Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر، أوريح صر صر عاتية، أو تفاجئكم
الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده
وتنسون آلهتكم الباطلة، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون
شعور منكم؟ ومادام الأمر كذلك فلماذا قشر كون مع الله آلهة أخرى؟
إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة، لأنكم تلجأون إليه وحده
عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدن غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا.
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أغير الله تدعون)) للتوبيخ والتقريع
والتعجب من حالهم .
وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فى أن الأصنام
تنفعكم فادعوها .
ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجأون إلا إلى الله
فقال - تعالى - : دبل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون
ما تشركون ..
بل الإضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم ، أى : بل تخصونه
وحده بالدعاء دون الآلهة ، فيكثف ما تلتمسون كهفه إن شاء ذلك ،
لأنه هو القادرعلى كل شىء ((وتنسون,ما نشر كون، أى: تغيب عن ذاكرتكم
عند الشدائد والأموال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة.
وة م - سبحانه - المفعول على الفعل فى قوله: «بل إياه تدعون، لإفادة
الاختصاص، أى: لا تدعون إلا إياه، وذلك يدل على أن المشركين مها بلغ
ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكير م إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون .
وفى قوله.فيكشف ما تدعون، إستعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال
كشف غطاء غامرمؤلم بجامع إزالة الضر فى كل وإحلال السلامة محله.
والمقصود فيكشف الضر الذى تدعونه أن يكشفه : فالكلام على القدير
حذف مضاف .
وجواب الشرط لقوله: (إن شاء محذرف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه،

- ١٠٢ -
أى إن شاء أن يكشف الضر كشفه، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل.
ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى بيان أحوال
الأمم الماضية فقال - تعالى -: ((ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم
بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون)).
البأساء : تطلق على المشقة والفقر الشديد، وعلى ما يصيب الأمم من
أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات. والضراء. تطلق على الأمراض
والأسقام التى تصيب الأمم والأفراد .
والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك بامحمد رسلا إلى أقوامهم، فكانهؤلاء
الأقوام أعتى من قومك فى الشرك والجحود ، فعاقيناهم بالفقر الشديد
والبلا. المؤلم، أملهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشر كهم.
فالآية الكريمة تصور لوناً من ألوان العلاج النفسى الذى عالج الله به الأمم
التى تكفر بأنهمه، وتكذب أنبياء، ورسله إذ أن الآلام والشدائد علاج
النفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج.
ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك. أن تلك الأمم لم تعتبر ما أصابها
من شدائد فقال: « فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم ،
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) .
ولولا هنا للنفى، أى أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا.
وقيل إنها البحث والتحضيض بمعنى ملا، أى: فهلا تضرعوا تائبين
إلينا وقت أن جاءهم بأسنا .
وقد اختار صاحب الكشاف أنها للنفى فقال: « فلولا إذ جاءهم بأسنا
تضرعوا)) معناه: نفى التضرع، كأنه قيل. فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا
ولكنه جاء باولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم
وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زينها الشيطان لهم، (١) .
٠ (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٣.

- ١٠٣ -
ثم بين - سبحانه - أن أمرين حالا بينهم وبين التوبة والتضرع عند
-تزول الشدائد بهم، أما الأمر الأول: فهو قسوة قلوبهم، وقد عبر - سبحانه-
عن هذا الأمر الأول بقوله: ((ولكن قست قلوبهم، أى: غلطت وجمدت
وصارت كالحجارة أو أشد قسوة .
وأما الأمر الثانى فهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة ، بأن يوحى
إليهم بأن ما هم عليه من كفر وشرك وعصيان هو عين الصواب، وأن
ما أتاهم به أنبياؤهم ليس خيراً لأنه يقنافى مع ما كان عليه آباؤهم .
هذان هما الأمران اللذان حالا بينهم وبين التضرع إلى الله والنوبة اليه .
ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد
فلم يرقدوا فقال - تعالى - :
((فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء، حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون)).
والمعنى: فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها اليهم الرسل،
فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه . حتى إذا
اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذاهم متحسرون بانسون
من النجاة .
والفاء فى قوله - تعالى - ,فلما فسواء لتفصيل ما كان منهم . وبيان
ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة .
والمراد بالفسيان هنا: الإعراض والترك. أى: أنهم تركوا الإهتداء
بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ
وجه لإصرارهم على كفرهم، وجهودهم على تقليد من قبلهم.
والتعبير بقوله - تعالى - , فتحنا عليهم أبواب كل شىء» يرسم صورة

