Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة الأنعام فكان فى الأصل راجعاً إلى علمه هو. قال - تعالى - عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول». ثم بين - سبحانه - أن علمه ليس مقصورا على المغيبات((وإنما هو يشملها كما يشمل المشاهدات فقال ((ويعلم ما فى البر والبحر)). قال الراغب : أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير ، وقيل إن أصله الماء الملح دون العذب وأطلق على النهار بالتوسع أو التغليب، والبر ما يقابله من الأرض وهو ما يسمى باليابسة . وهذه الجملة معطوفة على جملة ، وعنده مفاتيح الغيب ، لإفادة تعميم علمه - سبحانه - بالأشياء الظاهرة المتفاوتة فى الظهور بعد افادة علمه بما لا يظهر للناس . وقدم ذكر البر على البحر على طريقه الترقى من الأقل إلى الأعظم ، لأن قسم البحر من الأرض أكبر من قسم البر، وخفاياه أكثر وأعظم ، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر. تم صرح - سبحانه - بشمول علمه لکل کلی وجزئى، ولكل صغير وكبير، ولكل دقيق وجليل، فقال - تعالى - ((وما تسقط من ورقة إلا يعلمها. ولا حبة فى ظلمات الأرض ولارطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين)). أى: وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ولاحبة فى باطن الأرض وأجوافها ، ولارطب ولا يابس من الثمار أوغيرها إلا ويعلمه الله علما تاما شاملا ، لأن كل ذلك مكتوب ومحفوظ فى العلم الإلهى الثابت . وجهلة « وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، معطوفة على جملة ، ويعلم ما فى البر والبحر ، لقصد زيادة التعميم فى الجزئيات الدقيقة . والمراد بظلمات الأرض بطونها، وكفى بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك ما فيه كما لا يدرك ما فى الظلمة . ١٢٢ الجزء السابع وقوله (( إلا فى كتاب مبين، تأكيد لقوله (( لا يعلمها، لأن المراد بالكتاب المبين علم الله - تعالى - الذى وسع كل شىء، أو اللوح المحفوظ. الذى هو محل معلوماته - عز وجل -. قال الإمام الرازى : قال الزجاج: يجوز أن الله - تعالى - : أثبت كيفية المعلومات فى كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال - تعالى -: ((ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا كتاب من قبل أن نبرأها ». ثم قال الإمام الرازى : وفائدة هذا الكتاب أمور: أحدها : أنه - تعالى -: إنما كتب هذه الأحوال فى الموح المحفوظ. لتقف الملائكة على نفاذ علمه فى المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما فى السموات والأرض شىء، فيكون ذلك عبرة قامة كاملة الملائكة الموكاين باللوح المحفوظ لأنهم بقابلون به ما يحدث فى محيفة هذا العالم فيجدونه موافقاً له. وثانيها: أنه يجوز أن يقال: أنه - تعالى -: ذكر ماذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب ، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون فى الدنيا شىء، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التى ليس فيها ثواب ولاعقاب ولاتكليف فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها: أنه - تعالى -: علم أحوال جميع الموجودات، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات فى ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع - أيضاً - تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتابة جملة الأحوال فى ذلك الكتاب موجبا تاما ، وسببا كاملا فى أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلى الله عليه وسلم («جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)، (١). ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أمور من أهمها : أن علم الله - تعالى - : محيط بالكليات والجزئيات ، و بكل شىء فى هذا الكون، وبذلك يقبين بطلان رأى بعض الفلاسفة الذين قالوا بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات . (١) تفسير الفخر الرازى ٣ ٤ ص ٠٧. ١٢٣ سورة الأنعام أن علم الغيب مرده إلى الله وحده، قال الحاكم: دل قوله تعالى «و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، على بطلان قول الإمامية: إن الإمام يعلم شيئاً من الغيب)). وقال القاسمى: قال صاحب ((فتح البيان)): فى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من مدعى الكشف والإلهام ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم. ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سو. من هذه الأجناس الضالة والأنواع الخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم سوى خطة السوء المذكورة فى قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ((من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد ، قال ابن مسعود (( أوتى نبيكم كل شىء إلا مفاتيح الغيب)). وروى البخارى بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله . لا يعلم أحد ما يكون فى غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون فى الأرحام إلا الله. ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، ولا تدری نفس بأي أرض تموت، ولا يدرى أحد متى يجىء المطر)) (١). وقال القرطبى: قال علماؤنا : أضاف- سبحانه علم الغيب إلى نفسه فىغير ما آية من كتابه إلا من أصعافى من عباده، فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر ، وكذلك من قال: إنه يعلم ما فى الرحم فهو كافر ... وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم على أقه الفرية؛ واقه تعالى يقول: «قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله، ثم قال: وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان لاسيها بالديار المصرية فقد شاع فى رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد اتخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والسرافين فيهرجوا عليهم بالمحال، (١) تفسير القاسمى ٢ ٦ ص ٢٣٤٣. ١٢٤ الجزء السابع واستخرجوا منهم الأموال، حصلوا من أقوالهم على السراب (١) والآل، ومن أديانهم على الفساد والضلال، وكل ذلك من الكبائر لحديث النبى محصلة (( من أتى عرافا فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين يوما، والعراق هو الحازر والمنجم الذى يدعى علم الغيب (٢). وبعد أن بين - سبحانه -: شمول علمه لكل شىء، أقبع ذلك بالحديث عن كمال قدرته، ونفاذ إرادته فقال - تعالى -: وهو الَّذِىِ يَتَوَقَُّ بِالَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنََّارِ ثُمَ يَبْعَتُكُمْ فِيهِ لِيُفْضَىّ أَجَلّ مُسَمَّىَّ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَ يُنَبِّئُكُ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ (3) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذَا جَاءُ أَحَدَكُرُ. اَلْمَوْتُ تَوَقَتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَ يُفَرِّطُونَ (٨َه ◌ُمَ رُدُواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَنْهُمُ اَلْحَقِّ أَلَ لَهُ الْحُكُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ ﴾ قُلْ مَنْ يُنَّبِّكُم مِّن خُلُمَتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرًُّا وَخُفْيَةً لَِّنْ أَنْجَنْنَا مِنْ هَذِهِءَ لَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِ ينَ ﴿ قُلِ اللهُنَّكُ مِنْهَ وَمِنْ كُلِّ كَرْبِ ثُمَ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ٦٤ (١) السراب: ما يراه الشخص فى منتصف النهار ملتصقا بالأرض كأنه ماء جار وهو ليس بشىء، الآل: ما يراه بالضحى كأنه الماء بينالسماء والأرض (٢) تفسير القرطبى = ٧ ص ٣. ١٢٥ سورة الأنعام قوله - تعالى -: (وهو الذى يتوفاكم بالليل) أى: بذيمكم فيه. والتوفى أخذ الشىء وافياً، أى ناما كاملا . والتوفى يطلق حقيقة على الإمامة وإطلاق، على النوم - كماهنا مجاز لشبه النوم بالموت فى انقطاع الإدراك والعمل والإحساس قال - تعالى -: (والله يتوفى الأنس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) فهذه الآية صريحة فى أن القوفى أعم من الموت، فقد صرحت بأن الأنفس التى تتوفى فى منامها غير ميتة ، فهناك وفانان : وفاة كبرى وتكون بالموت ، ووفاة صغری وتكون بالنوم . والمعنى : وهو - سبحانه - الذى يتوفى أنفسكم فى حالة قومكم بالليل ، دون غيره لأن غيره لا يملك موتاً ولا حياة ولا نشورا . ( ويعلم ما جر حتم بالنهار) أى : ما كسبتم وعملتهم فيه من أعمال. وأصل الجرح تمزيق جلد الحى بشى. محدد مثل السكين والسيف والظفر والذاب وأطلق هنا على ما يكتسبه الإنسان بجوارحه من بدأورجل أولسان. وتخصيص الليل بالنوم والنهار بالكسب جرياً على المعتاد، لأن الغالب أن يكون النوم ليلا، وأن يكون