Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الجزء السادس
والفسوق والعصيان ... لانهتم - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء جميعا، فإنى
ناصرك عليهم ، وكافيك شرهم .
وفى ندائه - صلى الله عليه وسل - بعنوان الرسالة ((يأيها الرسول .. »
تشريف له وتكريم، وإشعار بأن وظيفته كرحول أن يبلغ رسالة الله دون
أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرساله تحتم
علیه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم .
والنهى عن الحزن - وهو أمر نفسى لا اختيار للإنسان فيه - المراد به
هنا : النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة بجديد شأن المصائب ، وتعظيم
أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، وتعز السلوى .
وفى هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وتأنيس
لقلبه ، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها
عند وقوعها .
وفى التعبير بقوله: ((يسارعون فى الكفرا .. ، ذم لهم على إنحدارهم فى
حركات الكفر بسرعة من غير موافاة ولا تدبر ولا تفكر . فهم يتقلون
بحركات سريعة فى ننايا الكفر ومداخله دون أن يزعهم وازع من خلق
أو دین .
قال صاحب الكشاف : يقال: أسرع فيه الشيب ، وأسرع فيه الفساد
بمعنى: وقع فيه سريعا. فكذلك مسارعتهم فى الكفر عبارة عن إلقائهم
أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لإ خطئوها)، (١)
وقال أبو السعود: والمسارعة فى الشيء: الوقوع فيه بسرعة ورغبة.
وإيثار كلمة « فى، على كلة إلى، الإيماء إلى أنهم مستقرون فى الكفر لا يبرحونه
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٣٣ بتصريف بسير ..

٢٠٢
سورة المائدة
وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ،
كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد الإسلام ونحو ذلك.، (!)
وقوله: ((من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم نؤمن قلوبهم ، بيان لأولئك
المسارعين فى الكفر ، والمتنقلین فی در کانه مز در که إلى دركه .
وقوله (( بأفواههم، متعلق بقوله: ((قالوا، وقوله: ((ولم تؤمن قلوبهم))
جملة حالية من ضمير ، قالوا،.
وقوله: ((ومن الذين هادوا، معطوف على قوله: « من الذين قالوا آمنا
بأفواههم ... )، وعليه فيكون الذين هادوا داخلين فى الذين يسارعون فى
الكفر .
أى أن المسارعين فى الكفر فريقان: فريق المنافقين الذين قالوا آمنا
بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإسم وإشتركوا
مع المنافقين فى نفاقهم والمعنى: لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون فى الكفر
من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف
ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه .
وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ((ومن الذين
هادوا)،، ويكون ما بعده وهو قوله: (سماءون للكذب .. ألخ (( من أوصاف
الفريقين معا، لأنهم مشتركون فى المسارعة فى الكفر .
ومنهم من يرى أن قوله تعالى -: «ومن الذين هادوا، جمله مستأنفة
لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود ، وأن قوله - تعالى - بعد
ذلك سماءون الكذب .. الح، من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام
قد تم عند قوله تعالى - ((ولم تؤمن قلوبهم، وأن البيان بقوله: ((من
الذين قالوا آمنا بأفواههم . . لفر بق المنافقين .
(١) تفسير أبو السعود ج ٢ ص ٢٧

" م.
الجزء السادس
٢٠٢
قال الفخر الرازى : قوله: ((ومن الذين هادوا سماعود للكذب سماعون
لقوم آخرين لم يأتوك، ذكر الفراء والزجاج هاهنا وجهين:
الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ((ومن الذين هادوا، ثم يبدأ الكلام
من قوله «سماعون للكذب سماءون لقوم آخرين، وتقدير الكلام لا يحزنك
الذين يسارعون فى الكفر من المنافقين ومن اليهود . ثم بعد ذلك وصف
الكل بكونهم سماعين الكذب.
الثاني: أن الكلام تم عند قوله - تعالى -: (( ولم ؤمن قلوبهم، تم إبتدأ
من قوله: ((ومن الذين هادوا سماءون للكذب، وعلى هذا التقدير فقوله
(( سماعون)) صفة لمحذوف. والتقدير: «ومن الذين هادواقوم سماعون، (١)
قال الجمل: الأولى والأحسن أن يكون قوله: و((ومن الذين هادوا))
معطوفا على البيان وهو قوله: ((من الذين قالوا آمنا.، فيكون البيان بشيئين
المنافقين واليهود. أما على تقول الثانى فيكون البيان بشىء واحد وهو
المنافقون» (٢).
وقوله : سماءون للكذب ؛ سماءون لقوم آخرين لم يأنوك ، صفتان
أخريان لأولئك الذين يقعون فى الكفر بسرعة ورغبة .
وقوله: ((سماعون) جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جىء بها لإفادة أنهم
كثير والسماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة فى الاستماع إليه من
رؤسائهم وأحبارهم ، ومن هم على شاكلتهم فى العناد والضلال
واللام فى قوله: ((للكذب، للتقوية أى: أنهم يسمعون الكذب كثيرا
سماع قبول وتلذذ، ويأخذونه من يقوله من أعداء الإسلام على أنه حقائق
ثابتة لا مجال للريب فيها
(١) تفسير الرازى ج ١١ س ٢٣٢
(٢) ساشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٤٠٠