- ١٠٤ -
بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان فعمها ، وبكل ..
قوتها وإغرائها، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم باليأساء والضراء.
وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله: ((بما أوتوا)، بالبناء.
للمجهول لأنهم محبون ان ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم ، كما قال قارون
من قبل . إنما أوقيته على علم عندى)).
وأضاف - سبحانه - الأخذ الی ذاته فی قوله (( أخذناهم ، لأنهم كانوا
لا ينكرون ذلك، بل كانوا ينسون الخلق والإيجاد الى الله - تعالى - .
وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا ، أى أخذ ناهم بعذاب ..
الاستئصال حال كونتا مباغتين لهم. أو حال كونهم مبغوتين، فقد فجأهم
العذاب على غرة بدون إمهال .
وإذا فى قوله (( فإذاهم مبلسون)) فجائية، والمبلس: الباهت الحزين.
البائس من الخير، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال .
روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى (صلى الله عليه ..
وسلم) قال: ((واذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب
فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله - تعالى -,فلما نسوا ما ذكروا به ...
الآية . .
ثم قال - تعالى -: (( فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله
رب العالمين) .
الدابر: الآخر، والمعنى: فأهلك الله - تعالى - أولئك الأقوام عن ..
أخرهم بسبب ظلمهم وفجورهم ، والحمد لله رب العالمين الذى نصر رسله.
وأولياء,على أعدائهم، وفى ختام هذه الآية بقوله (( والحمد لله رب العالمين)) ..
تعليم لنا، إذ أن زوال الظالمين نعمة تستوجب الحمد والثناء على الله - تعالى ..

- ١٠٥ -
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة عليهم فى خالقهم وتكوينهم، وبين لهم
إذا سلبهم شيئاً من حواسم فإنهم لا يتجهون إلا اليه فقال - تعالى -:
قُلْ
أَرَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَ كُمْ وَخَتَ عَلَى قُلُوبِكُ مَّنْ إِلَهُ
غيرُ اللهِيَأِّْكُمْ بِهُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (5)
قُلْ أَرَ يْكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ الَِّبَغْتَةُ أَوْ جَهْرَةَّ هَلْ يُهَكُ إِلَّ الْقَوْمُ
الَّلِمُونَ ﴿ وَمَا ◌ُرْسِلُ الْمُرْسِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِنَّ ثَنْ
٥٠َمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٨) وَلَّذِينَ كَذَّبُواْ
◌ِايَئِنَا بَسُهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (
١٩
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاحدين: أخبرو إن سلب الله.
منكم نعم السمع والبصر فأصبحتم لا تسمعون ولا تبصرون، وختم على
قلوبكم فصرتم لا تفقهون شيئاً ، من إله غيره يقود على رد ماسلب منكم
وأنتم تعرفون ذلك ولا تنكرونه فلماذا تشر كون معه آلهة أخرى ؟ ثم
التفت عنهم الى التعجيب من حالهم فقال - تعالى - ((أنظر كيف نعرف
الآيات ثم هم يصدفون)) أى: أنظر كيف ننوع الآيات والحجج والبراهين.
فتجعلها على وجوه شتى ليتعظوا ويعتبروا ثم هم بعد ذلك يعرضون عن.
الحق، ويتأون عن طريق الرشاد .
والاستفهام فى قوله - تعالى - ((أرأيتم)) للتنبيه، أى: «ان لم تكونوا
قد رأيتم ذلك فنبينوه وتأملوا ما يدل عليه .
والضمير فى { به ) يعود الى المأخوذ وهو السمع والبصر والفؤاد.

