Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة أن الله
- تعالى - وإن كان قد أباح التعدد وحدد غايته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة
-عليهن، إلا أنه - سبحانه - قد قيد هذه الإباحة بالعدل بينهن فيما يستطيع
الإنسان العدل فيه بحسب طاقته البشرية ، بأن يعدل بينهن فى النفقة والكسوة
والمعاشرة الزوجية . فإن عجز عن ذلك لم يبح له التعدد .
والإمام الشيخ محمد عبده كلام حسن فى المعنى ، فقد قال - رحمه الله -
«قد أباحت الشريعة الإسلامية للرجل الاقتران بأربع من النسوة إن علم
من نفسه القدرة على العدل بينهن ، وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة .
قال - تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، فإن الرجل إذا لم يستطع
إعطاء كل منهن حقها اختل نظام المنزل، وساءت معيشة العائلة إذ العماد القويم
لتدبير المنزل هو بقاء الاتحاد والتآلف بين أفراد العائلة ....
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، والخلفاء الراشدون، والعلماء
الصالحون من كل قرن إلى هذا العبد يجمعون بين النسوة مع المحافظة على حدود
ألله فى العدل بينهن . فكان - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والصالحون
من أمته لا يأتون حجرة إحدى الزوجات فى نوبة الأخرى إلا بإذنها ...
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : من كان له امر أتان فلم يعدل بينهما
جاء يوم القيامه وأحد شقية مائل ،.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتذر عن ميله القلبى بقوله: (( اللهم هذا
- أى العدل فى البيات والعطاء - جهدى فيما أملك، ولا طاقة لى فيما تملك
( ولا أملك - يعنى الميل القلبى)). وكان يقرع بينين إذا أراد - فرا ....
ثم قال فى نهاية حديثه : فعلى العقلاء أن يتبصروا قبل طلب التعدد فى الزوجات
فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من
الغوائل التى تؤدى بهن إلى الأعمال التى لا تليق بمسلمة .... (١)
(١) تفسير المنار جـ ٤ ص ٢٦٤ وما بعدها - بتصرف وتلخيص .

- ٤٢ -
هذا، وقد ذكر العلماء حكما كثيرة لمشروعية تعدد الزوجات ، ومن هذه
الحكم أن فى هذا التعدد وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد عدد المواليد فيها.
ولا شك أن كثيرا من الأمم الإسلامية التى اتسعت أرضها ، وتعددت موارد
الثروة فيها، فى حاجه إلى تكثير عدد أفرادها حتى تنتفع بما حباها الله من
خيرات، وتستطيع الدفاع عن نفسها إذا ماطمع فيها الطامعون، واعتدى
عليها المعتدون .
ومنها أن التعدديعين على كفالة النساء وحفظهن وصيانتهن من الوقوع فى
الفاحشة ، لاسيما فى أعقاب الحروب التى عادة تقضى على الكثيرين من الرجال،
ويصبح عدد النساء أكبر بكثير من عدد الرجال .
ومنها أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الزنا تحريما قاطعا، وعاقبت
مرتكبه بأقسى أنواع العقوبات وأزجرها ، بسبب ما يجر إليه من فساد
فى الأخلاق والأنساب ونظام الأسر ، فناسب أن توسع على الناس فى تعدد
النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد ، مستطيعا لتكاليفه ومطالبه .
ومنها قصد الابتعاد عن مطلاق ، فإن المرأة قد لا تكون قادرة على القيام
بالمطالب الزوجية التى تحتمها حياتها مع زوجها بسبب مرضها أو عجزها
أو عقمها أو غير ذلك من الأسباب ، فيلجأ زوجها إلى الزواج بأخرى غيرها
مع بقاء الزوجه الأولى فى عصمته بدل أن يطلقها فتفقد حياتها الزوجية ،
وقد تكون هى فى حاجة إلى هذا الزوج الذى يقوم برعايتها وحمايتها
والقيام بشأنها .
والخلاصة أن الله - تعالى -- قد علم أن مصلحة الرجال والنساء
قد تستدعى تعدد الزوجات -، بل قد توجبه فى بعض الحالات - فأباح
لهم هذا التعدد ، وحدد غابته بأربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن ، وقيد
- سبحانه- هذه الإباحة بالعدل بينين فيما يستطيع الإنسان العدل فيه
بحسب طاقته البشرية ، فإن علم الإنسان من نفسه عدم القدرة على العدل بينهن
لم يبح له التعدد .

