Indexed OCR Text
Pages 341-360
فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بيتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقا منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقا كبتوا وذلوا، وفريقا من اقه عليهم بالإسلام فأسلموا، وفربقا عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار . و((أو)) التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم. هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ((ليس لك من الأمر شيء، روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبى - صلى اقه عليه وسلم - كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل -، فأنزل الله - تعالى (( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)). ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: « اللهم ربنا ولك الحمد. المهم أح الوليد بن الوليد . وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة ، اللهم اشدد وطأنك على مضر ، واجملها عليهم سنین کسنی یوسف » يجهر بذلك . و کانیقول فى بعض صلاقه فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا، لأحياء من العرب، حتى أنزل الله - تعالى -: ليس لك من الأمر شيء (١). ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر بيان قدرته الشاملة، وإرادته النافة فقال - سبحانه -: «ولقه ما فى السموات وما فى الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واقه غفور رحيم». أى لله جميع ما فى السموات وما في الأرض ملكا وقصر فاو تدبيرا لا ينازعه . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٣ 1 ٣٤٢ سورة آل عمران فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض ، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا م: وكرما، ويعذب من يها. أن يعذبه عدلامنه «والله غفور) أى كثير المغفرة بحبها وبريدها، ،رحيم، أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل بعفو عن کهیر منها . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها ، وبتذكير المؤمنين بما هم به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه اللهلهم مع قلهم وضعفهم ، حتى تعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب ، ومضاء العزائم والطاعة التامة. لله ولرسوله - صلى أقه عليه وسلم -، وحتى لا يعودوا إلى ماحدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا . ٠ وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين تهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: ((يَأَيُّاَ الدينَ آمَنُوا لا تأكلُوا الرَّبَا أَضعافاً مُضْاَعَّفَةُ، وَاتِقُوا اللهَ لعلكُمْ تُلِعُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ التى أُعِدَّت للكَافِرِين (١٣١) وَأَطِيعُوا اللّهَ والرسولَ لعلكمُ تُرْتُونَ (١٣٢) وسآرِعُوا إلى مغفرةٍ مِنْ رَبِّهُ وجِنَّةٍ عرضها السموات والأرضُ أُعِدَّتْ للمثَّقِينَ (١٣٣) الذينَ يُنْقُونَ فِى السَّرَّاء والضَّرَّاء والكاظِنَ الغَيْظَ والعافِنَ عن الناسِ ١٤٣ الجزء الثابت والله يُحِبُّ لُحْسِنِينَ (١٣٤) والذينَ إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظلموا أَنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِلُنوِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ اللّنُوبَ إِلَّاللهَ ولمْ يُصِرُوا عَلَى ما فمُلُوا وَمْ يَعَلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزَاؤُمَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهم وجناتٌ تَجْرِى مِنْ تحتِاَ الأنهارُ خالدِينَ فِيهاَ، ونِْمَ أَجْرُ العاملين (١٣٦))). قال الإمام الرازى ما ملخصه: اعلم أن من الناس من قال: إن أنه - تعالى - لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم فى أمر الدين وفى أمر الجهاد، اقمع ذلك بما يدخل فى الأمر والنهى والترغيب والترهيب فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضمانا مضاعفة)). وقال القفال: يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما قلها من جهة أن المشركين فى غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا، ولعل ذلك بصير داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر، ويتمكنوا من الإنتقام منهم ، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك وكان الرجل فى الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل ، فإذا حل الآجل ولم يكن المدين وأجدا لذلك المال قال : زدنى فى المال حتى أزيد فى الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثانى فعل مثل ذلك ، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله (( أضعافا مضاعفة) (١). وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله. يأيها الذين آمنوا ... ليان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين ، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين. (١) تفسير