Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الجزء الثالث قال قتادة: أما الرسول فقد مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر . ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى الوسيلة التى متى تمسكوا بها عصموا أنفسهم من مكر اليهود فقال - تعالى -: ((ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم .. أى ومن يلتجىء إلى الله فى كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل، ويتمسك بدينه ، فقد هدى إلى الطريق الذى لا ءوج فيه ولا إنحراف: وفى هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المدين الذين لم يشاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما ييته لهم أعداؤهم من مكر وخداع . قال ابن جرير ما ملخصه : وأصل المصم : المنع . فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ولذلك قيل للحبل: عصام ، والسبب الذى يتسبب به الرجل إلى حاجته عصام وأفضح اللغتين : إدخال الباء كما قال - عز وجل - (( واعتصموا بحبل الله جميعا، وقد جاء اعتصمته، (١). ١ ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين بمجامع الطاعات ، ومعاقد الخيرات، فقال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)). . وقوله ((حق تقاته)) التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل: اتقوا الله التقاة الحق. أى الثابتة ، كقولك ضربت زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد. وقيل التقاة إسم مصدر من اتقى كالتؤدة من أنأد والمعنى: بالغوا أيها المؤمنون فى التمسك بتقوى الله ومراقبته وخشبته حتى لا تتركوا منها عبئًا، ولا تكونن على ملة سوى الإسلام إذا أدرككم (١) تفسير ابن جرير ج ٤ ص ٢٦. ٢٦٣ سورة آل عمران الموت ، وإنما عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذى لا تستأخرون عنه ساعة ولا نستقدمون . وقد ساق ابن كثير بعض الآثار التى وردت عن بعض السلف فى تفسير هذه الآية الكريمة فمن ذلك ماروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال فى معنى الآية تقوى الله حق تقواه : أن يطاع فلا يعصى، وأن یذ کرفلا ینسی، وأن يشكر فلا بكفر » . وروى عن أنس أنه قال: لا يتقى الله العبد حق تقائه حتى يخزن لسانه . وقوله (( ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون، هو نهى فى الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة. والمراد دوامهم على الإسلام، وذلك أن الموت لابد منه فكأنه قيل: دومواعلى الإسلام إلى أن يدرككم الموت فتموت واعلى هذه الملة السمحاء وهى ملة الإسلام، لكى تفوزوا برضا الله وحسن ثوابه. والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من ضمير الجماعة فى «اتقوا». والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: أى لا تموتن على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التى هى حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه .. . قال صاحب الكشاف : قوله (( ولا تمو تن)» معناه ولا تكونن على حال سوى حال الاسلام إذا أدرككم الموت ، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو : لا تأتنى إلا وأنت على حصان، فأنت لاتنهاه عن الاتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التى شرطت عليه فى وقت الإتيان، (١) . وبعد أن أمرهم - سبحانه - بمداومة خشيته، والاستمرار على دينه، أتبع. ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال - تعالى -, واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا .. (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٣٩٤ ٢٦٣ الجزء الثالث فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة لله رب العالمين . والاعتصام: إفتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أى يمنع من السقوط والوقوع . وأصل الحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلى أو للنجاة من غرق أو نحوه، أو الموص فى إلى شىء معين . والمراد بحبل الله هنا: دينه. أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح. والمعنى: كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله ودينه وبعهوده، ولاتتفرأوا كما كان شأنكم فى الجاهلية يضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن نجتمعوا على طاعة الله، وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم . ففى الجملة الكريمة إستعارة تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما . وإضافة الحبل إلى الله - تعالى - قرينة على هذا التمثيل. وقوله « جميعا، حال من ضمير الجماعة فى قوله ((واعتصموا)). فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود اله وبدينه . وبکتا هـ، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذى يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم . 2:7 1 :. .:.... هذه الآية ما ملخصه : • أعل أن كا.من ٢٦٤ سورة آل عمران يمشى على طريق دقيق يخاف أن تنزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانى ذلك الطريق أمن من الخوف. ولاشك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد أنزلقت أرجل كثير من الخلق عنه. فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن ذلك الخوف، فكان المراد من الحبل هنا : كل شىء يمكن التوصل به إلى الحق فى طريق الدين . وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله ... ومنهم من قال المراد به القرآن، فقد جاء فى الحديث ((هو حبل اله المتين ، ومنهم من قال المراد به طاعة الله ... وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ذكر ناه من أنه لما كان النازل فى البشر يعتهم بحبل تحرز امن السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين خرزا لصاحبه من السقوط فى جهنم، جعل ذلك حبلا ئته وأمروا بالإعتصام به(١) ثم أمرثم - سبحانه .. بتذكر نعم الله عليهم فقال: «واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ..... قوله «شفا حفرة، الشفا طرف الشىء وحرفه مثل شفا البتر، وشفا الحفرة ومنه يقال: فلان أشفا على الشىء إذا أشرف عليه، كأنه بلغ شفاء أى حده وحر فه . ١ والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبسكم إلى نعمة الله عليكم بتأليف نفوسكم، ورأب صدوعكم، فقد كنتم فى الجاهلية أعداء مثقاتلين متنازعين ، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين متوادين ، وكنتم على وشك الوقوع فى النار بسبب إختلافكم وضلالكم فمن الله عليكم وأنقذكم من التردى فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله ربه رحمة للعالمين. إذاً فمن الواجب عليهم وفاء لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٧. طبعة عبد الرحمن محمد. ٢٦٥ الجزء الثالث وسولكم - صلى الله عليه وسلم -، وأن تتمسكوابعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم . قال ابن كثير: قوله - تعالى - ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ... إلخ، هذا السياق فى شأن الأوس والخزرج ، فإنه كان بينهم حروب كثيرة فى الجاهلية. وعداوة شديدة، وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم ، والوقائع بينهم ، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين فى ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذا هدائم الإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عقب منهم، بما فضل عليهم فى القسمة بما أراه، خطبهم فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى، وعالة فأغناكم الله بى ؟ فكانوا كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن )،(١). وفي هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام. فقد صور - سبحانه - حالهم وتردبهم فى الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا فى الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها . وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم فى الإسلام، عن طريق محمد - صلى الله عليه وسلم - بحالة من يبعد غيره عن التردى فى النار وبنقذه من الوقوع فيها . .٠٣٨٩ ٢٦٩ سورة آل عمران قال صاحب الكشاف: ((والضمير المجرور فى قوله , فأنقذكم منها، يعود الحفرة أو النار أو للشفا، وإنما أنك لإضافته إلى الحفرة - فاكتسب التأنيث من المضاف إليه - كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم ... وشفا الحفرة وشفتها: حرفها، بالتذكير والتأنيث. /٩ فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماترا على ما كانوا عليه لوقعوا فى النار. فمثلت حيانهم التى يتوقع بعدها الوقوع فى النار بالقعود على حرفها ، مشفين - أى مشرفين - على الوقوع فيها)). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )». أى كهذا البيان الواضح الذى سمعتموه فى هذه الآيات، يبين الله لكم دائما من آياته ودلائلة وحججه ما يسعدكم فى الدنيا والآخرة، وما يأخذ بيدكم . إلى وسائل الهداية وأسبابها، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم. وبعد أن أمرهم - سبحانه - بتكميل أنفسهم عن طريق خديته وتقواه والاعتصام بدينه وبكتابه ، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غير م وإصلاح شأنه عن طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر فقال - تعالى -: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر». الأمة : الجماعة التى تُؤم وتقصد لأمر ما . وتطلق على أتباع الأنبياء كما تقول: نحن من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وعلى الرجل الجامع للخير الذى يقتدى به كقوله - تعالى -:. إن إبراهيم كان أمة قانتا قه حنيفا)،(٢) (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٦. (٢) سورة النحل، الآية ١٢٠. ٢٦٧ الجزء الثالث وعلى الدين والملة كقوله - تعالى: ((إنا وجدنا آباءنا على أمة))(١). وعلى الحين والزمان كقوله - تعالى -، وقال الذى نجا منهما واذكر بعد أدة، (٢) .. والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التى تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والمراد بالخير ما فيه صلاح للناس دينى أو دنيوى . والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه، والمنكر ضد ذلك . : والمعنى: ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية الإيمان ، عظيمة الإخلاص، تبذل أقصى طاقتها وجهدها فى الدعوة إلى الخير الذى يصلح من شأن الناس، وفى أمرهم بالتمسك بالتعليم وبالأخلاق التى توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة وفى نهيهم عن المنكر الذى يأباه شرع الله، وتنفر منه الطباع الحسنة . وقوله: ((ولتكن)) صيغة وجوب من الله - تعالى - على كل من يصلح لمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وتمكن إما من كان التامة أى: ولتوجدمنكم أمة فيكون قوله: (أمة، فاعلا لتكن وجملة ((يدعون .... )، صفة لأمة، و«منكم ، متعلق يتكن. وإما من كان الناقصة فيكون قوله: (( أمة، اسمها، وجملة ((يدعون)) خبرها ، وقوله ((منكم، متعلق بكان الناقصة ، أو بمحذوف وقع حالا من أمة . و((من)، فى قوله - تعالى -: «ولتكن منكم أمة، يرى أكثر العلماء أنها للتبعيض . (١) سورة الزخرف الآية ٠٢٢ (٢) سورة يوسف الآية ٤٥ ٢٦٨ سورةآل عمر ان أى: ليكن بعض منكم أمة أى طائفة تبذل جهدها فى تبليغ وسالات اللّه، وفى دعوة الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. . وفى هذا التبعيض وتضكير أمة تنبيه على قلة العاملين بذلك ، وأنه لا يخاطب به إلا الخواص. ومن هذا الأسلوب قوله - تعالى -: «اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)) (١) فقد وجه الخطاب إلى نفس منكرّة، تنبيها على قلة الناظر فى معاده . ١ وعلى هذا فكأن الآية الكريمة قد اشتملت على طلبين : أحدهما موجه إلى الأمة كلها يطالبها بأن تعد طائفة من بينها لهذه المهمة السامية وهى دعوة الناس إلى الخير ، وأن تزود هذه الطائفة الصالحة لهذه المهمة بكل ما يمكنها من أداء مهمتها . وثانيهما : موجه إلى تلك الطائفة الصالحة لهذه المهمة، بأن تخلص فيها ، وتؤديها على الوجه الأكمل الذى يرضى الله - تعالى -. ويرى بعض العلماء أن ((من) فى قوله - تعالى - ((ولتكن منكم أمه، بيانيه . فيكون المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا على سبيل الفرض الكفائى، بل على سبيل الفرض العينى. أى : لتكونوا أيها المؤمنون جميعاً أمة تدعوا إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فمن هنا ليس المراد بها التبعيض على هذا الرأى بل المراد بها البيان، وذلك كقولك. لفلان من أولاده جند، والأمير من غلمانه عسكر، تريد بذلك جمع أولاده وغلمانه . ويبدو لنا أن الرأى الأول وهو أن ((من، للتبعيض أقرب إلى الصواب، لأن الأمة كلها برجالها ونسائها وشبابها وشيوخها لا تصلح لهذه المهمة السامية، (١) سورة الحشر الآية ٠١٨ ٢٦٩ الجزء الثالث وإنما يصلح لها من يجيدها ويحسنها بأن تكون عنده القدرة