Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
" أى ( أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة فوايام السيئة، وتركوا
حكم الله إلى حكم الطاغوت ... . أولئك يعلم الله ما فى قلوبهم، من النفاق
والميل إلى الكفر، وإن أظهروا إسلامهم.
وقوله ((فأعرَّض عنهم ... الخ)) بيان لطرق معالجتهم.
أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل
عليهم ، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم .
وقوله ((وعظهم)): الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب
يرقق القلوب ، ويشتمل على الترغيب والترهيب .
أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم ، وبما فى تركها من
خير جزيل يعود عليهم فى دنياه وآخرتهم ، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير
شريعة الله سيكون فيه هلاكهم .
وقوله (( وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا، أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ
أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره . بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به
بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك .
وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول
الذى يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم: يودع مباشرة فى الأنفس،
ويستقر رأسا فى القلوب .
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت : بم تعلق قوله:
((فى أنفسهم، قلت: بقوله (( بليغا)، أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا
فى قلوبهم يفتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو
التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، واطلع قرنه، واحبرهم
ان ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم

- ٢٦٢ -
وبين المشركين . وما هذه المكلفة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر
وإضماره . فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف،
أو يتعلق بقوله (( قل لهم). أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم
المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا
يغنى عنكم إبطاله .
فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا
أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ
أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم: ليس معهم غيرهم. قولا بليغاً يبلغ منهم،
ويؤثر فيهم(١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى - صلى الله عليه وسلم -
إلى استعمال ثلاث طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق
هى الإعراض عنهم، ووعظهم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر ،
ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا ، ويجعلهم
يقبلون عليه .
وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله، وأنجع الأساليب فى جلب
الناس إلى ما يأخذ بيده إلى الخير والفلاح .
ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاءوا لا ليخالفوا،
وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فمله لتكفير مخالفتهم فقال - تعالى - :
وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذا ظلوا
أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا اله تراباً
رحيما،.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ - ٥١٧

- ٢٦٣ -
و( من)) فى قوله ((من رسول)) زائدة للتأكيد والتعميم، واللام فى قوله
(إيطاع، للتعليل، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.
أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشىء من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر
ونهى وحكم، لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم.
وإنكار فرضيتها كفر .
لأن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية لله. قال - تعالى - :
(من يطع الرسول فقد أطاع الله).
وقوله (( بإذن الله)) أى: بسبب إذفه - سبحانه - فى طاعة رسوله .
لأنه هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله .
ويجوز أن يراد بقوله (( بإذن الله)) أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه
الطاعه من يشاء توفيقه إليها من عباده .
وقوله (( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ... الخ)) بيان لما كان يجب
عليهم أن يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ .
اى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم
عن تعاليم الإسلام، لو أنهم بسبب ذلك وغيره ((جاءوك، تائبين توبة صادقة
من هذا النفاق؛ ((فاستغفروا الله، مما اجترحوه من ذنوب وسيئات ((واستغفر
لهم الرسول)).
أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم . لو أنهم
فعلوا ذلك ((لوجدوا اللّه قوابا، أى كثير القبول للتوبة من التائبين ((رحيما))
أى كثير التفضل على عباده بالرحمة والمغفرة .
قال الفخر الرازى : لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا

- ٢٦٤ -٠
على وجه صحيح ، كانت توبتهم مقبولة ؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول
إلى استغفارم ؟
قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول - أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت
كان مخالفة لحكم الله.
وكان أيضا إساءة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن كان ذقبه
كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذقب لغيره . فلهذا المعنى وجب عليهم
أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.
الثانى - أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد.
فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن
يذهبوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويطلبوا منه الاستغفار.
الثالث : لعلهم إذا أقوا بالتوبة أقوا بها على وجه الخلل ، فاذا انضم إليها
استغفار الرسول صارت مستحقه للقبول .
ثم قال: وإنما قال - سبحانه - ((واستغفر لهم الرسول. ولم يقل
واستغفرت لهم: إجلالا للرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأنهم إذا جاءوا
من خصه الله برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ،
ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ
الخطاب إلى لفظ المغايبة)»(١).
فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين ، وسمت مكانة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ربه سموا عظيما ....
ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وقوله: ) ولو أنهم
إذ ظلموا أنفسهم جاءوك .. ، الآية. يرشد -- تعالى - العصاة والمذنبين
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ٠١٦٢

