Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الجزء السادس وقد قلبت الدال فی کلمة بهوذا دالا فى التعريب . أو سموايهودا حين تابو أمن عبادة العجل، من هاد يهود هودا بمعنى تاب ومنه قوله - تعالى- ((إنا هدنا إليك» أى : تبنا ورجعنا إليك . والفرقة الثالثة فرقة الصابتين جمع صابى. وهو الخارج من دين إلى دين. يقال صبا الظلف والتاب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع. والمراد بهم قوم يعبدون الملائكة ، أو الكواكب ويزعمون أنهم على دین صابىء بن شيث بن آدم ، ولا تزال بقية منهم تعيش فى تخوم العراق ؛ ومن العسير الجزم بحقيقة معتقدهم ، لأنهم أكتم الناس لعقائدهم ، وأما الفرقة الرابعة فهى فرة النصارى جمع نصر أن بمعنى نصر أنى قيل سموا بذلك لأنهم ادعوا أنهم أنصار عيسى - عليه السلام - وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية الناصرة التى ظهر بها عيسى - عليه السلام - واتبعه بعض أهلها ... . والإيمان المشار إليه فى قوله: ((من آمن بالله واليوم الآخر ... » يفسره بعض العلماء بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذى قدره الإسلام، فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام، وكان ينتمى إلى دين صحيح فى أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذى يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه . أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛ فإنهم لا يكونون فاجين من عذاب الله مهما أدعوا أنهم يؤمنون بغيرها؛ لأن شريعة الاسلام قد نسخت ما قبلها، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (((أو كان موسى حيا ما وسعه إلا أتباعى)). ويفسرونه - أى الإيمان المشار إليه سابقا - بالنسبة للمؤمنين الذين عبر ألقه عنهم بقوله: (( إن الذين آمنوا ... ، على أنه بمعنى الثبات والدوام والاذعان، وبذلك منتظم عطف قوله - تعالى - ((وعمل صالحا، على قوله ٣٠٢ سورة المائدة ((آمن، مع مشار كته هؤلاء المؤمنين لتلك "غرق الثلاث فيما يترتب على العمل الصالح من ثواب جزيل وعاقبة حميدة . وبعض العلماء يرى أن معنى ((من آمن٠٠٠، أى: من أحدث عن هذه الفرق إيمانا بالنبى - - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من عندربه. قالو: لأن مقتضى المقام هو الترغيب فى دين الإسلام، وأما بان من معنى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابتين ليس لهم دين تجوز رعايته فى وقت من الأوقات . . وقوله: (( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بيان لحسن عاقبتهم،. وجزيل ثوابهم . أى. فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل ثم فى مأمن منها، ولاهم يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها فى العمل الصالح . هذا وقد قرأ جمهور القراء. والصابئون)) بالرفع. وقرأ ابن كثير بالنصب. وقد ذكر الفحويون وجوها من الإعراب لتخريج قراءة الرفع التى قرأها الأكثرون، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل فى قوله: «وقوله: ·إن الذين آمنوا ... أى: إيمانا حقا لاتفاقا. وخبر إن محذوف تقديره: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. دل عليه المذكور. وقوله: (( والذين هادوا، مبتدأ. فالواو لعطف الجمل أو الاستثناف وقوله ((والصابئون والنصارى» عطف على هذا المبتدأ. وقوله , فلا خوف عليهم، .. خبر عن هذه المبتدآت الثلاثة. وقوله: ((من آمن بالله واليوم الآخر ، بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص. فكانه قال : الذين آمنوامن اليهود ومن النصارى ومن الصابئين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون . فالإخبار عن اليهود ومن بعدهم بما ذكر مشروط بالإيمان لا مطلقا .. ، (!). (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥١١ ٣٠٣ الجزء السادس وقد ذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال: قوله: ((والصابئون)) وفع على الإبتداء. وخبره محذوف . والتيه به التأخير عما فى حيز (( إن ، من اسمها وخبرها . كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا . والصائبون كذلك ... ثم قال : فإن قلت ما التأخير والتقديم إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟ قلت : فائدته التنبيه على أن الصابتين بتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم ؟ وذلك لأن الصابثين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا ، وما سموا صابتين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها. أى: خرجوا .. » (١). والخلاصة , أن الآية الكريمة مسوقة للترغيب فى الإيمان والعمل الصالح ببيان أن كل من آمن بالله واليوم الآخر، واتبع ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - وإستمر على هذا الإيمان وهذا الاتباع إلى أن فارق هذه الحياة، فإن الله - تعالى - رضى عنه ويثيبه ثواباً حسنا ، ويتجاوز عما فرط منه من ذقوب ، لأن الإيمان الصادق يجب ما قبله، من عقائد زائفة ، وأعمال باطلة، وأقوال فائدة ... 1 وبعد أن فتح - سبحانه - باب الإيمان أمام أهل الكتاب وغيرهم لكى يدخلوه فينالوا رضاه ومثوبته ... عقب ذلك باستئناف الحديث عن أنواع أخرى من الرذائل التى عرفت عن نى إسرائيل فقال - تعالى - : (( لقدْ أُخَذْنَاَ ميثاقَ بنى إسرائيلَ وأَوْسَلْناَ إليهم رسُلاَ، كلما جاءم رسولٌ بما لا تهوَى أَنفُسُهم، فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتُلون (٢٠) وحَسِبُوا أنْ لا تكونَ فتنةٌ فعُوا وسُوا ثم تابَ الهُ عليهم ثم عُمُوا وموا، كثير منهم والله بصير بما يعملونَ (٧١) ». فرة (١) تفسير الكفاف ج ١ ص ٦٦١. ٢٠٤ سورة المائدة والمراد بالميثاق فى قوله: ((لقد أخذناميثاق بنى إسرائيل)): العهد الموثق الذى أخذه الله عليهم بواسطة أنبيائهم بأن يؤدوا ما كلفهم به من تكاليف ، وأن يتبعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره . وقد أكد الله هذا الميثاق الذي أخذه عليهم بلام القسم وبقد المفيدة للتحقيق أى : بالله لقد أخذنا الميثاق على بنى إسرائيل بأن يعبدونى ولا يشركوا فى شيئا، وبأن ينفذوا ما كلفتهم به من المأمورات والمنهيات والشرائع والأحكام .. وقوله (( وأرسلنا إليهم رسلا، معطوف على ((أخذنا). والتفكير فى قوله: ((رسلا)) للتكثير والتعظيم. أى : أخذنا العهد المؤكد عليهم بأن يسيرواعلى الطريق المستقيم ، وأرسلنا إليهم رسلا ذوى عدد كثير ، وأولى شأن خطير ، لكى بتعهدوهم بالتبشير والانذار، ولکی یرشدوم إلى ما بآتون وما یذرون من أمور دينهم . فأنت ترى أن اله ـ تعالی ۔ مع أخذہ الميثاق علیهم لم یتر کہم هملا ، بل أرسل إليهم الرسل ليعينوهم على تنفيذ ما جاء به . ولم يذكر - سبحانه - هنا موضوع هذا الميثاق، إكتفاء بذكره فى مواطن أخرى كثيرة . ومن ذلك قوله - تعالى - قبل ذلك فى هذه السورة : (( ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم إثنى عشر نقيبا، وقال الله إنى معكم ، لئن أقتم الصلاة وآتيتم الزكاة. وآمنتم برسلى ، وعزر موم، وأقرضتم الله قرضا حسنا ... الآية)، (١). وقوله - تعالى - فى سورة البقرة: (وإذا أخذناميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذى القربى واليتامى والمساكين ... الآيد، (٢). (١) سورة المائدة الآية ١٢ (٢) سورة البقرة الآ ية٨٣. ٢٠٥ الجزء السادس وقوله: « كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)) بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذى أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم. أى: أخذنا الميثاق المؤكد عليهم، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين هدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق، وعصوا الرسل، فكانوا «كذا جاءهم رسول، بما لا تشتهيه نفوسهم الشقية ، وبما لا تمتل إليه قلوبهم الردية، ناصبوه العداء ؛ فكدبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل . ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاؤا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم، وقتلو من بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبوهم : زكريا ويحى، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام .. كما حاولوا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن الله - تعالى - نجاهما من مكرهم وكيدهم. قال صاحب الكشاف: وقوله: ( كلما جاءهم رسول)) جملة شرطية وقعت صفة لقوله: ((وسلا)). والراجع محذوف: أى: رسول منهم (( بما لا تهوى أنفسهم ، أى بما يخالف هوأهم ويضاد شهواتهم ... فإن قلت: أين جواب الشرط .... قلت: هو محذوف يدل عليه , فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، فكأنه قيل. كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه،(١). والتعبير بقوله: ((كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)) يدل على أن حال بنى إسرائيل بالنسبة المرسل يدور بين أمرين إما التكذيب