Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الجزء تثالث
إليه، بعد كل ذلك ساق له ما يقوى إيمانهم، ويثبت يقينهم، بأن بسرم بحسن
العقى متى استقاموا على أمره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأنذر
الكافرين من أهل الكتاب بالهز،، فى الدنيا، وبغضب الله - تعالى - فى الآخرة
فقال - تعالى -:
«كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ الناسِ تَأْمُرُونَ بالمعرُوفِ وَتَنْهُوْنَ عَنٍ
المنَكَّرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ، ولو آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكَانَ خَيراً لَهُم،
منهم الَّؤْمِنُونَ وأَكْثِرُهُّ الفاسِقُونَ (١١٠) لنْ يضُرُّوْ إِلاَّ أَذَى
وإِنْ يُقَاتِلُوْلُمْ يوَلُّوكُم الأدبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عليهِمْ
الذَّلَّةُ أَيْنَمَا تُقِفُوا، إلاَّ بحيلٍ مِنِ اللهِ وحبلٍ مِنِ الناسِ، وبآيوا بنَضَبٍ
مِنِ الَّهِ وَضُرِبَتْ عليهم المَشَّكَتَّةُ، ذَلِكَ بَأَنْهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتٍ
اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ، ذلك بما عَصَوْا وَكَانُوا يَعْذُون (١١٢)»
وقوله - تعالى - , كنتم، يصح أن تكون من كان التامة التى بمعنى وجد
وهى لا نحتاج إلى خبر فيكون المعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس، ويكون
قوله (( خبر أمة)، بمعنى الحال. وبهذا الرأى قال جمع من المفسرين.
ويصح أن يكون من كان الناقصة التى هى - كما يقول الزمخشرى - عبارة
عن وجود الشىء فى زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم
سابق ولا على انقطاع طارىء فيكون المعنى: قدرتم فى علم الله - تعالى -
خير أمة أخرجت للناس .
ويجوز أن تكون بمعنى صار. أى تحولاتم بامعشر المؤمنين الذين عاصر تم
النبى - صلى الله عليه وسلم - من جاهليتكم إلا أن صرتم خير أمة.
وقيل: إن كان هنا زائدة والتقدير : أنتم خير أمة . ورد هذا القول بأن
کان لاتزاد فى أول الكلام .

٢٨٢
سورةآل عمران
والظاهر أن الرأى الأول الذى يقول إن كنتم، هذا من كان التامة هو
أقرب الأقوال إلى نصواب، ويليه الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن كنتم
هنا من كان الناقصة إلا أنها هنا تدل على تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضى من
غير دلالة على عدم سابق أو لاحق .
والخطاب فى هذه الآية الكريمة بقوله - تعالى - ((كنتم)) للمؤمنين
الذين عاصروا النبى - صلى الله عليه وسلم - ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم
الإسلام إلى يوم الدين .
ولذا قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة فى جميع الأمة. كل
قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، كماقال -- سبحانه - فى الآية الأخرى
, وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
علیکم شهيدا)).
وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل هذه الأمة الإسلامية . منها ماجاء
فى مسند الإمام أحمد وفى سنن الترمذى وابن ماجه من رواية حكيم بن معاوية
أبن حيدة عن أبيه قال : قال رسول - صلى الله عليه وسلم: أثم توفون
سبعين أمه. أنتم خيرها وأكرفها على الله - تعالى -،(١).
والمعنى: وجدقم يامعشر المسلمين عاملين بتعاليم الإسلام وآدابه وسنته
وشريمته خيرأمة أخرجت وأظهرت الناس، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق
كلمة الباطل، ونشر الإصلاح وتنفع فى الأرض .
وقوله (( خير أمة، خبر كنتم على أنها من كان الناقصة .
وجملة (( أخرجت)) صفة لأمة، وقوله ((للناس)) متعلق بأخرجت،
(٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩١

