Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الجزء السادس
وبعد هذه النداءات والتكليفات التى كلف الله - تعالى - بها المؤمنين،
شرعت السورة الكريمة فى الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود،
فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود موثقة، وموقفهم منها، وعقوبتهم على
نقضهم لها .. فقال - تعالى - :
((ولقد أخذَ اللهُ ميثاقَ بَنِى إسرائيلَ وبعثنا منهم اثْنَىْ عشر نقيباً،
وقال اللهُ إِنّى معكم ، لئن أقْتُم الصلاةَ وَآتَيُم الزكاةَ وَآمَنتُم بِسْلِى
وعزَّرَموهُمْ وَأَقْرَضُ اللهَ قرفناً حسناً، لأ كفرَنَّ عنكم سيئاتِكُم،
ولَأَدْخِنكُم جناتٍ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهارَ، فن كَفَر بعد ذلكَ منْكُم
فَقَدْ ضلّ سواء السبيل (١٢) فَبِعاً نقضِهم ميثاقَهُم لمتَّامٍ وجعلنا قُلُوبَهم
قاسِيةً، يُحرِّفُونَ الكَلِمَ عن مواضِهِ، ونَسُوا حَّظًا ممَّاذُ كُرُوا به،
ولا تزالُ تَطَلِعُ عَلَى خائنةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قليلاً منهُمْ، فاعفُ عنهُم واسْفَح
إنّ الله يحب المحسنينَ (١٣))).
قال الفخر الرازى: قوله - تعالى - ,ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل ،
وبعثنا منهم أثنى عشر نقيبا، وقال الله إنى معكم ... ، أعلم أن فى اتصال هذه
الآية بما قبلها وجوه :
الأول: أنه - تعالى - خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال: «واذكروا نعمة
الله عليكم وميثاقه الذى وائفكم به إذا قلتم سمعنا وأطعنا،. ثم ذكر الآن أنه
أخذ الميثاق من بنى إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا
- أيها المؤمنون - مثلهم فى هذا الخلق الذمم ..
الثاني: أنه لما ذكر قوله: « أذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم .. )،

١٠٢
سورة المائدة
وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت فى اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر
بالمؤمنین ... فلما ذ کر - سبحانه - ذلك أتبعه بذ کر فضائحهم، وبيان.
أنهم كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق.
الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة تر غيب المكلفين فى قبول التكاليف.
وترك التمرد والعصيان. فذكر - سبحانه - أنه كلف من كان قبل المسلمين كما
كلفهم ليعلموا أن عادة اله فى التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم، بل هى عادة
جارية له مع جميع عباده،(١) .
والميثاق: "عهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق المتضمن معنى الشعر
والربط على الشىء بقوة وإحكام .
والمرادبه: ما أخذه الله على بنى إسرائيل لكى يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف
ولكى بعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها.
والنقيب : كبير القوم، والكفيل عليهم، والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم
فيكون شاهدهم وضمينهم وعريفهم. وأصله من النقب وهو الثقب الواسع.
قال الألوسى . والنقيب: قيل: فعيل بمعنى فاعل مشتقا من الثقب بمعنى
التفتيش ومنه (فنقبوا فى البلاد)، وسمى بذلك لتفتيشه عن أحوال الفوم
وأمرم .
قال الزجاج: وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق فى الجبل.
ويقال : فلان حسن النقيية. أى: جميل الخليقة. ويقال: فلان نقاب!
للعالم بالأشياء، الذكى القلب، الكثير البحث عن الأمور)،(١).
والمعنى: ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بنى إسرائيل، لكى يعملو
بما كلفهم من تكاليف ، وأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يختار منه
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١١ ص ١٨٣
(٢) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ٨٥

١٠٣
الجزء السادس
أثنى عشر نقيبا، وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكى يطلعوا
على أحوال ساكنيها ، ثم يخبروا نبيهم موسى - عليه السلام - بعد ذلك بما
شاهدوه من أحوالهم .
وسنفصل القول فى شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله - تعالى -
بعد ذلك، وإذ قال موسى لقومه يا قوم أذكروا نعمة الله عليكم، إذ جعل فيكم
أنبياء وجعلكم اللو كا ....
وأكد - سبحانه - ما أخذه على بنى إسرائيل من عهود بقد وباللام، للاهتمام.
بشأن هذا الخبر، ولترغيب المؤمنين فى الوفاء بجهودهم مع اله - تعالى - حتى
لا يصيبهم ما صاب بنى إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم.
وأسند - سبحانه - الأخذ إليه، لأنه هو الذى أمر به موسى - عليه السلام-
ولأن فى إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - زيادة فى توثيقه، وتعظيم أوكبده
وأى عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب ؟
وفى قوله: (( وبعثنا، التفات إلى المتكلم العظيم - سبحانه - لتهويل شأن
هذا الابتعاث ، لأن الله - تعالى - هو الذى أمر به.
وإنما اختار موسى - عليه السلام - اثنى عشر نقيبا من بنى إسرائيل لأنهم
كانوااثنى عشر سبطا، كما قال - تعالى- ,وقطمناهم اثنتى عشرة أسباطًا أما)،(١)
ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التى هو منها يذكرها بالفضائل
ويرغبها فى اتباع موسى - عليه السلام -، وينهاها عن معصيته.
والمعية فى قوله - تعالى - ((وقال الله إنى معكم، معية مجازية بمعنى الحفظ
والرعاية والنضرة .
أى: أخذ الله على بنى إسرائيل العهود الموثقة، وأمر فيه موسى أن يرسل
- (١) سورة الأعراف: الآية ١٦٠

