Indexed OCR Text
Pages 301-320
-ـ الجزء الثالث . ٣٠١ وقوله وآناء الليل، أى أوقاته وساعاته. والآناء جمع إنى - كمعا وأمعا .. أو جمع أنَى - كعما -، أو جمع أنى وإنى وإنو. فالهمزة فى إناء منقلبة عن ياء كرداء: أو من واو ككا .. والمراد بالسجود فى قوله «وهم يسجدون)، الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح، فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى لله عليه وسلم - ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن رأكما أو ساجداً . فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فى الدماء فقمِنٌ أن يستجاب لكم)). والمعنى. ليس أهل الكتاب متساوين فى الانصاف بما ذكر من القبائح، بل منهم قوم سلموا منها ، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه، وأكثروا من تلاوة آيات الله فى صلاتهم التى يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل وأطراف النهار . قال الآلوسي ما ملخصه. والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ماذهب إليه البعض - . وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة ، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإمام والذى عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة . واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن جرير والطبرانى عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما أنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب ... وعبر عن الصلاة بالسجود، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا وسجدة، ور كوعا ور كعة (١). ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمه فقال: ((يؤمنون بالله، والمراد بهذا الأيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع، وجاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. (١) تفسير الآلوسى = ٤ س ٣٤. ٣٠٢ سورة آل عمر ان ((واليوم الآخر، أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله: ((ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى ص أشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، والإكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن ، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله به، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله، وتستنكره العقول السليمة . 1 وقوله - تعالى - ((ويسارعون في الخيرات، أى يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التى ترفع درجاتهم عند الله - تعالى - ، بدون تردد أو تقصير. وقال - سبحانه - ((ويسارعون في الخيرات)، ولم يقل إلى الخيرات، للإشعار بأنهم مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير فى دائرة واحدة هى دائرة الخير ، فهم ينتقلون بين زواياها. وأقطارها ولا يخرجون منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير فى المفيدة للظرفية. والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه؛ لأن من رغب فى الأمر يسارع فى قوليه وفى القيام به. وإختبار صيغة المفاعلة. يسارعون، للمبالغة فى سرعة ا نهوضنهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير ، وألوان البر . قال صاحب الكشاف: وقوله ((بتلون، و«يؤمنون)، فى محل الرفع صفتان لأمة . أى: أمة قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان باه؛ لأن إيمانهم به كلا إيمان، لإشراكهم به عزیرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض . ومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته .ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة فى الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها»(١). (١) تفسير الكشاف = ١ س ٠٣٠٤ ٣٠٣ الجزء الثالث واسم الإشارة فى قوله ، وأولئك من الصالحين، يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم الآخر ... أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، واستحقوا ثناءه عليهم. وفى التعبير بقوله ((من الصالحين) إشارة إلى أنهم بهذه المزايا، وتلك الصفات، قد انسلخوا من عداد أصل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين . فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين . قال الفخر الرازى: واعلم أن وصفهم بالصلاح فى غاية المدح . ويدل عليه القرآن والمعقول. أما القرآن، فهو أن الله - تعالى - مدح بهذا الوصف أ كار الأنبياء، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذى الكفل وغيرهم (( وأدخلناهم فى رحمتنا إنهم من الصالحين). وذكر حكاية عن سليمان أنه قال:«وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين)). وأما المعقول، فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل مالا ينبغى أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك فى العقائد أو فى الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح ؛ فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات(!). ثم بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئًا ما قدموه من أعمال صالحة، بل سيكافتهم على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال: (( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه «أى أن هؤلاء الذين وصفهم الله بتلك الصفات الطبية لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح ، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل ، وأجر كبير بدون أى نقص أو حرمان . و« ما، فى قوله (، وما يفعلوا من خير)، شرطية. وفعل الشرط قوله (( بفعلوا، وجوابه قوله «فلن يكفر وه،. (١) تغير الفخر الرازى ج ٨ ص ٢٠٣. ٣٠٤ سورة آل عمران و ((من)) فى قوله «من خير، لتأكيد للعموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه. وأصل الكفر: الستر والتغطية. وقد ضح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم . ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت لم عدى إلى مفعولين ، وشكر وكفر لا يتعديان إلا واحد تقول: شكر النعمة وكفرها ؟ قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل : فلن يحرفوه، بمعنى: فلن يحرموا جزاءه،(١). وقوله ((والله عليم بالمتقين، قديبل مقرر لمضمون ما قبله. أى هو - سبحانه- عليم بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب ، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة . وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق. وأنهم يتلون آيات الله أناء الليل وأطراف النهار وأنهم مكثرون من التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم، و أنهم يؤمنون باقه واليوم الآخر وأنهم بأمرون بالمعروف، وأنهم ينهون عن المنكر . وأنهم يسارعون فى الخيرات، وأنهم من الصالحين. ثم بشرم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه ، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا . وبعد هذا الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ، ما أعده الله لهم من ثواب جزيل ، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى جحودهم وفسوقهم فقال - تعالى -: (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٤٣ ٣٠٥ الجزء الثالث ((إِنَّ الذينَ كَفَرُوا لَنْ تْفِيَ عْهُمْ أَموَالَهُمْ ولا أَوْلاَدِمُ مِنَ الهِ شيئاً، وَأُولئِكَ أَحمَابُ النَّارِ مُ فيها خَلدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنفِقُونَ فى هذهِ الحياةِ الدُّنْيَاَ كَثَلِ رِيحِ فيها صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَثْفُسَهم فَأَهْلَكَتْهُ وما ظلمهُمُ اللهُ ولكنْ أَنْفُسَهم يُظْلِمُونَ (١١٧))). والمراد بالذين كفروا فى قوله « إن الذين كفروا .. ، جميع الكفار، لأن اللفظ عام ، ولا دليل يقتضى تخصيصه بفريق من الكافرين دون فريق. والمراد من الإغناء فى قوله (( لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم مزاقه شيئا. الدفع وسد الحاجة يقال : أغنى فلان فلانا عن هذا الأمر ، إذا كفاه مؤنه، ورفع عنه ما أثقله منه. أى: إن الذين كفروا بما يحب الإيمان به. واغتروا بأموالهم وأولادهم فى الدنيا، ان تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا - ولو يسيرا - من عذاب الله الذى سيحيق بهم يوم القيامة بسبب كفرهم وجحودهم. وقد أكد - سبحانه - عدم إغناء أموالهم ولا أولادهم عنهم شيئا - فى وقت هم فى أشد الحاجة إلى من يعينهم ويدفع عنهم - بحرف ((أن)) المفيد لتأكيد النفى وخص الأموال والأولاد بالذكر، لأن الكفار كانوا أكثر ما يكونون اغتراراً بالأموال والأولاد ، وقد حكى القرآن غرورهم هذا بأموالهم وأولادهم فى كثير من الآيات، ومن ذلك قوله - تعالى - : ((وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين))(١). ولأن من المتعارف عليه بين الناس أن الإنسان يلجأ إلى ماله وولده عند الشدائد ، إذ المال يدفع به الإنسان عن نفسه فى العذاء وما يشبهه من المغارم، والأولاد يدافعون عن أبيهم لنصرته ممن يعتدى عليه . (١) سورة سبأ الآية ٣٥ (٢٥ - سورة آل عمران) ٣٠٦ سورة