- ٢٦٥ -
إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم-
فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب
الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال: ((لوجدوا الله توابا رحيما) ...
وقد جاء عن الإمام العتى أنه قال: كنت جالسا عند قبر النى - صلى آنته
عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يارسول الله !! سمعت الله يقول:
(( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ... ، الآية: وقدجنتك مستغفرا لذفى،
مستشفعا بك عند ربى. ثم أنشأ يقول :
فطاب من طيهن القاع والأكم.
ياخير من دفنت بالقاع أعظمه
فيه العفاف وفيه الجودوالكرم.
نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه
قال العتبى: ثم انصرف الأعرابى، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
فى النوم فقال ((ياعتى ألحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له) (١).
ثم بين - سبحانه - أن كل من يدعى الإيمان لا يكون إيمانه صادقا
إلا إذا تقبل حكم رسول - صلى الله عليه وسلم - عن إذعان واقتناع فقال:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا فى أنفسهم
حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) ..
والفاء فى قوله « فلا، للإفصاح عن شرط مقدر.
و((لا، يرى الزمخشرى أنها زائدة لتقوية الكلام وتأكيد معنى القسم،
فهی کقوله - تعالى -: ((فوربك لنسالنهم أجمعين. عما كانوا يعملون)».
ويرى ابن جرير أنها لبست زائدة ، وإنما هى رد على ما تقدم ذكره
من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم شريعة الإسلام فقد قال :
((يعنى - جل ثناؤه - بقوله فلا: أى فليس الأمر كمايز عمون أنهم يؤمنون بما أنزل
إليك , وهم يتحاكمون الى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا اليك يا محمد.
(١) تفسير ابن كثير ج١ ص ٠٥١٩

- ٢٦٦ -
ثم استأنف القسم - جل ذكره - فقال؛ وربك يا محمد لا يؤمنون أى: لا يصدقون
بى وبك حتى يحكموك فيما شجر بينهم .... ) (١).
وقوله (( فيما شجر بينهم، أى فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس.
يقل: شجر بينهم الأمر يشجر شجرا وشجورا إذا تنازعوا فيه . وأصله
التداخل والاختلاط. ومنه شجر الكلام، إذا دخل بعضه فى بعض واختلط .
ومنه الشجر : لتداخل أغصانه .
وقيل للمنازعة تشاجر ، لأن المتنازعين تختلف أقوالهم، وتتعارض
دعاويهم ، ويختلط بعضهم ببعض .
وقوله ((حرجا، أى ضيقا وشكا . وأصل الحرج مجتمع الشىء، ويقال
الشجر الملتف الذى لا يكاد يوصل إليه حرج . ثم أطلق على ضيق الصدر
لكراهته لشىء معين .
· والمعنى: إذا ثبت ما أخبر ناك به يامحمد قبل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين وحق
ربك ((لا يؤمنون، إيمانا حقا يقبله ا"ه - تعالى -،حتى يحكموك فيما شجر بينهم،
أى: حتى يجعلوك حا كما بينهم، ويلجأوا إليك فيما اختلفوا فيه من أمور ،
والتبس عليهم منها ٠ (( ثم لا يجدوا فى أنفسهم، بعد ذلك ((حرجا مما قضيت))
أى ضيقا وشكا فى قضائك بينهم ( ويسلموا تسليما) أى: ويخضعوا لحكمك
خضوعاً تاما لا إباء معه ولا ارتياب .
وفى إضافة الاسم الجلیل إلی النبى - صلى الله عليه وسلم- فى قو له - سبحانه۔
(وربك) وتكريم للنبى - صلى الله عليه وسلم وتشريف له، وتنويه بمكانته.
وقوله (لا يؤمنون) هو جواب القسم.
وقوله ( ثم لا يجدوا) معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام . أى:
حتى يحكموك فيما شجر بينهم فتحكم بيهم ثم لا يجدوا ...
(١) تفسير ابن جرير جه ص ٠١٥٨