الكسب والعمل نهاراً، قال - تعالى -: (وجعلنا الليل لبانا وجعلنا النهار معاشا). ( ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى) أى: ثم إنه بعد توفيكم بالنوم يوقظكم منه فى النهار ، لأجل أن يقضى كل فرد أجله المسمى فى علم الله - تعالى - ، والمقدر له فى هذه الدنيا، فقد جعل - سبحانه - لأعمار كم آجالا محددة لا بد من قضائها وإنمامها .! وجة ، ثم يبعثكم فيه معطوفة على! (يتوفاكم بالليل ) فتكون ثم المهلة الحقيقية وهو الأظهر . ( ثم إليه مرجعكم، ثم يفبئكم بما كنتم تعملون) أى: ثم إليه وحده ١٢٦ الجزء السابع يكون رجوعكم بعد إنقضاء حياتكم فى هذه الدنيا ، فيحاسبكم على أعمالكم التى اكتسبتموها فيها، إن خيراً فخير وإن شرا فشر. ٪ فالآية الكريمة تسوق الناس مظهرا من مظاهر قدرة الله ، وقبرهن لهم على صحة البعث والحساب يوم القيامة، لأن النشأة الثانية - كما يقول القرطبى - منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم فى أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الأخرى . هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن ظاهر الخطاب فى الآية للمؤمنين. والكافرين، ولكن الزمخشرى خالف فى ذلك جعلها خطا باللكافرين فقال: ( وهو الذى يتوفاكم بالليل، الخطاب للكفرة، أى: أنتم منسد حون اليل كله كالحيف - أى مسطحون على القفا - (ويعلم ما جرحتم بالنهار ). ماكسبتم من الآثام فيه ( ثم يبعثهم فيه ) من القبور فى شأن ذلك الذى قطعتم به أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار (ليقضى أجل مسعى) وهو الأجل الذى سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم) (١) . والذى فراه أن رأى الجمهور أرجح لأنه لم يرد نص يدل على تخصيص الخطاب فى الآية للكافرين . ثم قال - تعالى -: (وهو القاهر فوق عبادة) أى: وهو الغالب المتصرف فى شئون خلقه يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وأمانة وإثابة وعقابا إلى غير ذلك، والمراد بالفوقية فوقية المكانة والرتبة لافوقية المكان والجهة . قال الإمام الرازى: وتقرير هذا القهر من وجوه: الأول، أنه قهار العدم. بالتكوين والإبجاد . والثانى: أنه قهار الوجود بافلانا. والإفساد، فإنه (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٢ ١٢٧ سورة الأنعام - تعالى - هو الذى ينقل الممكن من العدم إلى الوجود قارة ومن الوجود إلى العدم تارة أخرى فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه فى الممكنات والثالث: أنه قهار لكل ضد بعضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار، وتمام تقريره فى قوله: ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير) .. (١). . وقوله ( ويرسل عليكم حفظه) أى: ويرسل عليكم ملائكة تحفظ أعمالكم وتخصبها وتسجل ماتعملونه من خير أوشر. قال : - تعالى - : (وإن عليكم لحافظين كراما كانبين. يعلمون ما تفعلون) وقال - تعالى -: ( إذ يتلقى المتلقيان عن المين وعن الشبال قعيه. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عنيد ) . وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر؛ ثم يعرج بالذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) قال صاحب الكشاف : فإن قلت إن الة - تعالى - غنى بعلمه عن كتابة الملائكة فما فائدتها ؟ قلت: فيها لطف للعباد، لأنهم إذا علموا أن اله رقيب عليهم ، والملائكة الذين هم أشرف خلقه مو كلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها فى صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد فى مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء) (٢). وجملة ( ويرسل عليكم حفظة) بجوز أن تكون معطوفة على اسم (١) تفسير الفخر الرازى = ٤ ص ٥٨ (٢) «الكفاف = ٢ ص ٣٣ ١٢٨ الجزء السابع الفاعل الواقع صلة لأول ، لأنه فى معنى يقه والتقدير وهو الذى يقهر عباده ويرسل فعطف الفعل على الإسم لأنه فى تأويله . وقوله (( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفيته رسلنا وهم لا يفرطون» أى : حتى إذا إحتضر أحدكم وحان أجله قبضت روحه ملائكتنا الموكلون بذلك حالة كونهم لا يتوافون ولا يتأخرون فى أداء مهمتهم. قال الآلوسى: ((وحتى فى قوله، حتى إذا جاء أحدكم الموت)) هى التى يبتدأ بها الكلام وهى مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها كأنه قيل : ويرسل عليكم حفظة يحفظون ما يحفظون منكم مدة حياتكم ، حتى إذا انتهت مدة أحد كم وجاءت أسباب الموت ومباديه قوفته رسلمناله الآخرون المفوض إليهم بذلك وانتهى هناك حفظ الحفظة. والمرسل بالرسل على ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أعوان ملك الموت! (١). وقال الجمل: فإن قلت: إن هناك آبة تقول: ((الله يتوفى الأنفس حين موتها، وثانية تقول: ((قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم)، والتى معنا تقول , أوفته رسلنا، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ فالجواب على ذلك أن المتوفى فى الحقيقة هو الله. فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه، وقيل المراد من قوله ((قوفته رسلنا)) ملك الموت وحده وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له (٢). ثم صرح - سبحانه - بأن مصير الخلق جميعا إليه فقال: ثم ردوا إلى (١) تفسير الآلومى = ٧ ص ٧٦ (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٢ ص ٤٠ ١٢٩ سورة الأنعام الله مولاهم الحق، أى: ثم رد الله - تعالى - هؤلاء الذين توفتهم الملائكة : إلى مالكهم الحق الذى لا يشوب ملكه باطل ليتولى حسابهم وجزاءهم على أعمالهم. فالضمير فى ((ردوا، يعود على الخلائق الذين قوفتهم الملائكة والمدلول عليهم بأحد . والسر فى الإفراد أولا والجمع ثانياً وقوع التوفى على الأفراد والرد على الاجتماع. أى: ردوا بعد البعث فيحكم فيهم بعدله . قال - تعالى- ((قل إن الأولين والآخرين لمجموعين إلى ميقات يوم معلوم)). وقيل إن الضمير فى ((ردوا، يعود على الملائكة . أى: ثم ردوا أولتك الرسل بعد إتمام مهمتهم بإمائة جميع الناس فيموقون هم أيضاً. وجملة ((ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين، تذييل ولذلك ابتدى. بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخير. أى: ألا له الحكم النافذ لا لغيره وهو - سبحانه - أسرع الحاسبين لأنه لايحتاج إلى ما يحتاج إليه الخلائق من تفكر واشتغال بحساب عن حساب. وبذلك تكون هذه الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال قدرة الله، ونفاذ إرادته، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا وأخروا. ثم ساق القرآن لوناً آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله وسابع رحمته وفضله وإحسانه فقال - تعالى -: ((قل من ينجيكم من ظلات البر والبحر ، . قال صاحب الكشاف: ظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفهما وأهو الم). (٩ - سورة الأنعام) ١٣٠ الجزء السابع يقال اليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب ، أى اشتدت ظلمته. حتى عاد كالليل)، (١) . وقيل حمله على الحقيقة أولى فظدة البرهى.الجتمع فيه من ظلمة الليل ومن ظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق. الصواب، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا الخوف الشديد من الوقوع فى الهلاك. والتضرع: المبالغة فى الضراعة مع الذل والخضوع. والخفية - بالعضم. والكسر - الخفاء والاستتار. والكرب الغم الشديد مأخوذ من كرب الأرض وهو إثارتها وقلبها بالحفر. فالغم يثير النفس كما يثير الأرض كاربها. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الغافلين من الذى ينجيكم من ظلمات البروالبحر عند ما تغشاكم بأهوالها المرعبة، وشدائدها المدهشة، إنكم فى هذه الحالة. قلجأون إلى الله وحده تدعونه إعلانا وأسرارا بذلة وخضوع وإخلاص قائلين له = لتن أنجيتنا ياربنا من هذه الشدائد والدواهى المظلمة لنكو فن لك من الراسخين فى الشكر المداومين عليه قل لهم يا محمد: الله وحده هو الذى ينجيكم من هذه المخاوف والأهوال ومن كل غم يأخذ بنفوسكم ثم أنتم بعد هذه النجاة تشركون معهغيره، مخلفين بذلك وعدكم حافثين فى أبانكم. : قال الإمام الرازى: «والمقصود من ذلك أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة الخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله، وهذا الرجوع محصل. ظاهراً وباطنا، لأن الإنسان فى هذه الحالة يعظم إخلاصه فى حضرة الله، وينقطع رجاؤه عن كل ما سواه، وهو المراد من قوله ((تضرعا وخفية)) فبين - سبحانه - أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية فى هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى اللّه ولا تعويل إلا على فضله وجب أن يبقى هذا الإخلاص فى كل الأحوال ، لكن الإنسان ليس كذلك فإنه بعد الفوز. بالسلامة والنجاة يحيل لك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ويقدم على الشرك. (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٣٣ ١٣١ سورة الأنعام ولفظ الآية يدل على أنه عند حصول الشدائد يأتى الإنسان بأمور أحدها الدعاء، وثانيها التضرع، وثالثها الإخلاص بالقلب وهو المرادمنقوله ( خفية)، ورابعها التزام الاشتغال بالشكر. ونظير هذه الآية قوله - تعالى - «وإذا.