Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
وفى قصر الحمدو الثناء عليه وحده. إلا أن كل واحدة منها قد سا. كت.
منهجا خاصا فى تقرير هذه الحقيقة، وفى إقامة الأدلة على صدقها .
وقد أحسن القرطبى عندما قال: ((فإن قيل: قد افتتح غيرما- أى - ورة.
الأنعام - بالحمد فه فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟ فيقال : لأن
لكل واحدة منه معنى فى موضعه، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم
المختلفة وأيضاً فذما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون، (١).
١
ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التى تحمل العقلاء على أن يجعلوا
حمد هم كله لله - تعالى - فقال :
((الذى خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور)).
والمعنى: الحمد كله لله الذى أنشأ بقدرته هذه العوالم العاوية والسفلية».
وأوجد مافيها من مخلوقات ناطقة وصامتة، وظاهرة وخافية وأحدث مايتعاقب
عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات. فالجملة الكريمة قد اشتملت على
صفتين من صفات الله - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل الله
- عزن جل - وهما خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور .
وعبر - سبحانه - فى جانب السموات والأرض بخلق، وفى جانب.
الظلمات والنور يجعل، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الإبتدائى من
العدم، أما الجعل فيتضمن معنى تكو يزشىء مزشىء أو من أشياء فالظلمات ..
تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض، والنور يتكون من بزوع الشمس
على الأرض ، وهذه التقلبات الكونية هى بتقدير الله العزيز العليم .
قال صاحب الكشاف: «والفرق بين الخلق والجمل. أن الخلق فيه معنى.
(١) تفسير القرطبى ٦ ص ٣٨٤ طبعة دار الكاتب العربى سنة ١٩٦٧م).

- ٤٢ -
التقدير، وفى الجعل معنى التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو تصبير عى.
شيئاً، أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك ((وجعل منها زوجها)، وجعل»
الظلمات والنور»، لأن الظلمات من الأجرام المتكائفة، النور من
٠٠العار)) (١).
١٠
وقال الفخر الرازى: «وإنما حسن لفظ الجعل هنا، لأن النور
والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر، (٢).
وقال أبو السعود: ((والجعل هنا هو الأنشاء والإبداع كالخلق ، خلا
أن ذلك - أى الخلق - مختص بالإنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير
والتسوية وهذا عام له كما فى الآية الكريمة والتشريعى أيضاً كما فى قوله
- تعالى - ( ما جعل الله من بحيرة .. )(٣).
وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسموات .
إلا أنها فى كثير من المواضع القرآنية تفرد - أى الأرض - وتجمع السماء
كما هما، أعظم السماء. ولإحاطتها بالأرض، ولأنه لم يعرف أن الله - تعالى -
قد عصى فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، بخلاف طبقات
الأرض فإنها متصلة .
والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية، كما أن المراد بالنور النور الحسى
لأن اللفط حقيقة فيهما، ولأنه ما إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض
فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان ، ولأن القرآن يستشهد
(١) الكشاف ج ٢ ص ٣ الزمخشرى. طبعة دار الكائب العربى
بيروت .
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٥.
(٣) تفسير أبو السعود جـ ٢ ص ٧٧ طبعة صبيح،

- ٤٣ -
عليهم بمقتضى ما يسلونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه -
بخلق هذه الأشياء .
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات، ظلمات الشرك والكفر
والنفاق، وأن المراد بالنور، أور الإيمان والإسلام واليقين، وعلى هذا
الرأى يكون المراد بهما معنويا لا حسيا .
قال صاحب المنار : قال الواحدى : والأولى حمل اللفظين عليهما،
واستشكله الرازى لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز،
والمختار عندنا جوازه، وجواز استعمال المشترك فى معنبيه أو معافيه إذا
احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم
هذا فإن الجعل بشمل الخلق والأمر - أى الشرع - كما تقدم، فيفسر
جعل كل فور بما يليق به (١).
وعبر القرآن فى جانب الظلمات بصيغة الجمع ، وفى جانب النور بالإفراد
لأن النور واحد ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير
حقيقته. أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها، فهناك ظلمة الليل ، وهناك
ظلمة السجون ، وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهى تتغير حقائقها
بتغير أسبابها . ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوى وهى أن ظلمة الإدراك تتعدد
حقائقها، فهناك ظلمة الإنحراف، وظلمة الأهواء، والشهوات وطمس
القلوب .
(١) تفسير المنار ج ٧ ص ٢٩٥ للشيخ رشيد رضا. طبعة دار المنار
سنة ١٣٦٧ هجرية .