١٠٤
سورة المائدة
منهم أثنى عشر نقيبا لمعرفة أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة
وقال الله - تعالى - لهؤلاء النقباء، أو لبنى إسرائيل جميعا: إنى معكم لا تخفى
علىّ خافية من أحوالكم، وسأييدكم برعایتی ونصرى متى وفيتم بعهدى،
واتبعتم رسلى.
فالجملة الكريمة تحذير لهم من معصية الله؛ لأنه لا تخفى عليه خافية،
ووعد لهم بالنصر متى أطاعوه .
ثم بين - سبحانه - بعض التكاليف التى كلفهم بها,وأخذ عليهم العهد
بالمحافظة عليها فقال: ((لمن أقتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلى،
وعزر تموهم، وأقرضتم اللّه قرضا حسنا، لأكفرن عنكم سيئاتكم، ولأدخلنكم
جنات تجرى من تحتها الأنهار ) ..
-٠
واللام فى قوله ((لئن)) موطئة للقسم المحذوف، و«إن، شرطية، وقوله:
,( لأ كفرن)) جواب التسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
وقوله: ((وعزرتموهم)) من التعزير بمعنى النصر والإعانة مع التعظيم
والتفخيم يقال: عزر فلان فلافا إذا قصره وقواه. وأصل معناه: المنع والذب
لأن من قصر إنسانا منع عنه أعداءه.
والمعنى: لئن داومتم على إقامة الصلاة، وعلى أدائها على الوجه الأكيل
بخضوع وخشوع، وأعطيتم الزكاة لمستحقيها , وآمنتم برسلى إيمانا كاملا،
ونصر تموهم مع تعظيهم وطاعتهم ( وأقرضتم الله قرضا حسنا ) بأن أنفقتم
جانبا من أموالكم فى وجوه الخير والبر، لئن فعلتم ذلك (لأكفرن عنكم
سيئاتكم) بأن أغفرما لكم، ولأدخلنكم فى الآخرة جنات تجرى من.
تحت أشجارها وبساتينها الأنهار .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كلف بنى إسرائيل بخمسة أمور نافعة ورعدم
على أدائها بتكفير سيئاتهم فى الدنيا، وبإدخالهم جناته فى الآخرة .

١٠٥
الجزء السادس
قال الإمام الرازى: وأخر - سبحانه - الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة
وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها ؛ لأن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد فى حصول
النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب
بعض الرسل . فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع
الرسل حتى يحصل المقصود. وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير
- فى حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل))(١).
والمراد بالزكاة فى قوله ( وآتيتم الزكاة، الزكاة المفروضة.
والمراد بالقرض الحسن فى قوله ((وأقرضتم الله قرضا حسنا، الصدقات
غير المفروضة التى يبذلها القادرون عليها فى وجوه الخير المتنوعة بدون رياء أو
أذى وفى التعبير بقوله: «وأفرضتم الله قرضا حسنا، تأنيس للقلوب، وترغيب
للنفوس فى البذل والعطاء، حيث شبه - سبحانه - ما يعطى للمحتاج رغبة فى
الثواب بالقرض الذى سيكافى الله - تعالى - صاحبه عليه بأضعافه من
الخير والنعم .
١
وأضاف - سبحانه - الرسل إليه فى قوله ,وأمنتم برسلى، لتشريفهم
وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم، وللإشارة إلى أن الإيمان بهم جميعا واجب،
فمن أطاعهم فقد أناع الله، ومن كفر بواحد منهم كفر بالله
- تعالى - .
ثم بعد أن فتح الله - تعالى - لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به، حذرهم
من المخالفة والعصيان فقال: ((فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء
السبيل، أى: فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به فتركه ، أو أعرض عن
التكاليف التى كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية ، وأخطأ
(١) تفسير الفخر الرازى : ١١ ص ١٨٥