٢٨٣
الجزء الثالث
وحذف الفاعل من ((أخرجت، للعلم به أى: أخرجها الله - تعالى النفع
الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم .
فالجملة الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية ؛ وتعلى من قدرها ، فهل تعى
الأمة الإسلامية هذا التغويه من شأنها وذلك الإغلاء من قدرها، فتقوم دورها
الذى اختاره الله لها، وهو نشر كلمة التوحيد فى الأرض، وإحقاق الحق
وإبطال الباطل شكراً لله - تعالى - على جعله إياها خير أمة أخرجت
للناس؟؟.
إن واقع المسلمين الملىء بالضعف والهوان، والفسوق والعصيان
يدمى قلوب المؤمنين الصادقين ، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات الله دون
أحدا سواه ، حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا
هى السفلى .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت الأمة الإسلامية خير أمة
أخرجت للناس فقال: ((تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر،
وتؤمنون بالله » .
والمعروف: هو كل قول أو عمل حسنه الشرع، وأيدته العقول السليمة،
والمنكر بعكه.
والمعنى: وجدتم خير أمة أخرجت الناس، لأنكم ((تأمرون بالمعروف))
أى بالقول أو الفعل الجميل المتحسن فى الشرائع والمقول. (وتنهون عن المنكر،
أى: كل قول أو فعل قبيح تستنكره الشرائع، وبأباه أهل الإيمان القويم
والعقل السليم .
و«تؤمنون بالله، أى تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواء،
وتخلصون له العبادة والخضوع، وتطيعونه فى كل ما أمركم به أونها كم عنه على
لسان رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - .

٢٨٤
سورة آل عمران
فأنت ترى أن الخيريه للأمم الإسلامية منوطة بتحقيق أصلين أساسيين:
أولهما: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهما - ياج الدين، ولا يمكن
أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما، فهما من الأسباب التى
استحق بنو إسرائيل اللعنة من اجل تركهما ؛ فقد أخرج أبو داودفى سنته عن
عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أول
ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: يا هذا
اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد على حالة فلا يمنعه
ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلواذلك ضرب اله قلوب بعضهم
ببعض ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل
على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بماعصوا وكانوا يعتدون. كانوالا يتناهون
عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)).
ثم قال : كلا واقه: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر. ولتأخذون
على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً - أى ولتحملته على اتباع الحق
حملا -، أو ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على بعض. ثم ليلعنكم كما لمنهم،.
وثانيهما: الإيمان بالله - تعالى -، وبجميع ما أمر الله - تعالى-
بالا يمان به .
هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الاسلامية
خير أمة أخرجت للناس ، لأن الأمة التى تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر ولا تؤمن بالله، لا يمكن أن تكون خير أمة، بل لا توصف الخيرية
قط، لأنه لا خير إلا فى الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمور إلا
مع وجود الإيمان بالله، وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر ويكون
لدعوتهم آثارها القوية التى تحيا معها الفضائل ونزول بها الرذائل.
وكأنه - سبحانه - قد أخر ((الإيمان بالله)) عن «الأمر بالمعروف والنهى

٢٨٥
الجزء الثالث
عن المنكر،، ليكون كالباعث عليهما، لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما
إلا مؤمن يبتغى وجه الله، وير ن فى كماحه إليه . فهذا الإيمان باعه هو
الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على أن يبلغوا رسالات الله
دون أن يخشوا أحداً سواه . .
وقيل: إنما آخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع
تقدمه عليهما وجودا ورقبة كما هو الظاهر. لأن الإيمان مشترك بين جميع
الأمم دون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فهما أظهر فى الدلالة على
الخيرية للأمة الإسلامية .
وجملة , تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)) يجوز أن تكون حالية
من ضمير الخطاب فى( كنتم ، ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل، وهذا
ما ذهب إليه الفخر الرازى ، فقد قال :
اعلم أن هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما
تقول ، زيد كريم بطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام
أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على
كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، فهنا حكم - تعالى بثبوت وصف
الخيرية لهذه الأمة .
ثم ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر والايمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات (١).
وقال الإمام أبو كثير- بعد أن ساق بضعة عشر حديثا فى فضل هذه الأمة:
فهذه الأحاديث فى معنى قوله - تعالى - «كنتم خير أمة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باقه .. فمن إتصف من هذه
الأمة بهذه الصفات دخل معهم فى هذا المدح، كما قال قتادة، بلغنا أن عمر
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص١٩١.