- ٤٤ -
والنور واحد ( وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق.
بكم عن سبيله ) فالنور فى هذا واحد (١).
ثم بين - سبحانه - المؤقف الجحودى الذى وقفه المشركون من قضية
الألوهية فقال (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون).
العدل: المراد به هنا التسويه، فقال: عدل الشىء بالشىء إذا سواء به
والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض، وهو الذى
جعل الظلمات والنور، فهو لذلك من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده وأن
يخصوه بالحمد والثناء ولكن المشركين مع كل هذه الدلائل الدالة على
وحدانية الله وقدرته يسأوى به غيره فى العبادة، ويشركون معه آلهة
أخرى لا تنفع ولا تضر .
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة (الحمدلله ) على معنى أن اللّه
- تعالى - حقيق بالحمد على ما خلق من نعم ، وأوجد من كائنات ثم الذين
كفروا يجحدون كل ذلك فيشركون معه آلهة أخرى .
ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة ((خلق السموات والأرض، على
معنى أن الله - تعالى - قد خلق الأشياء العظيمة التى لا يقدر عليها أحد
سواء ، ثم إن المشركين بعد ذلك يعدلون به جماداً لا يقدر على شىء
أملا.
وجاء العطف ((ثم) لإفادة استبعاد واستقباح ما فعله الكافرون. فانهم
رغم البراهين الواضحة والداله على وحدانية الله وقدرته ، قد نزلوا بمداركهم
إلى الحضيض فسووا فى العبادة بين الخالق والمخلوق .
(١) مجلة لواء الإسلام العدده السنة ٢٣: تفسير سورة الأنعام الفضيلة
الأستاذ الشيخ محمد أبى زهرة :

- ٤٥ -
قال القرطبى: قال ابن عطية: «فثم دالة على قبح فعل الكافرين لأن
المعنى أن خلق السموات والأرض قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه
بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم ، فهذا كا تقول: يا فلان أعطيتك
وأكر منك وأحسنت إليك ثم تشتمنى؟ ولو وقع العطف بالواو فى هذا
ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه ثم)، (١):
. ثم ساق القرآن فى الآية الثانية دليلا آخر على أن الله - تعالى - هو
المستحق للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق فتحدث عن أصل
خلق الإنسان ، بعد أن تحدث فى الآية الأولى عن خلق السموات
والأرض فقال :
« هو الذى خلقكم من طين، ثم قضى أجلا، وأجل مسمى عنده،
ثم أتم تمؤون ،.
أى: هو الذى انشأ كم من طين، ثم تعهدكم برعايته فى مراحل خلقكم بعد
ذلك، كما قال - تعالى -: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلنا.
نطفة فى قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا
المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنهاناء خلفاً آخر ، فتبارك الله أحسن
الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم' يوم القيامة تبعثون)).
وفى ذكر خلق الإنسان من طين، دليل على قدرة الله وعظمته، لأنه
- سبحانه - هو الذى حول هذا الطين إلى نشر سوى مفكر، يختار الخير
فيهتدى ويختار الشر فيردى ، كما أن فيه تذ كيراً له بأصله حتى لا يستكبر
أو يطغى، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن بعيده
إليه.
(١) تفسير القرطبى : ٢ ص ٠٣٨٧

- :٤٦ -
: قال تعالى: (( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)).
د .. قال أبو السعود: (وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل مهمة
البعث، مع أن ماذكر من خلق السموات والأرض من أو ضحها وأظهرها.
لم أن محل النزاع بعثهم ، فدلاله بده خلقهم على ذلك أظهر ، وهم بشئون
أنفسهم أعرف، والتعامى عن الحجة البيئة أقبح)(١).
وقال الجمل : (وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه
السلام - وهو المخلوق منه حقيقة. لتوضيح منهاج القياس، والمبالغة فى
إزاحة الاشتباه والالتباس، مع ما فيه من تحقيق الحق، والتنبيه على حكمة
خفية هى أنكل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام-
منه . حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا.
منطوبا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا، فكان حلقه - عليه
السلام - من الطين خلفا لكل أحد من فروعه)(٢).
ثم قال - تعالى - , ثم قضى أجلا، وأجل مسمى - عنده،. الأجل
فى اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت
المضروب لانتهاء عمره . والمعنى: أنه سبحانه - قدر لعبادة أجلين: أجلا
تنتهى عنده حياتهم بعد أن عاشوا زمنامعينا، وأجلاآخر يمتد من وقت موتهم
إلى أن يبعثهم الله من قبورهم عند انتهاء عمر الدنيا ليحاسبهم على أعمالهم،
هذا هو الرأى الأول فى معنى الأجلين .
وقيل : المراد من الأجل الأول آجال الماضين من الخلق ، ومن الثانى
(١) تفسير أبى العود - ج ٢ ص ٠٧٨
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤.