العقلية، والعلمية، والنفسية ، والخلقية ، لأدائها . ولذا قال صاحب الكشاف مرجحا أن ((من)، للتبعيض: وقوله, ولتكن منكم أمة ، من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات ، لأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر ، وعلم كيف يرقب الأمر فى إقامته وكيف يباشره، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر يمنكر وربما عرى الحكم فى مذهبه وجهله فى مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر. وقد يغلظ فى موضع اللين ، ويلين فى موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا ، أو على من الإنكا عليه عبث ... وقيل:((من)) للتعيين، بمعنى: وكونوا أمة تأمرون .. ، كقوله - تعالى - «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتهون عن المنكر، (١). وقوله - تعالى -: ((يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، معطوف على قوله: ((يدعون إلى الخير١، من باب عطف الخاص على العام . وفائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا على حذير الوجهين وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهما أشرف ألوان الدعوة إلى الخير . وقوله: (( يدعون إلى الخير ، المفعول فيه محذوف وكذلك فى قوله : (( يأمرون وينهون، والتقدير: يدعون الناس إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وحذف المفعول للإيذان بظهوره. أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل. أى يفعلون الدعاء إلى الخير ، أو لقصد التعميم أى بدءون كل من تتأتى له الدعوة وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير هؤلاء الداعين إلى الخير (١) تفسير الكثاف ج ١ ص ٣٩٧ ٢٧٠ سورة آل عمران بالفلاح فقال, وأولئك هم المفلحون)) والفلاح هو الظفر وإدراك اليغية. أى: وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هم الكاملون فى الفلاح والنجاح، ولا يمكن أن يفلح سواهم من لميقم بهذا الواجب الذى هو مناط عزة الجماعات والأفراد وأساس رفعتهم وقوتهم وسعادتهم. قال بعض العلماء : فى الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة ، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مفيد من أركانها، وبه يرتفع سنامها ويكمل نظامها . وقال الإمام الغزالى: فى هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله: ((ولتكن)) أمر وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان ان الملاح منوط به . إذ حصر وقال: ((وأولئك هم المفلحون). وفيها بيان أنه فرض كفاية لافرض عين، وأنه إذا قام به البعض سقط الفرض عن الآخرين، إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ولتكن منكم أمة ... وإن تقاعد عنه الخلق جميعا عم الإنم كافة القادرين عليه لا محالة (١). هذا ، وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفى بيان العاقبة السيئة التى تترتب على ترك هذا الواجب ، ومن ذلك : ما رواه مسلم والترمذى وابن ماجه والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مر رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان . (١) تفر القاسمى ج ٤ ص ٩٢١ ٢٧١ الجزء الثالث وروى الترمذى عن جابر بن عبد الله عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله . .وروى الشيخان عن جرير بن عبد الله قال: بايعت الفى - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فلقعنى فيما استطعت والنصح لكل مسلم. وروى أبو داود والترمذى وابن ماجه والنسائى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية، يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا إهتديتم)) وإنى سمعت رسول انه صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بمقاب من عنده، (١). وبعد أن أمر الله - تعالى - بالمواظبة على الدعوة إلى الخير، عقب ذلك ينهيهم عن التفرق والاختلاف فقال: ((ولا تكونوا كالذين تفرقواواختلفوا من بعد ما جاءهم البينات )). أى: ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين تفرقوا شيما وأحزابا, وصار كل حزب منهم بما لديهم فرحون ، واختلفوا فيم بينهم إختلافا شنيعا، وقد ترتب على ذلك أن كفر بعضهم بعضا وقاتل بعضهم بعضا، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق وغيره على الباطل ، وأنه هو وحده الذى يستطيع أن يدرك ما فى الكتب السماوية من حقائق، وهو وحده الذى يستطيع تفسيرها تفسيراسليما. ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم ((من بعد ما جاءهم البينات، أى الآيات والحجج والبراهين الدالة على الحق، والداعية الى الإتحاد والوئام لا إلى التفرق والاختلاف. ٠ (١) هذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للمنذرى = ٣ ص ٢٢٣ وقد ذكر أحاديث أخرى فى هذا الموضوع فارجع إليه إن شئت. ١ ٢٧٢ سورة آل عمران، وقوله ((لاو تكونوا كالذين تفرقوا)، معطوف على قوله, ولتكن منكم أمة يدعون ... )) وهو يرجع إلى قوله من قبل.واعتصموا بحبل اله جميعا ولا تفرقوا ... ، لما فيه من تمثيل حال التفرق فى أبشع صوره المعروفة لديهم من مطالعة أحوال اليهود وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بفضى إلى التفرق والاختلاف؛ إذ يترقب على هذا الترك أن تسكثر المنازعات والأهواء والمظالم؛ وتنشق الأمة بسبب ذلك إنشقاقا شديدا. والمقصود بهذا النهى إنما هو التفرق والاختلاف فى أصول الدين وأسسه أما الفروع التى لا يصادم الخلاف فيها نصا صحيحا من نصوص الدين فلا تندرج تحت هذا النهى ، فنحن نرى أن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم قد إختلفو فيما بينهم فى بعض المسائل التى لا تختلف نصا صحيحا من صوص الشريعة ، وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على حسب فهمه الذى اداه إليه إجتهاد . . ومن الأحاديث التى ذمت الاختلاف فى الدين مارواه أبو داود والإمام أحمد عن أبى عامر عبد الله بن يحيى قال: حججنا مع معاوية بن أبى سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : إن أهل الكتابين إفترقوا فى دينهم على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعنى الأهواء - كلها فى النار إلا واحدة - وهى الجماعة - ، وإنه سيخرج فى أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاءكم به نبيكم - صلى الله عليه وسلم - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به)، (١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عقبة المتفرقين، والمختلفين (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٩٠. ٢٧٣ الجزء الثالث فى الحق فقال ((وأولئك لهم عذاب عظيم، أو وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة لهم عذاب عظيم بسبب تفرقهم واختلافهم الباطل . فأنت ترى أن القرآن الكريم قد نهى المؤمنين عن التفرق والاختلاف بأبلغ تعبير، وألطف إشارة، وذلك بأن بين لهم حسن عاقبة المعتصمين بحبل الله دون أن يتفرقوا، وما بشر به - سبحانه - المواظبين على الدعوة إلى الخير والآمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أنهم هم المفلحون الفائزون . ثم بين لهم بعد ذلك سوء عاقبه التفرقة والاختلاف الذى وقع فيه من سبقهم من اليهود والنصارى، وكيف أنه ترتب على تفرقهم واختلافهم أن كفر بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا، ورمى بعضهم بعضا بالزيغ والضلال ... هذا فى الدنيا ، أما فى الآخرة فلهؤلاء المتفرقين والمختطفين العذا العظيم من اقه - تعالى - . فالقرآن قد أتى بالأوامر ومعها الأسباب التى تدعو إلى الاستجابة لها، وأتى بالنواهى ومعها كذلك الأسباب التى تحمل على البعد عنها . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت مسلكا من مسالك اليهود الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين، ووبختهم على ذلك توبيخا موجها، وفضحتهم على مر العصور والدهور، وحذرت المؤمنين من شرورهم، وأرشدتهم إلى ما يعصمهم من كبدهم. وذكرتهم بنعم الله الجليلة عليهم ، وأمرتهم بالمواظبة على الدعوة إلى الخبر . وتهتهم عن التفرق والاختلاف ، لکی یسعدوا فى دينهم ودنياهم. ثم حذر الله - تعالى - الناس من أهوال يوم القيامة، وأمرهم بأن يتسلحوا بالإيمان وبالعمل الصالح حتى ينجوا عذابه فقال : ((يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْودُ وُجُوهٌ، فَأَمَّ الذينَ اسوَدَّت. وُجُوهُهِمْ أَكَفَرْتُ بَنْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا العذابُ بِمَا كُنْمِ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّ الذينَ ابَيْضَّتْ وُجُوهُهمْ ففى رحمةٍ القُهِ هُمْ فِيهَاً (١٨ - سورة آل عمران) ٣٧٤ سورة آل عمران