لهم، والاستهانة بتعاليمهم ... وإما أن يجمعوا مع التكديب قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة . فكان التكذيب والقتل قد صارا سجيتين (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٦٢ ٢٠ - سورة المائدة) ٣٠٦ سورة المائدة لهم لا تتخلفان فیأی زمان و مع أی رسول ، وذلك لأن لفظ « کل یدل على العموم. ((وما)) مصدرية ظرفية دالة على الزمان، فكأنه - سبحانه- يقول: فى كل أوقات مجىء الرسل إليهم كذبوا ويقتلون، دون أن يفرقوا بیں رسول ورسول أو بین زمان وزمان ... وقال - سبحانه - ((بما لا تهوى أنفسهم)) للمبالغة فى ذمهم ، إذ هوى النفس ميلها فى الغالب إلى الشهوات التى لا ينبغى، والرسل ما أرسلهم لله - تعالى - إلا لهداية الأنفس، وكفها عن شهواتها التى يؤدى الوقوع فيها إلى المفاسد ... وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل، ويقتلونهم إلا لأنهم با. وهم بما يخالف هواهم ، ويتعارض مع أنافيتهم وشرههم ومطامعهم الباطلة ... وهكا الأمم عندما تفسد عقولها ؛ وتسيطر عليها الأطماع والشهوات ، ترى الحسن فييحا ، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها . وقدم - سبحانه - المفعول به فى قوله (( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، للاهتمام بتفصيل أحوال بنى إسرائيل السيئة، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم . وعبر عن التكذيب بالفعل الماضى فقال: ((فريقا كذبوا)، وعن القتل بالفعل المضارع فقال: ((وفريقا يقتلون)، لحكاية الحال الماضية التى صدرت) من أسلافهم، بتصوير ماحصل فىالماضی کأنه حاصل وقتالتكلم،ولا ستجهضار جريمتهم البشعة فى النفوس حتى لكأنها واقعة فى الحال ، وفىذلك مافيه من النعى عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التى بلغت نهاية الشناعة والقبح ... ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع ما صلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل! لم يتزجروا، ولم يندموا ... بلغ بهم الغرور والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيئا هينا وأنه لن يكون له أثر مىء فى حباتهم. فقال - تعالى -: ((وحسبوا أن ٣٠٧ الجزء السادس لاتكون فتنة فعموا وصموا ثم قاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم الله بصير بما يعلمون)) . وقوله: ((وحسبوا ... ، معطوف على قوله,كذبوا ... ، وهو من الحسبان بمعنى الظن وقوله: ((فتنة، من الفتن وهو إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته . . والمراد بها هنا: الشدائد والمحن والمصائب التى تنزل بالناس. وقوله: ((فعموا وصموا، من العمى الذى هو عند الأبصار، ومن الصمم الذى هو عند السمع. وقد استعمير هنا للأعراض عن دلائل الهدى والرشاد التى جاء بها الرسل . والمعنى أن بنى إسرائيل قد أخذنا عليهم العهد المؤكد ، وأرسلنا إليهم الرحل لهدابتهم ، فكان حالهم أنهم كذبوا بعض الرسل ، وقتلوا البعض الآخر ... ولم يكتفوا بهذا. بل ظنوا - لسوء أعمالهم وفساد قلوبهم واستيلاء الغرور والتكبر على نفوسهم - أنهم لن يصيبهم بلاء ولا عقاب بتكذيبهم الرسل وقتلهم لهم. فأمنوا عقاب أنه، وتمادوا فى فنون البغى والفساد، وعموا وصموا عن دلائل الهدى والرشاد التى جاء بها الرسل، واشتملت عليها الكتب السماويه , ثم قاب الله عليهم، أى: قبل توبتهم بعد أن رجعوا عما كانوا عليه من فساد , ثم عمواوصموا، أى: ثم نكسوا على رءوسهم مرة أخرى فعادوا إلى فسادم ومثلالهم وعدوانهم على هداتهم، إلا عددا قليلا منهم بقى على إيمانه وتوبته فأنت ترى أن الآية الكريمة منوقة لبيان فساد معتقدات بنى إسرائيل وماجبات عليه نفوسهم من جحود وغرور ... حيث ارتكبوا ما أرنكبوا من جرائم ومنكرات تقشعر لها الأبدان ... ومع كل ذلك حسبوا أن أقه - تعالى - لا يعاقبهم عليها، لأنهم - كما يزعمون - أبناء الله وأحباؤه ... وأنهم بعد أن تاب الله عليهم نقضوا عهو دم معه وعادوا إلى عمام عن الدین الذی جاتهم به رحلهم وإلى صمعهم عن الاستماع إلى الحق الذى ألقوه إليهم . وقوله: ((ألا تكون) قراءة أبو عمر والكسائى وحمزة بضم النون على ٣٠٨ سورة المائدة اعتبار (( أن) هى المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فتنة. خففت ((أن، وحذف ضمير الشأن - وهو" اسمها .. وحسبوا على هذه القراءة بمعنى علموا. وتعليق فعل الحسبان بها وهى للتحقيق، لتنزيله منزلة العلم لتمكنه فى قلوبهم. وقرأه الباقون بفتح النون على اعتبار أن ((أن، ناصبة لتكون. وحسب