- ١٠٦ -
وفى قوله ( أنظر كيف نصرف الآبات ثم هم يصدفون ) تعجيب من
عدم تأثرهم رغم كثرة الدلائل وتنوعها من أسلوب إلى أسلوب.
وجملة (ثم هم يصدفون) معطوفة على جملة نصرف الآيات وداخلة فى
حكمها ، وكان العطف بثم لإفادة الاستبعاد المعنوى، لأن تصريف إلاّ بات
والدلائل يدعو الى الإقبال ، فكان من المستبعد فى العقول والأفهام أن
يترتب عليه الإعراض والإبتعاد.
قال القرطبى: (يصدفون) أى. يعرضون. يقال: صدف عن الشىء
إذا أعرض صدفا وصدوفا فهو صادق ... فهم ما ثلون معرضون عن الحجح
والدلالات (١) .
ثم وجه عقولهم الى لون آخر من ألوان الإقناع فقال - تعالى -:.
(قل أرايتم ان أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة، هل يهلك إلا القوم
الظالمون). بغتة: أى مفاجأة، وجهة: أى جهارا عيانا .
والمعنى: قل لهم أيها الرسول الكريم أخبرونى عن مصيركم أن أناكم
عذاب الله مباغتاً ومفاجئاً لكم من غير ترقب ولا انتظار، أو أتاكم ظاهراً
واضحاً بحيث ترون مقدماته ومباديه، هل يهلك به إلا القوم الظالمون ؟
والاستفهام فى قوله ( حل يهلك. ) بمعنى النفي ، أى: ما يهلك به إلا
القوم الظالمون ، الذين أصروا على الشرك والجحود، فيلاكهم سببه السخط
عليهم والعقوبة لهم، لأنهم معموا وصموا عن الهداية .
ثم بين - سبحانه - وظيفة الرسل فقال: (وما نرسل المرسلين) إلا
مبشرين ومنذرين)، أى : تلك سنتنا وطريقتنا فى اهلاك المكذبين للرسل،
والمعرضين عن دعوتهم ، فإننا ما نرسل المرسلين اليهم الا بوظيفة معينة محددة
هى تقديم البشارة لمن آمن وعمل صالحاً، وسوق الإنذار لمن كذب وعمل سيئاً.
فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل - عليهم
الصلاة والسلام - ولإظهار أن ما يقترحه المشر كون عليهم من مقترحات
باطلة ليس من وظائف المرسلين أصلا .
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٤٢٨.

- ١٠٧ -
ثم بين - سبحانه - عاقبة من آمن وعاقبة من كفر فقال: (فمن آمن
وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، والذين كذبوا بآياتنا ٢سهم
العذاب بما كانوا يفسقون).
والمعنى: فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأصلح
فى عمله. فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذى ينزل بالجاحدين، ولا من
عذاب الآخرة الذى يحل بالمكذبين، ولاهم يحزنون يوم لقاء الله على شىء فانهم
والمس اللمس باليد ، ويطلق على ما يصيب المرء من ضر أو شر - فى
الغالب - وفى قوله ( يمسهم العذاب ) استعارة تبعية، فكأن العذاب كان
حى يفعل بهم مايريد من الآلام والعذاب .
ثم لقن الله - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وسلم) الأجوبة الحاسمة
التى تدمغ شبهات الكافرين، ولبين ضلال مقترحاتهم فقال:
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُرْ
عِندِى خَآَبِنُ اللّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِ مَلَكٌ إِنْ
أَتَّبِعُ إِلَّمَا يُوحَى إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِبْرُ أَفَلَا
ج
◌ُتَفَّكَّرُونَ (ْ وَأَنِذِرُ بِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِهِمْ لَيْسَ
لَمُ مِّن دُونِهِ، وَلٌِ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٨) وَلَا تَظْرُدِ الّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَهُ بِالْغَدَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ, مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم
مِّنْ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَىْءٍ فَتَظْرَّدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظّلِينَ (﴾ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لِيَقُولُواْ أَهْتُؤُلَاءِ مَنَّ
اللهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ الله ◌ِأَعْلَبِلشَّئِكِينَ
٥٣

- ١٠٨ -
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقترحون عليك المقترحات
الباطلة قل لهم : ليس عندى خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون.
وإنما ذلك لله - تعالى - فهو الذى له خزائن السموات والأرض، وقد
كان المشركون يقولون النبى - صلى الله عليه وسلم - إن كنت رسولا
من اللّه فاطلب منه أن يوسع عيشنا ويغنى فقرنا، وقل لهم كذلك إنى
لا أعلم الغيب فأخبركم بما مضى وبما سيقع فى المستقبل، وإنما على ذلك
عند الله، وقد كانوا يقولون له أخبرنا بما ينفعنا وبضرنا فى المستقبل .
حتى تستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، وقل لهم: إنى لست مل كا.
فأطلع على مالا يطلع عليه الناس وأقدر على مالا يقدرون عليه .
وقد كانوا يقولون : ما لهذا الرسول بأكل طعاما ويمشى فى الأسواق
ثم يتزوج النساء .
ثم بين لهم وظيفته فقال: ( إن أقبع إلا ما يوحى إلى )
أى إن وظيفتى اتباع ما يوحى الى من ربى. فأنا عبده وممتثلى لأمره،.
وحاشاى أن أدعى شيئا من تلك الأشياء التى اقتر حتموها على.
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لإظهار قبريه عما يقترحونه
عليه .
ثم بين لهم - سبحانه - الفرق بين المهتدى والضال فقال . (قل هل
يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ).
أى: قل لهم: هل يستوى أعمى البصيرة الضال عن الصراط
المستقيم الذى دعوتكم إليه، وذو البصيرة المنيرة التى اهتدت إلى الحق
فآمنت به واقبعته ؟
فالمراد بالأعمى الكافر الذى لم يستجب الحق، وبالبصير المؤمز الذى.
انقاد ه .