- ٤٣ -
ولو أن المسلمين ساروا على حسب ماشرع الله لهم لسعدوا فى دنياهم وفى
آخرتهم؛ لأن الله - تعالى - ماشرع لهم إلا مافيه منفعتهم وسعادتهم.
• ثم أمر الله - تعالى - الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا
وسماحة نفس ، وألا يطمعوا فى شىء مما أعطاه الله لهن فقال - تعالى - :
(وَاتُوا النِّسَاءَ صدُقَتِنَّ نِلَةً، فإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عنْ شىءٍ مِنْهُ
نفساً فَكُلُوهُ هنيئاً مَرِيثاً (٤))).
وقوله ((صدقاتهن، جمع صدقة - بضم الدال ـ وهى ما يعطى الزوجة
من المهر .
وقوله (« نحلة)) أى عطية واجبة: وفريضة لازمة. إذ النحلة فى الأصل:
العطية على سبيل التبرع. يقال: نحله كذا نحلة ونحلا ، إذا أعطاه إياه عن
طيب نفس بلا مقابلة عوض .
والمعنى: وأعطوا النساء مهور هن عطية عن طيب نفس منكم، لأن هذه
المهور قد فرضها الله لهن، فلا يجوز أن يطمع فيها ضامع، أو يغتالها مغتال،
والخطاب الأزواج. قالوا: لأن الرجل كان يتزوج المرأة بلا مهر ويقول لها:
أرلك وترثينى؟ فتقول: نعم . فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور (١).
وقيل: الخطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب فى الجاهلية كانت
لاقعطى النساء من مورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بند :
هنيئا لك الناتجة . أى هنيئا لك هذه البنت التى تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى
إبلك فتنفج مالك أى تزيده وتكثره.
وقد رجح ابن جرير كون الخطاب للأزواج فقال . . وذلك لأن الله
- تعالى - ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب النا كحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن.
ولا دلالة فى الآية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك.
(١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٨.

- ٤٤ -
كذلك ؛ فمعلوم أن الذين قيل لهم: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى
وثلاث ورباع، هم الذين قيل لهم: ((وآتوا النساء صدقاتهن .. )، وأن معناه:
وآتوا من فكحتم من النساء صدقاتهن نحله ، لأنه قال فى الأول: فافكحوا
ما طاب لكم من النساء)). ولم يقل ((فأنكحوا، حتى يكون قوله: «وآتوا
النساء صدقاتهن، مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن.
وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن ... )،(١)
والذى زاه أن الخطاب فى الآية الكريمة يتناول كل من له علاقة بالنساء من
الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الحكام الذين اليهم المرجع فى رد الحقوق
إلى ذويها، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين فى حقوق النساء، وذلك
لأن الخطاب من أول السورة موجه إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون
الخطاب هنا شاملا لكليهما فإن أعطومن عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم
الحكام على ذلك .
وقوله (( نحلة)) منصوب على الحالية من قوله ((صدقاتهن، أى: منحولة
معطاة عن طيب نفس . أو منصوب على الحالية من المخاطبين. أى آتوهن
صدقاتهن نحلين طيبى النفوس بالإعطاء.
وفى التعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء. لإفادة معنى
الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه الفحلة مقابل.
وقوله - تعالى - ((فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئًا مريئًا)،
بيان للحكم فيما إذا تنازل النساء عن شىء مما أعطوا عن طيب خاطر منهن
أى عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء مهورهن مناولة أو التراما ، فإن
حدث وتنازل لكم النساء عن شىء من هذه المهور بسماحة ورضا نفس،
فكلوه أكلا سائغا، حميد المغبة ، حلال الظعمة ، خاليا من شائبه الحرام
والشبهات :
(١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٤٢ بتصرف يسير

- ٤٥ -
والضمير المجرور فى قوله ((منه)) يعود إلى الصدقات أى المهور.
وجىء به مفرداً مذكراً، لجريانه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل : فإن
طابت أنفسهن لكم عن شىء من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه .
قال صاحب الكشاف : وفى الآية دليل على ضيق المسلك فى ذلك.
ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل : فإن طبن
ولم يقل فان وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن
الموهوب عن طيب خاطر .
والمعنى: فان وهين لكم شيئا من الصداق، وتجافت عنه نفوسهن طيبات.
لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن إلى البذل من
شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريتا، (١)
وقوله (( نفسا) منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة فى قوله.
(طين)). وهو محول عن الفاعل. والأصل فان طابت أنفسهن عن شىء منه.
فكلوه ...
وجىء به مفرداً لأن الغرض بيان الجنس الواحد يدل عليه كقولك :
عندى عشرون درهما .
والمراد بالأكل فى قوله (( فكلوه)، مطلق التصرف والانتفاع.
وإنما خص الأكل بالذكر ، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية .
وقوله (( هنيئا مريئًا)، حالان من الضمير المنصوب فى قوله (( فكلوه)).
أو منضوبان على أنهما فعت لمصدر محذوف. أى فكلوه أكلا هنيئا مريئا.
وهما صعتان من هنؤ الطعام ومرؤ. يقال: هنؤ الطعام وهنى. هناءة .
إذا كان سائغا لا تنغيص فيه . وقيل: الهنى ما أفاك بلا مشقة
ولا تبعة .
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٧١ بتصرف يسير.