٢٨٦
سورة آل عمران
ابن الخطاب رأى من الناس دعه فى حجة حجها فقرأ هذه الآية, كنتم خير
أمة أخرجت للناس، ثم قال، (من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط
الله فيها)، رواه ابن حرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين
ذمهم الله بقوله . . كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه، الآية (١).
وبعد أن مدح - سبحانه - هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم
أهل الكتاب وتأنيبهم فقال - تعالى - ،((ولو آ من أهل الكتاب، أى بما
أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -((لكان خيرالهم، أى لكان إيمانهم
خيرا لهم فى دنياهم وآخرنهم ولنالوا الخيرية التى ظهرت بها الأمة الإسلامية،
ولكنهم لم يؤمنوافامتنع الخير فيهم، لامتناع الإيمان الصحيح منهم ولإينارهم
الضلالة على الهداية فهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ,كنتم
خير أمة ... ، ومرتبطة بها.
ولم يذكر متعلق ((آمن، هنا، لأن المراد أو إتصفوا بالإيمان الذى هو
لقب وإشعار للايمان بدين الإسلام الذى أنى به محمد - صلى الله عليه وسلم -
وهو الذى منه أطلقت صفة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالعلبة.
وقال - سبحانه - ((لكان خيرالهم، أى: لو آمنوا لكان إيمانهم
خيرالهم بدون تفصيل لهذه الخيرية ، لتذهب نفوسهم كل مذهب فى
الرجاء والإشفاق .
ثم أخبر سبحانه ـ بأن قلة من أهل الكتاب إختاروا الإيمان على الكفر
فقال - تعالى -: ((منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)).
أى: من أهل الكتاب أمة آمنت بالله وصدقت رسوله محمد - صلى الله
عليه وسلم - وإقبعت ما جاء به من الحق وأكثرهم معرضون عن الإيمان بالله
وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وخارجون عن الطريق المستقيم الذى أمرت.
باتباعه الشرائع والعقول السليمة .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٦"

٢٨٧
الجزء الثالث
فالجملة الكريمة إنصاف القلة المؤمنة التى آمنت من أهل الكتاب كعبداته
ابن سلام وغيره ممن دخل فى الاسلام . وذم لأكثر أهل الكتاب الذين
جحدوا الحق. وخرجوا عن الطريق القويم .
وقوله , منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، جملة مستأنفة استئنافا بيانيا،
فهى جواب للجملة للشرطية التى قبلها، فكأنه قيل : هل منهم من آمن أوكلهم
على الكفر ؟ فكان الجواب: منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .
وعبر عن كفرم بالفسق ؛ الإشعار بأنهم قد فقوا فى دينهم أيضافهم
ايسوا عدولا فيه، وبذلك يكونون قد خرجوا عن الاسلام وعما أوجبته
عليهم كتبهم من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين، بأن هذه الكثرة الفاسقة من أهل
الكتاب التى عنت على أمروبها. وناصبت المؤمنين العداء، أن تضرهم ضررا
بليغاله أثر ، مادام أهل الإيمان مستمسكين بدينهم، ومنفذين لتعاليمه وآدابه،
فقال - سبحانه - ((أن يضروكم إلا أذى، أى، لن يضركم أهل الكتاب يا معشر
المؤمنين إلا ضررا يسيراً، كأن يؤذوكم بألسنتهم، ويلقوا الشبه بينكم ليعدوا
من ضعف إيمانه عن الحق، وفى هذا تثبيت للمؤمنين ، وطمأنينة لقلوبهم ،
إذ الضرر الذى يصيب الأمة الاسلامية من أعدائها على قسمين:
أولهما: ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة، وإضعاف قونها، وإهدار
كرامتها ، وجعل أمورها فى أيدى أعدائها تصرفها كيف تشماء.
و ثانيهما : ضرر لا يؤثر فى كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قرتها،
كالأذى بالقول، أو محاولة التأثير فى ضعاف الإيمان.
وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتى على كيانهم من جهة
أهل الكتاب فقال: ((لن يضروكم إلا أذى ، فأوقع الفعل المضارع فى حبزان
المفيدة للنفى - ؛ للاشارة إلى أن ذلك لا يكون فى المستقبل.
ولكن هذا النفى لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الاسلامية