- ١٠٩ -
والاستفهام للافكار ونفى الوقوع، أى: كما أنه لا يتساوى أعمى العينين
وبصيرهما، فكذلك لا يتساوى المهتدى والضال والرشيدو السفيه بل إن الفرق
بين المهتدى والضال أقوى وأظهر، لأنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو
من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من
الأنعام، ولذا قرعهم الله - تعالى - بقوله: ((أفلا تتفكرون؟ أى: أفلا
تتفكرون فى ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام، وبين صفات
الرب وصفات الأنسان والاستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - ؤلتغ - أن يجتهد فى إنذار قوم بتوقع
منهم الصلاح والاستجابة للحق ، بعد أن أمره قبل ذلك بتوجيه دعوته إلى
الناس كافة فقال تعالى: ((وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم
ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يعقون)).
والمعنى: عظ وخوف بامحمد بهذا القرآن أولئك الذين يخافون شدة الحساب
والعقاب، وتعتريهم الرهبة عندما يتذكرون أهوال يوم القيامة لأنهم
يعلمون أنه يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة، فهؤلاء هم الذين ترجى
هدايتهم ارقة قلوبهم وتأثرهم بالعظات والعبر .
فالمراد بهم المؤمنون العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولذاقال
ابن كثير: ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم .. ) أى وأنذر
بهذا القرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين يخشونربهم
ويخافون سوء الحساب أى: يوم القيامة، (ليس لهم) يومئذ (من دون الله
ولى ولا شفيع) أى : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم
( لعلهم يتقون) فيعملون فى هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه
ويضاعف لهم الجزيل من ثوابه )(١).
((١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٢٤.

- ١١٠ -
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرب فقراء المسلمين من،
مجلسه لأنهم مع فقرهم أفضل عند الله من كثير من الأغنياء. فقال تعالى :.
(( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)).
أى : لا تبعد أيها الرسول الكريم عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء
الذين يدعون ربهم صباح مساء، ويريدون بعملهم وعبادتهم وجه الله وحده
بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك فهم أفضل عند الله من الأغنياء المتغطرسين
والأقوياء الجاهلين .
وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ماجاء عن ابن
مسعود قال: ( مر الملأمن قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعنده
خباب وصهاب وبلال وعمار فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء
الذين من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ لا أطردهم فلعلك
إن طردتهم نتبعك. فنزلت هذه الآية (١):
ففى الآية الكريمة نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن أن يطرد هؤلاء
الضعفاء من مجلسه. لأنه وإن كان صلى الله عليه وسلم يميل إلى تأليف قلوب
الأقوياء للاسلام لينال بقوتهم قوة ، إلا أن الله تعالى بين له أن القوة فى الإيمان
والعمل الصالح، وأن هؤلاء الضعفاء من المؤمنين قد وصفهم خالقهم بأنهم
يتضرعون إليه فى كل أوقاتهم ولا يقصدون بعبادتهم إلا وجه الله، فكيف
يطردون من مجالس الخير ؟
ثم قال تعالى: ( ما عليك من حسابهم من شىء، وما من حسابك عليهم
من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين).
٤٠
أى: إن الله تعالى هو الذى سيتولى حسابهم وجزاءهم ولن يعود عليك
من حسابهم شىء، كما أنه لا يعود عليهم من حسابك شىء، فهم مجزيون ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٠٤.