- ٤٦ --
ويقال مرأ الطعام - بتثليث الراء - مراءة فهو مرى، إذا كان حميد
المغبة وأفراد المبالغة فى تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن ،
فقد كانوا يتأنمون من أخذ شىء من مهور نسائهم ، فقال الله - تعالى -لهم:
إن ضابت نفوسهن بالتنازل عن شىء من مهورهن لكم فكلوه هنيئًا مريئا ،
لأنه حلال خالص من الشوائب .
هذا، ومن الأحكام التى أخدها العداء من هذه الآية الكريمة : أنه لابد
فى النكاح من صداق يعطى إمرأة سواء أسمى ذلك فى العقد أم لم يسم . قال
القرطى : وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه (١) .
ومنها : أن هذا الصداق ملك لها، ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت.
ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أولا . ولذا قال بعض الفقهاء. لها أن تتبعمهرها
قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا عوض وقال آخرون : ليس لها أن تبيعه حتى
تقبضه لنهيه - صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض.
ومنها : أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها - برضاها واختيارها - مهرها
أو جزءاً منه سواء أكان مقبوضاً معينا أم كان فى الذمة . فشمل ذلك الهبة
والإبراء . وأنه ليس من حقها الرجوع فيما أعطت لأنها قد طابت نفسها
بذلك. وهذا رأى جمهور العلماء . ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع
فيما أعطت .
قال الفخر الرازى: قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهية علم
أنها لم تطب عنه نفسا. وعن الشعبى: أن أمرأة جاءت مع زوجها إلى شريح
القاضى فى عطية أعطتها إياه. وهى تطلب الرجوع. فقال شريح: رد عليها
عضيتها. فقال الرجل: أليس قد قال الله - تعالى -: «فان ضبن لكم عن
شىء منه نفا فكلوه ... ،؟ فقال شريح: لو ظابت نفسها لما رجعت فيه.
(١) تفسير القرضى = ٥ ص ٢٤

٤٧٠٠ -
وعن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه كتب إلى قضاته. أن النساء
يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، (١).
٠٠ ٥
ثم نى - سبحانه - عن إبتاء الأموال للسفهاء، لدفع توهم إيجاب أن يؤتى
كل مال لمالكه ولو كان سفيها فقال - تعالى -:
((ولاَ تُؤْتُوا السُّفَهَءَ أَمْوَ الَكُم التى جعلَ اللهُ لَكُمْ قِيَماً ،
وَارْزُ قُوهُمْ فِيهَاَ واْسُوهُمْ وَقَوُلُوا لَهُمْ قَوْلاَ مِعْرُوفَا (٥)).
والسفهاء جمع سفيه. والسفه - كما يقول الراغب - : خفة فى البدن،
ومنه قيل: زمام سفيه أى كثير الاضطراب، ووب سفيه ردىء النسج،
واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل، وفى الأمور الدنيوية والأخروية،
قال - تعالى - فى السفه الدنيوى: ((ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ... )) وقال
فى السفه الأخروى. ((وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ... )،(٢)
والمراد من السفهاء هنا: ضعاف العقول والأفكار الذين لا يحنون
التصرف .
والمراد من قوله (( قياما، مة به القيام والتعيش. يقال فلان قيام أهله: أى
يقيم شأنهم، يصلحهم. وهو المفعول الثانى لجعل . أما المفعول الأول لجعل
فمحذوف ويرجع إلى ضمير الأموال .
وقرأ نافع واين عامر «التى جعل لكم قيماً، على أنه مصدر مثل الحول
والعوض.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٨٣.
(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٥ الراغب الأصفهانى.

