Indexed OCR Text
Pages 1-20
التفسير الوسيط .للقرآن الكريم تفسير سورة المائدة دكتوس محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الجزء السادس الطبعة الثانية ٠١٤٠٧ -٠ ١٩٨٦ م مَطْبَعَة السَّعَادَة ميدان أحمد ماهر - شارع أحداوى رقم ١٢ س.ت تليفون ١١٩٩٧٠/٩٠٧٣٧٩ ((رَبِّأَ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ الَلِيمُ)» سر بال من القيم مقدمة الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله ربه رحمة للعالمين اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين . وبعد : فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذى أنزله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ولينقذم من الظلم والفجور . قال - تعالى -: « كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد» . ولقد كان من فضل الله علينا، أن وفقنا لخدمة كتابه ، فأعافنا على كتابة تفسير سور : الفاتحة والبقرة، وآل عمران ، والنساء والأنعام والأعراف، ويسعدنى أن أتبع ذلك بتفسير محرر لسورة المائدة، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه السورة من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة، وحج باهرة، تقذف حقها على باطل الضالين فإذا هو زاهق . وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأفى تفسيرها بالتفصيل والتحليل، أن أسوق كلمة بين يديها تكون بمثابة التعريف بها، وبيان فضلها، ووجه إتصالها بالسورة التى قبلها، وزمان نزولها , والمقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها ... وقد كان منهجى فى تفسير هذه السورة، هو المنهج الذى سلكتهفى تفسير السور السابقة . - ٦ - وملخصه: أنى أبداً بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا، ثم أبين المراد منها - إذا كان الأمر يقتضى ذلك . ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات - إذا وجد وكان مقبولا -. ١ ثم أذكر المعنى الإجمالى للجملة أو للآية ، مستعرضا ما اشتملت عليه من وجوه البلاغة وحسن التوجيه ... ثم أتبع هذا ببيان ما يؤخد من الآية أو الآيات من أحكام وآداب وتشريعات ... وقد حرصت كثيرا على تخريج الأحاديث التى أذكرها ، وعلى بيان المصادر التى أنفل عنها. وتغمدت - عند النقل من المصدر لأول مرة - أن أبين زمان طبعته ومكانها ثم التزم النقل عنه بعد ذلك إلى نهاية السورة، دون أن ألجأ إلى طبعات أخرى إلا عند الضرورة القصوى . وقد تجنبت التوسع فى وجوه الإعراب ، واكتفيت بالراجح منها ... وذلك لأنى توخيت فيما أكتب إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات جامعة وتشريعات حكيمة ، وآداب سامية ، وعظات بليغة وتوجيهات نافعة . وأقوال مأثورة ... واقه أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا ، وأن يعيننا على إتمام ما بدأناه من خدمة لكتابه ، وأن يحفل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ، وقاضعة لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ ١٥ من ربيع الأول ١٤٠٧ ه ١٧ من فوفير ١٩٨٦ م محمد سيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية م تمهيد بين يدى السورة ١ - سورة المائدة هى السورة الخامسة من سور القرآن الكريم فى ترتيب المصحف، فقد سبقتها سور: الفاتحة ، والبقرة، وآل عمران، والنساء. ٢ - وهى مدنية باتفاق العلماء، بناء على القول الذى رجحه العلماء من أن القرآن المدنى هو الذى نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة ولو كان نزوله فى غير المدينة . ٣ - وعدد آياتها عشرون ومائة آية عند الكوفيين : ويرى الحجازيون والشاميرن أن عدد آياتها نتان وعشرون ومائة آية ، ويرى البصريون أن عدد آياتها ثلاث وعشرين ومائة آية . ٤ - ولهذه السورة الكريمة أسماء أشهرها: المائدة. وسميت بهذا الإسم، لأنها إنفردت بذكر قصة المائدة التى طلب الحواريون من عيسى - عليه السلام - نزولها من السماء. وقد حكى الله - تعالى - ذلك فى أواخر السورة فى قوله - تعالى -: ، إذ قال الحواريون باعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ... )، ( الآيات من١١٥:١١٢) وتسمى أيضا بسورة العقود، لأنها السورة الوحيدة التى إفتتحت بطلب الإيفاء بالعقود. قال - تعالى -: (( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... ((. وتسمى - أيضا - المنقذة. قال القرطبى: ((وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال.«سورة المائدة تدعى فى ملكوت الله المنقذة. تنقذ صاحبها من أيدى ملائكة العذاب ، (١). ٥ - ووجه إتصالها بسورة النساء - كما يقول الآلوسي -. ,أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود: صريحا وضمنا فالصريح: عقود الأنكحة. (١) تفسير القرطبى:ج ٦ص٣٠ طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٩ هسنة ١٩٥٩ : - ٨ - وعقد الصداق. وعقد الحلف. وعقد المعاهدة والأمان والضمنى: عقد الوصية والوديعة. والوكالة . والعارية . والإجازة . وغير ذلك ما يدخل فى قوله - تعالى -. ((إن الله بأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... ). فناسب أن تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود. فكأنه قيل : يأيها الناس أوفوا بالعقود التى فرع من ذكرها فى السورة التى تمت، وإن كان فى هذه السورة - أيضا - عقود. ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة، أن أول ذلك ، يأيها الناس .. )) وفيها الخطاب بذلك فى مواضع، وهى أشبه بتنزيل المكى . وأول هذه ((يأيها الذين آمنوا ... )) وفيها الخطاب بذلك فى مواضع وهو أشبه بخطاب المدنى . وتقديم العام وشبه المكى أنسب .... (١). ٦ - وقد وردت روايات تفيد أن سورة المائدة نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - دفعة واحدة . ومن هذه الروايات ما أخرجه الإمام أحمدعن أسماء بنت يزيد قالت: إفى لأخذة بزمام ناقة رسول الله العضباء، إذ نزلت عليه المائدة كلها . فكادت من ثقلها قدق عنق الناقة » (٢) . وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم - سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطيع أن تحمله فنزل عنها، (٢) .. وهناك روايات أخرى تحدثت عن زمان ومكان نزولها ، ومن هذه الروايات ما أخرجه أبو عبيد عن محمد القرغلى قال : نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة (٤). (١) تفسير الآلوسى ج ٦ ص ٤٨. طبعة منير الدمشقى. (٢)، (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ طبعة عيسى الحلبى. (٤) تفسير الآلوسي ج ٦ ص ٠٤٧ ٩٠- وقال القر طبى : وروی أنها نر ات عند منصرف رسول الله - ملی اقه . عليه وسلم - من الحديبية (١). وهناك روايات تحدثت عن زمان ومكان نزول بعض آياتها . قال السيوطى فى كتابه« الإتقان) - عند حديثه عن معرفة الحضرى والسفرى - : وللسفرى أمثلة منها: قوله - تعالى -، اليوم أكملت لكم دينكم) ففى الصحيح عن عمر بن الخطاب : أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة، عام حجة الوداع . ومنها : آية التيمم . ففى الصحيح عن عائشة، أنها نزلت بالبيدا. وهم داخلون المدينة - بعد إتهاتهم من غزوة المريسيع كما جاء فى بعض الروايات -. ومنها: قوله - تعالى - , يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ... ، فقد نزلت ببطن نخل . ومنها: قوله تعالى.