١٠٦.
سورة المائدة
الطريق الواضح المستقيم، وسار فى متاهات الضلال انتى لا هداية فيها
ولا خير معها .
فالجمله الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضا فقد عل سواء
السبيل ، فلم قال: « قمن كفر بعد ذلك،؟ قلت : أجل من كفر قبل ذلك أيضا فقد
ضل. ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم: لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة
المكفورة، ((إذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى،(١).
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على
بنى إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التى كلفهم بها، وحذرهم من النقض
والخيانة والكفر، ورغبهم فى الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود
الله - تعالى -؟
لقد بين - سبحانه - جانبا من رذائلهم ، ومن العقوبات التى عاقبهم بها
بسبب فسوقهم عن أمره فقال: (فيما نقضهم ميثاقهم، لمناهم، وجعلنا قلوبهم.
قاسية ، يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به)).
والفاء فى قوله: ((فيما نقضهم)) للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم.
والباء للسببية و((ما، مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه فى النفس . والجار
والمجرور - متعلق بقوله: ( لعناهم).
وقوله: ( وجعلنا قلوبهم قاسية) معطوف على ماقبله.
وقوله: (قاسية) بوزن فاعلة - من القسوة بمعنى الصلابة واليبوسة. يقال ::
قسا قلبه يقسو فهو قاس، إذا غلظ واشتد وصار يا با صلبا.
وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثرها بالمواعظ. والترغيب والترهيب ..
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٥

١٠٧
الجزء السادس
أى : فبسبب جرائمهم الشديدة أبعدفاهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم يابسة
غليظة قنبو عن قبول الحق ولا تتأثر بالمواعظ والنذر .
وقرأحمزة والكسائى: ((وجعلنا قلوبهم قسية)) - بتشديد الياء من غير
ألف على وزن فعيلة .
والمفسرين فى معناها رأيان: أحدهما: أن (قسية) بمعنى قاسية ، غير أن
فيها مبالغة ، إذ هى على وزن فعيلة، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة
من قلوبهم .
والثاني: أنْ معنى ( قسية) هنا غير معنى قاسية، لأن قسية فى هذا الموضع
مأخوذة من قولهم: درهم قى - على وزن شقى - أى: فاسد ردى. لأنه
مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم.
والمعنى على هذا الوجه: وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا. وإنما يخالطه
كفر ونفاق كالدراهم القسوة التى يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص
أو غيرهما .
وقد رجح ابن جرير الرأى الأول - وهو أن قسية بمعنى قاسية غير أن
فيها مبالغة - فقال. ( وأولى التأويلين عندى بالصواب تأويل من تأول فعيلة
من القسوة كما قيل: نفس ذكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن انه
- تعالى - وصف القوم بنقضهم ميثاقهم، وكفرهم به، ولم يصفهم بشىء من
الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إبماتها بخالطه كفر كالدراهم القسية
التى يخالط فضتها غش)(١).
٠
وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثانى إلى الأول وجعل بينهما
تعانقا وتلازما فى المعنى فقال: ( وقرأ عبد اللّه ( قسية) أى: ردية مغشوشة.
من قولهم: درهم قى وهو من القسوة، لأن الذهب والفضة الخالصين
(١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ١٥٥.

١٠٨
سورة المائدة
فيهما لين، والمغشوش فيه ييس وضلابة»(١) ...
وقوله: ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) استئناف مبين لشدة قساوة
قلوبهم، فإنه لاقسوة أشد من تحريف كلام الله - تعالى - والميل به عن
الحق والصواب .
أى: أنهم بلغ بهم الحال فى قسوة قلوبهم ، وعدم تأثرها بوعبد الله ، أنهم
يميلون كلامه - سبحانه - عن الموضع الذى نزل فيه ولأجله عن طريق التأويل
الباطل، أو التغير الفاسد، أو التبديل الألفاظ بالزيادة تارة وبالنقصان
أخرى ، على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوته .
وعبر - سبحانه - بقوله: ( يحرفون) بصيغة الفعل المضارع، لاستحضار
صورة هؤلاء المحرفين ، والدلالة على أن أبناءهم قد فهجوا نهح آبائهم فى هذا
الخلق الذميم.
فإن هذا التحريف الذى حكاه الله - تعالى - فى هذه الآية قد كان من
بنى اسرائيل بعد عهد موسى - عليه السلام - واستمروا على ذلك دون أن يصدم
عنه ما كان من نصح النبى - صلى الله عليه وسلم - لهم، ومن تحذيره إياهم ..
والمراد بالنسيان فى قوله: ( ونسوا حظا ما ذكروا به) الترك والإهمال
قال الراغب: ( النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع. إما لضعف قلبه،.
وإما عن غفلة ، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره).
والأنواع الثلاثة التى ذكرها الراغب كأسباب النسيان قد فعلها بنو إسرائيل
فهم قد أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم ،
واستيلاء المطامع والشهوات عليها، وأهملوا أمر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا
أنفسهم بها عن تعمد وإصرار، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على دين الله
وهذا ما تأباه نفوسهم الجامعة ، وشهواتهم العارمة .
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦١٥