- ٤٨ -
وقرأ ابن عمر ((قوأما) - بكسر القاف وبواو وألف -
قال الآلوسي: وفيه وجهان: الأول : أنه مصدر قاومت قوامامنل لاوذت ..
لواذا فصحت فى المصدر كما صحت فى الفعل . والثانى: أنه اسم لما يقوم به الأمر
وليس بمصدر ))(١) .
هذا، وقد اختلفت المفسرون فى تعيين المخاطبين بقوله - تعالى - ((ولا
تؤتوا السفهاء أموالكم، كما اختلفوا فى المراد من السفهاء على أقوال أشهرها:
أن المخاطبين بهذه الآية هم أولياء اليتامى، وأن المراد من السفهاء هم
اليتامى الذين لم يحسنوا التصرف فى أموالهم لصغرهم أو لضعف عقولهم ،
واضطراب أفكارهم. وأن المراد بالأموال فى قوله (( أموالكم، هى أموال
هؤلاء اليتامى لا أموال الأولياء.
فيكون المقصود من الآية الكريمة نهى الأولياء عن إيتاء السفهاء من
اليتامى أموالهم التى جعلها الله مناط تعيشهم، خشية إساءة التصرف فيها لحفة
أحلامهم .
وإنما أضيفت الأموال فى الآية الكريمة إلى ضمير المخاطبين وهم الأولياء،
مع أن هذه الأموال فى الحقيقة لليتامى: "تنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها
عين أموالهم ، مبالغة فى حملهم على وجوب حفظها وصيانتها من أى إتلاف.
أو إضرار بها.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: والدليل على أن الخطاب فى الآية الكريمة.
للأولياء قوله - تعالى - بعد ذلك ((وارزقوهم فيها وا كسوهم)). وأيضا فعلى
هذا القول يحسن تعليق هذه الآية بما قبلها فكانه - تعالى- يقول: إنى وإن
كنت أمرتكم بإيتاء اليتامى فى أموالهم ... فإنما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين.
(١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٠١٠٢

- ٤٩ -
بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين أو غير عقار ،
أو إن كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مرفين ، فلا تدفعوا إليهم
أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه. والمقصود من كل ذلك
الاحتياط فى حفظ أموال الضعفاء والعاجزين)،(1).
وقيل: إن الخطاب فى الآية الكريمة للآباء، والمراد من السفهاء الأولاد
الذين لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه، بل إذا أعطى لهم أفدوه وأتلفوه.
وعلى هذا الرأى تكون إضافة الأموال إلى المخاطبين على سبيل الحقيقة.
ويكون لمعنى: لاقوتوا أيها الآباء أموالكم لأولادكم السفهاء؛ لأن فى
إعطائكم إياها لهم إفسادا لها مع أن فيها قوام حياتكم وصلاح أحوالكم.
والذى نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة لجميع المكلفين حاكمين ومحكومين
ليأخذ كل من يصلح لهذا الحكم حظه من الامتثال . وأن المراد بالفها. كل
من لا يحسن المحافظه على ماله لصغره، أو الضعف عقله ، أو لسوء تصرفاته
سواء أ كان من الشامى أم من غيرهم؛ لأن التعميم فى الخطاب وفى الألفاظ
- عند عدم وجود المخصص - أولى، لأنه أو فر معنى، وأوسع تشريعا .
وفى إضافة الأموال إلى جميع المخاطبين المسكلفين من المسلمين إشارة
بديعة إلى أن المال المتداول بينهم هو حق لمالكيه المختصين به فى ظاهر الأمر،
ولكنه عند التأمل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء ؛ لأن وضعه فى المواضع
التى أمر الله بها منفعة للأمة كلها، وفى وضعه فى المواضع التى نهى الله عنها مضرة
بالأمة كلها ، وتعاليم الإسلام التى تجعل المسلمين جميعا أمة واحدة متكافلة
متراحمة تعتبر مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين .
وبعد أن نهى - سبحانه - عن إيتاء المال للسفهاء، أمر بثلاثة أشياء،
أولها وثانيها قوله - تعالى - ((وارزقوهم فيها وأكسوهم)).
٤
(١) تفسير الفخر الرازى - ٩ ص ١٣.
( ٤ - صورة النساء )