، والله يعصمك من الناس ، فقد نزلت فى غزوة ذات الرفاع . وهذه الآيات جميعها من سورة المائدة)) (٢) . والذى تطمئن إليه النفس عند تلاوة سوالة المائدة بتدبير وإمعان فكر، وعند مراجعة الروايات التى وردت فى سبب نزول بعض آياتها، يرى أن هذه السورة الكريمة لم تنزل دفعة واحدة، وإنما نزلت متفرقة، وفى أوقات مختلفة وما يشهد لذلك ما جاء فى كتب الحديث وفى كتب السيرة من المقداد بن الأسود قد قال للنبى صلى الله عليه وسلم - قبيل التحام المسلمين مع المشركين فى غزوة بدر: يارسول الله إمض لما أمرك الله. فواقه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى . اذهب أنت وربك فقاتلا إناما هنا قاعدون. (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص: ٠٣ (٢) الإتقان فى علوم القرآن ج ١ ص ١٨ طبعة مصطفى الحلبى سنة ٠٥١ - ١٠ - فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال : شهدت من المقداد ابن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلى ما عدل به. أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين - فى بدر - فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: إذهب أنت وربك فقاتلا ... ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك .. ، (١). فهذا النص يفيد أن الصحابة كانوا على علم قبل غزوة بدر بهذه الآيات التى وردت فى سورة المائدة ((والتى تحكى موقف بنى إسرائيل من نبيهم موسى عندما دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة (٢). كذلك مما يشهد بأن سورة المائدة قد نزلت منجمه ولم تنزل دفعة واحدة، ما نقلناه منذ قليل عن السيوطى من أن بعض آياتها قد نزلت فى أزمنة وأمكنة مختلفة . وأيضا ما يشهد لذلك، أن المتأمل فى بعض آياتها يراها تحكى لنا ألوانا من تعبت اليهود مع النبى - صلى الله عليه وسلم -، ومن تحاكمهم إليه لا من. أجل الوصول إلى الحق وإنما من أجل إظهاره بمظهر الجاهل بأحكام التوراة". قال - تعالى - ((ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون. إن أوتيتم هذا فخذوه. وإن لم تؤتوه فاحذروا ... ، وفعلهم هذا يدل على أنهم كانت لهم قوة ونفوذ فى المدينة عند نزول هذه الآيات . ومن المعروف تاريخيا أن نفوذ اليهود بالمدينة قد تلاشى بعد غزوة بنى قريظة فى السنة الخامسة من الهجرة. وأن قوتهم قد زالت بعد فتح خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة . (١) صحيح البخارى ج ٥ ص ٩٢ طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٤٥هـ - ١١ - ومن كل هذا نستخلص أن بعض آيات هذه السورة يغلب على ظننا أنها نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى السنوات التى سبقت صلح الحديبية وأن الروايات التى نقلناها قبل ذلك عن بعض المفسرين ، والتى يستفاد منها أن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، أو أنها نزلت عند منصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحديدية، أو فتح مكة. أو فى حجة الوداع، أو عند رجوعه منها ... كل هذه الروايات فيها مقال، - لأنها بجانب - تفرد بعض المحدثين بها فإنهاتخالف ماجاء فى كتب السنة الصحيحة من أن بعض آياتها قد نزل فى حجة الوداع، وبعضها قد نزل بعد غزوة المريسيع ، وبعضها كان معروفا للصحابة قبل إشتراكهم فى غزوة بدر . ولأن بعض آيات هذه السورة تحكى لنا أحدانا ومجالات قد حصلت بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين اليهود، وهذه الأحداث وتلك المجادلات من المستبعد أن تكون قد حدثت بعد غزوة بنى قريظة فى السنة الخامسة من الهجرة، لأنه - كما سبق أن أشرنا - لم يبق لليهود نفوذ فى المدينة بعد غزوة بنى قريظة، حتى يستطيعوا أن يواجهوا النبى - صلى الله عليه وسلم - بما واجهوه من مجادلات ومن تحاكم اليه بقصد إحراجه - كما سنفصل ذلك عند تفسيرفا للآيات المتعلقة بهذا الموضوع. ومع كل هذا فنحن ترجح أن جانبا كبيرا من آيات سورة المائدة قد نزل متأخرا عن صلح الحديبية ، بل عن فتح مكة ، لأن بعض آبانها تقرر أن المشركين قد صاروا فى يأس من التغلب على المسلمين بعدأن فتح المسلمون مكة بعد أن أتم الله لهم دينهم ... قال - تعالى ((اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... ولأن هناك آثارا تشهد بأن سورة المائدة - فى مجموعها ۔ من آخر مانزل على النبى صلى الله عليه وسلم من قرآن . - ١٢ - قال القرطبى: وروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ سورة المائدة فى حجة الوداع وقال: (( يأيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها». ونحوه عن عائشة - رضى الله عنها موقوفا. قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ فقلت: نعم . فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله. فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من جرام خرموه، (١) . والخلاصة، أن الذى يغلب على ظننا أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة فى وقت معين أو فى زمان معين ، وإنما نزل بعضها فى السنوات التى سبقت صلح الحديبية , ونزل معظمها بعد هذا الوقت، للأسباب التى سبق أن بيناها، وأن الروايات التى تقول بنزولها دفعة واحدة أو فى وقت معين وزمان معين من الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها ٧ - هذا وعندما نستعرض سورة المائدة إستعراضا إجماليا قراها فى مطلعها تأمر المؤمنين بالوفاء بالعهود ، وبالتزام التكاليف التى كلفهم الله بها ، ثم أردفت ذلك ببيان الحلال من الذبائح والحرام منها ، ثم ببيان حكم طعام أهل الكتاب، وحكم الزواج بالكتابيات ... وبعد أن تكلمت عن المباحات التى يحتاج إليها الجسد أقبعت ذلك بالحديث عن الصلاة هى غذاء الروح ، فأمرت المؤمنين بأن يدخلوها متطهرين، ووضحت لهم أنه - سبحانه - لا يريد من وراء ما بشرعه لهم الضيق أو الحرج وإنما يريد لهم الخير والطهر وإتمام النعمة: «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)). ثم أمرت المؤمنين بالتزام العدل مَع الأصدقا. ومع الأعداء ، ووعدت (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٣١. - ١٣ - المطيعين لله - تعالى - بالمغفرة والأجر العظيم، وتوعدت الكافرين بآيات الله بعذاب الجحيم، ثم ذكرت المؤمنين بجانب من مظاهر فضل الله عليهم ورحمته بهم، حيث كف أيدى المعتدين عنهم ، وحماهم من مكرم .. قال - تعالى - (( يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم، واتقوا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ( الآيات من ١- ١١). - ثم نراها فى الربع الثاني(١) منها نحكى لنا جانبا من رذائل أهل الكتاب. فتبين كيف أن اقه - تعالى - أخذ عليهم العهد والميثاق بأن يؤمنوا به ويطيعوه ولكنهم نقضوا عرودهم، فكانت نهيجة ذلك أن لعنهم الله، وأن أدام بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة .. ثم وجهت نداء إلى أهل الكتاب أرشدتهم فيه إلى طريق الحق، وأمرتهم باتباعه .. ووبخت الذين قالوا (( إن الله هو المسيح ابن مريم)). وحكت جانبا من الدعاوى الباطلة التى ادعاها اليهود والنصارى، حيث قالوا: ((نحن أبناء اله وأحباؤه .. )). ثم وجهت نداء ثانيا إلى أهل الكتاب أمرتهم فيه باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنهم بسبب عدم إتباعه سيكون مصيرهم إلى النار، ولن يقبل اقه" منهم عذرا بعد أن أرسل إليهم - سبحانه - من يبشرهم وينذرم. ! قال - تعالى -: ((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ونذير ، والله على كل شىء قدير ،. ثم حكت السورة الكريمة قصة من قصص موسى - عليه السلام - مع بنى إسرائيل : (١) الآيات من ١٢ - ٢٦ - ١٤ - فقد ساقت بأسلوبها البليغ إغراء. لهم بدخول الأرض المقدسة، ولكنهم جبنوا واتخذوا عصيانه سبيلهم ... فكانت نتيجة ذلك أن عاقبهم الله - تعالى - بالتيه .. قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيرون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين » . - ثم نراها بعد ذلك فى الربع الثالث (١) تحكى لناقصة ابن آدم بأسلوب مؤثر: تحكى لنا قصة أول جريمة وقعت على ظهر الأرض بسبب الحسد. وتحكى لنا تلك المحاورات التى دارت بين الأخوين: القائل