- ١١١ -
بأعمالهم ، كما أنك أنت يا محمد مجزى بعملك، فإن طردتهم استجابة لرضى.
غيرهم كنت من الظالمين . إذ أنهلم يصدر عنهم ما يستوجب ذلك، وحاشا
الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطرد قوما تلك هى صفاتهم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أما كفى قوله (ما عليك من حسابهم.
من شىء) حتى ضم إليه ( وما من حسابك عليهم من شىء)؟ قلت: قد جعلت
الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنى فى قوله :
(ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً
كأنه قيل: لاتؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .
وقيل: الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم.
حتى يهمك إيمانهم ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين)(١).
وهذا تخريج آخر لقوله: ( ما عليك من حسابهم من شىء ، وما من.
حسابك عليهم من شىء ) بأن المعنى: ما عليك شىء من حساب رزقهم أن
كانوا فقراء، وما من حسابك فى الفقر والغنى عليهم من شىء، أى أنت مبشر
ومنذر ومبلغ للناس جميعاً سواء منهم الفقير والغنى، فكيف تطرد فقيراً
لفقره، وتقرب غنيا لغناه؟ إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين ، ومعاذ
الله أن يكون ذلك منك .
وقوله (فتكون من الظالمين) جواب النهى عن الطرد، وقوله (فتطردهم)
جواب لنفى الحساب .
ثم قال تعالى: ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: هؤلاء من الله
عليهم من بيننا . أليس الله بأعلم بالها كرين).
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٢٣.

- ١١٢ -
والمعنى: ومثل ذلك الفتن. أى الابتلاء والاختبار، جعلنا بعض البشر
فتنة لبعض ، ليترقب على هذه الفتن أن يقول المفتونون الأقوياء فى شأن
الضعفاء: أهؤلاء الصعاليك خصهم الله بالإيمان من بيننا! وقد رد اله عليهم
بقوله ( أليس الله بأعلم الشاكرين) أى: أليس هو بأعلم بالشاكرين له
باقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيرفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من
الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
والكاف فى قوله ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض .. ) فى محل نصب على أنها
فعت لمصدر محذوف والتقدير: ومثل ذلك الفتون المتقدم الذى فهم من
سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمم ببعض، ومن مظاهر ذلك أننا
ابتلينا الغنى بالفقير، والفقير بالغنى، فكل واحد مبتلى بضده، فكان ابتلاء
الأغنياء الشرفاء حسدم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام
وتقدموا عليهم، فامتنعوا عن الدخول فى الإسلام لذلك، فكان ذلك فتنة
وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب
عيشهم . فكان ذلك فتنة لهم (١).
واللام فى قوله ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) تعليلية لأنهاهى
الباعث على الاختبار أى: ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء
منا واتحانا .
والاستفهام فى قوله (أليس الله بأعلى بالشاكرين) للتقرير على أكمل
وجه لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل .
وكذلك تكون الآيات الكريمة قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه
ولا بالقوة فى الدنيا، ولكنه بمقدار شكر الله على ما أنعم ، وأنه سبحانه
هو العالم وحوه بمن يستحق الفضل علماً ليس فوقه علم ,
(١) حاشية الجمل = ٢ ص ٠٣٤

٠١١٣
سورة الأنعام
وَإِذَا جَاءَكٌ
لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعَايَنِنَا فَقُلْ سَلَمْ عَلَيْكٌُّ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الْمَةَ أَنَهُ مَنْ عَمِلَى مِنْكُرْ سُوءًا بِهَائِلَةٍ ثُمَ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ
فَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦﴾ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ وَلِتَسْقَبِينَ سَبِيلُ
الْمُجْرِمِينَ يَ قُلْ إِنُبِيْتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ
قُل لََّ أَنَّبِعُ أَهْوَآءَ كُمْ قَدْ ضَلْتُ إِذَّا وَمَا أَنَأْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
السلام والسلامه مصدران من الثلاثى. يقال - (فلان من المرض أو من
البلاء سلاماً وسلامة ومعناهما البراءة والعافية. ويستعمل السلام فى التحية،
وهو بمعنى الدعاء بالسلامة من كل سوء، فهو آية المودة والأمان والصفاء.
والمعنى: وإذا حضر إلى مجالسك يا محمد أولئك الذين يؤمنون بآياتنا
ويعتقدون صمتها فقل لهم: تحية لكم من خالقكم وبشارة لكم بمغفرته ورضوانه
ما دمتم متبعين لهديه ، ومحافظين على فرائضه ..
(كتب ربكم على نفسه الرحمة) أى أنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة
لعباده تفضلا منه وكرما .
ثم بين سبحانه أصلا من أصول الدين فى هذه الرحمة المكتوبة فقال «أنه
من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم.
أى أنه من عمل منكم عملا تو. عاقبته متلبساً بجهالة دفعته إلى ذلك
السوء كغضب شديد ثم تاب من بعد تلك الجهالة وأصلح خطأه وقدم على
ما بدر منه، ورد المظالم إلى أهلها ، فالله سبحانه شأنه فى معاملته لهذا التائب
النادم أنه غفور رحيم ،
(٨ - سورة الأنعام)