1
٢٠٤
سورة المائدة
وقيل إن اللام للتعليل أى أنهم كثير و السماع للكلام الرسول - صلى
عليه وسلم - ولأخباره من أجل الكذب عليه. عن طريق تغيير وة
ما سبعوه على حسب ما نهواه نفوسهم المريضة
وقوله: (( سماءون اقوم آخرين لم يأتوك، بيان لمسلك آخر من مساء
الخبيثة بعد بيان إحتفالهم بالأخبار الكاذبة ، وتقبلها بفرح وسرور
أى: أن هؤلاء المسارعين فى الكفر من المنافقين واليهود من صا
أنهم كثيرو السماع للأكاذيب التى يروجها أعداء الدعوة الإسلامية عند
كثيرو السماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائم
يحضروا مجالس الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكبرا وعتوا.
ابر
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كثيرو السماع للكذب عن محبة ور.
وأنهم كثيرو السماع لما يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينقلوه إلى
آخرين - من أشباههم فى الكفر والعناد - ولم يحضروا مجالس الرء
- صلى الله عليه وسلم - أنفة وبغضا فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بة
بواطنهم حيث استحبوا الكذب على الصدق ، كما وصفهم بضعف نفو
حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ، ويبلغون أخبار المسلمين ،
عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق .
وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: ومعنى « سماء
للكذب ، : قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على أقوتحر
كتابه ، من قولك : الملك يسمع كلام فلان ، ومنه سمع الله لمن حمده
وقوله: سماءون لقوم آخرين لم يأتوك، يعنى اليهود الذين لم يصـ
إلى مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجافوا عنه لما أفرط فيهم
شدة البغضاء، وتبالغ من العداوة، أى: قابلون من الأحبارومن أو الملك المفر
فى العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك، وقيل: سماءون إلى رسوا

٢٠٥
الجزء السادس
- صلى الله عليه وسلم - لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه
بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم
آخرين من البهود وجهوثم عيونا ليبلغوم ما سمعوا منه، (١)
و قوله : « يحر فون الكلم من بعد مواضعه )،
صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأنوا إلى مجالس الرسول - صلى الله
عليه وسلم - أنفة وبغضا. أو للمسارعين فى الكفر من الفريقين
وقوله: «يحرفون، من التحريف وأصله من الجرف وهو طرف الشىء
ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده
والكلم : إسم جنس جمعى للفظ كلمة ومعناه الكلام
أى أن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك. أوم
والمسارعون فى الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف
جنس الكلم عن مواضعه . فهو يحرفون كلامك يا محمد، ويحرفون التوراة ،
ويحرفون معانى القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم، ويحرفون الحق الذى جئت
به قارة تحريفا لفظيا ، وتارة تحريفاً معنويا، وتارة بغير ذلك من وجوه
التحريف والتبديل .
وقوله: (( من بعد مواضعه)، أى: يحرفون الكلم من بعد إستقرار مواضعه
وپیان حلالها و حرامها
وعبر هنا بقوله (, من بعدمواضعه، وفى مواطن أخرى بقوله ((عن مواضعه)،
لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التى حاول أولئك
المسارعون فى الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعا لأهوائهم
كما حدث فى قضية الزنا وفى غيرهامن القضايا التى تحاكموا فيها إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -، فكان من المناسب هنا التعبير بقوله: ((من بعد
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٣