والقتيل. وكيف أن القاتل قد تحير فى مواراة جثة أخيه، إلى أن تعلم كيفية مو اراتها من غراب أخذ يبحث فى الأرض ليوارى جئة غراب مثله . وإذا كان الحسد حتى فى العبادات يؤدى إلى القتل وسفك الدماء ، فقدشرع الله القصص لحماية الأنفس والأموال والأعراض، فقد ذكر - سبحانه - بعد ذلك (( جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا). وجزاء السارق والسارقة. وجزاء الذين كفروا بالحق بعد أن جاءهم من عند أقه ... وخلال ذلك أمر - سبحانه - عباده المؤمنين بتقوى الله، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح، وبمداومة الجهاد فى سبيل الله، حتى يثالوا الفلاح فى الدنيا والآخرة . - وبعد هذه التشريعات الحكيمة ، نراها فى الربع الرابع (٢) تحكى لنا بعض الوسائل الخبيثة التى اتبعها اليهود فى محاربتهم للدعوة الإسلامية فذكرت بعض أقوالهم التى كانوا يقولونها عندما يأتون إلى النبى - صلى الله عليه وسلم . ليتحاكموا إليه فى منازعاتهم «يقولون إن أوتينم هذاخذوه وإن لم تؤ توه فاحذروا، ووصفتهم بأنهم ((سماءون للكذب أكالون للسحت)). (١) الآيات من ٢٧-٤٠ ٠ (٢) الآيات من ٤١ - ٥٠ - ١٥ - وأرشدت الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى طريقة التعامل معهم (( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)). ثم بعد أن مدحت التوراة، ووصفت الذين لميحكموا بما أنزل الله بالكفر». والنالم ... بعد كل ذلك نوهت بشأن عيسى - عليه السلام - وبشأن الإنجيل، وأمرت أهله بأن يحكموا بما أنزل اله فیه . قال : تعالی ۔ , ولیحکم اهل الإنجيل بما أنزل اقه فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)). ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فوصفته بأنه هو الكتاب المصدر لما بين يديه من المكتب ، وهو المهيمن عليها ، وهو الذى إليه المرجع فى الأحكام ، وأن الذين يبغون التحاكم إلى غيره خالون ظالمون . قال - تعالى - ((الحكم الجاهليه يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنن » . - ثم وجهت السورة الكريمة فى مطلع الربع الخامس(١) منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يجعلوا ولا يتهم لله ولرسوله ولإخوانهم فى العقيدة، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم فى الدين، ووصفت الذين يتولون من غضب الله عليهم بالنفاق ومرض القلب، وبشرت المطيعين لله بالنصر والظفر قال - تعالى: ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوافإن حزب الله هم الغالبون)). ثم أمرت السورة الكريمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ أهل الكتاب بسبب كراهيتهم لأهل الحق، وأن يخبرهم بأن المستحقين للكراهية هم أولئك الذين لعنهم الله وغضب عليهم، لكفرهم، ومسارعتهم فى الاثم والعدوان .. (١) الآيات من ٥٠ - ٦٦ - ١٦ - ولافترائهم على الله - تعالى - الكذب، حيث وصفوه - سبحانه - بالبخل والشح . قال - تعالى -: (( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوابما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفراً. وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، ويسعون فى الأرض فساداً، والله ١ لا يحب المفسدين)). ٠ وبعد أن بينت السورة الكريمة لأهل الكتاب أنهم لو آمنوا بالحق الذى جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - لكفر الله عنهم سيئاتهم ((ولأدخلهم جنات النعيم ، ولرزقهم من فضله الرزق الجزيل ... بعد أن بينت كل ذلك، وجهت فى مطلع الربع السادس (١) منها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرته فيه بتبليغ ما أمره الله بتبليغه بدون خشبة أو تردد ، ووعدته بعصمة الله - تعالى - له من الناس كما أمرته بمصارحة أهل الكتاب بما هم فيه باطل وضلال ... ثم ساقت جملة من الرذائل التى انغمس فيها أهل الكتاب، فكت فقضهم للعهود والمواثيق، وتكذيبهم