١١٤
الجزء السابع
ثم قال تعالى (وكذلك نفصل الآيات) المنزلة فى بيان الحقائق التى.
يهتدى بها أهل النظر الصحيح والفقه الدقيق.
(( ولتستبين سبيل المجرمين، أى ولأجل أن يظهر بها طريق المجرمين ..
فيمتازوا بها عن جماعة المسلمين .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يصارح أعداءه ببراء ته
من شركهم ومن اتباع باطلهم فقال - تعالى -: قل إنى نهيت ... ».
قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة ما يدل.
على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين. ذكر فى هذه
الآية أنه - تعالى - نهى عن سلوك سبيلهم فقال: إنى نهيت أن أعبد الذين
تدعون من دون الله، وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض.
الهوى والتقليد لا على سبيل الحجة والدليل، لأنها جمادات وأحجار وهى أخس
مرتبة من الإنسان بكثير . وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخص أمر يدفعه
صريح العقل وأيضاً فالقوم كانوا ينحتون تلك الأصنام وير كبونها، ومن
المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه،
فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى ومضادة للهدى)) (١).
والمعنى: قل يا محمد هؤلاء المشركين الذين يريدون منك أن تر كن إليهم.
إن الله نهانى وصرفنى بفضله، وبما منحنى من عقل مفكر عن عبادة الآلهة
التى تعبدونها من دون الله، وقل - أيضاً - لهم بكل صراحة وقوة: إنى لت.
متبعا لما تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد للأباطيل، ولو أنى.
وكنت إليكم اضلت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة المهتدين.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٥٤ طبعة المطبعة الشرقية ١٣٢٤ ..

١١٥
سورة الأنعام
فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة فى استمالة
التى (صلى الله عليه وسلم) إلى أهوائهم، وسمتهم بأنهم فى الضلال
غار قون ، وعن الهدى مبتعدون .
وجاءت كلمة «نهيت)، بالبناء للمجهول للإستغناء من ذكر الفاعل أخظهوره
أى: نها فى الله - تعالى - عن ذلك. وأجرى على الأصنام اسم الموصول
الموضوع العقلاء لأنهم عاملوم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى اعتقادهم.
قال أبو حيان: ( وقدعون معناه تعبدون: وقيل معناه تسمونهم آلهة
من دعوت ولدى زيداً أى سميته بهذا الإسم. وقيل تدعون فى أمور كم
وحوائجكم وفى قوله تدعون من دون الله استجهال لهم ووصف بالاقتحام
فيما كانوا منه على غير بصيرة، ولفظة نهيت أبلغ من النفى بلا أعبد إذ ورد
فيه ورود تكليف )) (١) .
وجملة ((قل لا أتبع أهواء كم)، مستأنفة، وعدل بها عن المطف الى
الاستئناف لتكون غرضاً مستقلاً، وأعيد الأمر بالقول زيادة فى الاهتمام
بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفى شاملا الإتباع فى عبادة الأصنام
وفى غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من مجلسه، وعبر بقوله
((قل لا أتبع أهواء كم، دون لا أتبعكم. الإشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير
الله تابعون للأهواء الباطلة، نابفون الأدلة العقلية، وفى هذا أكبر برمان
على أنطماس بصيرتهم، وبناتهم لدينهم على الأوهام والأباطيل.
وجملة (« قد ضالت إذاً، جواب الشرط مقدر. أى: إن اتبعت أهواءكم
فقد ضلات إذاً وما أهديت .
وجملة ((وما أنا من المهتدين)) معطوفة على جملة ((قد ضلات)) ومؤكدة
(١) البحر المحيط لأبي حيان ج ٤ ص ١٤٢

