Indexed OCR Text
Pages 21-40
- ٢١ - أنه لما خلق الله - تعالى - آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه. واحتجوا عليه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها)). والقول الثانى : - وهو إختيار أبى مسلم الأصفهانى -: أن المراد من قوله ((وخلق منها زوجها، أى من جنسها. وهو كقوله - تعالى - ,والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا » . وكقوله (( إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ، وقوله ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم ... قال القاضى: والقول الأول أقوى، لكى يصح قوله: «خلقكم من نفس واحدة))، إذلو كانت حواء مخلوقة إبتداء لكان الناس مخلوقين من ففسين لامن نفس واحدة .... (١) ... وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين قنبيهم إلى أمرين: أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لاشريك له . فهو الذى خلقهم وهو الذى رزقهم ، وهو الذى يميتهم وهو الذى يحييهم، وهو الذى أوجد أبيضهم وأسودم ، وعربيهم وأعجميهم ... وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم - عليه السلام -. ; فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم . وأن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لاعلى الإثم والعدوان، وأن يوقنوا بأنه لافضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم ومالكهم ومدير أمورهم . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٦١ طبعة عبد الرحمن محمد - الطبعة الأولى سنة ١٣٥٧ هـ سنة ١٩٣٨ م. - ٢٢ - والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته - سبحانه ، ومن أقوى الدواعى إلى إتقاء موجبات نقمته، ومن أشد المقتضيات التى تحملكم على التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم ، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم - سبحانه - من نفس واحدة. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: (( فإن قلت: الذى يقتضيه سداد نظم السكلام وجزالته ، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أويدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذى ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها ؟ قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شىء ... ، ولأنه يدل على النعمة السابعه عليهم ، فقهم أن يتقوه فى كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها . أو أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهى أن يتقوه فيم يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذى وصل بينكم؛ حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، حافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعانى السورة ((١). وقوله: ((وخلق منها زوجها ، معطوف على قوله (( خلقكم من نفس واحدة ... أو معطوف على محذوف والتقدير: خلقكم من نفس واحدة أو ابتدأها وخلق منها زوجها . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال: ((وبث منهما رجالا كثيراً ونساء)). والبث معناه: النشر والتفريق. يقال: بث الخيل فى الغارة، أى فرقها (١) تقسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٦٢ ٠- ٢٢ - ونشرها. ويقال: بثشت البسط إذا نشرتها. قال - تعالى - ((وزرانى مبثوثة، أى منشورة . والمعنى: ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل ، رجالا كثيرا ونساء كثيرة . والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين قوالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها ، قد تكاثروا وانتشروا فى أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم ، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد ، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم . وقوله (( كثيراً)) صفة لقوله ((رجالا)) وهو صفة مؤكدة لما أفاده التفكير من معنى الكثرة . وجاء الوصف بصيغة الإفراد، لأن ((كثيراً)) وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع. واستغنى عن وصف النساء بالكثرة، إكتفاء بوصف الرجال بذلك ، ولأن الفعل (((بث)) يقتضى الكثرة والانتشار. وقال الفخر الرازى : خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ، لأن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة. وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز. واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول))(١). وقوله: ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة فى النفس وقذ كير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره. وقوله (( تساءلون)) أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التامين تخفيفا . وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. وقرأ الباقون (( يساءلون)) بالتشديد بإدغام قاء التفاعل فى السين لتقاربهما (١) تفسير الفخر الرازى حـ ٩ ص ١٦٢ - ٢٤ - فى الهمس. والأرحام: جمع رحم وهى القرابة. مشتقة من الرحمة، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض . وكلمة (« الأرحام، قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى. والمعنى: واتقوا الله الذى يسأل بعضكم بعضا به، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف : أسألك بالله أن تفعل كذا ، أو أن تترك كذا . واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإحسان ، فإن قطعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبتعد عنه، وإنما الذى يجب أن يفعل هو صلتها وبرها . وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور ((به)). أى: اتقوا الله الذى تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك باته وبالرحم أن تفعل كذا . وقد كان من عادة العرب أن يقروا الأرحام بالله تعالى - فى المناشدة والسؤال فيقولون : أسألك بالله وبالرحم . ولم يرقض كثير من النحو بين هذه القراءة من حمزة، وقالوا: إنها تخالف القواعد النحوية التى تقول : إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه ، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة إتصاله بها ، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه ... إلى غير ذلك مما قالوه فى تضعيف هذه القراءة. وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه القراءة التى قرأها حمزة . وأفكروا على النحويين تشنيعهم عليه ... ومما قاله القرطى فى دفاعه عن صحه هذه القراءة: ومثل هذا الكلام - أى من النحويين - مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التى قرأ بها أئمة القراء ثبقت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا - ٢٥ -٠ ثبت شىء عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فمن رد ذلك فقد رد على الذى -- صلى الله عليه وسلم - ، واستقبح ما قرأ به. وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة الغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبي - صلى الله عه وسلم - ولا يشك أحد فى فصاحه: ثم قال : والكو فى يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه ، ومنه قولهم: فاذهب فما بك والأيام من عجب(١) ومما قاله الفخر الرازى فى ذلك: واعلم أن هذه الوجوه - أى التى احتج بها النحويون فى قضعيف قراءة حمزة - ليست وجوها قوية فىرفع الروايات الواردة فى اللغات ؛ وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، ولم يأت هذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التى هى أوهن من بيت العنكبوت . وأيضا فلهذه القراءة وجهان: أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار. كأنه قيل: تساءلون به وبالأرحام، وثانيهما: أنه ورد ذلك فى الشعر ومنه : نعلق فى مثل السوارى سيوفنا ومابينها والكعب غوط نفائف ثم قال: والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل -هذه الأبيات المجهولة ، ولا يستحنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف فى علم القرآن.،(٢). هذا، وهناك قراءة بالرفع. قال الآلوسى: وقرأ ابن زيد(«والأرحام) (١) تفسير القرطى ج ١ ص ٣ وما بعدها - بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٦٣ - بتصرف وتلخيص . - ٢٦ - بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر. أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينة ((اتقوا)). أو مما يتساءل به لقرينة (( تساءلون)(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة فى تقوى الله، وفى صلة الرحم فقال- تعالى: ((إن الله كان عليكم رقيبا،. أى حافظا يحصى عليكم كل شىء . من رقبه إذا حفظه . أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم: ومنه المرقب للمكان العالى الذى يشرف منه الرقيب ايطلع على ما دونه . وقد أكد - سبحانه - رقابته على خلقه، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات . فقد أكد - سبحانه - الجملة الكريمة بإن ، وبتكرار لفظ الجلالة الذى يبعث فى النفوس كل معانى الخشية والعبودية له، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام والاستمرار ، وبذكر الفوقية التى يدل عليها لفظ ((عليكم، إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر ، وبالإتيان بصيغة المبالغة وهى قوله: « رقيبا)) أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم واعمالكم فهو يراها ويعلمها وسبحاسبكم عليها يوم القيامة . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة: وجوب مراقبته - سبحانه - وخشيته وإخلاص العبادة له، لأنه هو الذى أوجدهم من نفس واحدة، وهو الذى أوجد من هذه النفس الموحدة زوجها، وهو الذى أوجد منها عن طريق التغاسل الذكور والإناث الذين يملؤون أقطار الأرض على اختلاف صفاتهم. وألوانهم ولغاتهم، وهو الذى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على اعمالهم يوم الدين، ومن كان كذلك فمن حقه ان يتقى ويخشى ويطاع ولا يعصى . كما أخذوا منها جواز المسألة بالله - تعالى - لأنه - سبحانه - قد أقرهم على هذا التساؤل ؛ الكونهم يعتقدون عظمته وقدرته . (١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٠١٨٥ - ٢٧ -٠٠ وقد ورد فى هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من استعاذ بالله فأعذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه . ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم يجدوا ما تسكلفتوه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كفأتموه )». فهم من أداء التساؤل باسمه - تعالى - إلى التساهل فى شأنه، وجعله عرضة. لعدم إجلاله ، فإنه يكون محظورا قطعا . وعليه بحمل ماورد من أحاديث تصرح بلعن من سأل بوجه الله. ومها ما رواه الطبرانى عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا: ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل يوجه الله ثم منع سائله. ما لم يسأل مجراً. أى مالم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. كما أخذوا منها أيضا وجوب صلة الرحم ، فقد جعل - سبحانه - الإحسان إلى الآباء وإلى الأقارب فى المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، وبذى القربى واليتامى والمساكين .... (١). ومن الأحاديث التى وردت فى وجوب صلة الرحم مارواه البخارى عن أبى هريرة قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن يبسط له فى رزقه ، وأن ينسأله فى أجله ، فليصل رحمه . وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: الرحم معلقة بالعرش. تقول: من وصلنى وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله . وأخرج البخارى عن عبد الله بن عمرو عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ليس الواصل بالمكافى .. ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها. إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى الترغيب فى صلة الرحم والترهيب من قطيعتها . (١) سورة النساء الآية ٣٦. ٥ - ٢٨ - ثم شرع - سبحانه - فى تفصيل موارد الاتقاء ومظافه، فابتدأ بأحق الناس بالرحمة والمودة، وهم اليتامى فقال - تعالى: (( وَآتُوا اليتَى أمْوَ الَهُم، ولا تَتَبَدَّلُوا الْخبيث بالطيِّب ، ولا تَأكُلُوا أموَالَهم إلى أموالِكُم، إنه كان حُوباً كبيراً (٢) وإنْ خِفْتُمْ أَلَّ تُقْسِطُوا فى اليتَى فَانكِحُوا ما طابَ لكُمُ منَ النساء مَثْنَى وثلاثَ ورُبَع، فإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فواحدةٌ أوْ مَاَ مَلكَتْ أَيمَانُكُم، ذلكَ أَدْنَى أَلَّ تَعَوْلُوا (٣))). والأمر فى قوله ((وآتوا ... )، يتناول كل من له ولاية أو وصاية أوصلة باليقيم ، كما يتناول الجماعة الإسلامية بصفة عامة، لكى تتكاتف وتتعاون على تمكين اليتيم من وصول حقه إليه بدون بخس أو مماطلة . و(( اليتامى، جمع يتم وهو الصغير الذى مات أبوه، مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد . ومنه الدرة اليتيمة . قال صاحب الكشاف وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء ، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال ، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم، وانتصبوا كفاة يكفلون غيرهم ويقومون عليهم ، زال عنهم هذا الاسم . وكانت قريش تقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقيم أبى طالب؛ إما على القياس، وإما حكاية الحال التى كان عليها صغيرا فى حجر عمه . وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -((لا يتم بعد الحلم، فهو تعليم شريعة لالغة. أى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار، (١) . والمراد بالتيامى هنا الصغار، والمراد بإيتائهم أموالهم حفظها لهم وعدم الطمع فى شىء منها لامن قبل الورثة ولا من قبل الأوصياء ولا من قبل غيرهم وعلى هذا المعنى يكون لفظ الإيتاء قد أول بلازم «هناه وهو الحفظ (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٤٦٣ - ٢٩ - والرعاية لمال اليتامى، لا تسليم المال إليهم لأنه من المعروف شرعا ألا يسلم المال إليهم إلا بعد البلوغ، إذهم فى حال الصغر لا يصلحون للتصرف. ويكون هذا التعبير من باب الكتابة بإطلاق اللازم - وهو الإيناء، وإرادة الملزوم وهو الحفظ، أومن باب المجاز بالمآل إذالحفظ يؤول إلى الإبناء. ويرى بعضهم أن المراد باليتامى هنا الكبار الذين أونس منهم الرشد. وأن المراد بالإيتاء دفع أموالهم إليهم على سبيل الحقيقة. ويكون التعبير عنهم باليتامى - مع أنهم كبار ـ باعتبار أن اسم اليتيم يتناول لغة كل من فقد أباه ، أو باعتبار قرب عهدهم بالصغر، أو باعتبار ما كان أى الذين كانوا يتامى . قالوا: وفى التعبير عنهم باليتامى مع أنهم كبار ، إشارة إلى وجوب المسارعة فى تسليم أموالهم إليهم متى أونس منهم الرشد، حتى لكأن اسم اليتيم ما زال باقيا عليهم ، غير منفصل عنهم: ويبدو لنا أن الرأى الأول أولى، لأن الأمر بدفع أموال اليتامى إليهم. بعد بلوغهم قد جاء صريحا فى قوله - تعالى - بعد ذلك: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آ نستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ... ». فكان حمل الآية التى معنا على أن المراد باليتامى: الصغار، وبإيتاء أموالهم حفظها لهم، أولى وأقرب إلى المنطق، لأنه على الرأى الأول يكون الأمر وما يذكر به تأسيسات أحكام، وعلى الرأى الثانى يكون ما فى الآية الثانية مؤكدا لما فى الآية التى معنا. والتأسيس أولى من التأكيد . ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك فى الآية التى معنا، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ... إنما هو تحذير للأوصياء والأولياء من الطمع فى مال اليتيم أو إضاعته ما دام المال فى أيديهم واليتيم فى حجر هم ،وهذا يؤيد هذا الرأى الأول القائل بأن المراد باليتامى: الصغار، وبإبتاء أموالهم: حفظها ورعايتها حتى تسلم إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة. وقوله (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، معناه: لا تجعلوا ردىء المال لهم - ٣٠ - بدل الجيد، بأن تأخذوا لأنفسكم كرائم الأموال ونفائسها، وتتركوا لهم الخسيس منها . قال القرطى: وكانوا فى الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى فكانوا بأخذون الطيب من أموال "يتامى، يبدلونه بالردى. من أموالهم ويقولون اسم باسم ، ورأس برأس ، فنهاهم الله عن ذلك . وهذا قول سعيد بن المسيب والزهرى والسدى والضحاك: هو ظاهر الآية، إذ التبدل جعل شى عبدل شىء)) (١) ويرى صاحب الكشاف أن المراد بالخبيث: الحرام، وبالطيب: الحلال فقد قال: ((ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)) أى: ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أببح ليكم من المكاسب ورزق الله المبثوث فى الأرض فتأكلوه مكانه، او لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها)) (٢). وقوله - تعالى - ((ولا تأكلوا أموالهم إلى أ،والكم، فهى آخر عن الاعتداء على أموال اليتامى عن طريق خط أموال اليتامى بأموال الأوصياء، والمراد من الأكل : مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر ، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . والمعنى: ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى اموالكم فى الإنفاق فتأكلوها مع أموالكم، ونسووا بينهما فى الانتفاع ، لأن أموالكم أحل الله لكم اكلها ، اما أموال اليتامى فقد حرم الله عليكم اكلها. فالآية الكريمة صريحة فى النهى عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الموصى عليه بقصد اكله، لأن هذا لون من الوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى ، كما انها تتضمن النهى عن خلط مال اليتيم بمال الموصى عليه