آل عمران وكرر حرف النفى مع المعطوف فى قوله ((ولا أولادهم، لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم ، ولدفع قوهم ماهو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب عن آبائهم . فالمقصود من الجملة المكريمة ففى الانتفاع بالأموال والأولاد فى حالة إجتماعهما، وفى حالة انفراد أحدهما عن الآخر، ولأن المال قد يكون أكثر نفسا فى مواضع خاصة، والأولاد قد يكونون أكثر نفعا من المال فى مواطن أخرى ، فبتكرار النفى تأكد عدم انتفاع الكفار بهذين النوعين فى آبة حال من الأحوال . فإن قيل: لقد قص القرآن على أن الكفار لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة ، مع أن المؤمنين كذلك لا غنى عنهم أموالهم ولا أولادهم فلماذا خص الكافرين بالذكر ؟ فالجواب أن الكافرين هم الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ، وهم الذين اعتقدوا أنهم سينجون من العقاب بسبب ذلك، أما المؤمنون فإنهم لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم يغتروا بما منحهم الله الله من نعم، وإنما اعتقدوا أن الأموال والأولاد فتنة ، ولم يعتمدوا فى نجاتهم من عقاب الله يوم القيامة إلا على فضله ورحمته، وعلى إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح . " و، من)) فى قوله ((من الله)) إبتدائية، والجار والمجرور متعلق يتغنى. وقوله « شيئا، منصوب على أنه مفعول مطلق أى: لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من الاغناء والدفع. وتفكير (( شيئاً، للتقليل. وقوله (( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» تذييل قمد به بيان سو. عاقبتهم ، وما أعد لهم من عذاب شديد. ٣٠٧ الجزء الثالث أى وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم هم أصحاب النار الذين سيلازمونها ويصلون سعيرها، ولن ينصرهم من عذاب الله أى ناصر من أموال أو أولاد أو غيرهما . وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم العادل بعدة مؤكدات منها: التعبير إسم الإشارة المتضمن السلب من كل قوة كانوا يعتزون بها، ومنها. ذكر مصاحبتهم الناروخلودهم فيها أى «لازمتهم لها ملازمة أبدية، ومنها ما إشتملت عليه الجملة الكريمة من معنى القصر أولئك أصحاب النار الذين يلازمونها ولا يخرجون منها إلى غيرها بل هم خالدون فيها . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لبطلان ما ينفقه هؤلاء الكافرون من أموالى من أموال فى الدنيا فقال «،مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا، أى من أموال فى وجوه الخير المختلفة، كمواساة البائسين، ودفع حاجة المحتاجين . و(«ما، موصولة والعائد محذوف، والتقطير، مثل ما ينفقونه. ,كمثل ريح فيها صر، أى كمثل ريح فيها برد شديد قاقل للبنات. وقيل . الصر. الحر الشديد، وقيل الصر. صوت لهيب النار التى تحرق الثمار . وذكر - سبحانه - الصر على أنه فى الريح، وأنها مشتملة عليه، وهى له ظرف وهو مظروف، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل الثمار للزرع . وإنما هى تحمل ما معها ما يهلكه . ( وقوله (( أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته)) أى أصابت زر غ قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصى فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى الزرع وتلك الثمار . :٧)) والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث، وأصل كلمة حرث: فلح الأرض وإلقاء البذر فيها , ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع. وفى التعبير بقوله ((ظلموا أنفسهم)) تذكير السامعين، وبعث لهم على ترك .٣٠٨ سورة ال عمران الظلم، حتى لايصابوابمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة ، وأضرار فادحة . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله. ((وما ظلهم الله ولكن انفسهم يظلمون)، أى أن أق - تعالى - ما ظلمهم حين لم يقبل تفقاتهم؛ ولكنهم م الذين ظلموا أنفسهم بإثارهم الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه شيئا، لأن الله - تعالى - وإنما يتقبل من المتقين. والضمائر فى هذه الجمة الكريمة تعود أولئك الكافر بن الذين ينفقون أموالهم مقرونة بالوجوه المانعة من قبولها . وفى هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ، فقد شبه - سبحانه - خال ما ينفقه الكفار فى الدنيا - على سبيل القرنة أو المفاخرة - شبه ذلك فى ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه فى الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة : بحال زرع لقوم ظالمين، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته، ولم ينتفع أصحابه منه بشىء ، وم أحوج ما يكونون إليه . ٠ قال صاحب الإنتصاف . أصل الكلام - والله أعلم -. مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم ، فأصابته ربح فيها. صر فأملكته . ولكن خولف هذا النظم فى المثال المذكور لفائدة جليلة . وهى تقديم ماهو أم لأن الريح التى هى مثل العذاب. ذكرها فى سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث. فقدمت عناية بذكرها، وإعتماداعلى إن الأفهام الصحيحة تستخرج المصدابقة برد ".كلام إلى أصله على أيسر وجه. ومثل هذا فى تحويل النظم لمثل هذه الفائدة قوله - تعالى - ((فرجل وأمر أتان من ترضدون من الشهداء أن تضل إحداهما،. ومثله - أيضا -. أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه. ٣٠٩ الجزء الثالث والأصل. أن تذكر إحداهما الأخرى وإن ضلت. وأن أدعم بها الحائط إذا مال ، وأمثال ذلك كثيرة(١) . وبعد أن بین - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين أ کمل بيان وأحكمه، حذر المؤمنين من أهل الكتاب ومن على شاكانهم من لا يريدون الإسلام إلا الشرور والمضار فقال - تعالى -: ((يأَيَُّ الذِينَ آمَنُوا لا تَتْخِدُوا بِطَنَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُم خبَلاً، وَدُوا مَا عَنِّم، قد بَدَتِ الْبَغْضَاءِ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وما تُنْفِى مُدُورُهُ أَكْبَرَ، قد يَبِنا لكُم الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلونَ (١١٨) هَا أَنتُمْ أُولَه تُحِبُّونَهُم ولا يُحِبُونَكُم، وَتُؤْمِنُونَ بَالكِتَبِ كُله، وإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا، وإِذَا خَلَوْا عَضُوا عليكُم الأنَمِلَ مِنَ الفِيظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إن تَمَسْكُم حسنَةٌ تَسُؤْمُ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سيئةٌ يفِرَحُوا بِهَاَ، وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتْقُوا لا يَضُرَّكُمْ كَيْدَمَ شيئاً، إنَّ اللهَ بما يَعْلُونَ محيطٌ (١٢٠)). قال الفخر الرازى ماملخصه: اختلفوا فى الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم ؟ فقيل هم اليهود ؛ لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم فى أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من الرضاع والخلف ... وقيل هم المنافقون، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون مظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله - تعالى - ((بطانة من دونكم، فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطاقة من غير المؤمنين ، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار ... (٧). (١) الانتصاف على الكشاف الشيخ أحمد بن المغير ج ١ ص ٤٠٥. (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٢١٠. ٣١٠ سورةآل عمران والبطانة فى الأصل: داخل الثوب، وجمعها بطائن . قال - تعالى. ( متكتين على فرش بطائها من إستبرق،(١). وظاهر الثوب يسمى الظهارة. والبطاقة - أيضا - الثوب الذى يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار، ومافوقه الدثار : وفى الحديث( الأنصار شعار والناس دئار). ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئواء الخفية تشبيها ببطانة الثياب فى شدة القرب من صاحبها. قال الشاعر : أولئك خلصانى نعم وبطاقتى وهم عيبتى من دون كل قريب . و قوله « من دونكم ، أى من غير أهل ملتكم . والمعنى: لا يجوز لكم ـ أيها المؤمنون - أن تتخذوا من غير أهل متكم أصفياء وأولياء لقون إليهم بأسراركم التى لا يصح لمكم أن تطلعوم عليها، لأفكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر فى دينكم. ودنياكم . قال القرطبى: « نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلا وولجاء، يفاوصونه فى الآراء ويسبدون إليهم أمورهم ... وفى سنن أبي داود عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم- قال: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) ... وقيل لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطاقة من دون المؤمنين ... » . ثم قال القرطبى - رحمه الله -: «قلت وقد إنقلبت الأحوال فى هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبه وأمناء ، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء». روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى - صلى أنه عليه وسلم - قال: (( ما بعث الله من بنى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له (١) سورة الرحمن الآية ٥٤ . ٣١١ الجزء الثالث بطافتان : بطاقة تأمره بالخير ونحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه. والمعصوم من عصمه الله، (٩). وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان ، الاشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم فى عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء بلقون إليهم ،المودة، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمورخاصه بالمؤمنين وقوله، من دونكم ، يجوز أنيكون صفة لبطانة فيكون متعلقا بمحذوف ، أى لا تتخذوا بطانه كائنة من غيركم . ويجوز أن يكون متعلفا بقوله:، لا تتخذوا، أى لا تتخذوا من غير أمل ملتكم بطاقة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم ثم ذكر. سبحانه - جمله من الأسباب التى تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم فى عقيدتهم فقال فى بيار أول هذه الأسباب: ((لا يألونكم خبالا، وأصل (( الألو)): التقصير يقال: ألا فى الأمر - كغزا- يألو ألواً وألوا، إذا قصر فيه ، ومنه قول أمرىء القيس : ما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدر لا أطراف الخطوب ولا آل أراد ولا مقصر. وهو - أى الفعل ((يألو، من الأفعال اللازمة الن تعدى إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كما فى قولهم : لا ألوك نصحاً، على تضمين الفل معنى المنع. أى لا أمنعك ذلك والخبال: الشر والفساد. وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفورفيورته فساداً وإضطراباً. بقال خبله وخبلة مو خابل. والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه إضطراباً وفساداً فى قواه العقلية والفكرية . والمعنى: أنها كم - أيها المؤمنون - عن تتخذوا أولياء وأصفيا. لكم من غير إخوانكم المؤمنين، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين ( ١) تفسير القرطبي ج ٤ من ١٧٨. ٣١٢ سورةآلعمران لا يقصرون فى جهد يبذلونه فى إفساد أمركم، وفيم يورثكم شرا وضرا. أو لا يمنعوفكم خبالا ؛ أى أنهم بفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئا منه عندهم ، بل يبذلون قصارى جهدهم فى إلحاق الضرر بكم فی دینکم ودنیا کم . وقوله , لا يألونكم خبالا، جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى إجتنابهم أو صفة لقوله : بطاقة ». وقوله( خبالا، منصوب على أنه المفعول الثانى ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم ويصح أن یکون منصوباً بنزع الخافض أى لا يقصرون لكم عن جمد فيما يورثكم شرا وفسادا. أما السبب الثانى الذى يحمل المؤمنين على إجتناب هؤلاء الضالین فقد بينه - سبحانه - بقوله: ((ودواما عنتم)). وقوله ((ودوا، من الود وهو المحبة . يقال: وددت كذا أى أحببته. وقوله: عنتم)) من العنت وهو شدة الضرر والمشقة. ومنه قوله - تعالى- ((ولو شاء اللّه لأعنتكم، أى لأوتعكم فيما يشق عليكم. و((ما فى قوله(( ما عنتم، هى ما المصدرية . أى: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهداً فى إفساد أمركم، فانهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم ، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم . فالجملة الأولى وهى قوله « لا يألونكم خبالا، بمنزله المظهر والنتيجة، وهذه، أى قوله - تعالى - ((ودوا ما عنتم، بمنزلة الباعث والدافع. فهم لا يودون المسلمين الخير والإطمئنان والأمان، وإنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران . وليس بعاقل ذلك الذى يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله . ٣١٣ الجزء الثالث وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى إجتنابهم فقدبيته الله - مالى- فقوله: « قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)). والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهى البغض الشديد المتمكن فى النفوس ، والثابت فى القلوب . أى : قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم، وطفح البغض الباطن فى قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم، ولا ح على صفحات وجوههم وقد قيل كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان . ومع هذا فإن ما تحفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد وإحن، أكبر ما نطقت به ألسنتهم مر بغضاء، إذ أن ما نطقوا به إنما بمثابة الرشح الذى ظهر من مسام أجسامهم وقلوبهم ، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآ ئام فهو أكبر من ذلك بكثير . وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة ، للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم فى أقوالهم الباطلة، فهم أشد جرما من المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين ، حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم وعن سوء فو ايام وعن الأسباب التى تدعو إلى الحذر منهم مقال - تعالى - قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)). أى قد بينا لكم العلامات الواضحات، والآيات البينات التى تعرفون بها أعدائكم ( وتميزون عن طويقها بين الصديق وبين العدو، إن كنتم من أهل العقل والفهم . والمقصود من الجملة الكريمه حضهم على إستعمال عقولهم بتأمل وتدبر فى هذه الآيات التى بينها الله لهم فضلا منه وكرما، حتى لا يتخذوا بطاقة من غير إخوانهم فى العقيدة والدين . ٣١٤ سورة آل عمران وحواب الشرط محذوف لدلالة المكلام عليه، والتقدير: إن كنتم تعقلون ذلك فلا تباطفوهم ولا تقشوا لهم أسراركم. ۔ ثم ذكر - سبحانه - أموراً أخرى من شأنها أن تجعل المؤمنين يقلعون عن مباطنة ومصافاة أعدائهم فى الدين فقال: « ما أنتم أولاء تجبونهم ولا يحبونكم، أو ما أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبون هؤلاء الذين يخالفونكم فى عقيدتكم ، وتتمنون لهم الهداية والخير، بينماهم لا يحبونكم ولا يربدون لكم إلا الشرور والهزائم والضعف. وفى هذه الجملة الكريمة عتاب ولوم للمؤمنين الذين يلقون إلى أعدائهم بالمودة ، ويكشفون لهم عن أسرارهم ودخائلهم. و(«ها، حرف تنبيه، وقوله (( أنتم، مبتدأ وقوله,أولا.، خبره، وقوله (( تحبونهم ولا يحبونكم .. ، كلام مستأنف لبيان خطتهم فى موالاتهم ومحبتهم لمن يبغضونهم ويخالفونهم فى الدبن . وبعضهم جعل ((أنتم، مبتدأ، وقوله(( أولا) منادى حذف منه حرف النداء، وقوله ((تحبونهم)) هو الخبر عن المبتدأ. وبعضهم جعل جملة (« تحبونهم)) فى موضع نصب على الحال من إسم الإشارة الذى هو الخبر . والمراد بالكتاب فى قوله ((وتؤمنون بالكتاب كله)) جنس الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبياته . أى أتم أيها المؤمنون تحبونهم وهم يحبونكم، وأنتم تؤمنون بجميع الكتب السماوية التى أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بشىء من كتابكم الذى أنزله الله على نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم بطانه من دون إخوانكم المؤمنين؟ لا شك أن من يفعل ذلك يكون بعيدا عن الطريق القويم ، والعقل السليم. ٢١٥ الجزء الثالث ثم بين - سبحانه - سببا ثالثا يدل على قبح مخالطتهم ومصافاتهم فقال - تعالى -: ((وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ » . والعض هو الإمساك بالأسنان أى تحامل الأسنان بعضها على بعض . يقال: عض بعض عنا وعضيضا إذا تحامل بأسنانه على الشى .. والأنامل جمع أملة، وهى أطراف الأصابع. وقيل هى الأصابع. والغيظ : أشد الغضب . وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتخسرم وحنقهم على المؤمنين . أى أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من ناقهم وسو. ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم" وإذا خلوا ، أى خلا بعضهم بعض أكل الحقد قلوبهم عليكم، وسلقوكم بألسنة حداد، وتمنوا لكم المصائب، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ محوكم؛ بسبب ما يرونه من إئتلافكم، وإجتماع كلمتكم. وعجزهم عن أن يجد سبيلا إلى التشفى منكم، وإلحاق الأضرار بين صفوفكم . 7 ومن كان كذلك فى كفره ونفاقه، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه ، لأنه لا يريد للمؤمنين إلا شرا. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين وبقى حسرتهم فقال: ((قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور)). والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - , ولكل مؤمن من أنباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون لهم إلا الشر. أى: قل لهم دو موا على غيظكم وإستمروا عليه إلى أن تموقوا، فان قوة الإسلام وعزة أهمله التى جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر ، وإن أحقادكم على المسلمين لن تنقص من قوتهم وعلى كلمتهم شيئا . ٣١٦ سورة آل عمران فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى هلكوا به، وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم ويكبتهم، وهو نجاح الإسلام وقوته : والباء فى قوله ، بغيظكم، للملابسة. أى موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم. وقوله (( إن الله عليم بذات الصدور) أى محيط بما خفى فيها. ومطلع على مايبيته هؤلاء المنافقون للمسلمين، وسيحاسبهم عليه حسابا عميرا. ويعذبهم بسبب ذلك عذابا أليما . قال الجمل: وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، أخبر اقه - تعالى - بذلك ، لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد ويحتمل أن تكون من جملة المقول. أى قل لهم كذا وكذا فتكون فى محل نصب بالقول . ومعنى قوله: « بذات الصدور، أى: بالمضمرات ذوات الصدور . فذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحبة الصدور. وجعلت صاحبة للصدورلملاز متها لها وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار، (١). وفى هذه الجملة الكريمة تطيب القلب النبى - صلى الله عليه وسلم - ولقلوب أصحابه . حيث بين - سبحانه - لهم أنه ناصرهم، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره وإجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطاقة لهم. ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بعض هؤلاء السكافرين للمؤمنين، فقال - سبحانه -: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)، والمس: أصله الجس باليد، ثم أطلق على كل ما يصل إلى شىء على سبيل القشبيه ، فيقال : فلان مسه النصب أو التعب ، أى أصابه. والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على إختلاف ألوانها كحصة البدن ، وحصول النصر، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين ... (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٠٨. ٣١٧ الجزء الثالث أى إن تمسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم، وإعلاج ذات بينكم. ((تسؤهم، أى تحزنهم وتملأ قلوبهم غيظا عليكم،، وإن تصبكم سيئة، كزول مصيبة بكم ((يفرحوا بها، أى ينتهجوا بها، وتستطار إلبابهم سررو وحپوراً بسبب ما نزل بكم من مكاره . فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما بنالهم من خير ، ويشمتون بهم عند ما ينزل بهم شر. وعبر فى جانب الحسنة بالمس، وفى جانب ليته بالإصابة. للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفاً وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحز فون لذلك. لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا . أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره، فان هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مساً خفيفاً، فانها لا تشفى غيظهم وحقدهم، وإنما يفرحون بالمصاف الشديده التى ؤذى المؤمنين فى دينهم ودقيام أذى شديداً ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بارشاد المؤمنين إلى الدواء الذى يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى -: ((وإن تصبرواوتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) . وقوله ((تصبروا)) من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل . وقوله ,وتتقوا، من التقوى وهى صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله. وقوله ((كيدهم)) من الكبد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره فى مكروه والمعنى: ((وإن تصبروا، أيها المؤمنون على طاعة الله، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا فى محبة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بهزيمة صادقة مشاق التكاليف التى كلفكم الله بها، وتقاوموا العداوة بمثلها ،وتتقوا، الله - تعالى- فى كل مانها كم عنه، وتمتثلوا أمره فى كل ما أمركم به، إن فعلتم ذلك ,لا يضركم ٣١٨ سورة آل عمران كيدهم، وتدبيرهم الى. , شيئا)، من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين: الصبر والنقوى ، فإنهما جالمعتان لمحامن الطاعات، ومكارم الأخلاق . وإن لم تفعلوا ذلك أصابكم الضرر، وإستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم قال الجمل ما ملخصه: وقوله (( لا يضركم)) وردت فيه قراء تان سبعيتان إحداهما - يضم الضاد وضم الراء مع التشديد - من ضر يضر. والثانية («لا يضركم - بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير، والفعل كليهما مجزوم جوابا للشرط ، وجزمه على القراءة الثانية (بضركم ظهر. وعلى القراء الأولى، يضركم. يكون مجزوما بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره إشتغال المحل بحركة الإتباع للتخلص من التقاء الساكنين؛ وأصل الفعل بضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت فى فى الثانية، وحركت الثانية بالضبم إتباعا لحركة الضاد، (١). وقوله «شيئا، نصب على المصدرية. أى لا يضركم كيدهم شيئاً من الضرر لا قليلا ولا كثيرا بسبب إعتصامكم بالصبر والتقوى . وقوله (( إن الله بما يعملون محيط) تذييل قصدبه إدخال الطمأنية على قلوب المؤمنين، والرعب فى قلوب أعدائهم. أى إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم، ولا تخفى عليه خافية منها، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب قياتهم الخبيثه، وأقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة. وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم فى الدين ، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابنتهم والحذر منهم والبعد عنهم، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى التخلص من آنار مكرم وكيدهم. (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٠٨. ٣١٩ الجزء الثالث وإنها الوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة، وإرشادات عالية، ما أحوج ٠ المسلمين فى كل زمان ومكان إلى العمل بها لكى يفلحوا فى دنياهم وآخرتهم. تدبر معى - أخى القارىء - هذه الآيات مرة أخرى فماذا ترى؟ إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم، محركا لحرارة العقيدة ١ فى قلوبهم .. حيث نادقهم بصفة الإيمان، ونهنهم فى هذا النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إحوانهم المؤمنين ، ولكن هل اكتفت بهذا الغهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين عما نهتهم عنه ؟ كلا ، إنها لم تكتف بذلك ، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم، صورة قاطقة بدخائل نفوسهم ، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية ، وبانفعالاتهم القلبية والجسدية، وبحركاتهم الذاهبة والآيية صورة نادقة بحالهم عندما يلتقون بالمؤمنين، وبحالهم عندما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم ، أو عندما يلتقون بأمثالهم من الضالين . صورة ناطقة بسرورهم عندما تصيب المسلمين مصيبة ، وبحزنهم عندما يرون المؤمنير فى نعمة يسيرة . صورة ناطقة بموقف المؤمنين منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه الصورة العجيبة المتكاملة لهم ، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان التوجيه والإرشاد الذى يجعلهم فى مأمن من كيدهم ومكرهم ((وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئاً ... )). أرأيت - يا أخى القارى . - كيف ربى القلة أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟ إنه نها هم أولا عن مباطنة أعدائهم، ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما يقنعهم ويحملهم على البعد عنهم، ثم أرشدهم إلى الدواء الذى ينجيهم من مكرهم . فما أحكمه من توجيه، وما أسماه من إرشاد، وإن ذلك ليدل على أن ٣٢٠ سورة آل عمران هذا القرآن من عند الله «رلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا کثیر »(١) . وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثنا - من بين ما حدثنا - فى مائة وعشرين آية منها، عن بعض الأدلة على وحدانية اله - تعالى -، وعن مظاهر قدرته ورحمته، وعن كتبه التى أنزلها على أنبيائه لسعادة لناسر وهدايتهم" وعن حب الناس للشهوات وعما هو اسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة ، وعن المجادلات التى حدثت بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل الكتاب فيما يتعلق بوحدانية الله - تعالى - وبصحة دين الإسلام، وعن جوانب من قصة آل عمران وما اشتملت عليه من عظات وعبر، وعن الشبهات التى أثارها اليهود حول الدعوة الإسلامية والمالك الخبيئة التى سفكوها فى حربهم لها، وكيف رد القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف عن كدبهم ويجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت - من بين ما ساقت - ألوانا من الحرب النفسية التى شنها أهل السكتاب على الدعوة الإسلامية، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويبصرهم بالحق - إن كانوا طلاب حق - وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات، ما يهدى قلوبهم ، ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على أعدائهم . وبعد هذا السبح الطويل فى الحديث عما دار ين المسلمين وبين أعدائهم من حروب كلامية وفكرية ونفسية ..... انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن حرب السيف والسنان، وما صاحبها من أفكار وأقوال وأفعال .... فقد حدثقنا السورة الكريمة فى حوالى ستين آية عن جوانب متعددة من (١) سورة النساء الآية ٨٢