٢٨٨
سورة آل عمران
على الأصلين السابقين وهما« الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان
باقه » .
فإذا أرادت أمة الاسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتى على
كيانها ، فعليها أن تخلص العبادة لربها، وأن تعمل بسنة نبيها، وأن تتقيد بأحكام
كتابها، وأن تباشر الأسباب التى شرعها خالقها للنصر على أعدائها ..
أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها الله - تعالى - به، وتجاوزت مانهاها
عنه ، فإنها فى هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر فى كيانها، وتكون
هى الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر الله ونواهيه .
هذا، وأكثر العلماء على أن الاستثناء فى قوله ((لن يضروكم إلا أذى»
متصل ، وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضررا
ألبته إلا ضرر أذى لا يبالى به من كلمة سوء ونحوها .
وقيل هو إستثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر، أى أن يضروكم
بقتال وغلية لكن بكلمة أذى ونحوها .
ورجح الأول ، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقبقى لميجز
صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر.
وإن لم يترك أثراً .
ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال: (وإن يقاتلوكم
یولوکم الأدبار ثم لا ینصرون ،
تولية الأدبار: كتابة عن الهزيمة ، لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة
الذى هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر .
والمعنى ، إن أهل الكتاب لن يضر وكم يا معشر المؤمنین إلا ضررا یسیرا.
لا يبقى أثره فيكم ـ مادمتم مستمسكين بدينكم - فإن قاتلوكم وأنتم على هذه
الحال ، أمدكم الله بنصره، وألقى فى قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما
منكم، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أقم عليهم .

٢٨٩
الجزء الثالث
والتعبير عن الهزيمة بتولية الأدبار، فيه إشارة إلى جبنهم، وأنهم يفرون
فرارا شديدا بذعر وهلع .
وهكذا كان الشأن فى قتال المسلين الأولين لأعداء الله وأعداتهم ، فلقد
قاتل المؤمنون اليهود من بنى قينقاع والنضير وقريظة وأهل خيبر فانتصر المسلمون
عليهم انتصارا باهرا .
وقاتلوا جموع الروم فى بلاد الشام وفى مصر، فكان النصر المؤزر حليفا
المسلمين مع قلتهم وكثرة أعدائهم.
وقوله (« ثم لا يبصرون)، احتراس. أى يولوكم الأدبار قولية المنهزم؛
لا تولية المتحرف لفتال أو المتحيز إلى فئة أو المتأمل فى الأمر.
والتعبير (( بثم، لإفادة التراخى فى المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان
عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار .
وهذه الجملة خربة وهى معطوفة على جملنى الشرط وجزائه معا، للاشعار
بأن هذا ديدفهم ، وأنهم لن ينتصروا على المسلمين لا فى قتال ولا فى غيره ،
مادام المسلمون مستقيمين على الطريقة التى رسمها الله - تعالى - لهم.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت : هلا تجزم
"المعطوف فى قوله (, ثم لا ينصرون؟ قلت: عدل به عن حكم الجزءاء إلى حكم
الاخبار إبتدا. كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون .
فإن قلت : فأى غرق بين رفعه وجزءه فى المعنى؟ قلت : أو جزم لكان
النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان أفى النصر وعدامطلقا
كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التى أحبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم
تخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر.
وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر فإن قلت :
ما الذى عطف عليه هذا الخبر؟ قلت: جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم
(١٩ - سورة آل عمران)
-

٢٩٠
سورة آل عمران
أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فما معنى
التراخى فى ثم ؟ قلت: التراخى فى المرتبة ، لأن الاخبار بتسليط الخذلان
عليهم أعظم من الاخبار بتوليتهم الأدبار . فإن قلت: ما موقع الجملتين ،
أعنى ((منهم المؤمنون)) و((أن يضروكم، قلت هما كلامان واردان على طريق
الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان
فإن من شأن كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف.(١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين بإشارات
ثلاث :
أولها : أنهم فى مأمن من الضرر البليغ الذى يؤثر فى كيانهم وعزتهم
وكرامتهم من جهة أهل الكتاب .
ثانيها: أن أهل الكتاب لوقاتلوهم، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم.
ثالثها: أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم
اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك .
وقد تحققت هذه البشارات، وكانت كما أخبر الله - تعالى -،
فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دينهم نصرهم الله - تعالى-
على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصراً مؤزرا - كما سبق
أن أشرنا ...
فإن قال قائل: ولكن الذى نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد فى
جبنهم وفى حرصهم على الحياة، قد اقتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة
فى بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهى فلسطين فهل تخلف وعد الله؟
والجواب على ذلك: أن وعبد الله - تعالى - ما تخلف ولن يتخلف،
وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذين آمنوا به حق الإيمان ...
ولكن المسلمين فى هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم، فقد فرطوا فى دينهم.
.. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٠١.