الفخر الرازى - ٩ ص ٣ طبعة عبد الرحمن محمد. ٣٤٤ سورة آل عمران وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يحتفبوا هذا الفعل القبيح ، وأن يتحروا الحلال فى كل أمورهم. وخصه بالنهى لأنه كان شائعاً فى ذلك الوقت، ولأنه - كما يقول القرطبى - هو الذى أذن فيه الحرب فى قوله - تعالى ((فإن لم تفعلوا فأذنوأ بحرب من القه ورسوله، والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول لهم: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقطتم (١). والمراد من الأكل الأخذ، وعبر عنه بالأ كل لما أنه معظم ما يُقصد به ، ولشيوعه فى المأكولات مع مافيه من زيادة الشفيع . والربا معناه الزيادة ، والمراد به هنا تلك الزيادة التى كانت تضاف على الدين. قال الإمام ابن جرير: عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بنى المغيره فى الجاهلية ، فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون. وقال ابن زيد : كان أبى - زيد بن ثابت - يقول: إنما كان ربا الجاهلية فى التضعيف. يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: (( تقضينى أو تزيدنى(٢). وقوله (( أضعافا)، حال من الربا، وقوله ((مضاعفة، صفة له. والأضعاف جمع ضعف. وضعف الشىء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعاف أمثاله . وهذا القيد وهو قوله (( أضعافا مضاعفة، ليس لتقييد النهى به، أى ليس للتهى عن أكل الربا فى هذه الحالة وإباحته فى غيرها ، بل هذا القيد لمراعاة الواقع ، ولبيان ماكانوا عليه فى الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال ، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة . (١) تفسير القرطبى ج ٤ ص ٢٠٢. (٢) تفسير ابن جرير الطبرى ج ٤ ص ٩٠. ٣٤٥ الجزء الثالث وقد حرم أنه - تعالى - أصل الربا ومضاعفته، ونفر منه تنفيرا شديدا، فقال - تعالى - الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخطبه الشيطان من المس ، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا، .. ، . وهذا النوع من الربا الذى نهى الله - تعالى - عنه هنا بقوله: (( يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة.،، هو الذى يسمى عند الصحابه والفقهاء بربا النسيئة ، أو ربا الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريماً قاطعا، فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى خطبة الوداع: « ألا إن ربا الجاهلية موضوع -- أى مهدر - وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب .. وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن ربا النسيئة بكفر من يجحد تحريمه. ويقابل هذا النوع من الربا، ربا البيوع وهو الذى ورد فى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم - الذى يقول فيه: البر بالير مثلا بمثل يدا بيد ، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا يمثل يدا بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد. والتمر بالتمر مثلا بمثل يدابيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى)). وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لايد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح، ولا بد من قبضها. وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة، ولابد من القض فى المجلس ، والتأخير يسمى وبا النساء، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل . وللفقها. فى هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء فى مظانها. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال : , واتقوا الله لملكم تفلحون)،. ٣٤٦ سورة آل عمران أى : واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية، أملكم بذلك تنالون الفلاح فى الدنيا والآخرة . ثم حذرهم - سبحانه - من الأعمال التى تفضى بهم إلى النار فقال: ((واتقوا النار التى أعدت الكافرين)). أى: صوفوا أنفسكم، واحترزوا من الوقوع فى الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك، لأن الوقوع فى هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلىدخول النار التى هيقت للكافرين . وفى التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وبانقاء النار ، إشعار بأن الذى يا كل الربا يكون بعيداً عن خشية الله وعن مراقبته ، ويكون مستحقا لدخول النار التى أعدها الله - تعالى - للكافرين والفاسقين عن أمره. قال صاحب الكشاف: كان أبو حنيفة - إذا قرأ هذه الآية , واتقوا النار التى أعدت للكافرين - يقول: هى أخوف آية فى القرآن، حيث أوعد أنه المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه فى اجتناب محارمه.(١). ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب مانهى الله عنه، أمرم - سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله فقال: ((وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحون ». أى أطيعوا الله فى كل ما أمركم به ونها كم عنه، وأطيعوا الرسول الذى أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم ، لعلكم بهذه الطاعة تكونون فى رحمة من الله، فهو القائل وقوله الحق ((إن رحمة الله قريب من المحسنين)). وفى ذكر طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقترنة بطاعة الله - تعالى- تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة لله. فقد قال - تعالى - ((من يطع الرسول. فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ،(٢). (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤١٤ (٢) سورة النساء الآية ٨٠ ٠٢ ٠ ثم أمرهم - سبحانه - بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرة أنه ورضوانه فقال: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين). قال الآلوسي : وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبي رباح: أن المسلمين قالوا: يارسول الله، بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا، كانوا إذا أذبة أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة فى عتبة داره اجدع أنفك، إجدع أذنك، الفعل كذا وكذا فسكت - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآيات إلى قوله ((والذين إذا فعلوا فاحشة .... الآية . فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم ،(١) . وقوله: ((سارعوا إلى مغفرة من ربكم، من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشىء بدون تأخير أو تردد ، والكلام على حذف مضاف: أى سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى مابه تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته ، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات، وقدهوا عما نهاكم عنه من محظورات . ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو ، وهى قراءة أهل المدينة والشام . والباقون بالواو . وهى قراءة أهل مكة والعراق .... فمن قرأ بالواو، جعل قوله - تعالى -،وسارعوا، معطوف على قوله ((وأطيعوا، أى: أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم. ومن قرأ بغير واو جعل قوله, سارعوا، مستأنفا، إذ هو بمنزلة البيان أو بدل الاشتمال. و ((من) فى قوله ((من ربكم) إبتدائية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للهمزة أى مغفرة كائنة من ربكم. (١) تفسير الآلوسى ج ٤ ص ٢١٧. ٣٤٨ سورةآل عمران ولقد عظم - سبحانه - بذلك شأن هذه المغفره التى ينبغى طلبها بإسراع ١ ومبادرة. بأن جاء بها منكرة، وبأن وصفها بأنها كائنة منه - سبحانه - وهو الذى خلق الخلق بقدرته ، ور باهم برعایته . ووصف - سبحانه - الجنة بأن عرضها السموات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التصريح بحرف التشبيه فى قوله - تعالى -، سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، (١). قال الفخر الرازى ما ملخصه : وفى معنى أن عرض الجنة مثل عرض السموات والأرض وجوه منها: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنه، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله . ومنها . أن المقصود المبالغة فى وصف السعة للجنة، وذلك لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما، ونظيرهقوله، خالدين فيها مادامت السموات والأرض». فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، خيوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هنا ، (٧) . وخص - سبحانه - العرض بالذكر، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها واتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها، لأن العرض فى العادة أقل من الطول. وذلك كقوله - تعالى - فی صفة فرش الجنة (( متکتین علی فرش بطائنها من إستبرق، لأنه إذا كانت بطاقة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين؟ وقال القفال: ليس المراد بالعرض ههنا ماهو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال . هذه دعوى عريضة (١) سورة الحديد الآية ٢١ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٤. ٢٤٩ الجزء الثالث أى واسعة عظيمة والأصل فيه أن ما إنسع عرضه لم يحقق ، وما ضاق عرضه دق ، جمل العرض كناية عن السعه ). قال ابن كثير: وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ». وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت قوله - تعالى -: ((جنة عرضها السموات والأرض)) فأبن النار قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شىء فأين النهار؟ قال: حيث شاء اللّه، فقال - صلى الله عليه وسلم - (( وكذلك النار تكون حيث شاء اته. (١) . وقوله - تعالى - (( أعدت للمتقين) أى هيئت للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وسائرا، وخافوا مقام ربهمونهوا أنفسهم عن الهوى . ثم بين - سبحانه - صفات المتقين الذين يصلحون فى الأرض ولا يفسدون، والذين أعد لهم - سبحانه - جنته فقال - تعالى - : الذين ينفقون فى السراء والضراء، أى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فى جميع أحوالهم، فهم يبذلونها إبتفاء وجه ربهم فى حال يسرثم وفى حال عسرهم ، وفى حال سرورهم وفى حال حزنهم ، وفى حال صحتهم وفى حال مرضهم ، لايصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم فى وجوه الخير ما داموا قادرين "على ذلك . وقوله ((الذين ينفقون ... )) فى محل جر صفة للمتقين . ويجوز أن يكون فى محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٤. ٣٥٠ سورة آل عمران وقال « ينفقون، بالفعل المضارع، الإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم فى سبيل الله آنا بعد أن بدون إنقطاع. وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء نفوسهم، وقوة إخلاصهم، فإن المال شقيق الروح، فإذا أنفقوه فى حالتى السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم وقد مدح الله - تعالى - الذين ينفقون أموالهم فى سبيله فى عشرات الآيات من كتابه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة ماته حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، (1) أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات مؤلاء المتقين فهما قوله - تعالى -: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس). أى سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذى يوصلك إلى جنة عظيمة أعدها الله - تعالى - لمن يبذلون أموالهم فى السراء والضراء، ولمن يمسكون غيظهم ، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه ، ولمن يغضون عمن أساء إ بهم .. فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه. يقال: كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه. ويقال: كظم البعير جرته، إذا ردها وكف عن الإجترار. وكظم القربة: إذا ملأها وشد على فيها ما يمنع من خروج ما فيها . وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل كظم الغيظ. والعفو عن الناس ومن ذلك مارواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبى - صلى القه عليه وسلم - أنه قال: ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند العضب . وروى الإمام أحمد - بسنده - عن حارثة بن قدامة السعدى أنه سأل (١) سورة البقرة الآية ٠٢٦١ ٣٠١ الجزء الثالث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله . قل لى قولا ينفعنى وأقلل علىّ لعلى أعقله: فقال له: «لا تغضب، فأعاد عليه حتى أعاد عليه من أراكل ذلك يقول: (( لا تغضب)). وعن أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم .. قال : من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه (!) ) . وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عند ما تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان، أما إذا كانت الإساءة متعلقة بالدين بأن إفتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففى هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات الله، ولا يصح العفو عمن إنتهاك هذه الحرمة: فلقد وصفت السيدة عائشة النبى - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان لا يغضب لنفسه فإذا إنتمكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء. وقوله ((والله يحب المحسنين)) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. والإحسان معناه الإتقان والإجادة. ول فى المحستير إما للجنس أى والله - تعالى - يحب كل محسن فى قوله وعمله، ويكون هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم داخلين دخولا أوليا . وإما أن تكون العهد فيكون المعنى: واقه - تعالى - يحب هؤلاء المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى كل حال من أحوالهم؛ ويكظمون غيظهم، ويعفون عمن ظلمهم . أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها - سبحانه - فى قوله: ((والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا القه، ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون)). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ س ٤٠٥٠ - - ٣,٢ سورة آل عمران والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد فى السوء. والمراد بها الفعلة البالغة فى القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر. والمعنى: سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدها خالقكم. عز وجل - للذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى السراء والضراء، ويكظمون غيظهم، ويعفون عن الناس، وأنهم إذا فعلوافعلة فاحشة متناهيه فى القبح ، أو ظلموا أنفسهم ، بإرتكاب أى نوع من أنواع الذنوب ((ذكروا الله)) أى تذكروا حقه العظيم، وعذابه الشديد، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامه ((فاستغفروا لذنوبهم، أى طلبوا منه - سبحانه - المغفرة لذنوبهم التى إرتكبوها، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا . وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ،والذين إذا فعلوا .. ) معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين، ويكون قوله - تعالى - ,واقه يحب. المحسنين، جملة معترضه بين الصفات