١٠٩
الجزء السادس
والتنكير فى قوله: ((حظاء للتكثير والتهويل. أى : تركوا نصيبا
كبيرا مما أمرتهم به شريعتهم، وذكرتهم به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق
وإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره.
وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن فى هذا المعنى تعتبر من
المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم، فإن الناس قبل البعثة النبوية الشريفة
لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسواحظا كبيرا ما ذكرتهم به توراتهم. فلما بين
القرآن ذلك، عرفوا ما لم يكونوا يعرفونه من قبل .
ولما كانت أخلاق الآباء كثيرا ما يتوارثها الآبناء ، فقد رأينا القرآن
الكريم بحذر النبى - صلى الله عليه وسلم - من اليهود المعاصرينله، والذين
ورثوا رذائل آبائهم فقال: ((ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم :.
وقوله (( خائنة)، بمعنى الخيانة أى عدم الوفاء بالعهد . فهى مصدر على
وزن فاعله كالعافيه والطاغية. قال ـ تعالى ــ((فأما نمو دفا هلكوا بالطاغية، أى
بالطغيان . ويحتمل أن يكون قوله (( خائنة)، صفة لموصوف محذوف أى
على فرقة خائنة أو طائفة ...
والمعنى: ولا تزال - أيها الرسول الكريم - ترى فى هؤلاء اليهود المعاصرين
ك صورة السابقين فى الغدر والخيانة. وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين
يعاصر ونك فيهم خيانه أسلافهم، وغدرهم، ونقضهم لعهودهم ... إلا قليلامنهم
دخلوا فى الإسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها .
وفى هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه
من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة، فكأن الله - تعالى - يقول له
إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئا مستبعداً ، بل هو طبيعة فيهم
ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد :.. وفيها - أيضا - تحذير له
- صلى الله عليه وسلم - من شرورهم ومن مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام

١١٠
سورة المائدة
والمسلمين (( فإن التعبير بقوله)) ولا نزال، المفيد للدوام الاستمرار يدل على
إستمرار خيانتهم. ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم.
وقوله: (( إلا قليلا منهم، استثناء من الضمير المجرور فى قوله ((خائنة منهم))
والمراد بهذا العدد القليل منهم، أولئك الذين دخلوا فى الإسلام، واقبعوا
الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله .
ثم ختم سبحانه - الآية بقوله: ((فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين)
والعفو عدم مقابلة الإساءة بمثلها .
والصفح: ترك اللوم والمعاقبة. ولذاقالوا: الصفح أعلى رتبة من العفو، لأن.
العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا. أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية
واعتبار الإساءة كأن لم تكن فى الظاهر والباطن .
وللعلماء أقوال فى المراد بالذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعفو
والضفح عنهم : فيرى بعضهم إن المراد بهم ، القسلة اليهودية التى أسلمت
واستثناها أه بقوله « إلا قليلا منهم)). وهذا الرأى مردود بأنهم ماداموا
قد آمنوا، فقد عصموا دماءهم وأموالهم، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع
٢ - ويرى آخرون أن الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعفو
والصفح عنهم هم كافة اليهود، إلا أن الآية نسخث بآية التوبة وهى قوله
(«قالوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله
ورسوله، ولا يدينون دين الحق ، من الدين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا.
الجزية عن يدوهم صاغرون)) (1) وهذا الرأى ضعيف، لأن الفسخ لا يصار
إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين وهو غير متعذر - كما سنبين -:
٣ - ويرى أبو مسلم أن المراد بهم اليهودالذين بقوا على كفرهم، ولكنهم
لم ينقضوا عهودهم .
(١) سورة التوبة آية ٢٩