٥٠٠٠ --
أى اجعلوا هذه الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها حتى
تكون نفقاتهم من الأرباح لامن أصل المال لئلا يفنيه الإنفاق منه .
وإنما قال: ((وارزقوهم فيها، ولم يقل (( منها،؛ لئلا يكون ذلك أمرابان
يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم
بأن يتجروا فيها ويستثمروها ، فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لامن أصول
الأموال .
أما الأمر الثالث فهو قوله - تعالى -: ((وقولوا لهم قولا معروفا)).
والقول المعروف هو كل ما تسكن إليه النفس لموافقته للشرع والعقول
السليمة، كأن يكلموهم كلاما لينا تطيب به نفوسهم، وكأن يعدوهم عدة حسنة
أن يقولوالهم: إذا صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وكان ينصحوهم
بما يصلحهم ويبعدهم عن السفه وسوء التصرف .
وفى أمره - سبحانه - للمخاطبين بأن يقولوا لهؤلاء السفهاء قولا معروفا،
بعد أمره لهم رزقهم وكسوتهم ، إشعار بأن من الواجب عليهم أن يقدموا
إليهم الرزق والكسوة مصحوبين بوجه طلق، وبقول جميل بعيد عن المن
والأذى ، فقد جرت عادة من تحت يده المال أن يستثقل إخراجه لمن سأله إياه.
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب
المحافظة على الأموال وعدم تضييعها .
قال صاحب الكشاف: وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن
ولأن أترك مالا يحاسبنى الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعز
سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها -: لولاها لتمندل بى بنو العباس . - أى لولاه
لاتخذونى كالمنديل يسخر وفنى لمصالحهم -. وقيل لأبى الزناد: لم تحب الدواء
وهى تدفيك من الدنيا؟ فقال: لئن أدفقنى من الدنيا فقد صافتنى عنها. وكانو
يقولون: اتجروا واكتسبوا. فإنكم فى زمان إذا احتاج أحدكم كان أو

- ٥١ -
ما يأكل ديته. وربما رأوا رجلا فى جنازة، فقالوا له : اذهب إلى
دكانك ،(١) .
وقال بعض العلماء: ولنقف عند قوله - تعالى - ,ولاتؤتوا السفهاء
أموالكم التى جعل الله لكم قياماً)) لنعلم ما يوحى به من تكافل الأمة ومسئولية
بعضها عن بعض . ومن أن المال الذى فى يد بعض الأفراد , قوام للجميع)
ينتفعون به فى المشروعات العامة ، ويفرجون به أزماتهم وضائقاتهم الخاصة
عن طريق الزكاة، وعن طريق التعاون وتبادل المنافع . وهذا هو الوضع
المالى فى نظر الشريعة الإسلامية، فليس لأحد أن يقول: مالى مالى٠ هو
مالى وحدى لا ينتفع به سواى، ليس لأحد أن يقول هذا أو ذاك. فالمال
مال الجميع . والمال مال الله، ينتفع به الجميع عن الطريق الذى شرعه الله فى
سد الحاجات ودفع الملمات . وهو ملك لصاحبه يتصرف فيه لا کمایشاء وہہوى
بل كما رسم الله وبین فى كتابه، حتى إذا ما أخل بذلك فأسرف وبذر أو ضن
وقتر حجر عليه )،(٢) .
كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب
الحجر على السفهاء، لأن الله - تعالى - قد أمر بذلك. ووجوب إقامة الوصى
والولى والكفيل على الأيتام الصغار ومن فى حكمهم ممن لا يحسنون التصرف.
٠٠ ٥
ثم بين - سبحانه - الوقت الذى يتم فيه تسليم أموال اليتامى إليهم ،
: كيف تجب حياطتهم والعناية بهم وبأموالهم فقال - تعالى - :
(١) تفسير الكشاف < ١ ص ٠٤٧٢
(٢) تفسير القرآن الكريم ص ١٩٠ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمودشلتوت.

٠٠ ٥٢ -
((وَابَتْلُوا الْتَّى حتى إذا بلغُوا النكاح، فإن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً
فَدْفَعُوا إِلَيْهِمِ أَمْوَ الَهُمْ، ولا تَأكُلُوهَا إسراءً وبِدَارًا أن يَكْبَرُوا،
ومن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَقِفْ ومن كانَ فقيراً فَلْيَأْ كُلْ بِلَّعْرُوفٍ ، فَإذا
دَفَعْتُمْ إِلَيْم أموَ الْهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمِ، وَكَفَى بِاللهِ حَسِباً(٦))).
وقوله - تعالى - ((وابتلوا، من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان.
والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة اليتامى.
والمراد ببلوغ النكاح هنا: بلوغ الحلم المذكور فى قوله - تعالى -:
(وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذفوا ... )).
وقوله «آ نستم ، أى تبيثتم وشاهدتم وأحستم.
قال القرطبى: ((آ نسم، أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله - تعالى - :
(( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً، أى أبصر
ورأى. وتقول العرب: اذهب فاستأفس هل ترى أحدا . معناه: قبصر.
وقيل : آ نست وأحسست ووجدت بمعنى واحد(١).
والمعنى: عليكم أيها الأولياء والأصياء أن تختبروا اليتامى، وذلك
بتتبع أحوالهم فى الاهتداء إلى ضبط الأمور ، وحسن التصرف فى الأموال
وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لايجىء وقت بلوغهم إلا وقد صاروا فى
قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفاً حسناً. فإن شاهدتم وأحسستم منهم
((رشدا، أى صلاحا فى عقولهم، وحفظا لأمو لهم، فادفعوها إليهم من
غير تأخير أو ماطلة .
(١) تفسير القرطبي جـ ٥ ص ٣٦