المتعاطفة. قال الفخر الرازى: وأعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول أنه - تعالى- لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان: «أحدهما الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم بالإنفاق فى السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس. ونافيهما: الذين أذنبوا ثم تابوأ وهذا هو المراد بقوله - تعالى - ((والذين إذا فعلوا فاحشة)) وبين - سبحانه - أن هذه التفرقة كالفرقة الأولى فى كونها متقية ... والوجه الثاني: أنه فى الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى الغير ، و ندب فى هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس. فإن المذنب إذا تاب كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه (١))). وقوله ((أوظلموا أنفسهم)) معطوف على قوله (فعلوا فاحشة)) من باب (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص) ٣٥٣ الجزء الثالث عطف العام على الخاص ، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيرا . وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها، بمعنى أن كل معصية لا تخلو منهما فهى فاحشة وخظلم للنفس . وعلى هذا تكون أو بمعنى الواو . ويكون المعنى : ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه ، ويتذكران عند إرتكابها فيعود إليه نائيا منيبا يكون من المتقين . وفى التعبير بقوله : إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله، بصيغة الشرط والجواب، إشعار بوجوب إقتران الجواب بالشرط أى أن الشخص الذى يدخل فى جملة المتقين هو الذى يعود إلى ربه تائبا فور وقوع المعصية، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حضره الموت قال إنى تبت الآن . وقوله: (( ومن يغفر الذنوب إلا الله)) جملة معترضة بين قوله , فاستغفروا) وبین قوله « ولم يصروا)). والاستفهام فى قوله ((ومن يغفر الذنوب إلا الله)) للإنكار والنفى , أى: لا أحد يقبل توبة التائيين ، ويغفر ذنوب المذنبين ، ويمسح خطايا المخطئين، إلا أنه العلى الكبير «الذى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويتوب الله عن من تاب ، - كما ها. فى الحديث الشريف - ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه . فى هذه الجملة وصف لذاته - تعالى - بعة الرحمة ، وقرب ، المغفرة، وأن التائب من ذفيه كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع المذنبين إلا فضله وكرمه ... وفيها تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط ، وأن الذنوب وإن جملت فإن عفوه أجل، وكرمه (٢٣ - سورة آل عمران) ٣٥٤ سورة آل عمران أعظم . والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه،(١). وقوله ((ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون، بيان لشرط الاستغفار. المقبول عند الله - تعالى -. أى أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، سارعوا بالتوبة إلى الله - تعالى -، ولم يصروا على الفعل القبيح الذى فعلوه؛ وهم عالمون بقبحه، بل يندمون على ما فعلوا، ويستغفرون اله - تعالى - مما فعلوا ، ويتوبون إليه قوبة صادقة وقوله ((ولم يصروا، معطوف على قوله (( فاستغفروا لذنوبهم)). وقوله ((وهم يعلمون)) جملة حالية من فاعل ((يصروا، أى: ولم يصروا على مافعلوا وهم عالمون بقبحه . ومفعول يعلمون محذوف للعلم به أى يعلمون سوء فعلهم ، أو يعلمون أن اللّه يتوب على من تاب، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين بداومون على فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين. وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة ، وقلب سليم ، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متى أخلعوا عن ذنوبهم، وندموا على مافعلوا، وعاهدوا الله على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا، وردوا المظالم إلى أملها ، فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم، ويحترثم فى زمرة عباده المتقين . إنه - سبحانه - لا يغلق فى وجه عبده الضعيف المخطىء باب التوبة، ولا يبقيه حائرا منبوذا فى ظلام المتاهات ، ولا يدعه مطرودا خائفا من (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤١٦. ٣٥٥ - الجزء الثالث المصير، وإنما يطعمه فى مغفرته - سبحانه - ويرشده إلى أسبابها، ويغريه بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب . ولقد ساق - سبحانه - فى عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين فى توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((والذين لا يدعون ممع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك بلق أثاماً . يضاعف له العذاب يوم القياه. ويخلد فيه مهائا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا .(١). وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة)(٢). وقال القرطبى: وأخرج الشيخان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه». وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذى نمى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم». ثم قال القرطبى: والذنوب التى يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ماسلف من كفره، وغير الكفر إما حق قه - تعالى - وإما حق لغيره، حمى الله - تعالى - بكفى فى التوبة منه الترك، غير أن منها مالم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك فى بعضها قضاء كالصلاة (١) سورة الفرقان الايات من ٦٧ - ٧١ (٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٤٠٧ ٣٥٦ سورة آل عمران والصوم. ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث فى الأيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق الآدميين فلابد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجد واتصدق عنهم، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه الإعسار فمفو الله مأمول ، وفضله مبذول، فكم صمن من التبعات، وبدل من السيئات بالحسنات ... (١). ثم بين - سبحانه - عاقبة من هذه صفاتهم فقال. أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين». أى , أولئك، الموصوفون بتلك الصفات السابقه من الإنفاق فى السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس - الخ أولئك ((جزاؤهم مغفرة من ربهم، أستر ذنوبهم وتمسح خطا ياهم . وفى الإشارة إليهم بأولئك الدالة على البعد إشعار بعلو منزلتهم فى الفضل،. وسمو مکانهم عنداہ - تعالى -. وقوله («وجنات تجرى من تحتها الأنهار، معطوف على ((مغفرة» أى لهم بجانب هذه المغفرة جنات تجرى من تحت أشجارها وثمرها الأنهار. وقوله ((خالدين فيها، حال مقدرة من الضمير المجرور فى ((جزاؤهم)). لأنه مفعول به فى المعنى ، إذ هو فى معنى أولئك بحزيهم الله - تعالى - جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وعد. أصحاب هذه الصفات بأمور ثلاثة: وعدهم بغفر ان ذنوبهم وهذا منتهى الأمانى والآمال. ووعدهم بإدخالهم فى جناته التى يتوفر لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذالأ عين، ووعدهم بالخلود فى تلك الجنات حتى يتم لهم السرور والحبور. وقوله - تعالى - «ونعم أجر العاملير ، تذييل قصدبه مدح ما أعدلهم من جراء، حتى يرغب فى تحصيله العقلاء. والمخصوص بالمدح محذوف أى ونعم أجر العاملين هذا الجزاء الذى وعدم أنه به من مغفرة وجنات خالدين فيها : (١) صبر القرطبى ج ٢ ص ٠٢١٣ ٣٠٧ الجزء الثالث وبذلك ترى السورة الكريمة قبل أن تفصل الحديث عن غزوة أحد ، قد ذكرت المؤمنين بطرف ما حدث من بعضهم فيها، وبالنتائج الطيبة التى حصلوا عليها من غزوة بدر، ثم أمرتهم بتقوى الله وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى رضاه . ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك تحدث عن غزوة أحد وعن آثارها فى نفوس المؤمنين ، فبدأت بالاشارة إلى سنن الله فى المكذبين بآياته، لتخفف عن المؤمنين مصابهم، ثم أمرتهم بالصبر والثبات ونهنهم عن الوهن والجزع لأنهم هم الأعلون. وإن تكن قد أصابتهم جراح فقد أصيب المشركون بأمثالها، وفقه - تعالى - فيما حدث فى غزوة أحد حكم، منها: تمييز الخبيث من الطيب ، وتمحيص القلوب، وإتخاذ الشهداء، ومحق الكافرين . استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق تلك المعانى بأسلوبه الذى يبعث الأمل فى قلوب المؤمنين . وير شدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم ، ويمسح بتوجيهاته دموعهم، ويخفف عنهم آلامهم فيقول : ((قَدْ خَلَتْ مِنْ قبلُ سُنٌ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقبَةُ المَكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَانُ الناسِ وهُدَى وموعظةٌ لمثْقِينَ (١٣٨) ولا تَهِنُوا ولا تحزَنُوا وأَتُ الأعلونَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ فَرْحٌ فقد مسَّ القَومَ فَرْحٌ مِثْلُهُ وَتْكَ الأيّامُ نُدَاوِلهاَ بينَ الناسَ ، وَلِعَمَ الهُ الذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذٍ مِنْكُم شُهَدَاء وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَالمِينَ (١٤٠) ولِيمَحِّصَ الله الذِينَ آمَنُوا ويْجِق الكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبِتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجََّ ولمَّا يَعْلَمّ الهُ القرينَ ٣٥٨ سورة آل عمران جَاهَدُوا مِنْكُمْ ويعلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) ولقد كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموْتَ مِنْ قبلٍ أَنْ تَلْقُوْهُ فقد رَأَ يْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)». قال الفخر الرازى ماملخصه: أعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة. والتوبة من المعصية ، الغفران والجنات، أقبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية، وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: ((قد خلت من قبلكم سنن .. )). وأصل الخلو فى اللغة: الانفراد . والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه، ويستعمل