١ ٢٩
الجزء الثالث
وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وتفرقواشيعا وأحزاباً، وتنكبوا الطريق
القويم، ولم يباشروا الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر، ولم
يحسنوا الشعور بالمسئولية .. ,.
فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر ، ومن القوة إلى الضعف.
وسلط انه عليهم من لا يخافهم ولا يرحمهم؛ لأنه - سبحانه - . لا يغير
ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
وإذا ما عاد المسلمون إلى دينهم فطبقوا أوامره ونواهيه على أنفسهم
تطبيقا كاملا؛ فإن الله - تعالى - سيعيد لهم كرامتهم وعزتهم وقوتهم
((ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز، (١).
ومن هنا نعلم أن الشرط فى نفي الضرر الذى يؤثر فى الأمة الإسلامية ،
هو أن تكون مؤمنة بربها حق الايمان، مشبعة لهدى رسولها محمد - صلى الله
عليه وسلم - .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التى عاقب بها اليهود
بسبب كفرهم وظلمهم فقال: «ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا إلا بحبل من الله
وحبل من الناس » .
وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى النقاء ظاهر جسم بظاهر
. جسم آخر بشدة. يقال: ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصفها بها، ونفرعت
عن هذا المعنى معانى مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق .
والذلة على وزن فعلة من قول القائل: ذل فلان يذل ذلة وذلا والمزاد
الصغار والهوان والحقارة .
فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها هؤلاء اليهود، وإحاطتها بهم ، كما
يحيط السرادق بمن يكون فى داخله .
(١) سورة الحج . الآية ٤٠

٢٩٢
سورة آل عمران
"قال صاحب الكشاف: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم كمن
بكون فى القبة من ضربت علیه . أو ألصقت بهم حتى أز متهم ضربة لازب كما
يضرب الطين على الحائط فيلزمه . فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة
ومدقعة ، (١) .
و((نقفوا، أى وجدوا، أو ظفر بهم. يقال: نقفه يثقفه أى صادفه
أو ظفر به أو أدركه. وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشىء، ومن
التصرف فيه بشدة ، ومنها سمى الأسير ثقافا. والثقاف آلة تكر بها أغماد
الرماح :
والحبل: هو ما يربط بين شيئين، ويطلق على العهد، لأن الناس يرتبطون
بالعهود: كما يقع الارتباط الخسى بالحبال، وهذا الإطلاق هو المراد هنا .
ولذا قال ابن جرير: وأما الحبل الذى ذكره الله - تعالى - فى هذا
الموضوع ، فإنه السبب الذى يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى
أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا فى بلاد
الإسلام: (٢).
والمعنى: إن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما وجدوا
وحيثما حلوا، إلا فى حال إعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس.
وقد فسر العلماء عبد الله بعقد الجزية الذى يربط بينهم وبين المسلمين.
وإنما كان عقد الجزية عهداً من آلله لهم، لأنه - سبحانه - هو الذى
شرعه، وما شرعه الله فالوفاء به واجب . .
وكان عهدا من المسلمين لهم، لأنهم أحد طرفيه، فهم الدين باشروه مع
البورد، وبمقتضاه يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم، ويكون لهم ما للمسلمين
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٨١٧
(٢) تفسير ابن جرير ج ٤ ص ٠٤٨

٢٩٣
الجزء الثالث
وعليهم ما عليهم، وعلى المسلمين حمايتهم، وصون أموالهم لقاء مقدار من المال
يدفع لهم كل عام وهو المسمى بالجزبة .
وأما عهد الناس ، فهو العهود التى يعيشون بمقتضاها فى أى أمة من أمم
الأرض مسلمة كانت هذه الأمة أو كافرة .
فإن كانت تلك العهود صادرة من المسلمين، جازأن يطلق عليها عندالله
- أيضا - ، باعتبار أن الله هو الذى شرعها .
وإن كانت من غير المسلمين فهى عمود من الناس -وا. أوافقت شريعة
الله - تعالى - أم لا.
والمعنى الإجمالى للآية: أن اليهود قد ضرب الله - تعالى - عليهم الذلة
والمسكنة فى كل زمان ومكان بسبب كفرهم وطغيانهم، وسلب عنهم السلطان
والملك ، فهم يعيشون فى بقاع الأرض فى حماية غيرهم من الأمم الأخرى ،
وبمقتضى عهود يعقدونها معهم، وقد تكون هذه العهود موافقة لشرع الله -تع الى-
وقد لا تكون موافقة .
فإن قال قائل : إنهم الآن أصحاب جاه وسلطان ، بعد أن أنشأوا دولتهم
بفلسطين :
والجواب: أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول
الكفر الكبرى . فهى التى تحميهم وتمدهم بأسباب الحياة والقوة، فينطبق على
هذه الحالة - أيضا - أنها يحيل من الناس . فاليهود لا سلطان لهم ، ولا عزة
تكمن فى نفوسهم، ولكهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا فى تلك البقعة
من الأرض لتكون مركزا لتلك الأمم التى تعهدت بحمايتهم ليق فزوا منها إلى
محاربة المسلمين ، إذا أتيحت لهم فرصة .
ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم ، وتمسكو شربتهم ، وأُجتمعت
٠٠٠