على هذه القراءة على بابها من الشمك والظن . وسد مسد مفعولى حسب على القراءتين ما اشتمل عليه الكلام من المسند والمسند إلیه وهو « أن ، وما فی حیزما. وقوله ((فعموا)، معطوف على ((حسبوا)) وجىء بالفاء التى للسبعة للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها . أى ان عماهم عن الطريق القويم، وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم؛ الفاسد، واعتقادهم الباطل أن ما أرتكبوه من قبائح أن يعاقبوا عليه فى الدنيا. ومن بديع إيجاز القرآن الكريم أن أوما إلى عدم اهتمامهم بمصير هم فى الآخرة ببيان أن ظنهم أنهم لن تنزل بهم مصائب فى الدنيا يسبب مفاسدهم، هذا الظن هو الذی جعلهم يرتكبون ما يرتكبون من قبائح .. أما الآخرة فلا مكان لها فى تفكيرهم ، لأنهم قوم نساء يحرصون على الدنيا حرصا شديداً، دون أن يعيروا الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب أى اهتمام . وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذعليها الشيطان، وتغلب عليها حب الشهوات وضعف الوازع الدينى فى نفوس أفرادها .. إنهم فى هذه الحالة يصير همهم مقصوراً على تدبير شئون دنياه، فإذا ماوجدوا فيها مأكلهم وشريهم وملذاتهم أغمضوا أعينهم عن آخرتهم ، بل وربما استهافوا وتهكموا بمن يذكرهم ها فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعامة . وجىء بحرف العطف : ثم، المفيد للتراخى فى قوله (( ثم تاب الله عليهم للإشارة إلى أن قبول قوبتهم كان بعد مفاسد عظيمة وقعت منهم أى: ثم تاب الله عليهم بعد أن كان منهم ما كان من منكرات وجرائم وإعراض من الرشد والهدى . ٣٠٩ الجزء السادس وقوله «ثم عموا وصمموا، بيان لنقضهم لعهو دم مع الله، وارتكاسهم فى الذنوب والخطايا والمنكرات ... ارتكاسا شديدا بحيث صاروا ليوا أهلا لقبول التوبة منهم بعد ذلك . أى : بعد أن قبل الله ثوبتهم من جرائمهم المنكرة .. عادوا إلى الانتكاس مرة أخرى فوقعوا فى الذنوب والجرائم بإصرار وعناد، فأصابهم ما أصابهم من عقوبات لم يتب الله عليهم بعدها . وقوله (( كثير منهم)) بدل من الضمير فى قوله ,عموا وصموا، وهذا الإبدال فى غاية الحسن، لأنه لو قال (( عموا وصموا)) بدون هذا البدل لأوم ذلك أنهم جميعا صاروا كذلك. فلما قال (( كثير منهم)) دل على أن العمى والصمم قد حدث الكثيرين منهم، وهناك قلة منهم لم تنقض عهودها مع اقه - تعالى - بل بقيت على إيمانها وصدق قوبنها . وهذا - كماقلنا مرارا - من إنصاف القرآن للناس فى أحكامه، ودقته فى ألفاظه ، واحتراسه فيما يصدر من أحكامه . وقوله: (( والله بصير بما يعملون)) تذييل قصدبه بطلان حسبانهم المذكور. والبصر مبالغة فى المبصر وهو هنا بمعنى العليم بكر ما يكون منهم من أعمال سواه أبصرها الناس أم لم يبصروها . والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شَى .. وسيحابهم على أعمالهم. أى: والله - تعالى - عليم بما يعملونه علم من يبصر كل شىء دون أن تخفى عليه خافية، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقونه من عذاب أليم. هذا، وقد تكلم المفسرون عن وقد التوبة التى كانت بعد عمام وصمعهم وعن العمى والصمم الذى أصابهم بعد ذلك ، وقد أجمل الإمام الرازى كلامهم فقال : ٣١٠ سورة المائدة والآية تدل على أن عماهم وصمعهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين. واختلف المفسرون فى المراد بهاتين المرتين على وجوه : لأول: المراد أنهم عموا وصموافى زمان زكريا ويحيى وعيسى - عليهم السلام - ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم الإيمان: ثم عموا وصموا کثیر منهم فى زمان محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن أنكروا نبوته. ٠٠٠ وقلة منهم هى التى آمنت به . الثانى: المراد أنهم عموا وصموا حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب القه عليهم، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلبهم رؤية الله جهرة. الثالث: قال القفال: ذكر الله - تعالى - فى سورة الإسراء ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال: «وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا .... .