للرسل تارة وقتلهم إياهم تارة أخرى، كما حكت قولهم الباطل: ((إن الله هو المسيح ابن مريم)). وقولهم: ((إن الله ثالث ثلاثة ... وبقد حددتهم بالعذاب الأليم إذا ما تمادوا فى ضلالهم وطغيانهم، وحثتهم على التوبة والاستغفار، وأقامت لهم الأدلة على بطلان عقائدهم ، وبينت لهم القول الحق فى شأن عيسى وأمه مريم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم .. قال - تعالى -: « ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام .... » . (١) الآيات من ٦٧ - ٨١ ١ - ١٧ - ثم كشفت السورة عن الأسباب التى أدت إلى طرد الكافرين من بنى أسرائيل من رحمة الله، فذكرت أنهم قد استحقوا ذلك بسبب عصيانهم، واعتدائهم، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه، وولايتهم لأهل الكفر وعداوتهم لأهل الإيمان ... قال - تعالى -، ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفى العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوم أولياء، ولكن كثيراً منهم فاسقون)). ثم وضحت السورة الكريمة فى مطلع الربع السابع(١) منها مراتب أعداء المؤمنين ، فصرحت بأن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والذين أشركوا. وأن أقربهم مودة إلى المؤمنين أولئك الذين قالوا إنا نصارى , ذلك بأن منهم ..... قسیین ورهباناً وأنهم لا يستكبرون. ثم وجهت نداء إلى المؤمنين تهتهم فيه عن تحريم الطيبات التى أحلها اقهلهم وأرشدتهم إلى ما يجب عليهم فعله إذا ماحنثوا فى أيمانهم. وأمرتهم بحفظ هذه الأيمان ، وعدم اللجوء إليها إلا عند وجود المقتضى لها . مھے ثم أخبرتهم بأنه إذا كان الله - تعالى- قد أحل لهم الطيبات، فإنه فى الوقت نفسه قد حرم عليهم الخبائث، وعلى رأس هذه الخبائث: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، فعليهم أن يجتذبوا هذه الأرجاس لينالوا رضا الله فى عاجلتهم وآجلتهم ... ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من مظاهر نعم الله على عباده ورحمته بهم حيث أباح لهم أن يتمتعوا بما أحله الله لحم مع مراقبته وخشيته فى كل ما يأتون ومأيذرون، ومع التزامهم بتعالم شريعة الله فى الحل وفى الحرم. (١) الآيات من ٨٢ - ٩٦ ( ٢ - سورة المائدة ) - ١٨ - وبعد هذا الحديث المستفيض عما أحله الله وعما حرمه ، أخذت السورة فى مطلع الربع الثامن(١) منها فى التنويه بشأن الكعبة وبشأن البيت الحرام، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... ثم نهت المؤمنين عن الأسئلة التى لامنفعة من ورائها , فإن هذا يتنافى مع ما يقتضيه إيمانهم من أدب فى القول، ومن تطلع إلى ما ينفع وفيد قال - تعالى-، يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها جين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها، والله غفور حلم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)). ثم حكت السورة أنواعا من الأوهام التى تعلق بها أهل الجاهلية ، حيث حرموا على أنفسهم بعض المطاعم التى أحلها الله، مستندين فى تحريمهم لما حرموه إلى عادات جاهلية اعتنقوها، وهذه العادات أبعد ما تكون عن شرع اقه ، وعما تقتضيه العقول السليمة .... وفى وسط هذا الحديث عما أحله الله وحرمه، ساقت السورة توجيها حكيما للؤمنين ، حيث بينت لهم أن الداعى إلى الله متى قام بواجبه نحو ربه ، ونحو نفسه، ونحو غيره ، فإنه لا یکون بعد ذلك مسئولا عن ضلال من مضل . قال - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون)). وبعد أن بينت بعض الأحكام التى تتعلق بالوصية ووسائل إثباتها، فوهت السورة الكريمة فى الربع الأخير منها (٢) بشأن عيسى- عليه السلام -: وحكت بعض المعجزات التى أيده الله بها فى رسالته، وقصت ماطلبه الحواريون منه حيث قالوا له - كما حكى القرآن عنهم -: (١) الآيات من ٩٧ - ١٠٨ (٢) الآيات من ١٠٩ إلى نهاية السورة . - ١٩ - «هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ... ، وساقت مادار بينهم وبين عيسى - عليه السلام - من محاورات فى هذه المسألة. ٩ ثم ختمت السورة حديثها عن عيسى بتلك الآيات التی تحکی براءته من کل ما افتراه المفترون عليه، وأنه - عليه السلام - لم يأمر قومه إلا بعبادة الله وحده، وأنه لم يكن إلا رسولا من رسل الله الذين أخلصوا له - سبحانه - العبادة والطاعة - استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى هذا المعنى بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول : وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوفى وأمى إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك. ما يكون لى أن أقول ماليس لى بحق. إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك، إنك أنت علام الغيوب. ماقلت لهم إلا ما أمر تنی به، أن اعبدوا الته ربی وربكم، وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم ، فلما توفيقنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم». . ٨ - هذا عرض مجمل للتشريعات والقصص والآداب والتوجيهات التى اشتملت عليها سورة المائدة . ومن هذا العرض نستطيع أن نستخلص بعض الحقائق البارزة فى هذه السورة بصورة أظهر منها فى غيرها . ومن تلك الحقائق ما يأتى : . ١ - أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية المتنوعة، فأنت تقرؤها بتدبر وخشوع فتراها قد بينت أحكاما شرعية منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح ومن الصيد ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام فى فترة الإحرام وفى المسجد الحرام . ومنها مايتعلق بالحلال والحرام من النكاح، ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة والتيمم ، ومنها ما يتعلق بوجوب التزام العدل فى القضاء وفى الشهادة وفى غيرهما . ومنها ما يتعلق بالحدود فى السرقة وفى قطع الطريق والإفساد فى الأرض. ومنها ما يتعلق بأهل الكتاب إذا ماتحاكموا ١ - ٢٠ - إلينا. ومنها ما يتعلق بكفارات الإيمان وكفارات قتل الصيد فى حالة الإحراء ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام. ومنها ما يتعلق بالبحير والسائبة والوصيلة والحامى من الأنعام . ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت. إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التى أفاضت فى الحديث عنها هذه السورة الكريمة قال القرطبى: قال أبو ميسرة: المائدة من آخر مانزل ليس في . منسوخ. وفيها ثمان عشرة فريضة ليست فى غيرها، وهى: «المنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، ((وماذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام)), وما علمتم من الجوارح مكلبين، ((وطعام الذي أقوا الكتاب، (( والمحصنات من الذين أوقوا الكتاب من قبلكم،، وتم الطهور: (( إذ قتم إلى الصلاة، أى: إتمام مالم يذكر فى سورة النساء . , والسارق والسارة»، « ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) إلى قوله: «عز ذو انتقام)). ((وما جعل الله من بحيرة، لاسائبة ولا وصيلة ولا حام)). وقو - تعالى - ,شهاده بينكم إذا حضر أحدكم الموت .. ، الآية. ثم قال القرطبى: قلت: وفريضة تاسعة عشرة وهى قوله - تعالى - ((وإذا ناديتم إلى الصلاة)) إذ ليس للأذان ذكر فى القرآن إلا فى هذه السور أما ماجاء فى سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة. وهو فى هذه السورة عام الحي الصلوات .. ، (١). ٢ - أن الذى يقرأسورة المائدة يراها قد وجهت جملة من النداءات! المؤمنين وقد تجاوزت هذه النداءات فى كثرتها ، تلك النداءات التى وردت أطول سورة فى القرآن وهى سورة البقرة. فقد وجهت سورة المائدة إلى المؤمنين ستة عشر نداء . وقد تضمن كـ نداء تشريعا من التشريعات، أو أمرا من الأوامر: أو نهيا من النواهى ، (١) تفسير القرطى ج ٦ ص ٣٠