شىء أفتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التى من جملتها ما هوه ولداً له - تعالى - فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولداً لخالقه ؟ (١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٤٦ ١٩٩ ـورة الأنعام قال صاحب الكشاف : ((وفى هذه الآية الكريمة إبطال لأن يكون قد -ولد من ثلاثة أوجه، أحدها: أن مبتدع السموات والأرض وهى أجسام عظيمة لا يستقيم أن توصف بالولادة . لأن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لايكون جها حتى يكون والداً. والثاني : أن الولادة لا تكون إلا لمن له صاحبة والله - تعالى - لا صاحبة له فلم تصح الولادة. والثالث: أنه مامن شىء إلا وهو خالقه والعالم به، ومن كان بهذه الصفة كان غنياً عن كل شىء والولد إنما يطلبه المحتاج (١). وجملة ((وهو بكل شىء عليم)، مستأنفة مقررة لمضمون ماقبلها من الدلائل القاطعة ببطلان أن يكون له واد . أى: أنه - سبحانه - عالم بكل المعلومات، فلو كان له ولد فلا بد أن - يتصف بصفاته ومنها عموم العلم، وهو منفى عن غيره بالإجماع. وبعد أن أبطل - سبحانه - الشرك وفعى على معتنقيه سوء تفكيرهم، دها المكلفين إلى إخلاص العبودية لله وحده فقال - تعالى -: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه)). أى ذلكم الموصوف بما سمعتم من جلائل الصفات هو الله ربكم لا من زعمتم من الشركاء، ((أخلصوا له العبادة فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء وما عداه فهو مخلوق يجب أن يعبد خالقه . وقوله «وهو على كل شىء وكبل، أى وهو مع تلك الصفات الجليلة رقيب على عباده حفيظ عليهم، يدبر أمرهم ، ويتولى جميع شئونهم. وقوله: ((لا ندر كه الأبصار، جملة مستأنفة إما مؤ كدة لقوله ((وهو على كل شىء وكيل ، ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لايرى فيجب أن يخاف وبحذر، وأما مؤكدة أعظم تأكيد لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليمه عما وصفه به المشركون، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعبودة وهى أبصار أهلى الدنيا اجلاله وكبريائه وعظمته. فكيف يكون له وأد ؟ (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٥٢ ٢٠٠. الجزء السابع والإدراك: اللحاق والوصول إلى النىء والإحاطة به. والأبصار جمع. بصر يطلق - كما قال الراغب - على الجارحة الناظرة وعلى القوة التى فيها. والمعنى: لا يحيط بعظمته وجلاله على ماهو عليه - سبحانه - أبصار الخلائق، أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته فإن ذلك محال والإدراك بهذا المعنى أخص من الرؤية التى هى مجرد المعاينة ، فنفيه لا يقتضى فى الرؤية ، لأن نفى الأخص لا يقتضى فى الأعم فأنت ترى الشمس والقمر ولكنك لا تدرك كنهما وحقيقتهما . هذا، وهناك خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة فى مسألة رؤية الله - تعالى - فى الآخرة . أما أهل السنة فيجيزون ذلك ويستشهدون بالكتاب والسنة ، فمن. 2 كتاب قوله - تعالى - «وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة، ومن السنة مارواه الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوساً عند النى (صلى الله عليه وسلم) إذا نظر إلى القمر ليلة البدر وقال: إنكم ستروزربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون فى رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ(وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)). قال الإمام ابن كثير: تواترت الأخبار عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أن المؤمنين يرون الله فى الدار الآخرة فى العرصات وفى روضات الجنات)) (١) أما المعتزلة فيمنعون رؤية المؤمنين لله - تعالى - فى الآخرة ، واستدلوا فيما استدلوا بهذه الآية، وقالوا: إن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية ولا فرق بين أدر كته ببصرى ورأيته إلا فى اللفظ. والذى نراه أن رأى أهل السنة أقوى لأن ظواهر النصوص تؤيدهم ولا مجال منا لبسط حجج كل فريق، فقد تكفلت بذلك كتب علم الكلام (٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٦١ (٢) راجع تفسير القاسمى ح ٦ ص ٢٤٤٦ وما بعدها.