- ٤٧ -
آجال الباقين منهم. وقيل المراد من الأول النوم ومن الثانى الموت ..
وقيل: المراد من الأولى ما معنى من عمر الإنسان ومن الثانى ما بقى منه.
والذى نرجحه هو الرأى الأول لأسباب منها .
١ - أن من تتبع ذكر الأجل المسمى فى القرآن فى سياق الكلام عن.
الناس يراه قد ورد فى عمر الإنسان الذى ينتهى بالموت ، ومن ذلك قوله تعالى
((ولويؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرم
إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا بستقدمون)) (١).
وقوله - تعالى(( .. يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى.
إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لوكنتم تعلمون)، (٢).
٢ - أن الآية الكريمة مسوقة لإثبات وحدانية الله ولتقرير أن البعث.
حق، فالمناسب أن يكون المراد بالأجل الثانى هو انتهاء عمر الدنيا وبعث.
الناس من قبورهم .
ولذا قال أبو السعود فى تضعيفه الآراء المخالفة الرأى الأول: ((ومن.
ههنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم والثانى هو الموت،
أو أن الأول اجمل الماضين والثانى أجل الباقين، أو أن الأول مقدار مامضى
من عمر كل أحد والثانى مقدار مابقى منه؛ ممالا وجه له اصلا، لما رأيت
من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترتهم فى البعث الذى عبر عن وقته
بالأجل المسمى. فحيث أريد به احد ماذكر من الأمور الثلاثة ففى أى شىء
تترون (٣)؟)).
(١) سورة النحل : الآية ١١.
(٢) سورة نوح الآية ٤.
(٣) تفسير أبى السعود ج ٢ ص ٠٨٠

- ٤٨ -
٣ - أن الرأى الأول هو الرأى المأثور عن بعض الصحابة، وبه قال
جمهور المفسرين، وقد عزاء ابن كثير فى تفسيره إلى عشرة من التابعين (١).
وعطفت الجملة الكريمة بثم، للإشارة إلى أطوار خلق الإنسان المختلفة،
- فهو فى أصله من سلالة من طين، ثم يصيره الله - تعالى - نطفة، فعلقة،
- فضفة، فعظاما، ثم يكونه - سبحانه - وتعالى خلقا آخر . فتبارك الله
أحسن الخالقين)).
ووصف الأجل الثانى بأنه ( مسمى عنده ) ، لأن وقت قيام الساعة من
الأمور التى لا يعلمها إلا الله ، قال - تعالى -: «يسألونك عن الساعة أيان
- مرساها، قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت فى السموات
والأرض لا تأفيكم إلا بغتة «يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله
ولكن أكثر الناس لا يعلمون» (٢).
وجاء قوله تعالى ((وأجل مسمى، مقدما على (عنده) لأنه مبتدا، والذى
سوغ الابتداء به مع كونه فكرة تخصصه بالوصف فقارب المعرفة لذلك ،
فهو كقوله - تعالى - ,ولعبد مؤمن خير من مشرك».
ومعنى ( عنده) أى: فى علمه الذى لا يلمه أحد سواه، فهى عندية
. تشريف وخصوصية .
ثم ختمت الآية الكريمة بتوبيخ الشاكين فى البعث والحساب فقال
- تعالى - :
((ثم أنتم تمترون)). الامتراء: هو التردد الذى ينتهى إلى محاجة ومجادلة
وقد ينتهى إلى شك ثم إلى إنكار. مأخوذ من مرى الضرع إذا مسحه للدر
ووجه المناسبة فى استعماله فى الشك، أن الشك سبب لاستخراج العلم الذى
هو کاللبن الخالص من بين فرث ودم .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٢٣ طبعة عيسى الحلبى.
(٢) سورة الأعراف الآية ١٧٨.