١١٦
الجزء السابع
لمدونها أى: إنه إر فعل ذلك - على سبيل الفرض والتقدير - خرج عن الحالة
التى هو عليها الآن من كونه فى عداد المهتدين الى كونه فى زمرة الضالين .
والتعبير بقوله ((وما أنا من المهندين، أبلغ من قوله وما أنا مهند، لأن
التعريف فى المهتدين تعريض للجنس ، وإخبار المتكلم عن نفسه بأنه من
المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التى تعرف عند الناس بقت المهتدين ،
فيفيد أنه مهند بطريقة تشبه طريقة الاستدلال، فهو من قبيل الكتابة التى
هى إثبات الشىء بإثبات ملزومه وهى أبلغ من التصريح . ولذا قال صاحب
الكشاف قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم، لأنك تشهد له
بكونه معددواً فى زمرتهم ومعرفة مساهمته معهم فى العلم،.
وبعد أن أمر الله - تعالى - نبه بمصارحة المشركين بأنه لن يكون فى
يوم من الأيام متبعاً لأهوائهم، أمره أن يخبرهم بأنه على الحق الواضح الذى
لا يضل متبعه، وبأن الله وحده هو الذى سيقضى بينه وبينوم فقال - تعالى -:
قُلْ إِى عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِى وَكَثْتُ بِّ مَا عِنِدِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بَِّ.
إِن الْحُكُ إِلَِّ يَقُصُ الْحَنِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِنَ (٥ قُل لَّوْ
أَنَّ عِندِى مَاتَسْتَعِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى وَ بَيْتَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ
بِالظَِّينَ ﴿ وَعِندَهُ مَفَائِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَ هُوَّ وَيَعْلمُ
مَا فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَّةٍ فِي
◌ُمْتِ الْأَرْضِ وَلَ رَطْبٍ وَلَ يَا بِ إِلَّ فِي كِنَبِ مُبِينٍ
٥٩
البينة الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر ، أو الحجة الفاصلة بين

١١٧
سورة الأنعام
الحق والباطل على أنها من البينونة أى الانفصال .
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم
كيف يتأتى لى ذلك وأنا على شريعة واضحة وملة صحيحة لا يعتريها شك،
ولا يخالطها زيغ لأنها كائنة من ربى الذى لا يضل ولا ينسى.
والتنوين فى كلمة «بينة، التفخيم والتعظيم، وهى صفة لموصوف
محذوف للعلم به فى الكلام، أى: على حجة بينة واضحة محقة للحق ومبطلة
الباطل فأما أن أتزحزح عنها أبدا.
وفى ذلك تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم،
وإنما هم قد اتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وجملة ((وكذبتم به، فى موضع الحال من «بينه، وهى تفيد التعجب
منهم حيت كذبوا بمادلت عليه البينات ، وأنفقت على صحته العقول السليمة.
والضمير فى قوله ((به، يعود على الله - تعالى - أى: وكنتم بالله مع
أن دلائل توحيده ظاهرة واضحة .
وقيل يعود على البيئة والتذكير باعتبار أنها بمعنى البيان .
وقيل يعود على القرآن أى والحال أنكم كذبتم بالقرآن الذى هو بيتى
من ربى .
وقوله (( ماعندى ما تستعجلون به، أى: ليس فى مقدورى أن أنزل
بكم ما تستعجلونه من العذاب، وإنما ذلك مرجعه إلى لله وحده .
وهذه الجملة الكريمة رد على المشركين الذين استعجلوا نزول العذاب
عند ما أنذرهم النبى ( صلى الله عليه وسلم) بسوء المصير إذا ما استمروا
فى صلالهم، فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا « اللهم إن كان هذا هو الحق
مر عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فكان رد النبى
(مَِ ) عليهم بأن الذى يملك إنزال العذاب بهم إنماهو الله وحده، وتأخير
العذاب عنهم إنما هو لحكمة يعلمها الله، فهو وحده الذى يقدر وقت نزوله.

١١٨
الجزء السابع
وقوله (( إن الحكم إلا لله، أى: ما الحكم فى تعجيل الصــ اب أو تأخيره
وفى كل شأن من شئون الخلق إلا ته وحده فهو - سبحانه - الذى ينزل
قضاءه حسب سنته الحكيمة، وموازينه الدقيقة .
وقرأ الكيمائى وغيره (يقض الحق، أى: يقض - سبحانه - القضاء
الحق فى كل شأن من شؤونه.
وقوله ((بقص الحق، أى: يتبع الحق والحكمة فيها محكم به ويقدره
< وهو خير الفاصلين، أى: القاضين بين عباده.
قال ابن جرير: «وهو خير الفاصلين، أى: وهو خير من ميز بينه
المحق والمبطل وأعد لهم ، لأنه لا يقع فى حكمه وقضائه حيف إلى أحد
الوسيلة إليه ولا لقرابة ولامناسبه، ولا فى قضائه جور لأنه لا يأخذ الرشوة
فى الأحكام فيجور، فهو أعدل الحكام وخير الفاصلين، (١).
ثم بين - سبحانه - حالهم فيما لو كان أمر إنزال العذاب عليهم بيد النبي
....
عليه الصلاة والسلام فقال : قال لو أن عندى.
أى : قل لهم يا محمد لو أن فى قدرتى وإمكانى العذاب الذى تتمجلونه،
لقضى الأمر بينى وبينكم .
قال صاحب الكشاف أى: لأملكتكم عاجلا غضباً مربى. وامتعاضناً
من تكذيبكم به، ولتخلصت منكم مربعاً، (٢).
وجملة ((وان أعلم بالظالمين)) تذييل، أى: والله أعلم منى ومن كل أحد
محكمة تأخير العذاب وبوقت نزوله، لأنه العليم الخبير الذى عنده
ما تستعجلون به .
والتعبير ((بالظالمين)) إظهار فى مقام ضمير الخطاب لإشعارهم بأنهم
(١) تفسير ابن جرير =٧ ص ١٢٥
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢٠ طبعة بيروت.