خالدُونَ (١٠٧) تِلكَ آيَاتُ اللهِ تَتْلوهاَ عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، وما الهَ يِرِيدُ ◌ُلماً للمَلَمِينَ (١٠٨) ولثهِ ما فى السمواتِ وما فى الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأمُور (١٠٩)». قوله .. تم لى - «يوم تبيض وجوه ونسود وجوه)): بياض الوجوه وسوادهامحمولان على الحقيقة عند جمهور العلماء. وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك . قال الآلوسي : قال بعضهم. يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفاً لهم، وإظهار الآنار أعمالهم فى ذلك الجمع ويوسم أهل الباطل بضد ذلك. والظاهرأن الابيضاضر والاسوداد يكونان جميع الجسد، إلا أنهما أسندا للوجوه. لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه. وهو أشرف أعضائه واختلف فى وقت ذلك فقيل: وقت البعث من القبور، وقيل وقت قراءة الصحف)،(!) ويرى بعض العلماء أن بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح. والسرور، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضا وهو الحزن والغم . وعليه يكون التعبير القرآ فى محمولا على الجاز لا على الحقيقة . قال الفخر الرازى ما ملخصه: وهذا مجاز مشهور قال - تعالى - ((وإذا بشر أحدهم بالأفى ظل وجهه مسودا وهو كظيم،. ويقال: لفلان عندى بد بيضاء. وتقول العرب لمن مال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل ... ويقال لمن وصل إليه مكروه: أربد وجهه واغير لونه وتبدلت صورته ... وعلى هذا فمعنى الآية: أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه ، فإن رأى مايسره ابيض وجه بمعنى أنه استبشر بنعم الله وفضله؛ وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه أسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه .... (٢). (١) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٢٥ (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٨١ ٢٧٥ الجزء الثالث والظرف ،يوم)) فى قوله، يوم تبيض .. إلخ، منصوب على أنه مفعول به يفعلُ محذوف والتقدير : أذكر يوم تبيض وجوه ونسود وجوه . والمراد الاعتبار والاتعاظ. ويجوز أن يكون العامل فيه قوله (( عظيم، فى قوله قبل ذلك ,وأولئك لهم عذاب عظيم). أى أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لهم عذاب عظيم فى هذا اليوم الهائل الشديد الذى تبيض فيه وجوه المؤمنين ، وتسود فيه وجوه الكافرين والفاسقين . وفى وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه #ويل لأمره . وتعظيم لشأنه، وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه . المبيضة، وأصحاب الوجوه المسودة. وترغيب للمؤمنين فى الاكثار من التزود بالعمل الصالح، وترهيب للكافرين من التمادى فى كفرهم وضلالهم. والتفكير فى قوله « وجوه، للتمكثير. أى نبيض وجوه عدد ذير من المؤمنين، وتسود وجوه كثيرة للكافرين. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة .. ، (١) وقوله - تعالى-، وجوه يومئد ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة، (٧). قال صاحب الكشاف: «البياض من النور والسواد من الظلمة. فمن كان من أهل فور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وأبيضت محميفته، وأشرقت وسعى النور بين يديه وبيمينه . ومن كان من أهل ظلمه الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكده، واسودت صحيفته وأظلمت؛ وأحاطت به الظلمة من كل جانب ، نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله، (٢). ١ (١) سورة الزمر الآية ٦٠ (٢) سورة القيامة الايات من ٢٢ - ٢٥ (٢) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٩٩ ٢٧٦ سورة آل عمران ثم بين - سبحانه - حال الذين أسودت وجوههم وسوء عاقبتهم فقال: ((فأما الذين إسودت وجوههم، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة، فيقال لهم ( أكفرتم بعد إيمانكم، وحذف هذا القول المقدر والذى هو جواب أمالدلالة الكلام عليه، ومثله كثير فى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - «ولوترى إذ المجرمون فاكسور. وسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا .. ، (1) أى قائلين ربنا أبصرنا وسمعنا. وقوله -، والملائكة بدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم .. (٢) أى قائلين لهم : سلام عليكم. ٠ والإستفهام فى قوله: « أكفرتم .. ، للتوبيخ والتعجيب من حالهم. قال الآلوسى: والظاهر من السياق والسياق هؤلاء هم أهل الكتاب، وكفرتم بعد إيمانهم ، هو كفرثم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الأيمان قبل مبعثه . وقيل هم جميع الكمار لإعراضهم عما وجب عليهم من الإقرار بالتوحيد حين أشهدهم على أنفسهم (( بربكم؟ قالوا بلى)، ويحتمل أن يراد بالايمان الايمان بالقوة والفطرة، وكفر جميع الكفار كان بعد هذا الايمان لتمكنهم بالنظر الصحيح، والدلائل الواضحة ، والآيات البينه من الايمان بالقه - تعالى -، وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -)، (٣). وقوله (( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، أی فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب إستمراركم عن الكفر وموتكم عليه . والأمر فى قوله (( فذوقوا، الأمانة والاذلال، وهو من باب الاستعارة فى («فذوقوا)) إستعارة تبعية تخييلية. وفى العذاب إستعارة مكنية: حيث شبه العذاب بشىء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصوير اله بصورة ما يذاق، وأثبت فى الذوق تخييلا - وهو قرينة المكنية . (١) سورة السجدة الآية ١٢. (٢) سورة الرعد الآية ٠٤٢ (٣) تفسير الألوسى ج ٤ ص ٠٢٦ مؤمن الجزء الثالث ٢٧٧ وأن فى العذاب للعهدأى فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم والذى. سبق أن حذركم الله - تعالى - منه، ولكنكم لم تعيروا التحذير إنتباها ، بل تماديتم فى كفركم وضلالكم حتى أدرككم الموت وأنتم على هذا الحال الشنيعة . ثم بين - سبحانه - حال الذين أبيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال: ((وأما الذين أبيضت وجوههم، ببركة إيمانهم وعملهم الصالح . ففى رحمة الله)) . أى ففى جنته. والتعبير عن الجنه بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل فتكون الظرفية حقيقية. وإذا أريد برحمة الله ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية مجازية . وفى التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنماهو بمحض فضل الله - تعالى - فهو - سبحانه - المالك لكل شىء، والخالق لكل شىء. وقوله .هم فيها خالدون، بيان لما خصهم الله - تعالى - من خلود فى هذا النعيم الذى لا يحمد بحد ، ولا يرسم برسم، ولا تبلغ العقول مداه . أى هم فى الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم الله - تعالى - عطاء غير مجذوذ. وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم، ثم : قدم الحديث عن حال الذين أسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم، ليكون إبتداء الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب، ويشرح الصدر، ويغرى الناس بالتمسك بعرى الإيمان؛ وبالإكثار من العمل الصالح الذی یوصلهم إلى رحمة الله ورضاه . ووصف - سبحانه - الذین ابيضت وجوههم بأنهم خالدون فى رحمته ، ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود فى العذاب ؛ للتصريح فى غير هذا. الموضع بخلودهم فى هذا العذاب كما قاله - تعالى - إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولتك م شر البرية، (١). (١) سورة البينة الاية ٦ ٢٧٨ سورة آل عمران وللإشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم. أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يقلوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حى · ينجوا من عذات الله وسخطه يوم قبض وجوه وتسود وجوه. وبعد أن أفاض ـ سبحانه ــ فى الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وعن رذائل الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا باقه ما لم ينزل به سلطانا، وبعد أن ساق -- سبحانه -- من التوجيهات الحكيمة: والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس، بعد كل ذلك ، خاطب - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((تلك آيات الله فتلوها عليك بالحق، وما انه يريد ظلماً للعالمين)). والمراد بالآيات ماسبق ذكره فى هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد ، وتشهد بوحدانية الله - تعالى - وبصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عنه . وكانت الاشارة بتلك الدالة على البعد، للإشعار بعلو شأن هذه