- ٢٦٧ -
وقوله (( تسليمها، تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أى تسليما قاما بظاهرهم.
وباطنهم من غير ممانعة ولامدافعة ولامنازعة فقد روى الحافظ أبو نعيم والطبرانى
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال:
(( والذى نفسى بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).
هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها مارواه
البخارى عن الزهري عن عروةقال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار فى شراج
الحرة - أى فى مسيل مياه - .
فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: اسق بازبير ثم أرسل الماء إلى جارك.
فقال الأنصارى: يارسول الله !! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه النبى
- صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اسق يازبير. ثم أحبس الماء حتى يرجع
إلى الجدر - والجدر هو ما يدار بالنخل من تراب كالجدار .. ثم أرسل الماء
إلى جارك ....
قال الزبير : فما أحسب هذه الآبة إلانزلت فىذلك , فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... )) (١).
وهذا السبب الخاص فى نزول الآية الكريمة لا يمنع عمومها فى وجوب.
التحاكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حياته، وإلى الشريعة التى أتىبها
بعد وفاته، إذا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يرى جمهور العلماء.
ويبدو أن ماذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وما جاء فى البخارى من تخاصم الزبير مع الرجل
الأنصارى ... يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت فى زمن متقارب قنوات
الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى سريعه الله دون سواها .
والمتأمل فى الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما
إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث :
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٢٠

٢٦٨ -
أولها : أن يتحاكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حياته،
وإلى شريعته بعد وفاته .
وقا يها : أن يتقبل حكم الشريعة الإسلامية التى جاء بها النبى - صلى الله
عليه وسلم - برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقافا قاما بأن ما يقضى به
هو الحق والعدل. قال - تعالى -: ( ثم لا يجدوافي أنفسهم حرجا مما قضيت))
وثالثها : أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما فى مظهره وحسه .
قال - تعالى - ((ويسلموا تسليما،. أى يخضعوا خضوعا قاما.
فقوله - تعالى - ((ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مماقضيت)) يمثل الإنقياد
الباطنى والنفسى .
وقوله - تعالى ـ ((ويسلمرا تسليما)، يمثل الإنقياد الظاهرى والحسى.
وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة
الله بأسلوب يبعث فى النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإذعان لأحكام
الله - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم.
فقال - تعالى - : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا
من دياركم ، مافعلوه إلا قليل منهم ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ، لمكان
خيرالهم وأشد تثبيتاً ).
والمراد بقوله ( كتبنا): فرضنا وأوجبنا.
والمراد ( بقتل النفس ) تعريضها للهلاك من غير أمل فى النجاة، وقيل:
المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد .
والمراد بالخروج من الديار: الهجرة فى سبيل الله، والخروج من الأوطان
إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله .
قال الفخر الرازى : الضمير فى قوله (ولو أنا كتبنا عليهم) فيه قولان:
الأول : -- وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين ،

- ٢٦٩ -
وذلك لأفه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب
على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم. فقال - تعالى -: ولو أنا كتبنا.
الفعل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم ريا. وسمعة،
وحينئذ يصعب الأمر عليهم، وينكشف كفرهم، فإذا لم تفعل ذلك بل كافناهم
بالأشياء السهلة، فليتركوا النفاق، وليقبلوا الإيمان على سبيل الإخلاص.
وذا القول أختيار أبى بكر الأصم والففال .
الثانى: أن المراد لو كتب الله على الناس ماذكر لم يفعله إلا قليل منهم،
فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده، بل إكتفى بتكليفهم بالأمور
السهلة ، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين .
وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق . وأما الضمير
فى قوله (( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن
يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. وعلى هذا التقدير يجب أن يكون
المراد بالقليل المؤمنين .... )) (١
وعلى كلا التقديرين: فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى -
لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا
بالتكاليف الشاقة ، لما إستطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين
لم يجىء لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا.
والمراد : إننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم
لأننا لو فعلنا ذلك لما إستطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذى كتبناه عليهم
هو طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن
والاستجابه لتوجيهاته فى السر والعلن.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ١٦٧ - بتصرف يسير.

فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه
الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى -
والضمير فى قوله ((مافعلوه)) المكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج
من الديار. لدلالة قوله (( كتبنا، عليه.
وقوله (( قليل)) مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله (( فعلوه)) والتقدير:
ما فعله أحد إلا قليل منهم . وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء. والأول
أولى، لأنه إستثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع .
قال ابن كثير:لما نزلت ،ولو أنا كتبنا عليهم ... الآية. قال رجل: لو
أمرنا لفعلنا، وأحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال:
إن من أمتى رجالا ، الإيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى ،
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآيه لما نزلت قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: لو نزلت فكان ابن أم عبد منهم، - أى: لو فرض
ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه.
وعن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك،
لكان هذا من أولئك القليل ، (١)
وقوله: ((ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ،
بيان للنتائج الطيبة التى تترقب غلى إمتثالهم لأمر الله .
أى: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ،فعلوا مايوعظون به))
أبى: ما أمر ناهم به من إتباع لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - وإنقياد لحكمه،
لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى ... لو ثبت أنهم فعلوا ذلك
لسكان ما فعلوه ((خيرا لهم) فى دنياهم وآخرتهم. وامكان)، أشد تثبيتا لهم
على الحق والصواب ) وأمنع لهم من الضلال .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٢

- ; ٢٧ -
ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال: ((وإذا لآتيناهم من
لدنا أجراعظيما. ولهديناهم صراطاً مستقيما)).
أى: وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف
مقداره إلا الله - تعالى - ((ولتقبلناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم
وهو طريق الإسلام الذى باتباعه يسعدون فى دفاهم وآخرهم.
قال صاحب الكشاف: وقوله (( وإذا، جواب السؤال مقدر، كأنه قيل:
وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا (( لآتيناهم، لأن
إذا جواب وجزاء (١)
وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها: أنه ذكر - سبحانه -
نفسه بصيغة العظمة ((لآتيناهم من لدنا ... ولهديناهم .. ، والمعطى الكريم
إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطيه ، دل ذلك على
عظمة تلك العطية :
ومنها : أن قوله (( من لدنا، يدل على التخصيص أى: لآتيناهم من عندنا
وحدنا لا من عند غيرنا. وهذا التخصيص يدل على المبالغة والقشريف،
لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمركما فى قوله - تعالى - «وعلمتناه
من لدنا علما » .
ومنها : أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به
منكرا، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود، وأنه قد
بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمة وفى كيفه. ,وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)).
هدا، وبذلك نرى أن الآيات المكريمة - من قوله - تعالى -. ((ألم تر إلى
الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ... إلى هنا - قد
(١) تفسير الكشاف < ١ ص ٥٣٠

نت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان ، وحالت معاذيرهم الكاذبة ،
صورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا، وكشفت عن أحوالهم ورذائلهم
سلوب يدعو العقلاء إلى إحتقارهم وهجرهم، وأرشدت إلى أنجع لوسائل
لاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يقربوا إلى رشدهم، ويطهروا نفوسهم
ن السوء والفحشاء، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل
١ - سبحانه على الأمة الإسلامية، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله
لثواب الجزيل ، وتوعدت الذين يتر كون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب
؟ ليم، ووصفتهم بعدم الإيمان ...
وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال
ـ، يتحاكم إلى غير شريعة الله، وسماقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف.
سالح بهادى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى
.ا الطاغوت کالكفر . وعدم الرمنا بحكم محمد .. صلى الله عليه وسلم- كفر
بدل عليه وجوه :
الأول - أنه - تعالى - قال. « يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد
روا أن يكفروا به،. فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به.
لاشك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله . كما ان الكفر بالطاغوت
مان بالله .
الثانى- قوله تعالى ..: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
نهم ... إلى قوله: ويسلموا تسليما). وهذا نص فى تكفير من لم يرض بحكم
. سول .. صلى الله عليه وسلم -.
الثالث - قوله .. تعالى .. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة
- يصيبهم عذاب أليم) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة.