٢٩٤
سورةآل عمران
قلوبهم، وتوحدت أهدافهم، وأحسنوا الشعور بالمسئولية نحودينهم وأنفسهم
وأوطانهم، وأعدوا ما إستطاعوا من قوة لفتال أعداء الله وأعدائهم ...
لو أنهم فعلوا ذلك لما كان حالهم كما نرى الآن من ضعف وتخاذل وتفرق
والأمل كبير فى أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيعملوا على
دفعها ، ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم.
، هذا، وقوله، أينما، شرط، وهو ظرف مكان و((ما، مزيدة فيها
للتأكيد .
وقوله (( تقفوا، فى محل جزم بها".
وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أى: أينما ثقفوا غلبوا أوذلوا
ويجوز أن يكون جواب الشرط قوله ((ضربت عليهم الذله، عند من
يجوز تقديم جواب الشرط على الشرط .
والاستثناء فى قوله (( إلا بحبل من اله وحبل من الناس، مفرغ من أعم
الأحوال أى ضربت عليهم الذلة فى عامة الأحوال إلا فى حال إعتصامهم:
بحبل من ألقه وحبل من الناس .
ثم ذكر - سبحانه - عقوبتين أخر بين أنزلهما بهم جزاء كفرهم وتعديهم.
لحدوده فقال - تعالى - ((وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة».
قال ابن جرير: قوله - تعالى - ((وباؤا بغضب من الله، أى إنصرفوا
ورجعوا. ولا يقال باؤا، إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه: باء
فلان بذنبه يبوء به بوأوبواء. ومنه قوله - تعالى - ((إني أريد أن تبوء
بانمى وإنمك، تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دونى . فمعنى
الكلام إذا : ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من اقه
غضب، ووجب عليهم منه سخط)، (١).
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٢٥١.
1

٢٩٥
الجزء الثالث
والمسكنة: مفعلة من السكون، ومنها أخذ لفظ المسكين ، لأن الهم قد
أثفله لجعله قليل الحركة والنهوض، لما بـ من الفاقة والفقر.
والمراد بها فى الآية الكريمة الضعف النفسى، و"فقر القلى الذى يستولى
على الشخص فيجعله يحس بالهوان مهما تكن لديه من أسباب القوة.
والفرق بينها وبين الذلة: أن الدلة هو ان تجىء أسبابه من الخارج، كأن
يغلب المرء على أمره نتيجة إتصار عدوه عليه فيذل لهدا العدو.
أما المسكنة فهى هو أن ينشأ داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق ،
وإستلاء المطامع والشهوات وحب الدنيا عليها .
والمعنى: أن هؤلاء اليهود بجانب ضرب الذلة عليهم حينما حلوا، قد
صباروا فى غضب من الله، وأصبحوا أحقاء به، وضربت عليهم كذلك
المسكنة التى تجعلهم يحسون بالصغار مهما ملكوا من قوة ومال .
ثم ذكر - سبحانه - الأسباب التى جعلتهم أحقاء بهذه العقوبات فقال -
تعالى - «ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير
حق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )).
فاسم الإشارة ذلك بعود إلى تلك العقوبات العادلة التى عاقبهم الله بها بسبب
کفرم وفقهم .
والآيات: تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله - تعالى-
وربوبيته . وتطلق ويراد بها النصوص التى تشتمل عليها الكتب السماوية،
وتطلق ويراد بها الأدلة المشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام
- فيما يبلغون عن الله - تعالى -، وهى التى يسميها علماء التوحيد بالمعجزات
وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ، ومردوا على ذلك كما
يفيدة التعبير بالفعل المضارع، بكفرو))
1