٢٠٦
سورة المائدة
مواضعه، أى: من بعد إستقرار مواضعه وثبوتها ثبوتا لا يقبل التحريف
التغيير أو الإهمال.
وقوله: (( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤقوه فاحذروا، بيـ
نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله من مكر وخ
وضلال ..
أى: أن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول
- صلى الله عليه وسلم - عناداو تكبرا لم يكتفوا بتحريف الكلم عن موا
هم وأشياعهم، بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين مهم أو السا
من أجلهم: يقولونلهم عندما أرسلوهم إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - !
بينهم (( إن أوتيتم هذا فخذوه، أى: إن أفتاكم محمد - صلى الله عليه وسـ
يمثل هذا الذى نقتيكم به - كالجلد والتحميم بدل الرجم - فاقبلوا .
وخذوه وأعملوا به,وإن لم تؤتوه فاحذروا، أى: وإن أفتاكم بغير ما أفت
به فاحذروا قبول حكمه، وإياكم أن تستجيبوا له، أو نميلوا إلى ما قاله
وإسم الإشارة هذا فى قوله: « يقولون إن أوتيتم هذا، يعود إلى الأ
الحرف الذی قواضع أحبار اليهود على الإفتاء به تبعا لأهو اتهم، كماحدث
فى قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم.
وفى ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى آخر
الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا
من اباطيل.
وقوله: ((إن أو تهتم)) مفعول لقوله ((يقولون)). واسم الإشارة, ٠
مفعول ثان لأوتيتم. والأول قائب الفاعل وقوله: ((فخذوه)) جواب الك
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: ((ومن يرد الله عنفته فلن تملك

٢٠٧
الجزء السادس
من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ، لهم فى الدنيا خزى
ولهم فى الآخرة عذاب عظيم ».
أى: ومن يقض الله بكفره وضلاله، فلن تملك له - أيها الرسول الكريم.
شيئا من الهداية لتدفع بها ضلاله وكفره، أولئك الموصوفون بما ذكر من
الصفات الذميمة لم يرد الله - تعالى - أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال؛
لأنهم استحبوا العمى على الهدى. « لهم فى الدنيا خزى، أى: فضيحة وهو أن
بسبب ظهور كذبهم، وفساد نفوسهم، وانتشار تعاليم الإسلام التى يحاربونها
ويشيعون الأ باطيل حولها وحول من جاء بها - صلى الله عليه وسلم -.
« ولهم فى الآخرة عذاب عظيم، وهو خلودهم فى النار بسبب إجتراحهم
السيئات، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة.
ثم كشف - سبحانه - عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال
- تعالى -: ((سماعون الكذب أكالون للسحت)) ...
٠
والسحت : هو كل ما خبث كسبه وقبح مصدره، كالتعامل بالربا
وأخذ الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام .
وقد بسط الإمام القرطى هذا المعنى فقال: والسحت فى اللغة أصله
الهلاك والشدة .
قال - تعالى. «فيسحتكم بعذاب، أى : - فيهلككم ويستأملكم
بعذاب - ويقال للحالق: أسحت أى استأصل. وقال الفراء: أصل السحت
كلب الجوع . يقال رجل مسحوت المعدة أى: أكول، فكان بالمسترشى
وأكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذى بالمسحوت الممدة من النهم :
وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((كل لحم نبت بالمحت
فالنار أولى به «قالوا يارسول الله وما السحت؟ قال: ((الرشوة فى الحكم)).

٢٠٨
سورة المائدة
وقال بعضهم : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه . وذلك بأن يكون له
جاء عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها، (١).
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم - أيضا - أنهم كثيرو
لسماع للكذب، وكثيرو الأكل المال الحرام بجميع صوره وألوانه. ومن
كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرا، ولا تؤمل فیه رشدا .
وقوله: ((سماءون .. )) خبر لمبتدأ محذوف أى: هم سماءون . وكرر
تأكيدا لما قبله، وتمهيداً لما بعده وهو قوله: ( أكالون للسحت)).
وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأ كالون - بصيغة المبالغة ، للإيذان
بأنهم محبون حباجما لما يأباه الدين والخلق الكريم . فهم يستمر ثون سماع
لباطل من القول، كما يستمر ئون أكل أموال الناس بالباطل :
إن اليهود بصفة خاصة قداشتهروا فى كل زمان بتقبل السحت ، وقد أرشد
الله - تعالى - نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ماتحاكموا إليه فقال: «فإن جاءوك
فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن
حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين».
أى: فإن جاءك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - فى قضاياهم، فأنت
مخير بين أن تحكم بما أراك الله ، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم
(((وإن تعرض عنهم، فيما احتكموا فيه إليك، قاصدين مضرتك وإيذاءك فلا
تبال بشىء من كيدهم . لأن أنه حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت الحكم
فى قضاياهم ، فليكن حكمك بالعدل الذى أمرت به، لأن الله - تعالى - يحب
العاداین فی أحكامهم
والفاء فى قوله: فإن جاءوك ... )) للإفصاح أى : إذا كان هذا حالهم
(١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٨٣ بتصرف وتلخيص