- ٢٧٣ -
وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر
رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فهو خارج عن الإسلام. سواء رده من جهة
الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ماذهبت الصحابة إليه من الحكم
بارتداد مانعى الزكاة وقتلهم وسى ذراريهم، (١) .
وقال الشيخ جمال الدين القاسمى: قال ولى الله التبريزى: روى الإمام مسلم
- بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول - صلى الله
عليه وسلم -: لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم: فقال بلال:
والله لمنعهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وتقول أنت : لتمتعهن ؟
وفى رواية سالم عن أبيه قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه
مثله قط . وقال : أخبرك عن رسول الله، وتقول: واله لتمتعين)).
وفى رواية للإمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات .
فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكة بسنة رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ند غضب لله ورسوله، وهجر فلذة كبده، لتلك الزلة.
وقال الإمام الشافعى : أخبرنا أبو حنيفة بن ساك بن الفضل الشهابى قال :
حدثنى ابن أبي ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى - صلى الله
عليه وسلم - قال عام الفتح : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب
أخذ العقل وإن أحب فله القود. قال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب :
أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا وقال
منى وقال : أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول أنأخذ
به؟ نعم. آخذ به. وذلك "تفرض على وعلى من سمعه. إن الله - تعالى -
قد اختار محمدا - صلى الله عليه وسلم - من الناس فهداهم به وعلى يديه.
واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يقبعود لا يخرج المسلم
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠١٥٥
(١٨ - سورة النساء )

وماسكت حتى تمنيت أن يسكت .
وقال الإمام ابن القيم : والذى ندين الله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث
إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر
ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا
نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لاراويه ولا غيره . إذ من الممكن
أن ينسى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أرلا يتفطن لدلالته على ذلك
المسألة. أو يتأول فيه تأوإلا مرجوحا. أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون
معارضا فى نفس الأمر . أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه،
وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ...
فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته - صلى الله عليه وسلم - وجعل
شقاوة الدارين فى مخالفته ،(١) .
وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أشد التمسك، ويهجرون كل من خالفها، ولم يقيد نفسه بها.
٥ ٠ ٠
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثواب العظيم الذى أعده للطائعين من
عباده فقال :
((وَمَنْ يُطِعْ الهَ والرَّسُولَ فَأُولئِكَ معَ الذِينَ أَنْتَمَ اللهُ عليهم
مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ والشهداء والصَّالحينَ، وَحَسُنَ أُولئكَ
· رَفيقَاً (٦٩) ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ، وَكَفَى بِاللهِ علياً (٧٠) )).
روى المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه
ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله
(١) تفسير القامى ٠ ٥ من - ١٣٦١ إلى ٥ ١٣٨٢ وراجعه ففية نقول كثيرة جيدة فى
هذا العنف ،

- ٢٧٥ -
-صلى الله عليه وسلم - وهو محزون. فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -:
إفلان مالى أراك محزونا؟ فقال الرجل: يا فى الله شىء فكرت فيه. فقال ماهو؟
قال: نحن نفو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالك . وغدا ترفع مع
النبيين فلا تصل إليك. فلم يرد النبى - صلى الله عليه وسلم - شيئا. فأتاه جبريل
بهذه الآية. ((ومن يطع الله والرسول ... إلخ)).
قال: فبعث إليه النبى - صلى الله عليه وسلم - فبشره))(١).
. والمعنى: ((ومن يطع الله، بالافقياد لأمره ونهيه، ويطع ((الرسول)) فى
كل ما جاء به من ربه «فأولئك، المطيعون ((مع الذين أنعم الله عليهم، بالنعم
التى تقصر العبارات عن تفصيلها وبيانها .
وقوله: (( من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، بيان للمنعم عليهم
الذين سيكون المطيع فى صحبتهم ورفقتهم.
أى: فأولئك المتصفون إتمام الطاعة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله
عليه وسلم ، يكونون يوم القيامة فى صحبة الأنبياء الذين أرسلهم الله مبشرين
ومنذرين؛ فبلغوا رسالته وقالوا منه - سبحانه - أشرف المنازل .
وبدأ - سبحانه - بالنبيين لعلو درجاتهم، وسمو مزلتهم على من عدام
من البشر .
وقوله ((والصديقين)) جمع صديق وهم الذين صدقوا بكل ما جاء به الرسول
- صلى الله عليه وسلم - قصديقا لا يخالجه شك، ولا تحوم حوله ربية،
وصدقوا فى دفاعهم عن عقيدتهم وتمسكهمبها، وسارعوا إلى ما يرضى الله بدون
تردد أو قباطؤ .
وقوله («والشهداء، جمع شهيد، وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله، ومن
أجل إعلاء دينه وشريعته.
(١) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٣٣