٢٩٦
سورة آل عمران
أى : ذلك الذى أصابهم من عقوبات رادعة ، سببه أنهم كانوا يكفرون
بآيات الله وأدلته الداله على وحدانيته وعلى صدق رسله - عليهم الصلاة
. والسلام - وتلك هى جريمة بنى إسرائيل الأولى :..
أما جربمتهم الثانية فقد عبرعنها - سبحانه - بقوله ((ويقتلون الأنبياء بغير
حق، أى أنهم لم يكتفوا بالكفر، بل إمتدت أيديهم الأليمة إلى دعاة الحق
وهم أندیاء الله - تعالى - الذين أرسلهم لهدايتهم، فقتلوم بدون أدنى شبهة
تحمل الإساءة اليهم فضلا عن قتلهم .
وقال - سبحانه - ((بغير حق)) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً،
لإفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر فى شريعتهم لأنها تحرمه.
قال - تعالى (( من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفساً
بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما
أحيا الناس جميعا .. (١)) .
فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم ، وتخليد مذمتهم،
وتقبيح إجرامهم، حيث إنهم قتلوا أنبياء هم بدون خطأ فى الفهم ، أو تأول
فى الحكم، أو شبهة فى الأمر ، وإنما فعلو ما فعلوا وهم عالمون بقبح
ما إرتكبوا، ومخالفون لشرع اله عن تعمد وإصرار .
ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير
الحق ، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم
يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا؛ وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم
فقتلوم .
(١) سورة المائدة آية ٢٢

٢٩٧
الجزء الثالث
فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل
عندم (!)).
وقال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل قال هنا: «ويقتلون الأنبياء بغير
حق)) وقال: فى سورة البقرة ((ويقتلون النبيين بغير الحق)، فما الفرق؟
قلت : إن الحق المعلوم بين المسلمين الذى يوجب القتل يتجلى فى حديث:
لا يحل دم أمرى. مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان ، وزنا بعد
إحصان، وقتل نفس بغير حق)). فالحق المذكور فى سورة البقرة إشارة إلى
هذا. وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم. أى لم يكن هناك أى
حق يستندون إليه، لا هذا الذى يعرفه المسلمون ولا غيره ألبته)، (٢).
ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعبد النيوى مع
أن القتل قد صدر عن أسلافهم , لأن أولئك المعاصرين كافوأ راضين بفعل
آبائهم وأجدادهم، فصحت نسبة القتل إليهم، ولأن بعض أولئك المعاصرين
قد ثم بقتل النبى - صلى الله عليه وسلم - فكف الله - تعالى - أيديهم
الأثيمة عنه .
ثم سجل الله - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله: «ذلك بما عصوا وكانوا
يعتدون )).
العصيان: الخروج عن طاعة الله. والاعتداء : تجاوز الحد الذى حده الله
- تعالى - لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شىء إلى غيره فقد تعداه إلى
ما جاوز اليه .
والمفسرين فى مرجع إسم الإشارة ((ذلك، في قوله «ذلك بماعصوا .. ))
وأيان :
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢١٧.
(٢) الفخر الرازى ج ١ ص ٩٣.

٢٩٨
سورة آلعمر ان
أولهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم لأنبياته، وعليه يكون المعنى : .
إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان الخالقهم والتعدى لحدوده بجرأة وعدم
مبالاة، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بابات اله وقتلوا أنيا .. ،
وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة .
والجملة الكريمه على هذا الرأى، تفيد أن "تردى فى المعاصى. وارتكاب
ما نهى الله عنه، ونجاوز الحدود المشروعة، يؤدى إلى الانتقال من صغير
الذنوب إلى كبيرها، ومن حقيرها إلى عظيمها، لأن هؤلاء اليهود حين
استمرؤا المعاصى، هانت على نفوسهم الفضائل، وانكسرت أمام شهواتهم
كل المثل العليا، فكذبوا بآيات اله تكذيبا، وقتلوا من جاءهم بالهدى
ودين الحق :
وثانيهما: أن اسم الإشارة، ذلك، فى قوله, ذلك بما عصوا، يعود إلى
نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله (, ذلك بأنهم كاوا يكفرون».
وتكون الحكمة فى تكرار الإشارة .: تمييز المشار إليه، حرصا على
معرفته ، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة
عليهم. واستحقاقهم لغضب الله كما أشرنا من قبل .
والإشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما فى قوله - تعالى -.
((أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك م الغافلون)).
والمعنى: أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة . وصاروا أحقاء
بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا، وقتلهم أنبياءنا. وخروجهم عن طاعتنا،
وقعدیهم حدودنا .
وعلى هذا الرأى يكون ذكر أسباب العقوبة التى حلت بهم فى الدرجة
العليا من حسن الترتيب فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه فى حقه وهو كفرهم
بآياته، ثم ثنى بما يتلوه فى العظم وهو قتلهم لأنبيائه ، ثم وصمهم بعد ذلك
بالعصيان والخروج عن طاعته، ثم ختم أسباب العقوبة بذمعهم بالاعتداء،
وتخطى الحدود، وعدم المبالاة بالعهود.