ولو لم يقصد اكله، لأن هذا الخلط قد يؤدى إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت (١) تفسير القرطبى = ٥ ص ٨ (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص:١٦ - ٢١ - الوصى فلا يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدى الأمر إلى أكا. وإن لم يكن مقصوداً، ولذا قال الفقهاء : إذا مات الوصى على اليقيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له » . والخلاصة أن الآية الكريمة تحرم على الأولياء والأوصياء وغيرهم أن يتصرفوا فى أموال اليتامى أى تصرف يؤدى إلى الإضرار بها، بل عليهم أن يحفظوها لهم حتى بدفعوها إليهم سالمة عند البلوغ. هذا، وليس قيد ((إلى أموالكم)) محط الغهى، بل النهى واقع على آكل أموال اليتامى مطلقا، سواء أكان للآكل مال يضم إليه مال اليتيم أم لم يكن. ولكن لما كان الغالب وجود أموال الأوصياء، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثر أو توفير أموالهم ، جىء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب، وليسكون ذتهم على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع أنهم فى غنى عنها بما رزقهم الله من أموال . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: فإن قلت : قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم فلم ورد النهى عن أكله معها ؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم أحق ، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم)،(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((إنه كان حوبا كبيراً)). والحوب: اسم مصدر من حاب يحوب حوبا: إذا اكتسب إنما . يقال: فلان يتحوب أى يتأثم . والحوباء: النفس المرتكبة للإثم. ويقال فى الدعاء : اللهم اغفر حوبتى ، أى إنمى . وصله الزجر للإبل، فسمى الإثم حوبا لأنه پزجر عنه و به . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٦٥ - ٣٢ - والضمير فى قوله (( إنه، يعود إلى أكل مال اليتيم بأى طريق محرم. والمعنى: إن أكل مال اليتيم بأى طريقة من الطرق المحرمة كان إثماة كبيراً، وذنباعظيما، لأن هذا الأكل اعتداء على نفس ضعيفة فقدت من يعولها ومن يدافع عنها ، ومن اعتدى على نفس ضعيفة ، وضیع حقها ، وغان. الأمانة كان مرتكبا لذنب عظيم يؤدى به إلى العقوبة والعذاب الأليم . والجملة بمنزلة التعليل للنهى عن أكل مال اليتيم ، وعن الطمع بدون وجه. حق فيها . ثم شرع - سبحانه - فى فهيهم عن منكر آخر كافرا يباشرونه فقال - تعالى - : ( وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ،. وقوله ((وإن خفتم، شرط، وجوابه قوله ((فانكحوا)). والمراد من الخوف : العلم، وعبر عنه بذلك للاشعار بكون المعلوم مخوفا محذورا . ويقوم الظن الغالب مقام العلم . وقوله («تقسطوا، من الإقساط وهو العدل. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. قال - تعالى -: ((واقسطوا إن الله يحب المقسطين)) ويقال: قسط. الرجل إذا جار وظلم صاحبه. قال - تعالى - ((واما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً . . والمراد(( باليتامى،: يتامى النساء. قال الزمخشرى: ويقال للاناث اليسار كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة . ومعنى «ماطاب لكم، ما مالت إليه نفوسكم واستطابته من النساء اللاتى أحل الله لكم نكاحين . هذا، والعلماء أقوال فى تفسير هذه الآية الكريمة منها: مارواه البخارى - ٣٣ - ومسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم عن عروة بن الزبير انه سأل عائشة - رضى الله عنها - عن هذه الآية فقالت: يا إن أختى هى اليتيمة تكون فى حجر وليها تشركه فى ماله ويعحبه مالها وجمالها . فيريد و ليها أن يتزوجها من غير أن يقسط فى صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره . قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية، فأنزل الله - تعالى -: ((ويستفتونك فى النساء قل اللّه يفتيكم فيهن ومايتلى عليكم فىالكتاب فى يتامى النساء اللاتى لا تؤتوهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ... )). قالت عائشة: وقول الله - تعالى - ((وترغبون أن تنكحوهن)، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت: فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا فى مالها وجمالها من يتامى النسا إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال (١)» وعلى هذه الرواية التى ساقها