٢٠٩
الجزء السادس
وذلك صفاتهم فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات
, فاحكم بينهم أو أعرض عنهم).
وجاء التعبير بإن المفيدة للشك مع أنهم قد جاؤا إليه، للإيذان بأنهم كانوا
مترددين فى التحاكم إليه - صلى الله عليه وسلم - وأنهم ما ذهبوا إليه إلا
ظنا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم، فلما حكم فيهم بما هو الحق
كبتوا وندموا على مجيشهم إليه .
قال أبو السعود: وقوله: ((وإن تعرض عنهم)، بان لحال الأمرين إثر
تخييره - صلى الله عليه وسلم - بينهما. وتقديم حال الإعراض، للمسارعة إلى
بيان أنه لا ضرر فيه ، حيث كان مظنة الضرر، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون
إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومه
بينهم شق ذلك عليهم؛ فتشتد عداوتهم ومضارتهم له، فأمنه الله بقوله: ((فلن
يقروك شيئا، من الضر،(١).
وكان التعبير إن أيضا فى قوله ((وإن حكمت فاحكم بينهم، للإشارة
إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس حريصاً على الحكم بينهم بل هو زاهدفيه،
لأنهم ليسوا طلاب حق وانصاف بل هم یریدون الحکم کما یهوون ویشتهون ،
والدليل على ذلك أن التوراة التى بين أيديهم فيها حكماقه، إلا أنهم جاءوا إلى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤملين أن يقضى بينهم بغير ما أنزل الله،
فيظيموا ذلك بين الناس، ويعلنوا عدم صدقه فى نبوته ، فماحكم بما أنزل الله
خاب أملهم وانقلبوأ صاغرين .
وقوله: ((إن الله يحب المقسطين)) تذييل مقرر لماقبله من وجوب الحكم
بينهم بالعدلى إذا ما اختار أن يقضى بينهم.
(١) تقدير أبى السعود ج ٢ ص ١٩
١٤١ - سورة المائدة:
1

٢١٠
سورة المائدة
يقال: أقسط الحاكم فى حكمه ، إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أى عادل
ومنه قوله - تعالى - ((إن الله يحب المقسطين».
روى مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن.
وكلتا يديه يمين . الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا، (١).
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما بأنى:
١ - أن أكل السحت حرام سواء أ كان عن طريق الرشوة أم عن أى
طريق محرم سواها .
. ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال . وينفرون من
الحرام، بل ومن الشبهات، وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب
عليهم، وأنه لايصح أن يأخذوا عليه أجراً ...
قال ابن جرير : شفع مسروق لرجل فى حاجة فأهدى إليه جارية ، فغضب
مسروق غضباً شديدا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت فى حاجتك،
ولا أكلمه فيما بقى من حاجتك. سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة
ليرد بها حقا. أو يرفع بها ظلا، فأهدى له، فقبل، فهو سحت)).
· وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى اقه عليه وسلم - قال : کل لحم
أنبته السحت فالنار أولى به. قيل يارسول الله وما السحت؟قال: الرشوة فى الحكم)».
وعن الحكم بن عبد الله قال: قال لى أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك
فقل له: إياك والرشوة فإنها سحت. وكان أبوه على شرط المدينة، (٢).
قال بعض العلماء: والرشوة قد تكون فى الحكم وهى محرمه على الراشى.
والمرتنى. وقد روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لمن الراشى والمرتنى
والذى يمشى بينهما، لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقاً من جهه
(١) أخرجه مسلم فى كتاب الإمارة + ٦ ص ٧
(٢) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٢٤٠ - بتصرف يسير -