الآيات، وسمو منزلتها، وعظم قدرها . ١ ومعنى ((نتلوه) تقرؤما عليك يا محمد شيئا فشيئا قراءة واضحة جلية لتبلغها. للناس علی مکث و تدبر وروية . وأسند - سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالى فى الحقيقة جبريل" - عليه السلام - للتنبيه على شرف هذه الآيات المتلوة، ولأن تلاوة جبريل إنما هى بأمر منه - سبحانه -. - وقال - سبحانه - «تلك آيات الله فتلوها، فأظهر لفظ الجلالة، ولم يقل تلك آياتنا نتلوها، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - مربيا فى النفوس المهابة والإجلال له ، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية ، فلا إله سواء، ولا معبود بحق غيره، وهو ذو الجلال والإكرام، وهو المنشىء الموجد لهذا. الکون وما فيه ومن فيه. ٢٧٩ الجزء الثالث ١ التصريح باحه - تعالى - يزيد اليان جلالا، ويبعت فى النفوس الخشبة والمراقب والبعد عما يوجب العقاب، والإقبال على ما يوصل إلى الثواب . وقوله. بالحق، فى موضع الحال المؤكدة من الفاعل أو المفعول. أى قتلوها عليك ملتبسة بالحق أو ملتبسين بالصدق أو بالعدل فى كل ما دلت عليه هذه الآيات، ونطقت به، بما لا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة . وقوله - تعالى - ((وما الله يريد ظلما للعالمين)، ففى للظلم بأبلغ وجه، فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته، بل نفى عن ذاته إرادة الظلم، إذهو أمر لا يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه. وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود ، وخلق هذا الكون برحمته وقدر ته وعدله ؟ والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشىء فى غير موضعه المختصر به إما بزيادة أو بنقصان، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال: ظلمت السقاء إذا تناولته فى غير وقته ، وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعا الحفر .. قال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة أنواع: : الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك .والنفاق وإياه قصد - سبحانه - بقوله :. إن مشرك لظلم عظيم .. والثانى: ظلم بينه وبين الناس وإباه قصد بقوله: «وإنما السبيل على الذين يظلون الناس ». والثالث: ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصدبقوله :. فمنهم ظالم لنفسه،(١) والظلم الذى نفى إرادتة - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع؛ (١) مفردات القرآن الراغب الأصفهافى ج ٣١٦ 7 ٢٨٠ سورة آل عمران إذ من المعروف عند علماء اللغه أن الفكرة فى سياق النفى تعم ، وهنا جاء لفظ. الظلم منكراً فى سياق النفى وهو ما . قال الجمل: واللام فى قوله (( للعالمين)) زائدة لا تعلق لها بشىء زيدت فى مفعول المصدر وهو «ظم، والفاعل محذوف. وهو فى التقدير ضمير البارى. - سبحانه - والمعنى وما اللّه يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله ((فعال لما يريد)) (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه هو المالك لمكل شىء، وأنه هو وحده الذى إليه تصير الأمور فقال: ((ولله ما فى السموات وما فى الأرض، أى له - سبحانه - وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقاوتدبيرا وتصرفا وإحياء وإمانة وإنابة و تعذيبا . (( وإلى الله ترجع الأمور، أى إلى حكمه وقضائه تعود أمور الناس وشئونهم، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى، لأنه - سبحانه - منه المبدأو إليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب إعتقاده وعمله بدون ظلم أو محاباة . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد حذرت الناس من أهوال يوم. القيامه الذى تبيض فيه وجوه ، وتسود فيه وجوه، وبينت الأسباب التى أدت إلى فوز من فاز وإلى شقاء من شقى ، ونوهت بشأن أى يات التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - لتكون هداية للناس، وصرحت بأن أقه - تعالى - هو الخالق لكل شىء، وإليه مرجع الأمور ومصيرها، فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وبعد أن أمر الله - تعالى - المؤمنين بالدعوة إلى الخير، ونهاهم عن التفرق والاختلاف المفضى إلى العذاب العظيم يوم القيامة، وبين لهم أن مصير الأمور (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٠٣ :