الجزء السادس
والذى نزاه أولى أن العفو والصفح عام اليهود، وإن من مظاهر ذلك
مسالمتهم ومساكنتهم ، ومحادلتهم ، بالتى هى أحسن. ومعاملتهم بمبدأ لهم
مالنا وعليهم ما علينا)) مع العفو عن زلالتهم التى لانؤز على كيان الدعوة
الإسلامية ...
فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأصبح العفو
عنهم فيه مضرة بالمسلمين، ففى هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التى تقى المسلمين
شرورهم ، لأن المفو عنهم - عند إستلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة
- يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، ويكون قد وضع العفو فى غير موضعه.
وهذا القول يقارب ماذهب إليه أبو مسلم. وربما أعتبر توضيحاً له.
فكان الله - تعالى- يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فادف عن هؤلاء اليهود
الذين ورثوا الخيانة عن آبائهم، وأصفح عن زلالتهم التى لا تؤثر فى سير الدعوة
الإسلامية إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم، إن الله تعالى يحب المحسنين.
وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانباً مما أخذ اله على بنى إسرائيل
من عهود ومواثيق، ورغبتهم فى الوفاء بها وحذرتهم ، من نقضها، كما بينت
بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها بسبب فوقهم عن أمره ورسمت للنبى
صلى الله عليه وسلم - طريق معالجتهم ومعاملتهم بما بقى المسلمين من شرورهم
ومكرم .
وبعد أن بين - سبحانه - جانباً من قبائج اليهود ونقضهم لمواثيقهم
عقب ذلك ببيان حال النصارى فقال - تعالى - :
(( ومِنَ الذينَّ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَ ميثاقَهم، فَنَسُوا خَطَاءً
ذَكَّرُوا به، فَأَغْرَيْنَاَ بينهم العداوةَ والبغضاء إلى يومِ القيامةِ .
وسوفَ يُنَبِثَهم اللهُ بمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) » .

١١٢
سورة المائدة
وقوله - تعالى -: ((ومن الذين قالوا إنا نصارى ... )، معطوف على قوله
قبل ذلك: (ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل ......
والجار والمجرور فى قوله .. ومن الذين قالوا ... )) متعلق بقوله: أخذنا،
وقوله « نصارى، جمع نصر ان كتدامى جمع ندمان ، ولم يستعمل نصران
إلا بياء النسب. وقد صارت كلمة نصرانى لكل من اعتنق المسيحية
وقد سموا بذلك لدعواهم أنهم أنصار عيسى على أعدائهم . أو نسبة إلى
بلدة الناصرة التى فيها نشأ عيسى - عليه السلام - وأعلن دعوته للناس.
والمعنى: وكما أخذما على بنى إسرائيل الميثاق بأن يعبدوا الله وحده
ويطيعوا أنبياءه، ويستجيبوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذى بشرت به
الكتب السماوية ... فقد أخذنا - أيضاً - من الذين قالو إنا نصارى الميثاق
بذلك ، ولكنهم كان شأهم فى الكفر وفقض العهود كشأن اليهود، إذ ترك
هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى قدراً كبيراً، ونصيباً عظيما ما ذكروا به على
لسان عيسى عليه السلام - فقد أمرهم بتوحيد الله، وبشرهم بظهور رسول
من بعده هو محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإيمان به، ولكنهم أستحبوا
الكفر على الإيمان، فكان دأبهم كدأب بنى إسرائيل فى العناد والضلال.
ونسب - سبحانه - تسميتهم نصارى إلى أنفسهم فقال: ((ومن الذين
قالوا إنا نصارى، ولم يقل: ((ومن النصارى) للإشارة إلى أن ادعاءم
النصرانية هى الدين الذى جاء به عيسى، إنما هو قول يقولونه بأفواههمدون
أن يتبعوه بقلوبهم إذلو كانوا متبعين حقاً لما جاء به عيسى عليه السلام-
لأقروافقه - تعالى - بالوحدانية ولآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم - الذى
بشر به عيسى - عليه السلام - .
وإلى هذا المعنى أشار - صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت : فهلا قيل
ومن النصارى ؟ قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك إدعاء لنصرة انه،
وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله. ثم اختلفوا بعد : نسطورية،
ويعقوبية، وملكانيه ، أنصارا للشيطان،(١)
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦١٦ طبعة دار المكتب العربي ببيروت

١١٣
الجزء السادس
وقوله - تعالى -: ( ونوا حظا ما ذكروا به» بيان لما حدث منهم
بعد أخذ الميثاق .
أى: أخذ ناهن الذين قالوا إنانصارى ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده،
ويطيعوا أنبياءه ورسله ولكنهم لم يكونوا أو فيه بعهوهم، بل تركوا نصيباً
كبيراً بما أمروا بفعله ومما ذكرواب، على لسان المسيح عيسى ابن مريم.
والمراد بالنسيان هنا الترك والإهمال عن تعمد وقصدٍ، لأن الناسى حقيقة
لا يؤ اخذه الله - تعالى - .
والإتيان بالفاء فى قوله: « فنسوا .. ) للإشارة إلى أن تركهم لما أخذ
عليهم من ميثاق، كان عن تعجل وعدم تمل بسبب إستيلاء الأهواء والشهوات
علی تفو سهم .
والتفكير فى قوله تعالى: (حظا للتهويل والتكثير. أى ز كوا نصيبا كبيراً
ما أمرتهم به شريعتهم ، من وجوب إتباعهم الحق، وإيمانهم بمحمد صلى الله
عليه وسلم عند ظهوره «فكان تركهم لهذا الصغيب العظيم ما ذكروا به سبا
فى ضلالهم رسو. عاقبتهم.
قال بعض العلماء: « وسبب نسيان حظ أى نصيب كبير ما ذكروا به ،
هو إضطهاد النصارى إضطهاداً شديدا فى عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم
ولم يعرف شىء منها. إلا قليل غير سليم بعد مائتى سنة من ترك المسيح هذه
الدنيا. وما ظهرت هذه الأناجيل التى يتدارسونها - ولا يزالون يغيرون
ويبدلون فيها على حسب الطبعات المختلفة - إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور
الرومان فيها، وغير وبدل فى مجمع قيقة الذى إنعقد فى سنة ٣٣٥ ميلادية.
وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد، (١).
وقوله: ، فأغر ينابينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، وسوف ينبتهم
(١) تقدم الآية المكرى لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله - مجلة
لواء الإسلام السنة ١٩ العدد القامع ص ٥٤٥
٨١ - سورة المائدة )