أيضا فى الزمان بمعنى المضى، لأن مامضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية . والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال المتبع . وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها: أنها فلة من سن الماء يسنه إذا وإلى صبه. والسن الصب للماء . والعرب شيهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب. فإنه التوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد .... (١). والمراد بالسنن هنا: وقائع فى الأمم المكذبة، أجراما الله - تعالى- على حسب عادته، وهى الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم على أمره. والمعنى : إنه قد مضت و تقررت من قبلكم ۔ أيها المؤمنون - سنن ثابتة، و نظم محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة ، وعزة وذلة، وعقاب فى الدنيا وثواب فيها ، فالحق يصارع الباطل ، ويقتصر أحدهما على الآخر بما سنه - سبحانه - من سنة فى النصر والهزيمة. وقد جرت سنتم - سبحانه - فى خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين، وأن يملى للكافرين ثم بأخذهم أخذ عزيز مقتدر . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٠١٠ ٣٥٩ الجزء الثالث فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المؤمنون - «فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، . أى: فيروافى الأرض متأملين متبصرين، فسترون الحال السيئة التى انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم ، وبقايا آنارم . قالوا: وليس المراد بقوله « فيروا فى الأرض - فانظروا، الأمر بذلك. لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير فى الأرض كان المقصود حاصلا. ولا يمتنع أن يقال أيضا: إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر: تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار(١) والتعبير بلفظ كيف الدال على الإستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين الى تدعو إلى العجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ فى قلوب المؤمنين، لأن هؤلاء المكذبين، مكن الله لهم فى الأرض، ومنحهم الكثير من نعمه ... ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طفيانهم ... فهذه الآية وأشباهها من الآيات ، ندعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم. وإلى الاتعاظ بأيام الله، والتاريخ ومافيه من أحداث، وبالآثار التى تركها السابقون، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين . ثم قال - تعالى - ,هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)). والبيان : هو الدلالة التى تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة . والهدى: هو الإرشاد إلى مافيه خير الناس فى الحال والاستقبال . والموعظة : هى الكلام الذى يفيد الزجر عما لا ينبغى من الأمور الدينيه أو الدنيوية . قالوا: ((فالحاصل أن البنيان جنس تحته نوعان: أحدهما الكلام الهادى (١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ١٢ ٣٦٠ سورةآل عمران إلى ما ينبغى فى الدين وهو الهدى. والثانى: الكلام الزاجر عما لا ينبغى فى الدين وهو الموعظة. فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام)) (١). واسم الإشارة يعود إلى ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه ، ومن وعد ووعيد، ومن حض على السير فى الأرض للاعتبار والاتعاظ . أیهذا النیذ کر ناه لكممن وعد ووعید، و من أو ام و ڼو اه، و من حض على الاعتبار بأحوال المكذبين، (( بيان للناس)» يكشف لهم الحقائق ويرفع عنهم الالتباس ((وهدى، يهديهم إلى مافيه خيرهم وسعادتهم ((وموعظة)) أى تخويف نافع ((للمتقين)) الذين يعتبرون بالمثلاث، وينتفعون بالعظات. وقيل إن اسم الإشارة يعود إلى القرآن. أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين . وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال : وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب: قول من قال: قوله ((هذا)) إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله - عز وجل - المؤمنين ، وتعرفهم حدوده، وحضهم على لزوم ضاعته ، والصبر على جهاد أعدائه؛ لأن قوله,هذا، إشارة إلى حاضر إما مر ئى وإما مسموع وهو فى هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة . فمعنى الكلام: هذا الذى أوضحت لكم وعرفت كموه بيان للناس ... ،(٢). والمراد بالناس جميعهم ؛ إذ أن ماساقه الله - تعالى - من دلالات وهدايات وعدات هى للناس كافة، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون ؛ لأنهم هم الذين أخلصوا قلوبهم له ، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه ... والمكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى ، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب ، والناس فى كل زمان ومكان (١) حاشية الجمل على الجلالين. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١٠١