أئمة المحدثين عن عائشة فى المراد من الآية الكريمة يكون المعنى: وإن علتم أيها الأولياء على النساء اليتامى أنكم لن تعدلوا فيهن إذا تزوجتم بهن - بأن تسيئوا إليهن فى العشرة، أو بأن تمتنعوا عن إعطائمن الصداق المناسب لهن - إدا علتم ذلك فانكحوا غيرهن من النساء الحلائل اللاتى تميل إليهن نفوسكم ولا تظلموا هؤلاء اليتامى بنكاحهن دون أن تعطوهن حقوقهن؛ فإن الله - تعالى - قد وسع عليكم فى نكاح غيرهن . فالمقصود من الآية الكريمة على هذا المعنى: نهى الأولياء عن نكاح النساء اليتامى اللاتى يلونهن عند خوف عدم العدل فيهن ، إلا أنه أوثر التعبير عن ذلك بالأمر بنكاح النساء الأجنبيات، كراهة للنهى الصريح عن نكاح اليتيمات ، وتلطفا فى صرف المخاطبين عن نكاع اليتامى حال العلم بعدم العدل فيهن . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص. ( ٣ - سورة السماء) ٠٠٣٠٠ فكأنه - سبحانه- يقول: إن علتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللائى فى ولا يتكم فلا تنكحومن، وأنكحوا غير هن ماطاب لكم من النساء . وعلى هذا القول الذي أورده المحدثون عن عائشة - رضى الله عنها - سار كثير من المفسرين فى تفسير الآية الكريمة . وبعضهم اقتصر عليه ولم يذكر سواه . قال بعض العلماء: وكلامها هذا أحسن تفسير لهذه الآية. وهى وإن لم تسند ماقالته إلى رسول الله، إلا أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف؛ ولذلك أخرجه البخارى فى باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة، اعتدادا بأنها ماقالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول . لاسيما وقد قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى جانب حفظ حقوق اليتامى فى أموالهم الموروثة ، حفظ حقوقهم فى الأموال التى يستحقها النساء اليتامى كمهور لهن عند الزواج بين .. ،(١) أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن الآية مسوقة للنهى عن نكاح مافوق الأربع خوفا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم . وفد حكى هذا القول الإمام ابن جرير فقال: وقال آخرون بل معنى ذلك: النهى عن نكاح مافوق الأربع، حذرا على أموال اليتامى أن يقافها أولياؤهم وذلك أن قريشا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما مال على مال اليتيمة التى فى حجره فأنفته ، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك . وقيل لهم: إن أنتٍ خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها فلا تعدلوا (١) تفسير التحرير والتنوير ج ٤ ص ٢٢٢ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - ٣٥ -- فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، - إن خفتم ذلك. فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربع. وإن خفتم أيضاً من الأربع ألا تعدلوا فى أموالههم - أى أموال اليتامى .، فاقتصروا على الواحدة أو على ما ملكت أيمانكم(١) - أى إن كان زواجكم بالأربع يؤدى إلى الجور فى أموال اليتامى فاقتصروا على الزواج بامرأة واحدة -)). وقد انتصر ابن جرير لهذا القول وعده أرجع الأقوال ، فقال ماملخصه وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الله - تعالى - افتح الآية التى قبلها بالنهى عن أكل أموال اليتامى بغير حقها ... ثم أعلمهم - هنا - المخلص من الجور فى أموال اليتامى فقال: أنكحوا إن أمنتم الجور فى النساء على أنفسكم ما أبحت الحكم منهن وحللته: مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم أيضاً الجور على أنفكم فى أمر الواحدة فلا ته-كحوها، ولكن تسروا من الماليك، فإنكم أحرى الاتجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذى يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور .. ))(٢). وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس وسعيد بن جبير، والسدى، وقتادة، وعكرمة . وقال مجاهد: إن الآية الكريمة مسوقة للنهى عن الزنا. وقد حكى هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : كانوا لا يتحرجون من الزنا. ويتحرجون من ولاية اليتامى . فقيل لهم: إن خفتم الجور فى حق اليتامى ، خافوا الزنا، فانكحوا ماحل لكم من النساء، ولا تحومواحول المحرمات)،(٣). هذه أشهر الأقوال فى معنى الآية الكريمة، ويبدو انا أن أرجحها أولها، لأنه هو الظاهر من معنى الآية، ، لأن الغالب أن السيدة عائشة -رضى الله عنها - (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٢٣، طبعة