- ٥٣-٧
و ((حتى)) هنا للغاية، وهى داخلة على الجملة، فهى تبين نهاية الصغر ،
والجملة التى دخلت عليها ظرفية فى معنى الشرط .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف نظم الكلام ؟ قلت : ما بعد
((حتى)، إلى قوله: ((فادفعوا إليهم أموالهم .. ، جعل غاية للابتلاء، وهى
(((حتى)) التى تقع بعدها الجمل. والجملة الواقعه بعدها جملة شرطية، لأن إذا
متضمنة معنى الشرط. وفعل الشرط ((بلغوا النكاح)، وقوله، فإن آنستم منهم
رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ، جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط
الأول الذى هو إذا بلغوا النكاح. فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت
بلوغهم ، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم .
فإن قلت: فمامعنى تفكير الرشد؟ قلت : معناه فوعا من الرشد وهو
الرشد فى تصرف وانتجارة . أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا
ينتظر به تمام الرشد ... )،(١)
ثم نهى - سبحانه - الأوصياء وغيرهم عن الطمع فى شىء من مال اليتامى
فقال - تعالى - :
((ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا).
أى: ادفعوا أيها الأراياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم من غير تأخير
عن حد البلوغ، ولا تأكلوها مسرفين فى الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن
يكبروا، بأن تفرطوا فى إنفاقها وتقولوا: فنفقها كما نريد قبل أن يكبر اليتامى
فينتزعوها من أيدينا .
والإسراف فى الأصل - كما يقول الآلوسى - تجاوز الجد المباح إلى
مالم يبح . وربما كان ذلك فى الإفراط وربما كان فى التقصير ، غير أنه إذا
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٧٣ بتصرف وتلخيص.

- ٥٤ -
كان فى الإفراط منه يقال: أسرف يسرف إسرافاً . وإذا كان فى التقصير
يقال: سرف يسرف سرفا .. ))(١)
وقوله (( بداراً، مفاعلة من البدر وهو العجلة إلى الشىء والمسارعة إليه.
وهما - أى قوله (( إسرافاً وبداراً ) منصوبان على الحال من الفاعل فى قوله
« تأكلوها، أى: ولاتأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم. أومنصوبان على
أنهما مفعول لأجله ، أى ولا تأكلوها لإسرافكم ومبادرتسكم كبرهم .
أوالمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التى تقع من الأوصياء
أو الأولياء وهى أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن يبلغ
الأيتام رشدهم ، فتؤخذ من أولئك الأوصياء تلك الأموال لترد إلى أصحابها
وهم اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد .
ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الوصى إن كان غنيا وما ينبغى له إن
كان فقيراً فقال: ((ومن كان غنياً فلميستعفف ومن كان فقيراً فليأ كل
بالمعروف) .
والاستعفاف عن الشىء تركه. يقال: عف الرجل عن الثوء واستعف
إذا أمسك عنه . والعفة: الامتناع عما لا يحل .
أى: ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال التيامى غنيا فليستعفف
أى فليتنزه عن أكل مال اليتيم ، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا
على مال اليتيم . ومن كان فقيراً من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف، بأن
يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضروريه وأجرة سعيه وخدمته له . فقد
روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبى -
صلى الله عليه وسلم فقال: إنى فقير ليس لى شىء ولى يتيم. قال فقال له النبى
- صلى الله عليه وسلم -: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا
متأثل،(٢). أى غير مسرف فى الأخذ ولا مبذر ولا جامع منه ما يتجاوز
حاجتك .
(١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٧٠١ (٢) تفسير القرطبى = ٥ ص٤١.

ثم بين - سبحانه - ما ينبغى عنى الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على
اليتامى وعند دفع أموالهم إليهم فقال: ((فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا
عليهم وكفى بالله حسيباً ،.
أى: فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى اليتامى أموالهم التى تحت
أيديكم بعد البلوغ والرشد، فأشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت
عنها ذممكم، لأن هذا الإشهاد أبعد عن التهمة، وأففى للخصومة ، وأدخل فى
الأمانة وبراءة الساحة .
وقوله - تعالى - ((وكفى بالله حسيباً، أى كفى بالله محاسبا لكم على أعمالكم
وشاهدا عليكم فى أقوالكم وأفعالكم. ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير
أو شر، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. وإنكم
إن أفلتم من حساب الناس فى الدنيا فلن تفلتوا من حساب الله الذى لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فعليكم أن تتحروا الحلال فى كل تصرفاتكم.
ففى هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره، ولسكل معتد على أموال
الناس وحقوقهم ، ولاسيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها:
١ - أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى يتتبع أحوالهم فى الاهتداء
إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وأن يمرنوهم على ذلك بحسب
ما يليق بأحوالهم .
ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ. ويرى بعضهم
أن هذا الاختبار يكون بعد البلوغ.
وقد قال القرطى فى بيان كيفية هذا الاختبار ما ملخصه : لا بأس فى أن
يدفع الولى إلى اليتيم شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن النظر.
فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصى تسليم جميع ماله إليه - أى بعد
بلوغه - وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك المال عنده ..