١١٤
سورة المائدة
الله بما كانوا يصنعون ، وعيد شديد لحم بسبب تركهم لما أرشدوا اليه، وما
ذكروا به .
فالفاء فى قوله - تعالى - ((فأغر يناء للسببية. وأغريتا أى: ألقيناوميجنا
وألصقنا. يقال: أغريت فلانا بكذا حتى غرى به أى: ألزمته به وألصقته.
وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشىء.
وقوله: (( بينهم، ظرف لأغريناً. والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى
المتعددة عند جمهور المفسرين .
٠
والمعنى: بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به ، فرقنام
شيعاً وأحزاباً ، وجعلنا كل فرقه منهم تعادى الأخرى وتبغضها إلى يوم
القيامة .
ویری بعضهم أن الضمير فى قوله : « بينهم ، تعود إلى اليهود والنصارى،
فيكون المعنى :
بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال ، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء
إلى يوم القيامة ، فهم فى عداوة شديدة، وكراهية مستحكمة .
وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال :
وأولى النأولين بالآية عندى: ماقاله الربيع بن أنس وغيره، وهو أن المعنى
بالإغراء بينهم: النصارى فى هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم عائدتان على
النصارى ، دون اليهود، لأن ذكر الإغراء فى خبراته عن النصارى بعد تقضى
خبره عن اليهود، وبعد إبتداء خبره عن النصارى ، فلأن يكون ذلك معنياً به
النصارى خاصة ، أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكر ناه، (١)
وقال ابن كثير: قوله - تعالى -: «فنوا حظا ما ذكروابه فأغرينا بينهم
العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، أى: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم
بعضا، ولا يزالون كذلك إلى-يوم قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى
على إختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا، ويلعن
(١) تفسير ابن جرير ج ٦ ص ٠٦٠

١١٥
الجزء السادس
بعضهم بعضا. فكل فرقة تحرم الأخرى ولاتدعها تلج معبدها. فالملكانية
تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون . وكذلك النسطورية الآريوسية كل
طائفة تكفر الأخرى فى هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)،(١).
والذى تطمئن إليه النفس أن قوله - تعالى -,فأغربنا بينهم العداوة
والبغضاء إلى يوم القيامة .. ، يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة
مستحكمة يراها الرائى فى كل العصور والأزمان، كما يشمل مابين فرق النصارى
من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائفة ، وأهوائهم الفاسدة ..
ومانراه من تصارع وتقائل بين طائفتى الكاثوليك والبروستانت فى إير لاندا،
وفى غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم، وأنه من عند الله - عزوجل-
وقوله - تعالى -: «وسوف ينبتهم الله بما كانوا يصنعون، بيان لسو.
عاقبتهم فى الآخرة بعد بيان ماحكم الله به عليهم فى الدنيا من عداوة وبغضاء .
و ((سوف)) هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة.
والمعنى: لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة ، وسوف
يخبرهم الله فى الآخرة بما كانوا يصنعونه من كتمان الحق ، ومخالفة للرسل،
وانغماس فى الباطل، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد.
وبعد أن بين - سبحانه - بعض الرذائل التى انغمس فيها اليهود والنصارى.
وجه إليهم نداء دعام فيه إلى الدخول فى الدين الحق الذى جاءبه محمد
- صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -:
((يا أهل الكتابِ قد جاءكم رسولُنا بينُ لكُم كثيراًمَا كَثُم
تُخْفُّونَ من الكتابِ ويَقُو عن كثيرٍ، قد جاءُ من اللّهِ نورٌ و كتابٌ
مبينٌ (١٥) يَدِى به اللّهَ من اتّبعَ رِضْوانَه سُبُلَ السَّلام ويخرِجُهم
مِنّ الظلمات إلى النورِ يإذْنِه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ (١٦)».
(١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٠٣٣