- TVI-
وقوله «والصالحين، جمع صالح. وهم الذين صلحت نفوسهم، واستقامت
قلوبهم وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ونحو غيرهم .
هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين يكون المطيعون لله ولرسوله فى رفقهم.
وصحبتهم.
قال الفخر الرازى: «وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول
مع النبيين والصديقين .،. كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى
التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول . وأنه لايجوز. بل المراد كونهم.
فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان،
لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا: وإذا أرادوا الزيارة والتلاقى قدروا
عليه . فهذا هو المراد من هذه المعية .
ثم قال : وقد دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة فى الفضل والعلم.
إلا هذا الوصف . وهوكون الإنسان صديقا ولذا أينما ذكر فى القرآن الصديق
والنبى لم يجعل بينهما واسطة کاہ ل - تعالى - فىصفة إدريس « إنه كان صديقا
نبيا .... (١)
وقوله - تعالى. وحسن أولئك رفيقا، تذييل مقررلماقبله مؤ كدللترغيب.
والتشويق . والرفيق هو المصاحب الذى يلازمك فى عمل أو سفر . وسمى
رفيقا لأنك ترتفق به وتستعين بصحبته على قضاء مصالحك. والرفق فى اللغة
معناه: لين الجانب ، ولطف المعاشرة .
واسم الإشارة (( أولئك، يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة.
و((حسن)) فعل مراد به المدح ملحق بنهم، ومضمن معنى التعجب
من حسنهم .
وقوله «وحسن أولئك رفيقا، تذييل مقرر لما قبله مؤ كد للترغيب فى العمل
لصالح الذى يوصل المسلم إلى صحبة هؤلاً الكرام.
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٠ ص ٠١٧١

- ٢٧٧ -
وقوله ( حسن) فعل مراد به المدج ملحق بنعم . ومضمن معنى التعجب من
حسنهم .
وإسم الإشارة (أولئك) يعود إلى كل صنف من هذه الأصناف الأربعة
وهم النبيون ومن بعدهم .
والرفيق: «والمصاحب الذى يلازيك فى عمل أو سفر أو غيرهما. وسمى
رفيقا لأنك ترافقه ويرافقك ويستعين كل واحد منكما بصاحبه فى قضاء شئونه.
وهو مشتق من الرفق بمعنى لين الجانب ، ولطف المعاشرة .
ولم يجمع ، لأن صيغة فعيل يستوى فيها الواحد وغيره.
والمعنى وحسن كل واحد من أولئك الأخيار ـ وهم الأنبياء ومن بعدهم -
وفيقا ومصاحبا فى الجنة لان رفقه كل واحد منهم قشرح الصدور، وتبهج
النفوس .
والمخصوص بالمدح محذوف أى: وحسن كل واحد من المذكورين رفيقا
أو وحسن المذكورون أو الممدوحون رفيقا، لأن حسن لها حكم نعم.
وقوله ( أولئك) فاعل حسن . ورفيقا تمييز .
قال صاحب الكشاف وقوله (وحسن أولئك رفيقا) فيه معنى التعجب
كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا . ولاستقلاله بمعنى التعجب قرىء وحسن
بسكون السين ) (١)
وإسم الإشارة ( ذلك) فى قوله ( ذلك الفضل من الله) يعود إلى ما ثبت
للمطيعين من أجر جزيل، ومزيد هداية، وحسن رفقة. وهو مبتدأ. وقوله
(الفضل) صفته، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبره. أى: ذلك الفضل
العظيم كائن من الله - تعالى - لامن غيره.
وقوله ( وكفى بالله عظيما)تذييل قصد به الإشارة إلى أن أولئك الاخيار
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣١