-٢٦ -
وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لايخلو من أن يكون غلاما أو جارية .
فإن كان غلاما رد النظر إليه فى نفقة الدار شهرا ، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف
فيه ؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، فإذا
رآه متوخيا الإصلاح سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه.
وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ...
فإن رآها رشيده سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر ... ،(١)
وقد بنى الإمام أبو حنيفة على هذا الاختبار أن تصرفات الصبى العاقل
المميز بإذن الولى صحيحة، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولى
فى البيع والشراء - مثلا - وهذا يقتضى صحة تصرفاتهم .
ويرى الإمام الشافعى أن الاختبار لا يقتضى الإذن فى التصرف ولا يتوقف
عليه، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى؛ فابن
التاجر - مثلا - يختبر فى البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على المقد،
وحيئذ يعقد الولى إن أراد :
٢ - كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون الأموال
اليتامى إليهم إلا بتحقيق أمرين: أحدهما: بلوغ النكاح . والثانى إيناس الرشد.
والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوح، وهو كناية عن الخروج
من حالة الصبا الذكر والأنثى ، بأن توجد المظاهر التى تدل على الرجولة
فى الغلام ، والتى تدل على مبلغ بلوغ النساء فى الفتاة، وذلك يكون بالاحتلام
أو بالحيض بالنسبة للفتاة أو ببلوغ سن معينة قدرها بعضهم بخمس عشرة سنة
بالنسبة للذكر والأنثى على السواء .
وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة بالنسبة للفتاة ، وبثمانى عشرة سنة
بالنسبة للفتى .
(١) تفسير القرطبى ج ١ ص ٣٤

- ٥٧ -
ومن بلاغة القرآن الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله («حتى إذا
بلغوا النكاح، لأن هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد فى الحرارة والبرودة ،
وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى القوة والضعف، والصحة والمرض .
والمراد بإيناس الرعد: أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح فى العقل
والخلق والتصرف فى الأموال .
ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ماله مهما بلغت سنه ما لم
يؤنس منه الرشد لأن الله - تعالى - يقول: ((ولا تؤقوا السفهاء أموالكم التى
جعل الله لكم قياماء.
ويقول: ((فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، ومعنى ذلك أنه
إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم ، بل يستمرون تحت ولاية
الأولياء عليهم لأنهم ما زالوا سفهاء لم يتبين رغدهم .
وقد خالف الإمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال . لا يدفع إلى اليقيم ماله
إذا بلغ ولم يؤفس منه الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها عاقلا
ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل، ويجب أن يدفع الوصى إليه ما له ولوكان
فاسقا أو مبذرا .
قالوا: وإنما اختار أبو حنيفة هذه السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثمانى
عشرة سنة ، فإذا زيد عليها سبع سنين - وهى مدة معتبرة فى تغير أحوال
الإنسان - فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس، لأن اسم
الرشد واقع على العقل فى الجملة، والله - تعالى - شرط رشدا منكرا ولم
يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد
حصل ما هو الشرط المذكور فى هذه الآية (١).
٣- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الوصى على اليقيم
إذا كان غنيا فعليه أن يتحرى العفاف. وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم ،
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٨٩ - بتصرف وتلخيص

- ٥٨ -
لأن أخذه مع غناه يتنافى مع العفاف الذى يجب أن يتحلى به الأوصياء ،
ويعتبر من باب الطمع فى مال اليتيم .
أما إذا كان الوصى فقيرافقد أذن الله له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف
أى بالقدر الذى تقتضيه حاجته الضرورية، ولا يستنكره الشرع ولا العقل.
وقد بسط الإمام الرازى "قول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه: اختلف
العلماء فى أن الوصى هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا ؟
فمنهم من يرى أن للوصى أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله؛ لأن
قوله - تعالى - ((ولا تأكلوها إسرافا، مشعر بأن له أن يأكل قدر الحاجة.
ولأن قوله - تعالى ـ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)) يدل على أن.
مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله (( إن الذين
يأكلون أموال اليتامى ظلما ، فائدة. فهذا يدل على أن للوصى المحتاج أن يأكل
من ماله بالمعروف .... ولأن الوصى لما تكفل بإصلاح مهمات الصبى
وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعى فى أخذ
الصدقات وجمعها ؛ فإنه يضرب له فى تلك الصدقات بسهم فكذا ههنا .....
ومنهم من يرى أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضنا ،
ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان معسرا فلا شى.
عليه ... ، (١) .
ويشهد لهذا الرأى قول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: إنى أفزات.
نفسى من هذا المال منزلة والى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت
استقرضت. فإذا أيسرت قضيت)) (١).
٤ - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية أن على
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ١٩٠
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٥٤