(!) . والذى نراه أن تحديد عمام وصممهم وتوبتهم بزمان معين أو بجريمة أو جرائم معينة تابوا بعدها، هذا التحديد غير مقنع . ولعل أحسن منه أن نقول: إن القرآن الكريم يصور ما عليه بنو إسرائيل من صفات ذميمة ، وطبائع معوجة ، ومن نقض العهود والمواثيق .... فهو أخذ اقه عليهم العهود فنقضوها، وأرسل إليهم الرسل فاعتدوا عليهم، وظنو أن عدوانهم هذاشىء هين وأن يصيبهم بسببه عقاب دنيوى، فلما أصابهم العقاب الدنيوى كالقحط والوباء والهزائم ... بسبب مفاسدهم، قابوا إلى الله فقبل الله توبتهم ورفع عنهم عقابه، فعادوا إلى عمام وصممهم - إلا قليلا منهم . وارتكبوا ما ارتكبوا من مذكرات بتصميم وتكرار فأصابهم - سبحانه - يفتن لم يقب عليهم منها . «وما كان اله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، (٢) (١) تفسير البخر الرازى جـ ١٢ ص ٥٧ (٣) سورة العنكبوت الآية ٤٠ ٣١١ الجزء السادس وبعد أن بين - سبحانه - أنماطا من قبائح اليهود ومن صفاتهم الذميمة .. شرع فى بيان قبائح النصارى وضلالاتهم ... وأرشدهم إلى طريق الحق والصواب، وحذرهم من السير فى طريق الغواية والعناد فقال - تعالى -: ((لقد كفر الذينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المسيحُ ابن مريم، وقال المسيحُ يابنى إسرائيلَ اعبدُوا اللهَ ربي وربكم، إنَّه من يُشْرِكْ بالهِ فقد حرَّم اللهُ عليهِ الجَّةَ ومأواهُ النارُ وما للظالمينَ مِنْ أنصارِ (٧٢) لقد كفَر الذين قالوا إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ وما مِنْ إِلهِ إلا إلهٌ واحدٌ، وإنْ لمْ ينتهُوا عما يقولونَ آَمَسَّنَّ الذين كفرُوا منهم عذابٌ أليم (٧٣) أفلا يتوبونَ إلى اللهِ ويستغفرونَهَ واللهُ غفورٌ رحيمٌ (٧٤) ما المسيحُ ابن مريمَ إلا رسولٌ قد خلت من قبلهِ الرسلُ وأمُّه صديقة كانا يأكلانِ الطعام انْظُرَكيفَ نبينُ لهم الآياتِ، ثم انْظُرْ أنّى يُؤْفِكُونَ (٧٥) ) . قإلى الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما استقصى الكلام مع اليهود، شرع ههنا فى الكلام مع التضارى، فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم . وهذا هو قول اليعقوبية؛ لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلها . ولعل معنی هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله - تعالی - جل فی ذات عیسی وانحد بذات عيسى ... (١) . .- واللام فى قوله : « لقد كفر ... ، واقعة جوابا لقسم مقدر. والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره، والانغماس فى الباطل والضلال. أى: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم . (١) راجع تفسير الفخر الرازى : ١٢ ص ٠٥٩ ٠ ٣١٢٠ سورة المائدة وقد أكد - سبحانه - كفرهم بالقسم المقدر؛ لأنهم غالوا فى إطراء عيسى وفى وضعه فى غير موضعه ، كما غالت اليهود فى الكفر به وفى وصفه بالأوصاف التى هو برى منها . ثم حكى - سبحانه - ماقاله عيسى فى الرد على من جعلوه إلها فقال: , وقال المسيح يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ... )). ٦ أى: وقال المسيح مكنبا لمن وصفه بالألوهية: يابنى إسرائيل اعبدوا أقه وحده ولاتشركوا به شيئاً، فهو ربى الذى خلقنى وتعهدنى بالتربية والرعاية. وهو ربكم - أيضا - الذى أنشأكم وأوجدكم ورزقكم من الطيبات. والواو فى قوله: ((وقال المسيح ... ، الحال. والجملة حالية من الواو التی می فاعل (( قالوا). أى: قلوا ما قالوا، والحال أن عيسى قد تبرأ مما قالوه. وقال لبنى إسرائيل حین إرساله إليهم : اعبدوا الله ربي وربكم . وقوله: «ربي وربكم، تنبيه إلى ماهو الحجة القاطعة على فساد قولهم المذكور؛ لأن عيسى لم يفرق بينه وبين غيره فی العبودية لله - تعالى - لأنه. - سبحانه - هو الخالق له ولهم ولكل شىء. ثم حكى - سبحانه - ماقاله عيسى محذرا من الإشراك فقال: « إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار». وهذه الجملة تعليل للأمر بعبادة الله وحده. والضمير المقترن بإن ضمير الشأن والمراد بتحريم الجنة على المشرك: منعه من دخولها، لإشراكه مع اقه آلهة أخرى . والمأوى: المكان الذى يأوى إليه الإنسان. أى يرجع إليه ويستقر فيه. أى: قال المسيح لبنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، لأنه أى الحال والشأن ((من يشرك بابله) شيئا فى عبادته - سبحانه -، فقد حرم الله عليه الجنة، أى: منعه من دخولها، بسبب شركة وكفره، وجعل ((مأواه النار)) ٣١٣ الجزء السادس أى: جعل مستقره ومكانه النار بدل الجنة ،وما للظالمين من أنصار وينصرونهم بأن بنقذوهم ما فيه من بلاء وشقاء وعذا مقيم . فالجملة الكريمة تحذير شديد من الإشراك بالله، وبيان لما سيئول إليه حال المشركين من تعاسة وشقاء. وجمع - سبحانه - بين العقوبة السلبية للمشركين وهى حرمانهم من الجنة وبين العقوبة الإيجابية وهى استقرارهم فى النار ، الإشارة إلى عظيم جرمهم حيث أشركوا بالله ، وتقولوا عليه الأقاويل الباطلة التى تدل على جهلهم وسفامتهم . والمراد بالظالمين: المشر كون الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم فتكون أل للعهد . وبحوز أن يراد بهم كل ظالم بسبب إشراكه وكفره ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا فتكون أل للجنس . وقال - سبحانه - ، وما للظالمين من أنصار، بصيغة الجمع الأنصار، وبالتأكيد بمن المفيدة للاستغراق، للإيذان بأنه إذا كان الظالمون لن يستطيع الأنصار مجتمعين أن ينصروهم فمن باب أولى لن يستطيع واحد أن ينصرهم . أى : مالهم من أحد كائنا من كان أن ينقذهم من عقاب الله بأى طريقة من الطرق . وهذه الجملة الكريمة يحتمل أن تكون من كلام عيسى الذى حكاه اللّه عنه ۔ کما سبق أن ذكر نا ۔ ویحتمل أن تكون من كلام الله - تعالى - وقد ساقها - سبحانه - لتأكيد ما قاله المسيح من أمره لقومه بعبادة الله وحده، واتقرير مضمونه المفيد للتحذير من الإشراك . وقوله - تعالى - ((لقد كفر الذين قالوا إن اله ثالث ثلاثة .. ، بيان لما قالته طائفة أخرى من طوائف النصارى الذين يتفرقون فى العقائد والنحل ، ويتجمعون على الكفر والضلال ، فهم شيع شتى ، وفرق متنابذة، كل شيعة منهم تبكفر الأخرى وتعارضها فى معتقداتها . :٣١٤ سورة المائدة قال الفخر الرازى ما ملخصه: فى تفسير قول النصارى ((إن الله ثالث ثلاثة)) طريقان: الأول أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والذى يؤكد ذلك قوله - تعالى - للمسيح , أ أنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، فقوله: « ثالث ثلاثة، أى: أحد ثلاثة آلهة. أو واحد من ثلاثة آلهة .... والطريق الثانى. أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس. وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات. وبالابن الكلمة . وبالروح الحياة . وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التى هى كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر أو اللبن. فزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد. ثم قال الإمام الرازى : وأعلم أن هذا معلوم البطلان بيديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولايرى فى الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى،(١): : "وقد ذكر بعض المفسرين أن الذين قالوا من النصارى إن الله ثالث ثلاثة. ثم النسطورية والمرقوسية (٢). ومعنى ثالث ثلاثة: واحد من ثلاثة. أى: أحد هذه الأعداد مطلقا وليس الوصف بالثالث ، فقد ذكر النحاة أن اسم الفعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما لك أن تستعمله على وجوه منها: أن تستعمله مع أصله الذى صيغ هو منه، لفبد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير . فتقول: رابع أربعة أى: واحد من أربعة وليس زائدا عليها ، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله . (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٢ ص ٦٠ (٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٥١٣ ٣١٥ الجزء السادس ، وقوله: (( وما من إله إلا إله واحد، بيان للاعتقاد الحق بعد ذكر الاعتقاد الباطل . .وقد جاءت هذه الجملة بأقوى أساليب القصر وهو اشتمالها على , ما)، و («إلاء. مع تأكيد النفى بمن المفيدة لاستغراق النفى. والمعنى: لقد كفر الذين قالوا كذبا وزورا إن الله واحد من آلهة ثلاثة، والحق أنه ليس فى هذا الوجود إله مستحق للعبادة والخضوع سوى إله واحد وهو الله رب العالمين، الذى خلق الخلق بقدرته، ورباه بنعمته. وإليه وحده مرجعهم وإيابهم. ثم بين - سبحانه - سو. عاقبة هؤلاء الضالين الدين قالوا ماقالوامن ضلال وكذب فقال - تعالى -: ((وإن لم ينتهوأ عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم)). وهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله: ((لقد كفر ....... والمراد بانتمائهم: رجوعهم عما م عليه من ضلال وكفر . والمراد بقوله : - عما يقولون)): أى عما يعتقدون وينطقون به من زور وبهتان . أى: لقد كفر أولئك الذين قالوا إن اقه ثالث ثلاثة كفرا شديدا بينا، والحق أنه ليس فى الوجود سوى إله واحد مستحق للعبادة، وإن لم يرجع هؤلاء الذين قالوا بالتثليث عن عقائدهم الزائفة وأقوالهم الفاسدة ويعتصموا بعروة التوحيد ((ليسن الذين كفروا منهم، أى ((ليصين الذين استمروا على الكفر منهم عذاب أليم . فالجملة الكريمة تحذير من الله - تعالى - لهم عن الاستمرار فى هذا القبول الكاذب . والاعتقاد الفاسد الذى يتنافى مع العقول السليمة ، والأفكار القويمة . وقوله: « ليسن ... ، جواب لقسم محذوف ، وهو ساد مسد جواب ٣١٦ سورة المائدة الشرط المحذوف فى قوله ((وإن لم ينهوا ... ، والتقدير: والله إن لم ينتهوا ... لمسن .. وأكد - سبحانه - وعيدهم بلام القسم فى قوله ((ليسن ... ، رداًعلى اعتقادهم أنهم لا تمسهم النار، لأن صلب عيسى - فى زعمهم - كان كفارة عن خطايا البشر . وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام: لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: «كلما نضجت جلودهم بدلنام جلودا غيرها لبذوقوا العذاب ... )) (١) . وقال - سبحانه - ((لمسن الذين كفروا .. ، بالتعبير بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم ؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هی سبب الحكم . ومن فى قوله ((منهم)) يصح أن تكون تبعيضية أى: لمسن الذين استمروا على الكفر من هؤلاء النصارى عذاب أليم، لأن كثيرا منهم لم يستمروا على الكفر ، بل رجعوا عنه ودخلوا فى دين الإسلام. ويصح أن تكون بيانية. وقد وضح ذلك صاحب الكشاف بقوله: ومن فى قوله: (( ليمسن الذين كفروا منهم .. ، للبيان كالتى فى قوله , فاجتنبوا الرجس من الأوثان)) ... والمعنى: لمسن الذين كفروا من النصارى خاصة (( عذاب أليم ،أى نوع شديد الألم من العداب .. كما تقول: أعطنى عشرين من الثياب . تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التى يجوز أن يتناولها عشرون ... ،(٢). وبعد هذا الترهيب الشديد للكافرين من العذاب الأليم، فتح لهم-سبحانه- (١) سورة النساء : الآية ٠٥٦ (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٦٤. ٣١٧ الجزء السادس باب رحمته، حيث رغبهم فى الإيمان، وأنكر عليهم تقاعسهم عنه بعد أن ثبت بطلان ما هم عليه من عقائد فقال - تعالى - : « أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه واقه غفور رحيم ». والاستفهام هنا يتضمن حضهم على التوبة والرجوع إلى الحق وتوبيخهم على ما كان منهم من ضلال. والتعجيب من استمرارهم على كفرهم وعقائدهم الفاسدة التى لا يقبلها عقل سليم ، ولا تصور قويم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام . أى: أيسمعون ما يسمعون من الحق الذى يزهق باطلهم، ومن النذر التى ترقق القلوب ... فلا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى اللّه وطلب مغفرته، والحال أنه - سبحانه - عظيم} المغفرة واسع الرحمة لمن آمن وعمل صالحا . إن إصرارهم على كفرهم بعد تفنيده وإبطاله . وبعد تحذيرهم من سوء عاقبة الكافرين ... ليدل على أنهم قوم ضالون خاسرون يستحقون أن يكونوا محل عجب الناس وإهم الهم ... قال أبو السعود: وقوله ((والله غفور رحيم، جملة حالية من فاعل ويستغفرونه مؤكدة الإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار. أى: والحال أن الله - تعالى - مبالغ فى المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارم ويمنحهم من فضله)»(١) . وقال ابن كثير: هذا من كرمه - تعالى - وجوده ولطفه ورحمته بخلقه . مع هذا الذنب العظيم، وهذا الإفتراء والكذب والإفك ، يدعوم إلى التوبة والمغفرة . فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال ((والله غفوررحيم)) فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم (٢). ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى عليه السلام - وحقيقة أمه مريم حتى (١) تفسير أبو المحلة = ٧ ص ٠٥٠ (٢) المفردات فى غيريب القرآن الكريم ص ٢٧٧ . ٣١٨ سورة المائدة يزيل عن ساحتهما ما افتراه عليهما المفترون فقال - تعالى -: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ... وقوله (( صديقة)، صيغة مبالغة فى التمسك بفضيلة الصدق مثل شريب. وميك مبالغة فى الشرب والمسك . قال الراغب : والصديق من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لم يكذب قط ، وقيل: بل لمن لا يأتى منه الكذب لتعوده "صدق ، وقيل، لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله .. قال تعالى -, أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. ، فالصديقون ثم قوم دون الأنبياء فى الفضيلة ... (١). والمعنى: إن الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، قد قالوا منكرا وزورا، إذ ليس الألوهية إلا لله وحده ... وليس المسيح عيسى ابن مريم سوى بشر من البشر ورسول مثل الرسل الذين سبقوه كنوح وإبراهيم وموسى وغيرم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعى واحد منهم الألوهية ... وأما أم عيسى مريم فما هى إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها - عز وجل - أو التصديق له فى سائر أمورها ... وهما - أى عيسى وأمه مريم. - عبدان من عباد الله كانا يأكلان الطعام، ويشربان الشراب .. ويتصرفان كما يتصرف سائر البشر فكيف ساغ لكم ـ يا معشر النصارى - أن تصفوهما بأنهما إلهين مع أن طبيعتهما الظاهرة أمامكم تتنافى تنافيا تاما مسع صفات. الألوهية، إن وصفكم لهما بالألوهية لدليل واضح على فساد عقولكم، وضلال تفكيركم، وعظيم جهلكم ... وقوله (( ما المسيح ابن مريم إلا رسول، جملة مشتملة على قصرموصوف. على صفة، وهو فصر إضافى، أى أن المسيح مقصور على صفة الرسالة، لا يتجاوزها إلى غيرها وهى الألوهية. فالقصر قصر قلب ارد اعتقاد النصارى فى عيسى أنه الله، أو انه جزء من الله، أو أنه أحد أحد آلهة ثلاثة. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١ ٠٨ ٣١٩ الجزء السادس وقوله: ((قد خلت من قبله الرسل، صفة الرسول وهو عيسى أريدبها بيان أنه او الرسل الكرام الذين سبقوه فى تبليغ رسالة الله إلى الناس، وأنه ليس بديما فى هذا الوصف وإذا فلاشيهة الذين زعموا أنه إله . لأنه لم يجىء بشىء زائد على ما جاء به الرسل . وقوله .. وأمه صديقة، معطوف على قوله: « ما المسيح ابن مريم إلا رسول ، والقصد من وصف مريم بذلك مدحها والثناء عليها , ونفى أن يكون لها وصف أعلى من ذلك ، فهى ليست إلها، كما أنها ليست رسولا)، ولذا قال ابن كثير : دات الآية على أن مريم ليست بنبيه - كمازعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق وفيوة أم عيسى وقوة أم موسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه). والذى عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال - قال تعالى - ((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فوحى إليهم من أهل القرى(١). وقوله: ((كانا يأكلان الطعام، جملة مستأنفة لبيان خواصهما الآدمية بعد بيان منزلتهما السامية عند الله - تعالى . وقد اختيرت هذه الصفة لهما من بين صفات كثيرة كالمشرب والملبس ... لأنها صفة واضحة ظاهرة للناس ، ودالة على احتياجهما لغيرسما فى مطالب حياتهما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون ألها ... وقال صاحب الكتاب: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم والنفض ، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة ... وغير ذلك ما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك(٢) ففى هذه اجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى فى شأن عيسى وأمه (٢) تفسير الكشاف ج : ٦٦٥ (١) تفسير ابن كثير جـ ٨١٢ ٣٢٠, سورة المائدة بأبلغ وجه وأحكمه ، ولذا يجب أنه - تعالى - رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال : « أنظر كيف فبين لهم الآيات ، ثم انظر أنى يؤفلون، أى: يصرفون. يقال أفكا يأفكـ إذا صرفه عن الشىء . أى: انظر - يامحمد - كيف نبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهراً، ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، وإستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم. فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة ... مع أنه - سبحانه- أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك . وكرر الله - سبحانه - الأمر بالنظر المبالغة فى التعجيب من أحوالهم الغربية وجىء بثم المفيدة للتراخى فى قوله «ثم انظر أنى يؤفكون. لإظهار مابين وضوح الآيات وإنصرافهم عنها من تفاوت شديد أى: أن بيافنا الآيات أمر بديع فى بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها ، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات ... وإنصراف هؤلاء الضالين عنها - مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها - أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم. وضلالهم وسوء تفكيرهم . ثم تابع - سبحانه - حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال - تعالى -: ((قُلْ أَتعبدُونَ من دون اللهِ مالاً يملكُ لكِضرًا ولا نفعاً واللهُ هو السميع العليم (٧٦) قل يا أهل الكتاب لا تغلُوا فِي دِينِكُم غيرً الحقَّ. ولا تتِّعُوا أهواء قومٍ قد ملُوا مِنْ قبلُ وأَضْلُّوا كثيراً، وضلُوا عَنْ سَواء السَّبِيلِ (٧٧))).