- ٤٩ -
د. " والمعنى: ثم إنكم بعد كل هذه الأدلة الدالة على وحدانية الله)، وعلى أن
- يوم القيامة حق، تشكون فى ذلك، وتجادلون المؤمنين فيما تشكون فيه.
1
بغير علم ولاهدى ولا كتاب منير .
وجاء العطف بثم لبيان التفاوت الكبير بين الحقائق الثابتة الناصعة،
وبين ما-ولته لهم أنفسهم من المجادلة فيها.
قال الآلوسى: ((والمراد استبعاد امتراثهم فى وقوع البحث وتخفقه فى تقسه
-جمع مشاهدتهم فى أنفسهم من الشواهد ما يقع مادة ذلك بالكلية فإن من قدر
على إفاضة الحياة على مادة غير مستعدة لشىء من ذلك، كان أوضح قتداراً
على إقامته على مادة قد استعدت له وقارئته مدة»(١).
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة فى الآيتين السابقتين على أنه هو المستحق
للعبادة والحمد، وعلى أن يوم القيامة حق، جاءت الآية الثالثة لتصفه -سبحانه
بأنه هو صاحب السلطان المطلق فى هذا الكون فقال تعالى -: ((وهو اقه"فى
السموات وفى الأرض، يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون».
أى: أنه - سبحانه - هو المعبود بحق فى السموات والأرض، العم بكل
شىء فى هذا الوجود، الخبير بكل ما يكسبه الإنسان من خير أو شرفيجازيه
عليه بما يستحقه .
والضمير ((هو)، الذى صدرت به الآية يعود إلى الله - تعالى -الذى نعت
ذاته فى الآيتين السابقتين بأنه هو صاحب الحمد المطلق، وخالق السموات
والأرض، وجاعل الظلمات والنور، ومنشىء الإنسان من طين، وأنه لذلك
يكون مختصاً بالعبادة والخضوع.
وقوله - تعالى -: ((وهو الله، جملة من مبتدأ وخبر، معطوفة على
ما قبلها « سيقت لبيان شمول ألوهيته جميع المخلوقات .
(١) تفسير روح المعانى للآلومى = ٧ ص ٨٨ طبعة منير الدمشقى.
(٤ - سورة الأنعام)

قال أبو السعود: وقوله (فى السموات وفى الأرض» متعلق بالمعنى الوصف
الذى ينبى عنه الاسم الجليل إما باعتبار أصل اشتقاقه وكونة علىماللمعبود
بالحق، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما. وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما اشتهرت
به الذات من صفات الكمال، فلوحظ معه منها ما يقتضيه المقام من المالكية
حسما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة، فعلق به الظرف من تلك
الحيثية فصار كأنه قيل: وهو المالك أو المتصرف المدير فيهما، كما فى قوله
- تعالى -: وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إلى (١).
وجملة ((يعلم مركم وجهركم ويعلم ما تكسبون)) تقرير لمعنى الجملة الأولى
لأن الذى استوى فى علمه السر والعلن هو الله وحده. ويجوز أن تكون
كلاما مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وعهركم، أو خبرانانيا .
ثم صور - سبحانه - طبيعة الجاحدين الذين هم - لا تعطماس بمازم
واصرارهم على العناد - غدوا لا يجدى معهم دليل ولا تبفع معهم حجة، وساق
لهم أخبار من سبقوم . فقال - تعالى -:
، وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ◌َةٍ مِّنْ ءَ ايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُو
مَنْهَامُعْرِضِينَ ﴿ فَقَدْ كَذِّبُواْ بِالْحَقِ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِّ؟
أَنْبَوْ مَا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ (يَ أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِ.
مِنْ قَرْنِ مَّكََّّهُمْ فِ الْأَرْضِ مَمْ تُمْكِنِ تَّكُمْ وَرْسَلْنَ السَّمَ عَلَيْهِمْ
مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوِمْ وَأَنَّأْنَ
مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخِرِينَ (*)
والمعنى الإجمالى للآية الأولى: أن هؤلاء الجاحدين لرسالات الله،
(١) تفسير أبو السعود ج ٢ ص ٠٨٠