١١٩
سورة الأنعام
ظالمون فى شركهم وظالمون فى تكذيبهم لما جاء به النبى (صلى الله عليه وسلم).
قال ابن كثير : فإن قيل: فكيف الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت فى
الصحيحين عن عائشة أنها قالت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بارسول الله،
هل أتى عليك يوم كان أشدمن يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان
أشد مالقيت منهم يوم العقبة، إذعرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال
فلم يجينبى إلى ما أردت، فانطلقت وأنامهموم على وجهى فلم أستفق إلا بقرن
الثعالب (١) فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فيها فإذا جبريل
فنادانى فقال: إن الله قدسمع قول قومك لك ، وماردوا به عليك وقد بعث
إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال وسلم على ثم قال
يا محمد: إن الله قد سمع قولقومك لك. وأنا ملك الجبال وقد بعثنى ربك إليك
لتأمرنى بأمرك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله :
بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له .
فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم وسأل لهم التأخير لعل
الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً .
قال ابن كثير فالجواب على ذلك - والله أعلم - أن هذه الآية دات
على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذى يطلبونه حال طلبهم له لأ وقعه بهم،
وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك
الجمال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين وهما جيلا مكا يكنتفانها جنوبا
وشيالا فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم، (٢).
ثم يمضى السياق القرآنى مع المكذبين المتعجلين للعذاب ، فيسوق لهم
(١) قرن الثعالب أو قرن المنازل: اسم «كان على بعد يوم وليلة من
مکة وهو ميقات أهل نجد .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٢٦

١٢٠
الجزء السابع
صورة لعلم الله الشامل الذى لايند عنه شىء «وعنده مفاتح الغيب.
لا يعلمها الآهو ....
قال القرطبى: (( مفاتح، جمع مفتح، ويقال مفتاح ويجمع مفاتيح،
وهى قراءة ابن السميقع ، والمفتح عبارة عن كل ما يخل غلفاً محسوساً
كان كالففل على البيت أو معقولا كالنظر ، وروى ابن ماجه فى سننه
وأبى حاتم البستى فى صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ( صل
الّه عليه وسلم) ((إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس
مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ،
وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه، وهو فى الآية استعارة عن
التوصل إلى الغيوب كما يتوصل فى الشاهد بالمفتح إلى الغيب عن الإنسان.
ولذلك قال بعضهم هو مأخوذ من قول الناس افتح على كذا، أى: أعطنى
أو علمنى ما أنوصل إليه به فانه - تعالى - عنده علم الغيب، وبيده الطرق
الموصلة إليه لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء.
حجبه عنها حجبه .. )) (١).
والغيب : ما غاب عن علم الناس بحيث لا سبيل لهم إلى معرفته، وهو
يشمل الأعيان المغيبة كالملائكة والجن، ويشمل الأعراض الخفية ومواقيت
الأشياء وغير ذلك. وقدم الظرف لإفادة الاختصاص، أى: عنده لا عند.
غيره مفاتيح الغيب، وجملة لا يعلمها إلا هو، فى موضع الحال من مفائح)،
وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها .
ومعنى «لا يعلمها إلا هو، أى: لا يعلم الغيوب علماً تاماً مستقلا إلا
هو - سبحانه - فأما ما أطلع عليه بعض أصفياته من الغيوب فهو إخبارمنه لهم»
(١) تفسير القرطبى ج ٧ ص ١ طبعة دار الكتاب العربى .