١١٦
سورة المائدة
والمعنى: «يا أهل الكتاب، من اليهود والنصارى (( قد جاءكم رسولنا))
محمد - صلى الله عليه وسلم ـديبين لكم كثيرا ما كنتم تخفون من الكتاب))
أى: يظهر لكم كثيراً من الأحكام والمسائل التى ذكرتها كنبكم وكتمتموها
عن الناس ، كإخفائكم صفة النبى - صلى الله عليه وسلم - التى تجدونها فى التوراة
والإنجيل وكتمانكم ماجاء فيها من بشارات تبشر به .. وغير ذلك من الأحكام
التى أخفاها عداؤكم عن العامة ، وتولى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إعلانها
إظهارا للحق، ووضعا للأمور فى نصابها .
وقوله: ((ويعفو عن كثير، أى: يعرض ولا يظهر كثيرا ما كنتم تخفونه،
لأنه لا ضرورة تدعو إلى بانه، ولا فائدة تعود على الناس من وراء إظهاره،
ففى السكوت عنه رحمة بكم، وصياغة لكم عن الاقتضاح والمؤاخذة.
يقال: عفا عن المذنب، أى: ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه.
والمراد بالكتاب فى قوله ((يا أهل الكتاب، جنس الكتب، فيشمل
التوراة والإنجيل .
وفى قداتهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول فى الإسلام ؛ فإن علمهم
بما فى كتبهم من بشارات بالرسول - صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى الإيمان به.
فإذا لم يت منوا به مع علمهم بأنه رسول صادق فى رسالته وكانت مذمنهم
أشد وأقبح، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأفسى. وكان التعبير
بقوله - تعالى - ،قد جاءكم، الإشارة إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - قدوصل
إليهم، ويعيش بينهم، فهم يرونه ويراهم ، ويخاطبهم ويخاطبونه، ليسمعوا
منه مايشهد بصدقه بدون حجاب أو وسامعام.
وفى التعبير بقوله - تعالى - , رسولنا، تشريف للرسول - صلى الله عليه
وسلم - حيث أضافه - سبحانه - إلى ذاته، وفيه كذلك إيدان بوجوب إتباعه
لأنه رسول مبلغ عن الله - تعالى - ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل.
والمراد بالكتاب فى قوله: ((تخفون من الكتاب)) التوراة : الإنجيل.

١١٧
الجزء السادس
فقد امتدت أيدى اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما
على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .
وفى إظهار الرسول - صلى الله عليه وسلم - للكثير ما كتموه، وعفوه
عن الكثير مما أخفوه ، معجزة له، لأنه لم يقرأ كتابا، ولم يجلس أمام معلم،
فإخباره بأسرار مافى كتبهم إخبار عن أمور مغيبة، فيكون معجزة له تحملهم
على الإيمان به فيما يدعوهم إليه .
ثم مدح الله - تعالى - رسوله، وماجاء به من الخير والهدى فقال:
((قد جاءكم من اله نور وكتاب مبين)).
والمراد بالنور هنا: محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو نور الأنوار
- كما يقول الألوسى -.
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى أنزله - تعالى - على نبيه - صلى
الله عليه وسلم - والجملة الكريمة مستأنفة مسوقة لبيان أن فائدة مجىء الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه،
بل له منافع أخرى لا تحصى .
قال ابن جرير ما ملخصه قوله : - تعالى - ,قد جاءكم من الله فور وكتاب
مبين، يقول - جل ثناؤه - لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب:( قد
جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد - صلى الله عليه وسلم -
الذى أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك)) ... وقوله
((وكتاب مبين)، يعنى: « كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله،
وحلاله وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذى أنزله على نبينا محمد - صلى
الله عليه وسلم )»(١).
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور وبالكتاب هنا: القرآن الكريم
(١) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ١٦١.

١١٨
سورة المائدة
وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال قوله: «قد جاءكممن
أنه فور وكتاب مبين)، يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك،والإ بانته
ما كان خافيا عن الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز ،(١).
ويبدو لنا أن ماذهب إليه ابن جرير أرجح ، لأن العطف فى الغالب
يقتضى المغايرة فى الذات، إذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد جاءللناس
برسالة هى نور فى شخصه - صلى الله عليه وسلم - كما جاءهم بالقرآن الكريم
الدال على صدقه فى رسالته .
ثم بين - سبحانه - الغاية من رسالته - صلى الله عليه وسلم - فقال
- تعالى - ((يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)).
. والضمير فى قوله (( به، يعود إلى مجموع ماذكر« أو إلى الكتاب المبين
باعتباره أقرب مذكور ».
و «سبل، جمع سبيل بمعنى طريق. و «السلام)) مصدر بمعنى السلامة.
والمعنى: قد جاءكم ـ يامعشر أهل الكتاب - من الله نور وكتاب مبين.
بهدى الله - تعالى - بذلك أو بالكتاب ((من اتبع رضوانه)، أى: من علم
- سبحانه - منه أنه يريد إتباع مايرضيه، بأن يخلص له العبادة، ويستجيب
للحق الذى أرسل به أنبياءه، فإنه متى كان كذلك، أوصله - سبحانه - إلى
((سبل السلام، أى: إلى طرق السلامة والنجاة من كل خوف وشقاء، بأن
يثبته فى الدنيا على طريق الحق ، ويكرمه فى الآخرة بمثوبته وجنته . هذه
هى الثمرة الأولى من ثمار اتباع ماجاء من عند الله من فور وكتاب مبين.
أما الثمرة الثانية فقد بينها - سبحانه - بقوله: ((ويخرجهم من الظلمات إلى
النور بإذنه ).
والضمير المنصوب فى قوله (( ويخرجهم» و هو «هم »، يعود إلى (( من )»
فى قوله (( من اتبع رضوانه، باعتبار المعنى.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦١٧.