الذين قدموا أحسن الأعمال ، وإستحقوا أفضل الجزاء ، وإن لم يعلمهم
[ الناس فإن الله - تعالى - يعلمهم، وقد كافأهم بما يستحقون .
أى: أكفى به - سبحانه - عليما بمن يستحق فضله وعطاءه وبمن لا يستحق،
فهو - سبحانه - الذى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه .
وفى هذه الجملة الكريمة حض للمسلم على التزود من العمل الصالح، لأنه
- سبحانه - مادام يعلم أحوال عباده وسيحاسبهم على أعمالهم، فجدير بالعاقل
أن يرغب فى الطاعة وأن ينفر من المعصيه .
هذا، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن المؤمنين الصادقين سيكونون
يوم القيامة مع أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين .
ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن ربيعة بن كعب
الأسلمى أنه قال . كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم .. فأتيته
بوضوئه وحاجته فقال لى. (سل): فقلت أسألك مرافقتك فى الجنة. فقال
أو غير ذلك ؟ قلت : هو ذاك . قال : فأعنى على نفسك بكثرة السجود
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن سهل بن معاذبن أنس عن أبيه أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قرأ ألف آية فى سبيل الله ، كتب يوم
القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .
ومنها ما رواه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء
قال إبن كثير : واعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت فى الصحيح
والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة ان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - - سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال
المرء مع من أحب .

- ٢٧٩ -
قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث(١).
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد بشرتا المطيعين لله ولرسوله
بأحسن البشارات ، وأرفع الدرجات .
ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالاستعداد للجهاد
فى سبيل الله من أجل إعلاء كلمته، بعد أن أمرتهم قبل ذلك بطاعته وبطاعة
رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -:
((يَأَيُّهَ الذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرُ فَانْفِرُوا ثِبَاتٍ أوِ انْفِرُوا
جميعاً (٧١) وإنَّ مِنْكُم مَن ليبَطََّنَّ، فَإِنْ أَصَبَتَكُم مُصيبةٌ قَالَ قد
أَنسَ الهُ عَلَىَّ إذْلم أَكُنْ مَعهم شَهِيداً (٧٢) ولِنْ أَصَابَكُم فضلٌ مِن المُهِ
لِيقُولَنَّ كَأَنْ لم تكُنْ بِنْكُمْ وَبَيْنَهُ مُودَّةٌ، يَا لَيْدِى كُنتُ معهم
فأفوزَ فوزاً عظيماً (٧٣))) .
قال القرطبى: قوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم، هذا
خطاب المؤمنين المخلصين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمر لهم بجهاد
الكفار والخروج فى سبيل الله، وحماية الشرع.
ووجه النظام والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله ،
أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته . وأمرهم ألا يقتحموا
على عدوهم حتى يتحسسوا إلى ماعندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، وذلك
أثبت لهم فقال ((خذوا حذركم)) فعلهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا
التوكل بلى هو عين التوكل .. )،(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٢٣
(٢) تفسير القرطبى = ٥ ص ٠٢٧٣

- ٢٨٠ -
والجذر والحذر بمعنى واحد كالإثر والأثر. يقال: أخذ قلان حذره،
إذا تيقظ واحترز مما يخشاه ويخافه . فكانه جعل الحذرآ لته التى يقى بها نفسه
ويعصم بها روحه . فالكلام على سبيل الكتابة والتخيل. بتشبيه الحذر
بالسلاح وآلة الوقاية .
والمعنى: إن تعدوا - أيها المؤمنون - لأندائمكم، وكونوا على يقظة
منهم، وكونوا متأهبين للقائهم دائما بالإيمان القوى، وبالسلاح الذى يفل
سلاحهم.
هذا، والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى هذا المعنى، فقدقال
- رحمه الله - ما ملخصه: (الحذر: الاحتراس والاستعداد لانقاء
شرالعدو ، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ إستعداده وقوته ... ومعرفة
أرضه وبلاده ... وفى أشال العرب ( قتلت أرض جاهلها). ويدخل فى
الحذر والاستعداد معرفة الأسلحة وكيفية إستعمالها ... فكل ذلك وغيره
يدخل تحت الأمر بأخذ الحذر.
وقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عارفين بأرض عدوهم ،
وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - جواسيس بأتونه بأخبار مكة، ولما أخبروه
بنقض قريش للعهد إستعد لفتحها ، وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة
(حاربهم بمثل ما يحاربونك به: السيف بالسيف، والرمح بالرمح). وهذه
كلمة جلیاة فا قول وعمل النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كل ذلك دال
على أن أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته (١)
فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة ( خذوا حذركم) دعوة المؤمنین فی کل
-
(١) تفسير المنار = ٥ ضر ٢٥٠