س.كم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه .. )، وقوله, وظنوا أنهم أحيط بهم دعو! الله مخلصين له الدين.، وبالجملة فعادة أكثر الناس أنهم إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به، (١). ثم بين - سبحانه - قدرته على تعذيبهم تمديدا لهم حتى يخشوا بأسه أثر بيان قدرته على تنجيتهم فقال - تعالى -: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَّ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُ بَأْسَ بَعْضِّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَ يَئِتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (0﴾ وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُ بِوَكِلٍ ﴾ [ِكُلِ نٍَّ مُسْتَفَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَونَ ﴿﴾ وَ إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ٤٥ ١ ◌َِنَا فَأَغْرِضْ عَنْهُمْ ◌َّى يَخُوضُواْفِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنِيَتَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ (﴾ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِ كَرَى لَعَلَّهُمْ ٦٩ يَتَّقُونَ (١) تفسير الفخر الرازى ج ٢ ص ٠٦٢ ١٣٢ الجزء السابع والمعنى: قل با محمد لهؤلاء الجاحدين، إن الله - تعالى- وحده هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا عظيما من فوقكم أى : من جهة العلو كما أرسل على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، أو من تحت أرجلكم أى من السفل كما حدث بالنسبة لفرعون وجنده من الغرق، وبالنسبة لقارون حيث خسف به الأرض. وقيل: من فوقكم أى من قبل سلاطينكم وأ كابر كم، ومن تحت أرجلكم أى : من قبل سفلتكم وعبيد كم . وقيل: هو حبس المطر والنبات. وقصوير العذاب بأنه آت من أعلى أو من أسفل أشد وقعا فى النفس من تصويره بأنه آت من جهة اليمين أو من جهة الشمال، لأن الآتى من هاتين الجهتين قد يتوهم دفعه ، أما الآتى من أعلى أو من أسفل فهو عذاب غامر قاهر مزلزل لا مقاومة له ولا ثبات معه . وقوله (( أو يلبسكم شيما، أى: يخلطكم فرقا مختلفة الأهواء، متباينة المشارب ، مضطربة الشئون ، كل فرقة تتبع إماما لها تقاتل معه غيرها ، فيزول الأمن ويعم الفساد . و«شنيعا، جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وقوله ((ويذيق بعضكم بأس بعض، معطوف على ما قبله، أى : يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل، لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل والتصارع. وفى هاتين الجملتين تصوير مؤثر للعذاب الذى يذوقه الناس بحواسهم إذ يجعلهم - سبحانه - شيعا وأحزابا غير منعزل بعضها عن بعض ، فهى أبدا فى جدال وصراع وفى خصومة ونزاع، وفى بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك، وذلك أشنع ما تصاب به الجماعة فيأكل بعضها بعضا . ثم تختم الآية بهذا التعبير الحكم (( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون». أى: أنظر وتدبر - أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل كيف ننوع ١٣٣ سورة الأنعام الآيات والعبر والعظات بالفرغيب تارة وبالترهيب أخرى لعلهم يفقهون الحق ويدر كون حقيقة الأمر ، فينصرفوا عن الجحود والمكابرة، ويكفوا عن كفرهم وعنادهم . هذا، وقد ساق ابن كثير عقب تفسير هذه الآية جملة (١) من الأحاديث منها مارواه الإمام مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه أقبل مع النبى - وتشي - ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بغى معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه. ودعاربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : - ألترى ثلاثا فأعطانى ثنتين ومنعنى واحدة . سألت ربى أن لايهلك أمتى بالسنة فأعطا