٢١١
الجزء السادس
أنه قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به. وإن حكم بالباطل
كان فاسقاً من جهة أنه أخذ الرشوة . ومن جهة أنه حكم بالباطل .
وقد تكون الرشوة فى غير الحكم مثل أن يرشوا الحاكم ليدفع ظلمه عنه
فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها . فقد روى عن الحسن
أنه قال : لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه،. وروىعن
جابر بن زيد والشعي أنهما قالا: «لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله
إذا خاف الظلم ،.
وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم - حين قسم غقائم بعض الغزوات وأعطى
العطايا الجزيلة، أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره ، فلم يرق ذلك العباس
وقال شعرا يتضمن التعجيب من هذا التصرف. فقال - صلى الله عليه وسلم -
( أقطعوا لسانه)). فزادوه حتى رضى. فهذا نوع من الرشوة رخص فيه
السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلى من يريد ظلمه أو إنتهاك عرضه، (١)
٢ - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى -: فإن جاءك فاحكم بينهم أو
أعرض عنهم، على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان مخيرا فى الحكم بين
أهل الكتاب أو الإعراض عنهم، وأن حكم التخيير غير منسوخ، لأن ظاهر
الآية يفيد ذلك .
ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله - تعالى - بعد ذلك
، وأن أحكم بينهم بما أنزل الله)). قالوا: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك إجراء الأحكام عليهم.
وقدرد القائلون بثبوت لتخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه
الآية .
. أما قوله: ، وأن أحكم بينهم بما أنزل الله، فهو بيان لكيفية الحكم عند
إختباره له .
(١) تفسير آيات الأحكام ج ٣ ص ١٩٣ لفضيلة الأستاذ محمد على السايس:

٢١٢
سورة المائدة
ويرى فريق ثالث من العلماء: أن التخيير ورد فى المعاهدين الذين ليسو
من أهل الذمة كبنى النضير وبنى. قريظة ، فهؤلاء كان الرسول - صلى الله علي
وسلم - مخيرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم:
وقوله - تعالى -: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله) ورد فى أهل الذمة الذي
لهم مالنا وعليهم ما علينا، وعلى هذا فلا نسخ فى الآية .
قال الآلوسي: قال أصحابنا : أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام فى
البيوع والمواريث وسائر العقود، إلا فى بيع الخمر والخغزير، فإنهم يقروا
عليه ، ويمنعون من الزنا كالمسلمين، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ..
وإختلف فى منا كحتهم، فقال أبو حنيفة: يقرون عليها وخالفه - فى بعضر
ذلك - محمد وزفر . وليس لنا عليهم إعتراض قبل التراضى بأحكامنا، فى
تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم . وتمام التفصيل فى
الفروع .
٣ - أخذ العلماء من هذه الآية - أيضا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيا حد
فيه لأن اليهود حكموارسول الله صلى الله عليه وسلم - فى بعض قضاياهم، في
فيهم بما أنزل الله، ونفذ هذا الحكم عليهم .
قال بعضهم: إنه - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بينهم بشريعة موس
- عليه السلام - ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآر
وقد أكمل أنه الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأى حاكم أن يحكم بغير
الأحكام الإسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم(١).
هذا، وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباهم بجملة من الصفات
القبيحة ، وخير رسوله - صلى الله عليه وسلم - بين أن يحكم فيهم بشرع اذ
(١) تفسير آيات الأحكام ج ٢ ص ١٩٥

٢١٣
الجزء السادس
وبين أن يعرض عنهم ... بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة ، وعجب
كل عاقل من حالهم فقال - تعالى -: ((وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها
حكم القه ، ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين».
م
أى: أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك - يا محمد .
فى قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك. ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم
الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه.
فالاستفهام فى قوله: ((وكيف يحكمونك ... للتعجب من أحوالهم، حيث
حكموا من لا يؤمنون به فى قضية حكمها بين أيديهم ، ظنا منهم أنه سيحكم
بينهم بما إتفقوا عليه ما يرضى أهواءهم وشهواتهم.
..
وقوله: ((وعندهم التوراة، جملة حالية من الواو فى « يحكمونك، والعامل
ما فى الاستفهام من التعجيب .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت، فيها حكم الله، ماءوضعه من الإعراب؟
قلت: إما أن ينتصب على الحال من التوراة، وهى مبتدأ والخبر. عندم))،
وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما
أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما
تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره(١)
وقوله «أم يتولون من بعد ذلك، معطوف على «يحكمونك,
وجاء العطف بثم المفيدة للتراخى الإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما فى
.التوراة من حق وبين ماهم عليه من باطل ومخادعة
وإسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى حكم الله الذى فى التوراة والذى حكم به
أى : كيف يحكمونك يا محمد فى قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة فيها
.
النبي - صلى الله عليه وسلم-
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣٦

٢١٤
سورة المائدة
حكم الله واضحاً فيما تحاكموا إليك فيه، ثم ثم يعرضون من بعد تحكيمك،
حكمك الموافق لما قضى الله به فى كتابهم التوراة .
وقوله: « وما أولئك بالمؤمنين، تذييل مقرر لمضمون ما قبله ..
. ونفى الإيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم .
أى : وما أولئك الذين جاءوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمن
لا بكتابهم التوراة. لأنهم لو كانوامؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك باء
لأنهم لو كانوا مؤمنين بك لا استجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه .
قال الفخر الرازى: قوله - تعالى -: ((وكيف يحكمونك ... الخ
هذا تعجيب من الله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - بتحكيم اليهود إياه :
علهم بما فى التوراة من حد الزانى ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا.
يعتقدونه حکاحقا إلى مايعتقدونه باطلا طلبا للر خصة . فلا جرم ظهر جها
وعنادهم فى هذه الواقعة من وجوه: أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم . والثانى
وجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل . والثالث: إعراضهم:
حكمه بعد أن حكموه. فبين اللّه حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغترأ:
أهل كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله))(١).
وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباههم بحملة من الصفا
القبيحة ، كمسارعتهم فى الكفر. وكثرة سماعهم للكذب، وتحريفهم للسّـ
عن مواضعه، وتهافهم على أكل السحت. وبعد أن خير رسوله - صلى ا
عليه وسلم - فى أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم إذا ما تحاكموا إليه، و!
أن چب کل عاقل من أحو الهم ... بعد كل ذلك ، شرع - سبحانه - فى بي
منزلة التوراة وفى بيان بعض ما اشتملت عليه من أحكام فقال - تعالى -:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا التوراةُ فيها هُدّى ونورٌ، يحُكُمْ بها النبيُونَ الذين أَسْلَ
(١) تفسير الفخر الرازى : ١١ ص ٢٣٦.

٢١٥
الجزء السادس
الذينَ هَادُوا والرَّانِيِونَ والأحبارُ بما اسْتُحْفِظُوا من كتابِ اللهِ
وكانوا عليه شهداء، فلا تخّوْا النَّاسَ واخْشَونِ، ولا تَشْتَرُوا بآیایی
ثْناً قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ م الكافرونَ (٤٤) وكَتْبْنَاً
عليهم فيها أنّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ ، والعينَ بالعينٍ ، والأنفَ بالأنفِ ،
والأذّنّ بالأذُنِ ، والسنَّ بالسنَّ، والجروحَ قصاصٌ. فمن تصدّق به
فهو كفارةٌ له، ومَن لم يحُكُمْ بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ م الظالمونَ (٤٥))).
فقوله - تعالى -: ((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ... ) بيان لشرف
. التوراة قبل أن تمتد اليها الأيدى الأثيمة بالتحريف والتبديل .
ويدل على شرفها وعلو مقامها أن الله - تعالى - هو الذى أنزلها لاغيره،
وأنه - سبحانه - جعلها مشتملة على الهدى والنور .
والمراد بالهدى: ما اشتملت عليه من بيان للأحكام والتكاليف والشرائع
التى تهدى الناس إلى طريق السعادة .
والمراد بالنور: ما إشتملت عليه من بيان للعقائد السليمة، والمواعظ
الحكيمة ، والأخلاق القويمة .
والمعنى إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى - عليه السلام - مشتملة على
ما يهدى الناس إلى الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضىء لهم حياتهم من
عقائد ومواعظ وأخلاق فاضلة .
ثم بين - سبحانه - بعض الوظائف التى جعلها التوراة فقال: ((يحكم
بها النبيون الذين أسلموا الذين هادوا والربانيون والأحبار بما إستحفظوا
من كتاب الله وكانوا عليه شهدا . ... ».
والمراد بقوله: «النبيون، من بعثهم الله فى بنى إسرائيل من بعد موسى
الإقامة التوراة .

٢١٦
سورة المائدة
وقوله: (( الذين أسلموا ، صفة للنبيين. أى: أسلمواوجوههم لله و
له العبادة : الطاعة .
وعن الحسن والزهرى وقتادة: يحتمل أن يكون المراد بالنيـ
أسلموا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأنه حكم على اليهوديين الذ
بالرجم، وكان هذا حكم التوراة . وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له .
وقال ابن الأنبارى: هذا رد على اليهود والنصارى، لأن بعضه.
يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى. فقال - تعالى - ,يحكم بها النير
الذين أسلموا، يعنى أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية أو النهـ
بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه ، (١).
وقوله:، الذين هادوا، أى : رجعوا عن الكفر. والمراد بهم
واللام للتعليل .
وقوله: ((والربانيون، معطوف على ((النبیون)). وهو جمع رباز
- كما يقول أن جرير - العلماء، والحكماء، "بصراء بسياسة الناس
أمورهم ، والقيام بمصالحهم (٢).
وقوله: (( الأحبار) معطوف أيضا على ((النبيون)).
قال القرطبى ما ملخصه: والأحبار : قال ابن عباس: هم الفقهاء.
والخبر بالفتح والكسر - الرجل العالم وهو مأخوذ من التجبير بمعنى
والتزيين ، فهم يجبرون العلم. أى: بعينونه، وهو مجبر فى صدورهم ..
والباء فى قوله: (( بما إستحفظوا من كتاب الله، متعلقة بقوله (:
وقوله, إستحفظوا، من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية
إذ أن السين والتاء للطلب، والضمير فى « استحفظوا، يعود على
والربانيين والأحبار .
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٣ - طبعة عبد الرحمن محمدب
(٣) تفسير القرطبى - ٦ ص
(٢) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٣٩

٢١٧
الجزء السادس
والمعنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هداية الناس إلى الحق ، وضياء لهم من
ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا
وجوههم فه، وأخلصوا له العبادة والطاعة، ويحكم بها أيضاً بينهم الربانيون
والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء . وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين
اليهود، بسبب أنه - تعالى - حملهم أمانة حفظ كتابه، وتنفيذ أحكامه
وشرائعه وتعاليمه .
ويصح أن يكون قوله، بما استحفظوا، متعلقا بالربانيين والاجبار،
وأن يكون الضمير عائداعليهم وحدهم . أى: على الربانيين والأحبار. ويكون
الاستحفاظ بمعنى أن الأنبياء قد طلبوا منهم حفظ وتطبيق أحكامه.
والمعنى: كذلك الربانيون والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود،
بسبب أمر أنبيائهم إياهم بأن يحفظوا كتاب الله من التغيير والتبديل.
وقوله: « وكافوا عليه شهداء، معطوف على ((استحفظوا)).
أى: وكان الأنبياء والربانيون والأحبار شهداء على الكتاب الذى أنزله
الله - وهو التوراة - بأنه حق، وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده، وتطبيق
أحکامه حتى لا يهمل شی. منها .
قال الفخر الرازى. قوله: (( بما استحفظوا من كتاب الله، : حفظ
كتاب الله على وجهين :
الأول : أن يحفظ فلا ينسى الثانى ، أن يحفظ فلا يضيع.
وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين . أحدهما : أن
يحفظوه فى صدورهم ويدرسوه بألستهم .
والثانى: ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه.
وقوله: « وكانوا عليه شهداء، أى: هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار
كانوا شهداء على أن كل ما فى التوراة حق وصدق ومن عند الله . فلا جرم
كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها من التحريف والتغيير، (١).
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٣ ص ٤

٢١٨
سورة المائدة
ثم أمر الله - تعالى - اليهود - ولاسيما علماءهم وفقها.هم - أن يجعلوا خشبتهم
منه وحده، وألا يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى -: . فلا تخشوا الناس
وأخدون ولا تشتروا بآفى ثمناً قليلا ... ».
والخشية - كما يقول الراغب - خوف يشوبه تعظيم، وأكثر مايكون ذلك
على علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها فى قوله: ((إنما يخشى الله من
عباده العلماء ... »(١).
وكأن الراغب - رحمه الله - يريد أن يفرق بين الخوف والخشية. فهو
يرى أن الخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى ، بخلاف الخوف فهو أعم
من أن يكون من مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذهوم .
والفاء فى قوله « فلا تخشوا ... ، الإفصاح عن كلام مقدر.
والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكر من أن القه - تعالى - قد أنزل التوراة
لتنفذ أحكامها ، وتطبيق تعاليمها ... فمن الواجب عليكم يا معشر اليهود أن
تقتدوا بأنبياتكم وصلحافك فى ذلك، وأن تستجيبوا للحق الذى جاء به
رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن تجعلوا خشیتکم منی وحدى لا مز
أحد من الناس ، فأنا الذى بيدى نفع العباد وضروم .
وقوله: (( ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا)، معطوف على قوله , فلا تخشو
الناس واخدون ، والاشتراء منا المراد به الاستبدال.
والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات
بالنبى - صلى الله عليه وسلم -.
والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال
والجاه وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا .
أى: ولا تستبدلوا بأحكام آياتى التى اشتملت عليها التوراة احكاما أخر:
(١) المفردات فى غريب القرآن س ١٤٩ الراغب الأصفهافى.

٢١٩
الجزء السادس
تغايرها وتخالفها، لمكى تأخذوا فى مقابل هذا الاستبدال ثمناً قليلا من حظوظ
الدنيا وشهواتها كالمال والجاه وما يشبه ذلك.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للفكرات ، بل هو من
الأوصاف اللازمة للثمن المحصل فى مقابل استبدال الآيات ؛ لأنه لا يكون
إلا قليلا - وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا - بالنسبة لطاعة الله،
والرجاء فى رحمته ورضناه .
وهذا النهى الذى اشتملت عليه هانان الجملتان الكريمتان :. فلا تخشوا؛
ولا تشتروا)، وإن كان موجها فى الأصل إلى رؤساء اليهود وأحبارم ...
إلا أنه يتناول الناس جميعا فى كل زمان ومكان ، لأنه نهى عن رذائل يجب أن
يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب .
وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله: (( فلا تخشوا الناس ... خطاب .
لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات - إذ انتقل من الحديث عن الأحبار
السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة،(١).
ثم ختم - سبحانه - الآبة ببيان سوء عاقبة من يفعل فعل اليهود، فيحكم
بغير شريعة الله فقال - تعالى - ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون » .
أى : كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله - وقضى بغيره من الأحكام،
فأولئك هم الكافرون بما أنزله - سبحانه- ، لأنهم كتموا الحق الذى كان
من الواجب عليهم إظهاره والعمل به .
والجملة الكريمة - كما يقول الألوسى - قذبيل مقرر لمضمون ما قبلها
ابلغ تقرير ، وتحذير من الإخلال به أشد تحذير .
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
(١) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ١٤٥

٢٢٠ ٠
سورة المائدة
ا
١ - سمو منزلة التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - ٥
السلام، فقد أضاف - سبحانه - إنزالها إليه، ف.كان لهذه الإضافة.
من الدلالة على على مقامها، كما بين - سبحانه - شرفها الذاتى بذكرما اشتـ
عليه من هداية إلى الحق، ومن فور يكشف للناس ما اشتبه عليهم من ا
دينهم ودنياهم .
وهذا السمو إنما هو التوراة التى لم تمتد إليها أيدى اليهود بالتحر
والتبديل ، والزيادة والنقصان .
٠
أما تلك التوراة التى بين أيديهم الآن ، والتى دخلها من التحريف ماد
فهى عارية عن الثقة فى كثير ما اشتملت عليه من قصص وأحكام ..
٢ - قال الفخر الرازى: «دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النهـ
والريانيون والأحبار، وهذا يقتضى كون الربانيين أعلى حالا من الأحـ
فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء.
ثم قال: وقد احتج جماعة بأن شرع من قبلنا لازم علينا - إلا إذا قام اله
على صيرورته منسوخا - بهذه الآية، وتقريره أنه - تعالى - قال فى التوراةه
وفورا، والمراد كونها هدى وفورا فى أصول الشرع وفروعه ، ولو
ما فيها منوخا غير معتبر الحكم بالبكلية لما كان فيها هدى وفور ، ولا يمـ
أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى وال
ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار، وأ
فإن هذه الاية إنما نزلت فى مسألة الرجم فلابد وأن تكون الأحكام الشعر
داخلة فيها ، لأنا - وإن اختلفنا فى أن غير سبب نزول الآية هل يدخل
أم لا - لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون دا.
فيها ،(١) .
٣ - استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن:
(١) :فسير الفخر الرازى : ١٢ ص ٤٠٢