- ٥١ -
لا بأنهم معجزة من المعجزات الدالة على مدفك - يامحمد - فيما تبانه عن
ربك إلا تلقوها بالإعراض، واستقبلوها بالنبذ والاستخفاف .
فالآية الكريمة ، كلام مستأنف سيق لبيان كفرهم بآيات الله - تعالى -
وإعراضهم عنها بالكلية بعد بيان كفرهم بالله - تعالى - وإعراضهم عن بعض
آيات التوحيد . وامترائهم فى البعث، وإعراضهم عن أدلة (١).
و «من، الأولى لاستغراق الجنس الذى يقع فى حيز النفى ، كقولك:
((ما أتانى من أحد ، والثانية للتبعيض، أى: ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة
التى توجب النظر والتأمل والاعتبار، إلا أهملوه وأعرضوا عنه. لقوة
قلوبهم وعدم تدبرهم العواقب .
وإضافة الآيات إلى اسم الرب - عز وجل - تدل على تفخيم شأنها،
وعلى أن تكذيهم لها إنما هو تكذيب لما عرفوا مصدره، كما يدل على شدة
عنادهم وإيغالهم فى الكفر والجحود.
والآية الكريمة بأسلوبها المتضمن الحصر، وباشتمالها على كان وخبرها
المفيد للدوام، والاستمرار، تفيد أن الإعراض عن الحق دأبهم، وأنهم
ليسوا على استعداد لتقبل الحق مهما اتضحت معالمه، وأسفرت حججه.
ثم بين - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بالإعراض عن الحق، بل تجاوزوا
ذلك إلى التهكم بدعاته، والتطاول عليهم ، وأنهم نتيجة لذلك المسلك الأثيم
ستكون عاقبتهم خرا فقال - تعالى -: «فقد كذبوا بالحق لما جاءهم.
فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون).
فالآية الكريمة كشفت بأسلوب مؤكد عن جانب من عتوهم وسفهيم
وسوء أدبهم، بعد أن كشفت سابقتها عن عنادهم ونأيهم عن الحق.
وقد بين الفخر الرازى مراحل تماديهم فى الباطل كما صورها القرآز فقال
رحمه الله :
(١) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٩١

- ٥٢ -
« إعلم أنه - تعالى - رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب:
فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل فى الدلائل والتفكر فى البينات ..
والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها، وهذه المرتبة أزيد ما قبلها، لأن
المعرض عن الشىء قد لا يكون مكذبا به ، بل يكون غافلا عنه غير
متعرض له ، فإذا صار مكذبا به فقد زاد على الإعراض .
والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها، لأن المكذب بالشىء قد لا يبلغ
تكذيبه إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى فى
الإنكار، فبين - سبحانه - أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراقب
الثلاثة على هذا الترتيب» (١).
والمراد بالحق الذى كذبوا به: قيل إنه القرآن، وقيل إنه المعجزات ،
وقيل إنه الشرع الذى أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقبل: إنه الوعد
الذى يرغبهم به تارة ، والوعيد الذى يحذرهم بسببه تارة أخرى ..
والذى نراه أن تكذيبهم قد شمل كل ذلك، لأنهم بعدم دخولهم فى الإسلام
قد صاروا مكذبين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
والتعبير بقوله ((لما جاءهم، يفيد أن الحق قد وصل إليهم، وطرق
قلوبهم وأسماعهم، ولكنهم عموا وصموا عنه .
والأنباء: جمع نبأ وهو ما يعظم وقعه من الأخبار، والمراد بها فى قوله
- تعالى -: «فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، الأخبار عن العذاب
الذى توعدهم الله به عند إصرارهم على كفرهم، ونظيره قوله - تعالى -:
(( ولتعلمن نبأه بعد حين)).
(١) تفسير مفاتيح الغيب = ٤ ص ١١ الفخر الرازى، المطبعة الشرفية
سنة ١٣٢٤ ٥.

- ٥٣ -
: قال صاحب الكشاف: «فسوف يأتيهم أنباء، الشىء الذى ,كانوا به
يستهزئون)، وهو القرآن، أى أخبار، وأحواله، بمعنى: سيعدون بأى شىء
استهزموا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب
عليهم فى الدنيا أو فى يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته)، (١). ،
ثم ساق القرآن لهم على سبيل النصيحة والإرشاد أخبار من سبقوهم
فى الكفر والبطر وبين لهم سوء عاقبتهم ايعتبروا ويتعظوا فقال - تعالى -:
« ألم يروز كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض ما لم تمكن
لكم . .....
قال القرطبى: ((القرن الأمة من الناس والجمع القرون. قال الشاعر:
إذا ذهب القرن الذى كنتفيهم وخلفت فى قرن فأنت غريب
فالقرن كل عالم فى عصره، مأخوذ من الاقتران، أى عالم مقترن مضهم
إلى بعض، وفى الحديث الشريف: ((خير الناس قرنى - يعنى أصحابى -
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل:
ستون عاما، وقيل : سبعون، وقيل. ثمانون، وقيل مائة - وعليه أكثر
أصحاب الحديث - أن القرن مائة سنة، واحتجوا بأن النبى وص
قال لعبد الله ابن !مر: (( تعيش قرنا، فعاش مائة (٢).
والاستفهام الذى صدرت به الآية الكريمة لتوبيخ الكفار وتبكيتهم،
ولفکار ما وقعمنهم من إعر اض واستهزاء، وهو داخل على فعل محذوف دل
عليه سابق الكلام ولا حقه .
(١) الكشاف ج ٢ ص ٦ الز مخشرى طبعة دار الكاتب العربى بيروت.
(٢) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٠٢٩٠