- ٥٩ -
الاوصياء عندما يدفعون أموال اليتامى إليهم أن يشهدوا على دفعها، منعا
الخصومات والمنازعات ، وإبراء الذمة الأوصياء ، ولكى يكون اليتامى
على بينة من أمرهم .
وقد اختلف العلماء فى أن الوصى إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع
إليه ماله هل يصدق ؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه فى صغره هل يصدق؟
أما الشافعية والمالكية والحنابلة فيرون أنه لا يصدق ؛ لأن الآية الكريمة
تقول: ((فإذا دفيتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم، وقوله (( فأشهدوا عليهم))
أمر . وظاهر الأمر أنه للوجوب: ولير معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم
يشهد . بل معناه أن الاشهاد لابد منه فى براءة ذمته بأن يدفع له ماله أمام
رجلين أو رجل وامر أتين حتى إذا دفع المال ولم يشهد ثم طالبه اليتيم حينئذ
يكون القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن الوصى لم يدفع إليه ماله .
ويرى الإمام أبو حنيفة أن الأمر فى قوله - تعالى - ((فأشهدوا عليهم ،
للندب . وأن الوصى إذا أدعى ذلك يصدق ويكتفى فى تصديقه بيمينه ؛ لانه
أمين لم تعرف خيانته ، إذلو عرفت خيانته لعزل . والأمين يصدق باليمين
إذا كان هناك خلاف بينه وبين من ائتمنه. ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك
((وكفى بالله حسيبا، يؤيد أن البينة ليست لازمة؛ إذ معناه أنه لا شاهد
أفضل من الله - تعالى - فيما بينكم وبينهم.
٠٥٥
ثم شرع - سبحانه - فى بيان أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التى
تتعلق بأموال اليتامى فساق - سبحانه - قاعدة عامة لاصل التوريث فى الإسلام
هى أن الرجال لا يختصون بالميراث ، بل للنساء معهم حظ مقسوم ،
ونصيب مفروض ، سواء أ كان الشىء الموروث قليلا أم كثيرا فقال تعالى:

- ٦٠ -
((لِلِرَّجَلِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوالِدَ انِ وَالأَفْرِبونَ، والنساء نَصِيبٌ
◌ِّ رَكَ الوالِدَانِ وَالأَقْرَبونَ، ثمَّ قَلَّ منذُ أَوَ كَثُرَ نَصِيبً مِفْرُوضَاً (٧)).
قال القرضى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى.
توفى وترك امرأة يقال لها: أم كجة وثلاث بنات له منها ؛ فقام رجلان هما
أبناعم الميت ووصياه يقال لهما: سويد وعرفة؛ فأخذا ماله ولم يعطيا
أمرأته وبناته شيئا. وكانوا فى الجاهلية لايورثون النساء ولا الصغير وإن
كان ذكرا ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل ، وطاعن
بالرمح ، وضارب بالسيف ، وحاز الغنيمة . وذكرت أم كجة ذلك الرسول
الله - صلى الله عليه وسلم: فدعاهما فقالا: يارسول الله ، ولدها لا يركب فرسا،
ولا يحمل كلا، ولا ينكأ عدوا. فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((انصرفا
حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن ، فأنزل الله هذه الآية ...
ثم قال : قال علماؤنا: فى هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها - بيان علة
الميراث وهى القرابة .
الثانية - عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. الثالثة -
إجمال النصيب المفروض . وذلك مبين فى آية المواريث ؛ فكأن هذه الآية
توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأى الفاسد حتى وقع البيان الشافى، (١).
هذ، ومن العلماء من أبقى هذه الآية الكريمة على ظاهرها، جعل المراد
من الرجال : الذكور البالغين، والمراد من الوالدين: الأب والأم بلاواسطة
والمراد من الأقربين: الأقارب الأموات الذين يرثهم أقاربهم المستحقون لذلك
والمراد من النساء الإناث البالغات .
(١) تفسير القرطبي ج ٥ ص ٤٦