فيها، وسألته أن لا يهلك أمتى بالغرق فأعطانيها، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها .. بعد هذا التمديد الشديد للمعاندين اتجه القرآن إلى الرسول - صبية - فأمره أن يصارح قومه بسوء مصيرهم إذا ما استمروا فى ضلالهم فقال: وكذب به قومك وهو الحق، أى: وكذب جمهور قومك بهذا العذاب الذى حد ثناك عنه فظنوا أن الله لن يعقبهم بسبب إعراضهم عن دعوتك، أو كذبوا بهذا القرآن الذى هو معجزتك الكبرى. والتعبير عنهم بقومك تسجيل عليهم بسو المعاملة لمن هو من أنفسهم وجملة ((وهو الحق، مستأنفة لقصد تحقيق القدرة على بعث العذاب عليهم، أو حال من الماء فى به « أى: كذبوا حال كونه حقا، وهو أعظم فى القبح قل لهم - يا محمد - (« لست عليكم بوكبل)، أى: لم يفوض إلى أمركم فامنعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق، فأنا لست بقيم عليكم وإنما أنا منذر وقد بلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكنكم لا تحبون الناصحين. ثم ختم هذا التهديد بقوله - تعالى - ((لكل فيأ مستقر وسوف تعلمون». (١) راجع تفسير ابن كثير +٢ ص ١٤٠ وما بعدها. ٠١٣٤ الجزء السابع قال الراغب:، النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال الخبر نبأ حق بتضمن هذه الأشياء الثلاثه)) . والمستقر : وقت الاستقرار . أى : لمكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لابد منه، وسوف تعلمونه فى المستقبل عند حلوله بكم متى شاء اللّه ذلك، قال - تعالى - , ولتعلمن نبأه بعد حين ) . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من قدرة الله، وهددت المعاندين فى كل زمان ومكان بسوء المصير . ثم أمر الله - تعالى - رسوله وأتباعه بأن يهجروا المجالس التى لا وقر فيه آيات الله وشرائعه، فقال - تعالى - : (( وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم ... ). قال الراغب: الخوض هو الشروع فى الماء والورود فيه، ثم أستعبر الأخذ فى الحديث فقيل : تخاوضوا فى الحديث، أى : أخذوا فيه على غير هدى وأكثر ما ورد فى القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله - تعالى- ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)) (١). والمعنى: وإذا رأيت أيها النبى الكريم، أو أيها المؤمن العاقل، الذين (١) المفردات فى غريب القرآن ص ١٦٠ المراعب الأصفهانى. ١٣٥ سور- الالعام يخوضون فى آياتنا بالتكذيب والطعن والاستهزاء فأعرض عنهم. والصرف عن مجالسهم، وأرهم من نفسك الاحتقار لتصرفانهم، ولا نعد إلى مجالسهم حتى يخوضوا فى حديث آخر، لأن آياتنا المنسوبة إلينا من حقها أن تعظم -وأن تحترم لا أن تكون محل تهكم واستهزاء . قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبى (صلى اقه عليه وسلم) يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزؤا فنزلت هذه الآية فجعل (صلى الله عليه وسلم) إذا استهزؤ ا قام خذروا وقالوا: لا نستهزؤا فيقوم. وإنما عبر عن انتقالهم إلى حديث آخر بالخوض ، لأنهم لا يتحدثون .. إلا فيما لاجدوى فيه ولا منفعة من ورائه غالباً. وقوله («وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، أى: وإما يندينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخاتعدين على سبيل الفرض والتقدير فلانقعد بعدالتف كرمع القوم الظالمين لأنفسهم بتكذيبآيات ربهم والاستهزاء بها، وقد جاء الشرط الأول بإذا لأن خوضهم فى الآيات - محقق، وجاء الشرط الثانى بإن لأن إنساء الشيطان له قد يقع وقد لا يقع. فإن قيل: النسيان فعل الله فلم أضيف إلى الشيطان؟ أجيب بأن السبب . من الشيطان وهو الوسوسة والإعراض عن الذكر فأضيف اليه لذلك، كماأن من ألقى غيره فى النار فمات يقال: إنه القائل وإن كان الإحراق فعل الله. هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أحكاما من أهمها ما يأتى : ١ - وجوب الإعراض عن مجالسة المستهزئين بآيات الله أوبرسله، . وأن لا يقعد لأن في القعود إظهار عدم الكراهة ، وذلك لأن التكاليف عام .. لنا ولرسول الله ( صلى الله عليه وسلم). قال القرطبى: من خاض فى آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان ١٢٦ الجزء السابع أوكافراً ، وقد منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم. وبيعهم ، وكذلك منعوا مجالسة الكفار وأهل البدع. فقد قال بعض أهل البدع لأبى عمران النخعى : أسمع من كلمة