الحلى سنة ١٣٧٢ - سنة ١٩٥٤م (٢) تفسير ابن جرير ج ٤ ص ٢٣٥ - بتصرف وتلخيص -. (٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٤٦١ - ٢٦ - ما فسرت الآية بهذا التفسير الذى قالته لابن أختها عروة إلا عن توقيفه ومعاينة لحال النزول، ولأن الملازمة بين الشرط والجزاء فى الآية على هذا الوجه تكون ظاهرة. إذ التقدير وإن خفتم أيها الأولياء الجور والظلم فى نكاح اليتامى اللافى فى ولايتكم فان كحوا من غير هن ما طاب لكم من النساء. أما على القول الثانى فمحل الملازمة بين الشرط الجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء وهو قوله ((فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)). وعلى قول مجاهد تضعف الملازمة بين مشرط والجزاء . هذا، والأمر فى قوله ((فانكحوا، على التفسير الأول- الإباحة كمافى قوله - تعالى -((وكلوا واشربوا ... )) خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و((ما)، فى قوله - تعالى - ((ما طاب لكم)) موصولة أو موصوفة)، وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على ((من)) لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال ((فانكحوا من صاب لكم، لتبادر إلى الدهن أن المراد نسوة طيبات معر وفات بيهم . : وقوله - تعالى -- (( مثنى وثلاث ورباع، حال من فاعل «طاب،المستقر أو من مرجعه - وهو «ما)) -، أو بدل منه . وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد . وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها . فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة . والمراد منها هنا: الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين . والمعنى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء معدودات هذا العدد: ثنتين. التين . وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: الذى أطلق للناكح فى الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير فى مثنى وثلاث ورباع. -٠ ٣٧ - قلت: الخطاب للجميع . فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذى أطلق له. كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - : درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة . ولو أفردت لم يكن له معنى . فإن قلت : فلم جاء العطف بالواو دون أو ! قلت: كما جاء بالواو فى المثال الذى حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المـل درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها . فيجعلوا بعض القسم على تثنية ، وبعض على تثليث ، وبعض على تربيع . وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو . وتحريره: أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ النا كجون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع: إن شاؤا مختلفين فى تلك الأعداد ، وإن شاؤا متفقين فيها، محظوراً عليهم ماوراء ذلك))(١). ثم بين - سبحانه - لعباده ما ينبغى عليهم فعله فى حال توقعهم عدم العدل بين الزوجات فقال - تعالى - ,فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ،. فالمراد بالعدل هذا : العدل بين الزوجات المتعددات . أى: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين الأكثر من الزوجة الواحدة فى القسم والنفقة وحقوق الزوجية بحسب طاقتكم، كما علمتم فى حق اليتامى أنكم لا قعدلون ... إذا علمتم ذلك فالزمرا زوجة واحدة، أو أى عدد شتم من السرارى بالغة المغت. فكأنه - سبحانه - لما وسع عليهم بأن أباح لهم الزواج بالمثنى (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٠٤٦٨ - ٣٨ - والثلاث والرباع من النساء، أقبأهم بأنه قد يلزم من هذه التوسعة خوف الميل وعدم العدل . فمن الواجب عليهم حينئذ أن يحترزا بالتقليل من عدد النساء فيقتصروا على الزوجة الواحدة . ومفهومه: إباحة لزيادة على الواحدة إذا أمن الجور بين الزوجات المتعددات. وقوله ((واحدة)) منصوب بفعل مضمر والتقدير: فالزموا واحدة أو فاختاروا واحدة فإن الأمر كله يدور مع العدل ، هأينما وجدتم العدل فعليكم به . وقرىء بالرفع أى حسبكم واحدة. و((أو) للتسوية أى سوى - سبحانه- فى السهولة واليسر بين فكاح الحرة الواحدة وبين السرادى من غير تقييد بعدد، لقلة تبعتهن ، وخفة مؤقتهن، وعدم وجوب القسم فيهن . وقوله (( ذلك أدنى ألا تعولوا، جملة مستأنفة بمنزلة التعليل مما قبلها. واسم الإشارة (( ذلك)) يعود إلى اختيار الواحدة أو التسرى. وقوله (( أدنى)) هنا بمعنى أقرب. وهو قرب مجازى. أى أحق وأعون على أن لاتعولوا . وقوله , تعولوا، مأخوذ من العول وهو فى الأصل الميل المحسوس. يقال . عال الميزان عولا إذا مال. ثم نقل إلى الميل المعنوى وهو الجور والظلم ؛ ومنه عال الحاكم إذا جار ، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل . والمعنى: أن ما ذكر من إختيار الزوجة الواجدة والتسرى ، أقرب بالنسبة إلى ماعداهما إلى العدل وإلى عدم الميل المحظور، لأن من إختار زوجة واحدة فقد افتفى عنه الميل والجور رأسا لانتفاء محله ومن تسرى فقد أقتفى عنه حطر الجور والميل. أما من اختار عددا من الجرائر فالميل المحظور متوقع منه لتحقق المحل والخطر . - ٢٩ - ولأن التعدد فى الزوجات يعرض المكلف غالباً للجور وإن بذل جهده فى العدل . وهذا المعنى على تفسير ((تعولوا)) بمعنى تجوروا ونميلوا عن الحق . وهو اختيار أكثر المفسرين . وقيل: إن معنى ألا تعولوا، ألا تكثر عيالكم. يقال : عال يعول، إذا كثرت عياله. وقد حكى صاحب الكشاف هذا المعنى عن الإمام الشافعى فقال: ((والذى يحكى عن الشافعى - رحمه الله - أن فسر ((أن لا نعواوا)) بأن لا تكثر عيالكم . فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم كفولهم: مانهم بمونهم إذا أنفق عليهم . لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفى ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. ثم قال: وكلام مثله من أعلام العلم، وأئمة الشرع ، ورءوس المجتهدين، حقيق بالحمل على الصحة والسداد ... وقرأ طاووس: أن لا تعيلوا من أعمال الرجل إذا كثر عياله . وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعى من حيث المعنى الذى قصده)،(١). هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها : جواز تعدد الزوجات إلى أربع بحيث لا يجوز الزيادة عليهن مجتمعات، لأن هذا العدد قد ذكر فى مقام التوسعة على المخاطبين ، ولو كانت تجوز الزيادة على هذا العدد لذكرها الله - تعالى -. وقد أجمع الفقهاء على أنه لاتجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح فى هذا الإجماع ماذهب إليه بعض المبتدعة من جواز الجمع بين ما هو أكثر من الأربع الحرائر، لأن ماذهب إليه هؤلاء المبتدعة لا يعتد به. إذ الإجماع قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء المبتدعين المخالفين . (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٦٨ ٤٠ -٠ ٠٠٠ وقد رد العلماء على هؤلاء المخالفين بما يهدم أقوالهم ، زمن العلماء الذين قولوا الرد عليهم الإمام القرضي فقد قال - ما ملحه :: ء أعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع. كما قاله من بعد فهمه عن الكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة،وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - فكح تسعا ، وجمع بينهن فى عصمته . والذى صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر ، جعلوا مثنى مثل اثنين ، .. كذلك ثلاث ورباع ... وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لا يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع فى عصمته أكثر من أربع. وأخرح مالك فى الموطأ والنسائى والدار قطنى فى سننهما أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال الغيلان بن أمية الثقفى وقد أسلم وتحته عشر نسوة ((اختر منهن أربعا وفارق سائرهن)). وأما ما أبيح من ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - فذلك من خصوصياته. وأما قولهم إن الواو جامعة . فقد قيل ذلك، ولكن الله - تعالى - خاطب العرب بأفصح اللغات . والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تستقبح ممن يقول ، أعط فلانا أربعة ، ستة، ثمانية، ولا يقول : ثمانية عشر . وإنما الواو فى هذا الموضع بدل ، أى أنكحوا ثلاثابدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث ، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو . ولوجاء بأولجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث ((ولا أصاحب الثلاث رباع ... وقد قال مالك والشافعى فى الذى يتزوج خامسة وعنده أربع: عليه الحدإن كان عالما. وقال الزهرى: يرجم إن كان عالما، وإن كان جاهلافعليه أدنى الحدين الذى هو الجلد، ولها مهرها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا .. ،(١) (١) تفسير القرطبى < ٥ ص ١٧