- ٥٤ -
والتقدير: أعموا عن الحق وأعرضوا عن دلائله، ولم يروا بتدبر وتفكر
كم أهلسكنا من قبلهم من أقوام كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا . .
وجملة ((أهلكنا) سدت مسد مفعول رأى إن كانت بصرية، وسدت
مضد مفع و ايها إن كانت علمية، و((كم)) مفعول مقدم لأهلكنا، و((من
قبلهم ، على حذف المضاف ، أى: من قبل زمنهم ووجودهم .
ال صاحب المنار: ((وكان الظاهر أن يقال)): مكناهم فى الأرض-أى
القرون - ما لم تمكنهم ، أى الكفار المحكى عنهم المستفهم عن حالهم، فعدل
عن ذلك بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب، لما فى إيراد الفعلين بضميرى
الغيبة من إبهام اتحاد مرجعهما ، وكون المثبت عين المنفى ، فقيل ما لم
ممكن لكم (١).
و((ما، فى قوله ((ما لم يمكن لكم)) يحتمل أن تكون موصولة بمعنى
الذى ، وهى حينئذ صفة لمصدر محذوف. والتقدير: مكناهم فى الأرض
التمكين الذى لم يمكن لكم والعائد محذوف: أى الذى لم نتمكنه لـكم.
ويحتمل أن تكون فكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف.
أى: مكناهم فى الأرض شيئاً لم تمكنه لكم (٢).
وفى تعدية الأول وهو(( مكناهم)) بنفسه والثانى وهو ((يمكن لكم)) باللام
إشارة إلى أن السابقين قد مكنوا بالفعل من وسائل العيش الرغيدما لم يتيسر
مثله هؤلاء المنكرين لدعوة الإسلام، وهذا أعظم فى باب القدرة على إهلاك
هؤلاء الذين هم أعجز من سابقيهم.
هذا، وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات
ثلاث لم تتوفر للمشر كين المعاصرين للنبى - مخ لل -.
(١) تفسير المنار جـ ٧ ص ٣٠٧ للشيخ رشيد رضا .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٧ يتصرف وتلخيص.

- ٥٠,-
وصفهم - أولا - بأنهم كانوا أوسع سلطانا، وأكثر عمرانا، وأعظم
استقراراً، كما يفيده قوله تعالى ((مكتاهم فى الأرض مالم تمكن لكم)) ..
قال صاحب الكشاف: ((والمعنى ثم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد
موتمود وغيرهم من البسطة فى الأجسام، والسعة فى الأموال، والاستظهار
بأسباب الدنيا، (١).
ووصفهم - ثانيا - بأنهم كانوا أرغد عيشا، وأسعد حالا، وأها بالا،
يدل على ذلك قوله تعالى :
(((وأرسلنا السماء عليهم مدرارا، أى: أنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة.
وكثرة، وعير عنه بالسماء لأنه ينزل منها .
ووصفهم - ثالثا - بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكتيرة التى يسيرون
مجاريها كما يشاءون، فيبنون مساكنهم على ضفافها. ويتمتعون بالنظر إلى
مناظرها الجميلة، كما يرشد إليه قوله - تعالى -: ((وجعلنا الأنهار تجرى من
تحتهم ، أى: صيرنا الأنهار تجرى من تحت مساكنهم .
ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التى لم تتيسر
لأهل مكة؛ كانت عاقبتهم - كما أخبر القرآن عنهم ـ ,فأهلكناهم بذنوبهم
وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين، أى: فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم
: بسبب ذلك، إذ الذنوب حجب الانتقام وزوال النعم.
((والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران: أحدهما، أن الذنوب ذاتها تهلك
الأمم، إذ تشيع فيها الترف والغرور والفساد فى الأرض، وبذلك تنحل
وتضمحل وتذهب قوتها .
والمظهر الثانى: إهلاك الله - تعالى - لها عقابا على أوزارها (٢)».
(١) تفسير الكثاف = ٢ ص ٠٦
(٢) تفسير سورة الأنعام لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ، مجلة
لواء الإسلام السئة ٢٣ العدد الخامس ص ٢٤٢.

- ٥٦ -
وقوله - تعالى - فى ختام الآية ,وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرین ،بدل.
على كمال قدرة ال، ونفاذ إرادته، وأن إهلاكه لتلك الأمم بسبب ذنوبها،
لم ينقص من ملكه شيئا، لأنه - سبحانه - كما أهلك أمة أنشأ .ن
بعدما أخرى .
قال - تعالى- ((وإن تتولوا يستبدل قوما غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم (١)
ثم بين القرآن توغلهم فى الجحود والعناد، وانصرافهم عن الحق مما قويت
أدلته، وساق جانبا من أفع الهم الباطلة ثم رد عليهم بما يدحضها فقال - تعالى -:
وَلَوْ نَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَبًا فِى قِرْطَاسٍ:
فَلْمَسُوهُ بِأَيْدِ يهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ مِحْرٌ مُبِينٌ ()
وَقَالُوْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْأَزَلْنَا مَلَكَالَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَ لَا
يُنْظُرُونَ ﴾ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم
مَّا يَلْبِسُونَ (٢) وَلَقَدِ أَسْهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ لَاق ◌ِالَّذِينَ ◌َخِرُواْ
مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْءُ ونَ (٠َ قُلْ سِرُواْ فِ الْأَرْضِ ثُمَّأَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أََّ
الكتاب فى الأصل مصدر كالكتابة، ويستعمل غالبا بمعنى المكتوب،.
فيطلق على الصحيفة المكتوبة وعلى مجموعة الصحف .
(١) سورة محمد الآية ٣٨.

- ٠٧ -
والقرطاس - بكسر القاف وقد تفتح وتضم فى بعض اللغات - ما يكتب ..
فيه سواء كان من رق أو من ورق أو من غيرهما: ولا يطلق على ما یکتب
فيه قرطاس إلا إذا كان مكتوبا .
والمعنى: إن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدقك يا محمد، ولكن.
الذى ينقصهم هو التفتح للحق ، والإنقياد البداية، فإننا لو نزلنا عليك كتابا
من السماء فى قرطاس - كما اقترحوا - فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك.
ولمسوه بأيديهم منذ وصوله إلى الأرض وباشروه بعد ذلك بجميع حراسهم
بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب، ويزول كل إشكال ... لو أننا فعلنا ذلك.
استجابة لمقتر حاتهم المتعنتة، لقالوا بلغة العناد والجحود ما هذا الذى .
أبصر ناه ولمسناء إلا سحر مبين .
فالآية الكريمة تصور مكابرتهم المنبجحة، وعنادهم الصفيق، وإدبارهم.
عن الحق مهما تكن قوة أدلته ، ونصاعة حجته .
قال الإمام الرازى ((بين الله - تعالى - فى هذه الآية أن هؤلاء الكفار
لو أنهم شاهدوا نزول کتاب من السماء دفعة واحدة علیك یا محمد لم يؤمنوا
به بل حملوه على أنه سحر. والمراد من قوله (( فى قرطاس)) أنه لو نزل
الكتاب جملة واحدة فى صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا
لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر)،(١).
و («لو، فى الآية الكريمة حرف امتناع، أى: أنه - سبحانه - قد
امتنع عن إجابة مقترحاتهم لأنه يعلم أن إجابتها لا ثمرة لها، ولا فائدة من
وراتها ، لأن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدق النبى صلى الله عليه ..
وسلم فى دعوته، وإنما الذى ينقصهم هو الاستجابة للحرق والاتجاه السليم.
لطلبه، والاستماع إليه بعناية وتفكير .
(١) تضمير الفخر الرازى ج ٤ ص ٠١٢

- ٠٨- ٠
وعبر - سبحانه - بقوله: ((فلسوه بأيديهم .. مع أن اللمس هو للمس
جاليد غالبا - للتأكيد وزيادة التعيين، ودفع احتمال الجاز . فالجملة الكريمة
المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم، وإعراضهم عن الحق مهما
5
تكن قوة الدليل وحسيله .
وفى قوله - تعالى -((لقال الذين كفروا)) إشارة إلى أن الكافرين
وحدهم هم الذين بسبب كفرهم - ينتحلون الأعذار الضلالهم، ويصفون
الحق الواضح بأنه سحر مبين. أما المؤمنون فإنهم بقابلون الحق
بالتصديق والأذعان .
وقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: « إن هذا إلا سحر مبين، فأكدوا
حكمهم الباطل بطريق النفى والإثبات أى: أنه مقصور على أنه سحر -
وبالإشارة إليه، وبأنه بين واضح فى كونه سحراً، وذلك يدل على أن
تبجحهم قد بلغ النهاية ، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواسهم
وإن قوماً بهذه الدرجة من العناد لا تجدى فيهم معجزة، ولا ينفع معهم دليل.
وفى معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى فى القرآن الكريم منها قوله
- تعالى - ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلهم الموتى، وحشرنا عليهم
كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم
چملون» (١).
ومنها قوله - تعالى - ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون
. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون، (٢).
ثم حكى القرآن بعض مقتر حاتهم المتعنئة ورد عليها بما يدحضها فقال:
(١) سورة الأنعام الآية ١١١.
(٢) سورة الحجر الآيتان ١٤، ٠١٥

- ٥٩ -
((وقالوا لولا أنزلعليهملك، ولو أنز لناملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون
-ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا، وللبسنا عليهم ما يلبسون)).
أى: قال الكافرون للنبى - صلى الله عليه وسلم - هلا كان معك ملك
:
يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه، وترى هيئته، وحينئذ نؤمن بك
ــنصدقك .
قال محمد بن إسحاق, دعارسول الله صلى الله عليه وسلم - قومه إلى الإسلام،
وكلهم فأبلغ إليهم ، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر ين الحارث بن
كلده، وعبد بن يغوث وأبى بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام:
لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويروى معك».
فهم لايريدون ملكا لايزونه، وإنما بريدون ما كا يمشى معه ويشاهدونه
بأعينهم.
وأسند - سبحانه - القول إليهم مع أن القائل بعضهم، لأنهم جميعا
متعنتون جاحدون، وما يصدر عن بعضهم إنما هو صادر فى المعنى عن جميعهم
لأن الباعث واحد، وأولا هنا التحضيض فلا تحتاج إلى جواب.
أى: وقال الكافرون النبى - صلى الله عليه وسلم - هلا كان معك ملك
يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ نؤمن بك
ونصدقك .
وقد رد الله تعالى - على قولهم هذا بردين حكيمين: أما الرد الأول
فقال فيه: ((ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون،.
أى: لو انزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون وهم على ماهم عليه من
الكفر والجحود، لقضی الأمر بإملا کهم ، ثم لا ينظرون، أى: لا يؤ خرون
ولا يمهلون ليؤمنوا، بل يأخذم العذاب عاجلا، فقد مضت سنة الله فيمن .
قبلهم ، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك

- ٦٠ -
واقه - تعالى - لا يريد أن يهلك هذه الأمة التى بعث فيها خاتم رسله.
نبى الرحمة - صلى الله عليه وسلم - بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين ..
المستكوين.
وأما الرد الثانى فقال فيه: « ولو جعلناه ملكا جعلناه رجلا وللبسناعليهم.
ما يلبسون)).
أى: أو جعلنا الرسول من الملائكة - كما اقترحوا - لكانت الحكمة
تقتضى أن نجعله فى صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذى
يبلغه عن الله - تعالى - وفى هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم
فى صورة بشر - : أست ملكا لأنهم لا بد كون منه إلا صورته وصفاته.
البشرية التى تمثل بها، وحينئذ يقعون فى نفس اللبس والاشتباه الذى يلبسونه
على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشراً.
(((ومعنى وللبسنا عليهم ما يلبسون، لخلطنا عليهم مثل ما يخلطون على
أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشراً مثلهم .
قال الإمام القرطبى: قوله تعالى ((ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا، لأن كل
جفس بأفر بجنسه وبنفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى - الرسول إلى
البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه.
والإلقاء له، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة، ولو
نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليانسوا به وليسكنوا إليه فقالوا:
ليست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل حالطم» (١).
وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات.
أولئك الجاحدين، وبين أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول من جنس
المرسل إليهم، قال تعالى : - ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالانوحى إليهم.
من أهلى القرى . ).
(١) تفسير القرطبى = ٦ ص ٠٣٩٤