فأعرض عنه وقال : ولا نصف كلمة . وروى الحاكم عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)((من وقر صاحب بدعة فقد أعانه على. هدم الإسلام ، (١). وقال صاحب المنار : وسبب هذا النهى أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل مافيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادى فيه وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه والمشاركة فى الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر قال - تعالى - ,وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا، (٢). ٢ - جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض. لأنه إنما أمرنا. بالإعراض فى حالة للخوض، وأيضا فقد قال - تعالى - (حتى يخوضوا فی حدیث غيره ». قال بعض العلماء: ((وحتى غاية الإعراض، لأنه إعراضر فيه توقيف. دعوتهم زمانا أو جبته رعاية المصلحة ، فإذا زال موجب ذلك عادت محاولة . هدايتهم وإرشادهم إلى أصلها لأنها تمحضت المصلحة، (٣). (١) تفسير القرطبى ج ٧ ص ١٣ , المنار = ٧ ص ٥٠٦ (٢) «التحرير والتنوير ج ٧ ص ٢٨٨ الشيخ الفاضل بن عاشور ... (٣) ١٣٧ سورة الأنعام ٣ - استدل بهذه الآية على أن الناسى غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد اليه التكليف فيعنى عما ارتكبه حال نسيانه ففى الحديث الشريف ((إن الله رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه الطبرانى عن ثوبات مرفوعا وإسناده صحيح. ٤ - قال القرطبى: قال بعضهم إن الخطاب فى الآية النبى ( صلى الله عليه وسلم) والمقصود أمته ، ذهبوا إلى ذلك لتبرئته (صلى الله عليه وسلم) من النسيان . وقال آخرون إن الخطاب له (صلى الله عليه وسلم) والنسيان جائز عليه فقد قال - صلى الله عليه وسلم - مخبرا عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم أنى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى، فأضاف النسيان اليه . واختلفوا بعد جواز النسيان عليه هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أو لا؟ فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضى عياض - عامة العلماء والأئمة كما هو ظاهر القرآن والأحاديث، لكن اشترط الأئمة أن الله - تعالى - ينبهه على ذلك ولا يقره عليه. ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه فى الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية كما منعوه اتفاقا فى الأقوال البلاغية » (١). قال الألوسى: ((وأنا أرى أن محل الخلاف النسيان الذى لا يكون منشؤه إشتغال السر بالوساوس والخطرات الشيطانية فإن ذلك مما لا يرتاب مؤمن فى استحالته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... )، (٢). ثم بين - سبحانه - أنه لاتبعة على المؤمنين ما داموا قد أعرضوا عن مجلس الخاضعين فقال - تعالى - ,وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ولكن ذكرى لعلهم يتقون)». أى: وما على الذين يتقون اللهشىء من حساب الخائضين على ماارتكبوا من جرائم وآثام ما دموا قد أعرضوا عنهم، ولكن عليهم أن يعرضوا عنهم. (١) تفسير القر طبى = ٧ ص ١٤ (٢) تفسير الآقومى = ٧ ص ١٨٣ ١٣٨ الجزء السابع ويذكروم ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظمة والتذكير العل أولئك الخاضعين يجتنبون ذلك ، وبتقون اللّه فى أقوالهم وأفعالهم. وعليه يكون الضمير فى قوله ( لعلهم يتقون) يعود على الخائضين . وقيل يجوز أن يكون الضمير فى قوله (لعلهم يتقون) الذين اتقوا أى: عليهم أى يذكروا أولئك الخائضين ، لأن هذا التذكير يجعل المتقين يزدادون إيمانا على إيمانهم ، ويثبتون على تقواهم. روى البغوى عن ابن عباس قال: ( لما نزلت: وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم .. الخ) قال المسلمون: كيف نقعد فى المسجد الحرام وفطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً؟ فأنزل الله - تعالى - ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء، يعنى إذا قمتم عنهم فما عليكم قبعة ما يقولون، وما عليكم نصيب من إثم ذلك الخوض . ال الجمل: قوله ( ولكن ذكرى) فيه أربعة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم أمراً ، أى: ولكن ذكروم ذكرى، وبعضهم قدره خبراً. أى: ولكن يذكرونهم ذكرى . والثانى: أنه مبتدأ خبره محذوف: أى: ولكن عليكم ذكرى، أى : ذ کیرھم . والثالث : أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: هو ذكرى أى: النهى عن مجالستهم والامتناع منها ذكرى . والرابع: أنه عطف على موضع شىء المجرور بمن أى: ما على المتقين من حسابهم شىء ولكن عليهم ذكرى فيكون من عطف المفردات وأما على الأوجه السابقة فهو من عطف الجمل)، (١). ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن بنطاق (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٤ ١٣٩ سورة الأنعام فى تبليغ دعوته دون أن يشغل نفسه بسفاهة السفهاء، وأن يذكر المعاندين بسوء مصيرهم فقال - تعالى -: وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَهُوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَزَةُ الدُّنْيِّ وَذَكِرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ ◌ِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَمَا مِنْ دُونٍ اللهِ وَلِّ وَلَا شَفِيَعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لََّيُؤْخَذْ مِنْهَةٌ أَوْلَكَ الَّذِينَ أَبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَيٍِ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوْ يَكْفُرُونَ (بَ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَِّ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَ يَضُرُّنَا وَنُدُّ عَلَّ أَعْقَاِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَثَنَا الَهُ كَلَِّى أَسْتَهُوَهُ اٌلِّيَتِطِينُ فِىِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهٍُ إِلَى الْهُدَى أَنْتِنَّا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأَمِرْنَا لِنُسْلِمَ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْثَرُونَ (﴾ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُ الْحَّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخْ فِ الصُورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ أ الْخَبِيرُ ٧٣ والمعنى: واترك يا محمد هؤلاء الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذى كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهواحيث سخروا من تعالمه واستهزؤا ١٤٠ الجزء السابع بها، وغرنهم الحياة الدنيا حيث اطمأنوا إليها، واشتغلوا بلذاتها وزعموا: أنه لا حياة بعدها . ولم يقل - سبحانه - اتخذوا اللعب واللهو ديناً لأنهم لم يجعلوا كل ما هو من اللعب واللهو ديناً لهم ، وإنما هم عمدوا إلى أن يفتحلوا ديناً فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسموها ديناً. قال الإمام الرازى ماملخصه : ( ومعنى ذرهم : أعرض عنهم ولا قبال بتكذيبهم واستهزاتهم ولاتقم لهم فى نظرك وزناً ، وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه قال له بعده (وذكر به) وإنما المراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم لاترك إنذارهم وتخويفهم .. ومعنى اتخاذ دينهم لعبا ولهوا، أنهم أتخذوا ماهو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم ، أوأن الكفار كانوا بحكمون فى دين الله بمجرد التشهى والتمنى مثل تحريم السوائب والبحائر، ولم يكونوا يحتاطون فى أمر الدين، بل كانوا يكتفون فيه بمجره. التقليد فعبر القه عنهم لذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . وأنهم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا قال ابن عباس: جعل الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله، ثم إن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا أما المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .. )) (١). والضمير فى قوله (وذكر به) يعود القرآن: أى ذكر الناس بهذا القرآن وقد جاءمصرحابه فى قوله - تعالى - (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد). وقوله (أن تقبل نفس بما كسبت) أى: وذكر بهذا القرآن أوبهذا الدين الناس مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك، أو تحبس أوترتهن أو تفتضح، أو تحرم الثواب بسبب كفرها واغترارما بالحياة الدنيا، واتخاذها الدين لعبا ولهوا. ولفظ قبل مأخوذ من البسل بمعنى المنع بالقهر أو التحريم أو الحبس ومنه أسد باسل لمنعه فريسته من الإفلات . وشراب بسيل أى متروك وهذا الشىء بسيل عليك أى محرم عليك . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٦٥