١١٩
الجزء السادس
أى: ويخرج - سبحانه - هؤلاء الأخيار الذين علم منهم إنباع ما يرضيه
فرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الحق والإيمان , بإذنه، أى:
إرادته وعليه .
وقوله: «ويهديهم إلى صراط مستقيم، بيان للثمرة الثالثة من ثمار إتباع
اجاء من عند الله من حق وخير .
أى: ويهدى - سبحانه - هؤلاء الذين علم منهم اتباع ما يرضيه إلى صراط
مستقيم، وطريق قويم لا اعوجاج فيه ولا إضطراب، وهو طريق الإسلام
الذى يوصل إلى الفوز والفلاح فى الدنيا والآخرة.
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا أهل الكتاب إلى اتباع الحق الذى
جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، بأوضح أسلوب، وأكل
بيان، وبينتا لهم ما يترقب على اتباعه - صلى الله عليه وسلم - من منافع
جليلة، وفوائد عظيمة، تجعلهم يسارعون إلى تصديقه إن كانوا من يستمعون
القول فيتبعون أحسنه .
. وبعد أن أرشد - سبحانه - أهل الكتاب إلى الطريق القويم الذى يجب
عليهم أن يسلكوه، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى من ضلال وبطلاز فقال:
((لقدْ كَفَر الذينَ قَالُوا إِنَّاللّهَ هو المسيحُ ابنُ مريمَ، قُلْ فَنْ يملكُ
مِنَ الُهِشيئاً إنْ أرادَ أنْ يهلِكَ المسيحَ ابنَ مريمَ وأُمَّه ومَنْ فى الأرضِ
جميعاً. ولله مُلكُ السمواتِ والأرض وما بينهما يخلَقُ ما يشاء. واللهُ
على كلِّ شيءٍ قديرٌ (١٧)».
اللام فى قوله: (( لقد كفر .. ، واقعة جوابا لقسم مقدر.
والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره، والانتهامن فى الباطل والضلال.
والمعنى: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن
اللّه المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم.

١٢٠
سورة المائدة
قال بعض العلماء ما ملخصه :. لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندم
فيه عنصر إلهى : وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله، وفيه
عنصر إلهى فقد قالوا: إن الألوهية قد حلت فيه. ولازم ذلك القول أن يكون
هو اللّه، أو هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه.
وقد قال فى ذلك البيصادى: «هم الذين قالوا بالاتحاد منهم. وقيل: لم يصرح به
أحد منهم. ولكنهم لما زعموا أن فيه لأهوتا، وقالوا: لا إله إلا واحد لزمهم
أن يكون ه المسيح فسب إليهم لازم قولهم،.
وذلك بلا ريب يؤدى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، وإن
لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله.
وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد فى اعتقاد الألوهية
وأنه ابن الله وبذلك يكون له - تعالى - فى أواخر هذه السورة , لقد كفر
الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، متلاقيا مع هذا النص الكريم، فهنا صرح
بلازم قولهم، وهناك صرح بذاك قولهم.
والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصر حون
بأن الأقاف ثلاثة. وأها شىء واحد. ويتهون إلى أن المسيح هو الله، والله
هو روح القدس فقد قال الدكتور بوست فى تاريخ الكتاب المقدس: «طبيعة
الله عبارة عن ثلاثة أن فيم متساوية الجوهر هى: الله الآب، واله الإبن والله
الروح القدس فإلى الآب ينتمى الخلق بواسطة الابن. وإلى الابن الغداء، وإلى
الروح القدس التطهير. غير أن ثلاثة الأقائم تتقاسم جميع الأعمال على السواء.
أما مسألة لتثليث فغير واضحة فى العهد القديم، كما هى فى العهد الجديد)).
ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ولا يكون
الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه. فهم يصرحون
بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الأب، كما أن الله هو روح القدس(١)
(١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة ، مجلة لواءالإسلام السنة ١٩
العدد ٠١١