٢٩٩
الجزء الثالث
وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم فى سوق الأحكام
مشفوعة بعللها وأسبابها .
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد بدأت حديثها بمدح الأمة الاسلامية
بأنها خير أمة أخرجت للناس ، ثم أنت بدعوة أهل الكتاب إلى الاسلام ،
وبإخبار المؤمنين بأن أعداءهم أن يضروهم ضررا يؤثر فى كيانهم ما داموا
معتصمين بتعاليم دينهم ، ثم ختمت حديثها ببيان العقوبات التى حلت باليهود
بسبب کفرم وبغیهم .
وبعد هذا الحديث الحكم عن أهل الكتاب ، وعن العقوبات التى أنزلها
- سبحانه - باليهود بسبب فسقهم وظلهم، بعد كل ذلك ساق - سبحانه -
آيات كريمة تمدح من يستحق المدح من أهل الكتاب إنصافا لهم، وتكريما
لذواتهم فقال - تعالى - :
((لَيْسُوا سَوَاءِ، مِنْ أَهْلِ الكتابِ أُمَةٌ قَائَةٌ يَتَلونَ آيَاتِ الأُهِ
آنَءَ الَّيْلِ وَمُ يَسْجِدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بالقُهِ واليَوْمِ الآخْرِ،
وَيَأْمُرُونَّ بالمعروفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويُسَارِعُونَ فِى الْخْرَاتِ
وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وما يَفعَلوا مِنْ خِيرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ،
واللّهُ عَلِيمٌ بِالمَتَّقِينَ (١١٥))).
فالضمير فى قوله - تعالى - ((ليسوا سواء، يعود لأهل الكتاب، الذين
تقدم الحديث عنهم، وهو اسم ايس، وخبرها قوله ((سواء)). والجملة مستأنفة
للثناء على من يستحق الثناء منهم، بعد أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم.
قال ابن كثير : والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت
فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، وأسد بن عبيد وثعلبة
ابن شعبة وغيرهم. أى لا يستوى من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب ،

٣٠٠
سورةآل عمران
وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال - تعالى - ليسوا سواء)) أى ليسوا كلهم
على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المجرم(١)).
وقوله - تعالى - ((من أهل الكتاب أمة قائمة، استئناف مبين لكيفية
عدم التساوى ويزيل لما فيه من إبهام.
أئ: ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر وسوء الأخلاق، بل منهم
طائفة قائمة بأمر الله مطيعة اشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة
له، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه.
فمعنى قائمة مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام .
أو معناها: ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له غير مضطربة فى
التمسك به، كما فى قوله - تعالى - ,إلا ما دمت عليه قائما، أى ملازم المطالبته
بحقك. ومنه قوله - تعالى- , شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم
قائما بالقسط، أى ملازما له.
والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها اقه - تعالى - بأنها
((أمة قائمة)، أولئك الذين أسلموا منهم، واستقاموا على أمر الله، وأطاعوه
فى السر والعلن، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشى ومن آمن معه من
النصارى فهؤلاء قدآمنوا بكل ما يحب الايمان به، ولم يفرقوا بين أنبياء
القه ورسله ، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم .
ثم تابع الفرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال . «يتلون آيات الله
آناء الليل وهم يسجدون)).
وقوله ((يتلون)) من التلاوة وهى القراءة، وأصل الكلمة من الإِنْبَاعِ،
فكان التلاوة هى اتباع اللفظ .
والمراد بآيات الله هنا: ما أنزله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -
من قرآن .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩٧