Indexed OCR Text
Pages 321-340
- ٣٢١ الجزء السادس والاستفهام فى قوله ((أتعبدون، لإنكار واقعهم والتعجيب ما وقع منهم، وتو یخهم علی جهلهم و غفلتهم . و «ما، فى قوله, ما لا يملك، بحوز أن تكون موصولة بمعنى الذى وأن تكون فكرة موصوفة. والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب. وقوله « يملك، من الملك بمعنى حيازة الشىء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز . والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم فى الكفر والشرك. قال لهم: أتعبدون معبودات غير الله - تعالى - هذه المعبودات لايملك أن قصيكم شىء من الضرر كالمرض والفقر ، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشىء من النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك ما أتم فى حاجة إليه فالمراد بما لا يملك : كل ما عبد من دون الله من حجر أو ولن أو غيرهما فتكون، ما، العموم وليست كتابة عن عيسى وأمه حسب وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول - تعالى - منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد ، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الألوهية فقال - تعالى -، قل، أى يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ، ودخل فى ذلك النصارى وغيرهم، أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضراً ولانفعا ... ،(١). ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: « مالا يملك، عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن اللههو المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم: إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى فى عيسى وأمه مدم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون من دون انه عيى وأمه (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٨٢. ٢١ - سورة المائدة) ٣٢٢ سورة المائدة وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشىء من الضرر فى الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بشىء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسبعة، لأن الضر والنفع من أنته وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية . وأوثرت ((ما، على (( من، لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامها فى مسلك الأشياء التى لا قدرة لها على شىء أصلا ولاشك أن من صفات الرب أن يكون قادراً على كل شىء ، فقول النصارى "بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد . وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله - تعالى- يستحق العبادة والخضوع ((لأنه - سبحانه - هو المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء (( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)). وقدم - سبحانه - الضر على النفع فقال: ((ما لا يملك لكم ضرا ولانفعا)) لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير ، ولأنهم كانوا يعبدون غير الله - تعالى - وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والأضرار . وقوله: ((والله هو السميع العليم، فى محل نصب على الحال. من فاعل «تعبدون، أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتر كون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك، وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة ، بما تستحقون من عذاب أليم . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: ((قل يا أهل الكتاب لا تغلو فى دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم .. ، ١ والغلو مصدر غلا فى الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير. ٣٢٣ الجزء السادس وقد نهی الشی - صلى الله عليه وسلم - عن الغلو حتی فی الدین ، فقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فی الدین ،(١). وروى البخارى عن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد فقولوا: عبد أنه ورسوله ،(٢) . وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطون . قالها ثلاثة، (٣) والمتنطعون هم المتشددون التجاوزون للحدود التى جاءت بها تعاليم الإسلام. ٤. وقد غالى أهل الكتاب فى شأن عيسى - عليه السلام -.. أما اليهود فعد كفروابه ونسبوه إلى الزناوافترواعليه وعلى أمه افتر ا. شديداً ... وأما النصارى فقد وصفوه بالألولهية فوضعوه فى غير موضعه الذى وضعه الهفيه وهو منصب الرسالة ... وكما غالوا فى شأن عيسى - عليه السلام - فقد غالوا أيضاً فى تمسكهم بعقائدهم الزائفة ، مع أن الدلائل الواضحة قد دات على بطلانها وفسادها . وقوله (( غير الحق)) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا فى دينكم غلوا غير الحق . أى : غلوا باطلا. وقوله: ((ولا تتبعوا أهواء قوم ... ، معطوف على قوله: (لاتغلوا.)). قال الفخر الرازى: الأهواء - ههنا - المذاهب التى تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبى: ما ذكر الله لفظ الهوى فى القرآن إلا ذمه. قال: ((ولا تتبع (١) مسند الإمام أحمد = ٢ حديث رقم ٢٢٥ طبعة الحلى. (٢) مجمبح البخارى باب واذكرفى الكتاب مريم من كتاب الأنباءج٤ص٢٠٤ (٣) صحيح مسلم كتاب العلم ج ٨ ص ٠٥٨ ٣٢٤ سورة المائدة الهوى فيضلك عن سبيل الله، وقال: « واتبع هواه فتردى)) وقال: «وما ينطق من الهوى)، وقال: « أرأيت من اتخذ إلهه هواه،. وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا فى الشر لايقال: فلان يهوى الخير . إنما يقال : يريد الخير ويحبه . وقيل : سمى الهوی هوی لأنه يهوى بصاحبه فى النار . وأشد فى ذم الهوى : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هواناً وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذى جعل هواى على هواك. فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة،(١). والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود الى تقرها الشرائع والعقول السليمة!، قل لهم يا أهل الكتاب: ((لا تغلوا في دينكم غير الحق ، أى : لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزا باطلا، كأن تعبدوا سواء مع أنه هو الذى خلقكم ورزقكم ، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برى. منها . وقل لهم أيضا: ((ولانتبعوا أهواء قوم، أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائ كم ورؤسائكم («قد ضلوا من قبل، أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريفهم الكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جرباً وراء شهواتهم وأهوائهم ,وأضلوا كثيرا، أى أنهملم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: «وضلوا عن سواء السبيل، معطوف على قوله: قد ضلوا من قبل ،. أى أنهم قد ضلوا من البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن « سواء السبيل (( أى: عن الطريق الواضح الذى أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ر (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ٠٦٣ ٣٢٥ الجزء السادس وهو طريق الإسلام، وذلك لأنهم لم يتبعوهـ صلى الله عليه وسلم - مع معرفتهم بصدقة ؛ بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله . فأنت ترى أنه - تعالى - قد وصفهم - كما يقول الإمام الرازى - بثلاث درجات فى الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ولاتجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة. ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم فى ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق .... ،(١). هذا، وما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو فى الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل. وقد سقنا من الآثار ما يشهدبذلك عند تفسیر نا الصدر الآية الكريمة . قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو فى الدين غلوان: غلو حق، وهو أن يفحص عن حقائقه ، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد فى تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون ... وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة وأتباع الشبه . كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال .... (٢). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الرذائل التى شاعت فى بنى إسرائيل، والتى بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال - تعالى - : (( لُمِنِ الذينَ كفروا مِنْ بنى إسرائيلَ على لسانِ داود وعيسى ابنٍ مريم، ذلكَ بما عصَوْا وكانوا يعتدُونَ (٧٨) كانوا لا يتناهَوْن عن منكرٍ فعلُوهُ لِفْسَ ما كانوا يفعلونَ (٧٩) ترى كثيراً منهم يتولّونَ (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص ٠٫٦٤ (٢) تفسير الكشاف حـ ١ ٦٦٦ ٣٢٦ سورة المائدة الذين كفرُوا لِنْسَ ما قدَّمتْ لهم أنفُسهم أنْ سَخِطَ اللهُ عليهِم وفى المذابٍ م خالدونَ (١٠) ولو كانوا يؤمِنُون بالهِ والنَّبِىِّ وما أُنزِل إليه ما اتخذُوم أولياء، ولكنَّ كثيراً منهم فاسقونَ (٨١))). وقوله (( لعن)) من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله. فالملعون هو المحروم. من رحمته - سبحانه - ولطفه وعنايته . والمعنى: لعن الله - تعالى - الذين كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى - عليهما السلام - وقد جاء الفعل (( لعن) بالبناء للمجهول، لأن الفاعل معلوم وهوانه - تعالى - ، ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن اله - سبحانه - . وقوله: (( من بنى إسرائيل)) فى محل نصب على الحال من الذنى كفروا، أو من فاعل (( كفروا)) وهو واو الجماعة. وقوله: ((على لسان داود وعيسى ابن مريم ، متعلق بلعن، أى: لعنهم - سبحانه - فى الزبور والإنجيل على لسان هذين النعيين الكريمين اللذين. كان أولها - بجانب منصب الرسالة - قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة ... وكان ثانيهما وهو عيسى - عليه السلام - رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذين حرم عليهم ..... قال الآلومى : لمنهم الله - تعالى - فى الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل فى هذين الكتابين ( ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله أو بأحد من رسله . وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين. فسخهم الله قردة . ٢٢٧ الجزء السادس وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال: اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، وألعنهم كما لعنت أصحاب السبت,(١). وقوله: ((ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، بيان السبب لعنهم وطردهم من رحمة الله . واسم الإشارة (( ذلك)) يعود إلى اللعن المذكور. أى : ذلك اللعن للكافرين من بنى إسرائيل سببه عصيانهم له وارسله، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس . أى أن لعفهم لم يكن اعتباطا أو جزافا، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة وأفعالهم المنكرة، وسلوكهم السىء ... وقوله: (( ذلك بما عصوا، جملة من مبتدأ وخبر. وقوله : ((وكانوا يعتدون، معطوف على صلة ما وهو «عصوا، فيكون داخلا فى حيز السبب الذى أدى إلى لمنهم والجملة المكونة من اسم الإشارة ((ذلك)) وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره، لماذا لعن الذين كفروامن بنى إسرائيل ... ؟ وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة فى جواب سؤال مقدر ، أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر. وقد أشار صاحب الكثناف إلى هذا المعنى بقوله: قوله , ذلك بماعصوا وكانوا يعتدون)). أى: لم يكن ذلك اللعن الشفيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لالشىء آخر، (١) وعبر - سبحانه - من عصيانهم بالماضى فقال ((ذلك بما عصوا)) الإشارة إلى استقرار المصیان فى طبائعهم ، و ثباته فى نفوسهم وجوار حهم . وعبر عن عدوانهم بالمضارع، الإبذان بأنه مستمر قائم ، فه. لم يتركوا (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ٢١١. (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٦٧ ٠٠ ٢٢٨ سورة المائدة ... فاعتداؤهم على نبيا إلا وآذره، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه. المصلحين مستمر كل زمان ومكان . ثم فر - سبحانه - عصيانهم وعدوانهم بقوله : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون ، . وقوله ((يتناهون ، من التناهى. قال الفخر الرازى : وللتناهى ههنا معنيان : أحدهما - وهو الذى عليه الجمهور - أنه تفاعل من النهى. أى: كانوا لا يغهى بعضهم بعضا . روى ابن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من رضى عمل". قوم فهو منهم . و من کثر سواد قوم فهو منهم ، والمعنى الثانى فى التناهى أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، وتناهى عنه إذا كف عنه ،(١). والمفكر : هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال. أى أن من ظاهر عصيان الكافرين من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لمنهم وطردهم من رحمة الله، أنهم كانوا لا يتهى بعضهم بعضا عن اعتراف المنكرات. واجتراح السيئات، بل كانوا يرون المنكرات و تكب فيكتون عليها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها . وهذا شر ما تصاب به الأمم فى حاضرها ومستقبلها: أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل ، فلاتجد من يستطيع تغييرها وإزالتها ... وقوله: (( لبئس ما كانوا يفعلون، ذم لهم على كثرة ولوغهم فى المعاصى والمنكرات ، وتعجب من سوء فعلهم . · واللام فى قوله , لبنس ، لام القسم، فكأنه - سبحانه - قال: أقسم لبنس ما كانوا يفعلون، وهو ارتكاب المعاصى والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ س ٦٤. ٣٢٩ الجزء السادس قال صاحب الكشاف: قوله: ( لبئس ماكانوا يفعلون)) للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فياحسرة على المسلمين فى إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبتهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام فى شىء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات فى هذا الباب . فإن قلت ما معنى وصف المفكر يفعلوه، ولا يكون المنهى بعد الفعل؟ قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض فى الفسق وآلاته نسوى ونهياً فتنكر ... ،!). هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهما قوام الأمم، وسياج الدين، ولا صلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث فى هذا المعنى . ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وروى الإمام أحمد فى معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وقعت بنو إسرائل فى المعاصى بهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، بجالسوهم فى مجالسهم أو فى أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . قال ابن مسعود: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متكتا جلس فقال : لا والذي نفسي بيده حتى قأطروهم على الحق أضراً - أى تحملوم على التزام الحق وتعطفوهم علية . (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٦٦٧ ٣٣٠ i سورة المائدة وروى الترمذى عن حذيفة بن اليمان: أن النبى - صلى أنه عليه وسلم - قال: إذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن ث عليكم عقاباً من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم : وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة - رضى الله عنه - قال: سمعت .ول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى ذا المفكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه . فإذا فعلوا ذلك العامة والخاصة . وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال يارسول الله، متى نترك الأمر مروف والنهى عن المنكر ؟ قال: إذ ظهر فيكم ما ظهر فى الأمم قبلكم قلنا: .سول الله، وما الذى ظهر فى الأمم قبلنا ؟ قال الملك فى صغاركم، والفاحشة كباركم، والعلم فى رذالتكم (١) أى فى فسافكم. هذا جانب من الأحاديث التى وردت فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى ، المنكر. فعلى الأمة الاسلامية أن تقوم بحقهما حتى تكون مستحقة لمدح - تعالى - لها بقوله: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف نهون عن المنكر وتؤمنون باقه ... ، (٢). ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوم به اليهود فى العهد النبوى من تخالف المشركين ضد المسلمين فقال: «ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا. أنى: ترى - أيها الرسول الكريم - كثيرا من بنى إسرائيل المعاصرين لك . الون الكافرين وبحالفونهم عليك؛ بسبب حسدهم لك على ما آتاك انه فضله وبسبب كرامتهم للإسلام والمسدين . والذى يقرأ تاريخ الدعوة الاسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون - أقيل فى طريقها، ويناصرون كل محارب لها، ففى غزوة الأحزاب انضم (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٨٣ (٢) سورة آل عمران الآية ١١٠ ٣٣١ الجزء السادس بنو قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا العهود والمواثيق التى كانت بينهم وبين المسلمين(١). وفى كل زمان ومكان ترى أن اليهود يحاربون الاسلام والمسلمين ، ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والأضرار . وقوله: « لمس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العداب هم خالدون، ذم لهم على موالاتهم للمشركين ، وبيان لما حاق بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله، ومحاربتهم لأوليائه . أى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة، وأفعال مفكرة استحقوا بسببها سخط الله عليهم، ولعنه إياهم، كما استحقوا أيضابسببها الخلود الدائم فى العذاب المهين ، قال الجمل: و((ماء فى قوله لبث ما قدمت لهم أنفسهم، هى الفاعل، وقوله:« أن سخط الله عليهم، هو المخصوص بالذم على حذف مضاف. أى موجب سخطه - سبحانه - عليهم، والموجب هو عملهم السىء المعبر عنه - فى قوله ( لبقس ما،".، فما كتابة عن عملهم . فالمخصوص بالذم والفاعل فی المعنی شی واحد . وقوله: ((وفى العذاب هم خالدون، هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهى من جملة المخصوص بالذم. فالتقدير: سخط الله عليهم وخلدهم فى العذاب(٢). ثم بين - سبحانه - الدوافع التى حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال : ولو كانوا يؤمنون بالله والتى وما أنزل إليه ما أخذوهم أولياء، ولكن ١ كثيرا منهم فاسقون». ١ (١) راجع كتابنا بنو إسرائيل فى القرآن والسنة٤ ج ٢ ص٣٠٧ مبحث تمالفهم مع المنافقين ضد المسلمين . (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٦ ص ٦٥١ ٣٣١ وسورة المائدة فالضمير فى قوله . كانوا، يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل الكتاب ن حملهم حقدهم وبغضهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه على لاة الكافرين . والمراد بالنبى: موسى - عليه السلام - وبما أنزل إليه التوراة؛ لأن يت مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم أتباع موسى. ے وقيل المراد به النبى : - صلى الله عليه وسلم - والمرادبما أنزل إليه: القرآن أى: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيما فاحقا، ويؤمنون بنبيهم موسى صدقة، ويؤمنون بالتوراة التى أنزلها الله عليه إيمانا سليما، ولو كانوا نين هذا الايمان الصادق ، لكفوا عن اتخاذ الكافرين أوليا. وأصفياء، تحريم موالاة المشركين متأكدة فى التوراة وفى كل شريعة أنزلها الله على من أنبيا». وقوله: (ولكن كثيرا منهم فاسقون)) استدراك لبيان حالهم، ولبيان . موالاتهم للكافرين وعدارتهم للمسلمين. أى: ولكن كثيراً من هؤلاء اليهود فاسقون، أى: خارجون عن الدين ، إلى الأديان مباطلة، فدفعهم هذا الفسق وما صاحبه من حقد وعناد على لة "-كافرين ومعاداة المؤمنين. وقد كرر - سبحانه - وصف الكثيرين منهم بالصفات الذميمة، إنصافا التى آمنت، وتميزا لها عن تلك الكثرة الكافرة الفاسقة . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت ما عليه الكافرون من بنى إسرائيل سفات ذميمة ، أفضت إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله ، حتى يحذرهم مون، ويحتنبوا سلوكهم السى. ، وخلقهم القبيح. وبعد هذا الحديث الطويل الذى طوفت فيه سورة المائدة مع أهل الكتاب ـة عامة ومع اليهود بصفة خاصة ، والذى تحدثت خلاله عن علاقة المؤمنين عن العمود التى أخذها الله عليهم وموقفهم منها، وعن دعاواهم الباطلة ٣٣٣ الجزء السادس وكيف رد القرآن عليها ، وعن أخلاقهم السيئة، وعن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين ، وعن المصير السىء الذى ينتظرهم إذا ما استمروا على كفرهم وضلالهم، وعن المنهاج القويم الذى استعمله القرآن معهم فى دعوتهم إلى الدين الحق ... بعد هذا الحديث الطويل معهم فى تلك الموضوعات وفى غيرها ... زى السورة الكريمة فى نهاية المطاف تحدثنا عن أشد الناس عداوة للمؤمنين ، وعن أقربهم مودة لهم فتقول : (( لتجدنَّ أشدَّ الناسِ عدواوةً للذينَ آمَنُوا اليهودَ والذينَ أشركُوا، ولتجدَنَّ أقربَهُم مودةً للذينَ آمَنُوا الدينَ قَالُوا إنّ نصارَى، ذلكَ بأنَّ منهم قِسِّيسينَ ورُهباءً وأنهم لا يستكبِّرُونَ (٨٢) وإذَا سَمِعُوا مَا أَنزِل إلى الرسُولِ تَرَى أَعْيُنَهم تفيضَ من الدّمعِ ممّا عرفُوا من الحقِّ، يقولُونَ ربَّنا آمنًا فَكتُبْنَ معَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وما لَّ لا نُؤْمنُ بِاللهِ وما جاءنَ مِنَ الحقّ ونطمَعُ أن يُدْخِلَنَا ربُّنَ معَ القومِ الصالحين (٨٤) فَأَثَابَهُمُ الهُ بما قالُوا جناتٍ تجرِى مِنْ تحتها الأنهار خالدين فيها وذلكَ جزاء المحسِنِينَ (٨٥) والذينَ كفرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِناَ أولئِكَ أصحابُ الجحيم (٨٦))). أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشى وفدا إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا، قال: فأنزل الله فيهم: (( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ... إلى آخر الآية)) قال: فرجعوا إلى النجاشى فأخبروه فأسلم النجاشى ، فلم يزل مسلما حتى مات. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أخاكم النجاشى قد مات فصلوا عليه، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة والنجاشى بالحبشة. ثم قال ابن جرير بعد أن ساق روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآيات ٣٣٤ سورة المائدة صواب فى ذلك من القول عندى، أن أقه - تعالى - وصف صفة قوم ا: إنا نصارى، أن فى الله - صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس دة لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم ، وقد يجوز أن يكون يد بذلك أصحاب النجاشى ، وبحوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريسة ـى فأدركهم الإسلام فأسلموا، لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم تكبروا عنه ... )(١). فقوله - تعالى - لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين رکوا ٠ .. ، جملة مستأنفة لتقرير ماقبلها من آبات سجلت على اليهود كثيرا الصفات القبيحة ، والمسالك الخبيثة . وقد أكد - سبحانه - هذه أجملة بلام القسم، اعتناء ببيان تحقق مضمونها. و الخطاب للغی - صلى الله عليه وسلم - ويصح أن يكون لكل من لمح للخطاب، الإيذان بأن حالهم لا تخفى على أحد من الناس . والمعنى: أقسم لك يا محمد بأنك عند بخالتك الناس ودعوتهم إلى الدين ق ، ستجد أشدهم عداوة لك ولأتباعك فريقين منهم : وهما اليهود والذين ركوا، لأن عداوتهم منشؤها الحقد والحسد والعناد والغرور ... وهذه ذائل من تمكنت فى النفس حالت بينها وبين الهداية والإيمان بالحق. وقوله («أشد الناس ، مفعول أول لقوله , لتجدن، ومفعوله الثانى یهود، وقوله , عداوة » تمییز. قال الآلوسي: والظاهر أن المراد من اليهود العموم، أى من كان منهم ضرة الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يهود المدينة وغيرهم، ويؤيده أخرجه أبو الشيخ وابن مردوية عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى . عليه وسلم - ((ماخلا يهودى بمسلم إلا هم بقتله)) وقيل المراد بهم يهود دينة وفيه بعد، وكما اختلف فى عموم اليهود اختلف فى عموم الذين أشركوا (١) تفسير ابن جرير ج ٧ ص ٣. ٣٣٥ الجزء السادس والمراد من الناس . كما قال أبو حيان - الكفار: أى لتجدن أشد الكفار عدارة هؤلاء . ووصفهم - سبحانه - بذلك لشدة كمفرهم ، وأنهما كهم فى إتباع الهوى ، وقربهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، وقد قبل: إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم فى الدين بأى طريق كان وفى تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم فى العداوة .... (١). وقوله: (( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ... )) معطوف على ماقبله لزيادة التوضيح والبيان . أى: لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة لك ولاتباعك - اليهود - والذين أشركوا. ولتجدن أقربهم مودة ومحبة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا نصارى. قال ابن كثير : أى الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله فى الجملة: وماذاك إلا فى قلوبهم - من لين عريكة - إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال - تعالى - ((وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ... ، وفى كتابهم: ((من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعا فى ملتهم ... ، (٢) . وقال الجمل: فإن قلت: كفر النصارى أشد من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون فى الألوهية فيدعون أن الله ولدا، واليهود ينازعون فى النبوة. فینکرون قبوة بعض الأنبياء فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ ، قلت: هذا مدح فى مقابلة ذم وليس مدحاً على إطلاقه ، وأيضا (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٥١٧ (١) تفسير الآلوسي ج ٧ ص ١ ٣٣٦ سورة المائدة كلام فى عداوة المسلمين وقرب مودتهم لا فى شدة الكفر وضعفه(١). وقوله: ((ذلك بأن منهم قسسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ، تعليل .ب مودة النصارى للمؤمنين . والقسيسين، جمع قسيس. وأصله من قس إذا تقبع الشىء فطلبه، وهم ا. النصارى والمرشدون لهم . والرهبان : جمع راهب كركبان جمع راكب. وتطلق كلمة رهبان على رد كما تطلق على الجمع . والراهب هو الرجل العابد الزاهد المنصرف عن ياً، مأخوذ من الرهبة بمعنى الخوف : يقال : رهب فلان ربه رهبه، : خافه . والمعنى: ولتجدن يامحمد أقرب الناس مودة لك ولأتباعك الذين قالوا إنا رى، وذلك لأن منهم القسيسين الذين يرغبون فى طلب العلم ويرشدون ثم إليه، ومنهم الرهبان الذين تفرغوا لعبادة الله وانصرفوا عن ملاذ يا وشهواتها وأيضا فلأن هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى من صفاتهم أنهم متكبرون عن إتباع الحق والانقياد له إذا فهموه. أو أنهم متواضعون موا مغرورين أو متكهرين. وفى ذلك تعريض باليهود والمشركين ، لأن غرورهم واستكبارهم جعلهم رفون عن الحق. فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، وأن النبوة ، أن تكون فيهم، والمشركون يرون أن الندوة يجب أن تكون فى أغنيائهم مائهم، وقد حملهم هذا الغرور على الكفر بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ؟ وجدوا أكثر أتباعه من الفقراء. قال الألوسى: وفى الآية دليل على أن صفات التواضع والإقبال على العلم مل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٠٥١٧ ٣٣٧ الجزء السادس ثم حكى - سبحانه - ما كان منهم عند سماعهم لما أنزل الله - تعالى - على رسوله من هدايات فقال: « وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ما عرفوا من الحق .. ، والمراد بالرسول: محمد - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل إليه: القرآن الكريم. والجملة الكريمة معطوفة على قوله؛ (( وأنهم لا يستكبرون)). والضمير فى قوله ((سمعوا)) يعود على الذين قالوا إنا نصارى بعد أن عرفوا الحق وآنوابه. أى ، أن من صفات هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى زيادة على ما تقدم ، أنهم إذا سجعوا ما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من قرآن تأثرت قلوبهم، وخشعت نفوسهم. وسالت الدموع من أعينهم بغزارة وكثرة ، من أجل ما عرفوه من الحق الذى بينه لهم القرآن الكريم بعدأن كانواغافلين عنه. وفى التعبير عنهم بقوله: ترى، الدالة على الرؤية البصرية والتى هى أقوى أسباب العلم الحسى، مبالغة فى مدحهم ، حيث يراهم الرائى وهم على تلك الصورة من رقة القلب ، وشدة التأثر عند سماع الحق . فلقد كانوا يحسون أنهم فى ظلام وضلال ... فلما سمعوا اخق أشرقت 4 نفوسهم ودخلوا فى فوره وهدايته ، وأعينهم تتدفق بالدموع من شدة تأثرهم به. وحبهم له . وقوله، ((قفيض)) من الفيض وهو انصباب عن امتلاء: يقال فاض الإناء إذا امتلأ حین سال من جوانبه : وقد أجاد صاخب الكشاف فى تصوير هذا المعنى فقال: فإن قلت: ما معنى قوله: « تفيض من الدمع، قلت: معناه تمتلىء من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. فوضع الفيض الذى هو من الإمتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب. أو قصدت المبالغة فى وصفهم بالبكاء جعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها. أى: أسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك : دمعت عينه دمعا. (٢٢ - سورة المائدة) ٢٣٨ سورة المائدة فإن قلت: أى فرق بين من ومن فى قوله: (( ما عرفوا من الحق)؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه، والثانية لمتبيين الموصول الذى هو ما عرفوا وتحتمل معنى التمعيض على أنهم عرفوا بعض الحق ، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقر أوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟(١). ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد سماعهم للحق فقال : يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، . أى: يقولون بعد أن سمعوا الحق: ياربنا إننا آمنا بما سمعنا إيمانا صادقا فاكتبنا مع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -- التى آمنت به وشهدت بصدق رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - وبصدق كل رسول أرسلته إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور . تم حکی - سبحانه - بعد ذلك عنهم ما علمهمنهم من إصرارهم على الدخول فى الدين الحق ، فقال. ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ». فالآية الكريمة من تتمة قولهم. والاستفهام منا لإنكار انتقاء الإيمان منهم مع قيام موجباته ، وظهور أمارانه ، ووضوح أدلته وشواهده . والمعنى: وأى مانع يمنعنا من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، وبما جاءنا على لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من قرآن يهدى إلى الرشد، ومن توجيهات توصل إلى السعادة (( ونحن نطمح أن يدخلنا ربنا - بسبب إيماننا - مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقيدة السليمة ، وبالعبادات الصحيحة ، وبالأخلاق الفاضلة، وهم أتباع هذا التى الأمى محمد - صلى الله عليه وسلم -. فأنت تراهم بعد أن استمعوا إلى القرآن تأثرت (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٧٠ ٣٣٩ الجزء السادس نفوسهم به تأثراً شديدا فاضت معه أعينهم بالدمع ... ثم بعد ذلك التمسوا من الله - تعالى - أن يكتبهم مع الأمة الإسلامية التى تشهد على غيرها يوم القيامة ... ثم بعد ذلك استنكروا واستبعدوا أن يعوقهم معوق عن الإيمان الصحيح مع قيام موجباته .. وهذا كله يدل على صفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ظهوره بدون تردد أو تقاعس : وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ،ونطمع أن يدخلنا .. )) يدل على قوة إيمانهم، وصدق يقينهم . لأنهم مع هذا الإقبال الشديد على الدين الحق ، والمسارعة إلى العمل الصالح، لم يجزموا بحسن عاقبتهم، بل التمسوا من الله - تعالى - الطمع فى مغفرته، وفى أن يجعلهم مع القوم الصالحين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وهكذا المؤمن الصادق يستصغر عمله بجانب فضل الله ونعمه، ويقف من جزائه وثوابه - سبحانه - موقف الخوف والرجاء . ولقد کان ما أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأصفياء من ثواب شيئا عظيما، عبر عنه - سبحانه - بقوله: «فأنابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ؛ وذلك جزاء المحسنين)). أى: فكافأه الله - تعالى - بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، جنات تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار ((خالدين فيها، أى: باقين فى تلك الجنات بقاء لاموت معه، وذلك العطاء الجزيل الذى منحه الله لهم جزاء المحسنين، أى: المؤمنين المخلصين فى أقوالهم وأعمالهم. والمراد بقوله ((بما قالوا)): ما سبق أن حكاه عنهم - سبحانه - من قولهم: «ربنا آمنا فا كتبنا مع الشاهدين ... )) ورقب الثواب المذكور على القول: لآنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم، على صدق يقينهم، والقول. إذا اقترن بذلك فهو الإيمان . ٣٤٠ سورة المائدة قال الآلوسي: قوله . . فأنا بهم الله بما قالوا)) .. أى بسبب قولهم أو بالذى قالوه عن إعتقاد، فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الإعتقاد يكون المراد به المقارن له، كما إذا قيل: هذا قول فلان، لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد . وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأى والاعتقاد والمذهب كما يقال: هذا قول الامام الأعظم أى : هذا مذهبه وإعتقاده .. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم: ربنا آمنا .. وقولهم. وما لنا لا أؤمن.)) (١) وقد بينت هذه الآية الكريمة أنه - سبحانه - قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر مما طلبوا ، فقد كانوا يطمعون فى أن يكونوا مع القوم الصالحين ، وأن يكتبهم مع الشاهدين .. فأعطاهم - سبحانه - جنات تجرى من تحتها الأنهار ... وسماهم محسنين. والإحسان أعلى درجات الإيمان (( وأكرم أوصاف المتقين . هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأمنوابه ، وقالوا ماقالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم .. أما الذين سمعوافأعرضنوا وجحدوا فقد بين - سبحانه - مصيرهم السىء بقوله: ( والذين كفرواوكذبوا. بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم،. أى: والذين كفروا وجحدوا الحق الذى جاءهم، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانينا وصدق رسلنا ، فأولئك أصحاب الجحيم ، أى: النار الشديدة الإتقاد . يقال : جحم فلان النار إذا شدد إيقادها . وبذلك زى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى. لأنهم تأثروا بالقرآن عند سماعه ، فدخلوا فى الدين الحق بسرعة ورغبة ، . فأكرمهم الله غاية الإكرام ، وهذا ينطبق على كل نصرانى ينهج نهجهم، ويسلك مسلكهم , فيدخل فى الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون .. (١) تفسير الآلوسى = ٧ ص ٦