Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الجزء الثالث
فالآية الكريمة قد تضمنت أموراً من أهمها:
أولا: إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية النسخ، إذزعموا أن النسخ محال
وإتخذوا من كون الفخ مشروعا فى الإسلام ذريعة للطعن فى نبوة النبى
- صلى الله عليه وسلم - فدحض القرآن مدعاهم وألزمهم الحجة عن طريق
کتابهم.
ولذا قال الإمام ابن كثير : الآية شروع فى الرد على اليورد ، وبيان بأن
النسخ الذى أُفكرواوقوعه وجوازه قد وقد وقع، فإن الله - تعالى - قد نص
فى كتابهم التوراة أن توحا - عليه السلام - لما خرج من السفينة أباح الله له
جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم
الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه، وجاءت التوماه بتحريم ذلك
وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم .... وهذا
هو النسخ بعينه ، (١).
وقد صرح ابن كثير وغيره من المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه
هو لحوم الإبل وألبانها، وبذلك جاءت بعض الروايات عن النبى - صلى الله -
عليه وسلم - وكان تحريمه لها تعبدا وزهادة وقهراً للنفس طلبا لمرضاة الله
- تعالى -.
وقيل إن ما حرمه على نفسه هو العروق . روى ذلك عن ابن عباس
والضحاك والسدى موقوفا عليهم .
قالوا : كان يعتريه عرق النَّساً وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن
الفخذين ويسبب آلاما شديدة - فنذر إن عوفى منه لا يأكل عرقا . فلا شفاء
الله يرك أكل العروق وفا بنذره .
ثانياً : نضمنت أيضا تكذيبهم فى دعواهم أن ما حرم عليهم لم يمكن سبب
تجريمهم ظلهم أو بغيهم؛ وإنما كان محرما على غيرهم من سبقهم من الأمم.
(١) تفسير ابن كثير - ١ ص ٣٨٢ - بتصريف وتلخيص -"
(١٦ - سورة آل عمران)

٢٤٢
سورة آل عمران
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: وهو - أى ما إشتملت
عليه الآية - رد على اليهود وتكذيب لهم ، حيث أرادوا براءة ساحتهم
ما نعى عليهم فى قوله - تعالى - (( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طبيات
أحلت لهم ... )، وحيث أرادوا جحود ما غظهم بسبب ما نطق به القرآن.
من أن تحريم الطيبات عليهم كان لأجل بغيهم وظلهم فقالوا : لسنا بأول
من حرمت عليه هذه الأشياء، وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على
نوح وإبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا، إلى أن إنتهى التحريم
إلينا ، تخرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله
عليهم بالجعى والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا ... وما عدد من
مساويهم التى كلما إرتكبوا منها كبيرة حرم الله عليهم نوعا من الطبيبات
عقوبة لهم ، (١).
ثالثاً: تضمنت الآية كذلك أمراً من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله
عليه وسلم - بأن يتحداهم بالتوراة ويمكنهم بما نطقت به ، وذلك بقوله
- تعالى - فى الآية الكريمة. قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقين ،.
فكانه - سبحانه - يقول لهم: ما دمتم - يا معشر اليهود - قد زعمتم
أن ما حرم عليكم بسبب فيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا ، وإنما هو تحريم قديم
على الأمم قبلكم، فها هى ذى التوراة قريبة منكم فأحضروها واقلوها بإمعان
وقدبر إن كنتم صادقين فى مدعا كم ،
والتعبير بأن يشير إلى عدم صدقهم ، لأنها تدل على الشك فى الشرط .
أی: م لیسوا صادقین فیما یزرن ، ولذلك لا يتلون ولا يقرؤون، ولو
جاءوا بها لكانت مؤيده لما أخبر به القرآن الكريم، ولذلك لم يجسروا على
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٨٥

٢٤٣
الجزء الثالث
إخراج التوراة، وبهتوا وانقلبواصاغرين. وفى ذلك الحجة البيئة على صدق
النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله ((إلا ما حرم إسرائيل على نفسه)، مستثنى من إسم كان، والتقدير:
كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فإنه قد
حرم عليهم فى التوراة، وليس منها ما زادوه من محرمات وادعو!
صحة ذلك .
ثم توعدهم - سبحانه - على كذبهم وجحودهم فقال - تعالى -: ((فمن
افترى على الله المكدب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون).
إفترى: من الإفتراء وهو إختلاق الكذب ، وأصله من فرى الأديم إذا
قطعه ، لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له فى الوجود .
أى: فمن تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن ما حرمته
التوراة على بنى إسرائيل من المطاعم بسبب الهم وبغيهم ، كان محر ما عليهم
وعلى غيرم قبل نزولها ، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون
فى الظلم، المتجاوزون الحدود التى شرعها الله - تعالى -، وسيعاقبهم - سبحانه -
على هذا الظلم والإفتراء عذابا أليما لا مهرب لهم منه ولا نصير.
والنماء فى قوله (( فمن افترى) للتشريع، ومن يحتمل أن تكون شرطية وأن
تكون موصولة، وقد روعى فى الآية الكريمة لفظها ومعناها.
وقوله ((من بعد ذلك)) متعلق بافترى، وإسم الإشارة ذلك يعود إلى أمريم
بإحضار التوراة وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البيئة .
واسم الإشارة ((أولئك)) يعود إلى ((من)) وهو عبارة عن هؤلاء اليهود
الذين جادلوا النبى - صلى الله عليه وسلم - بالباطل وافتروا على
أن الكذب .
١

٢٤٤
سورة آل عمران
ويحتمل أن يكون المشار إليه وهو ((من)) عاما لمكل كاذب ويدخل فيه
اليهود دخولا أوليا .
وقد أكد الله - تعالى - وصفهم بالظلم بضمير الفصل الدال على أنهم
كاملون فيه ، وموغلون فى إقترافه والتمسك به .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى إتباعملة
إبراهيم إن كانوا حقا يريدون إتباعها فقال - تعالى -: ((قل صدق الله
فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً، أى: قل - يا محمد - هؤلاء اليهود الذين جادلوك
بالباطل ولمكل من كان على شاكلتهم فى الكذب والظلم، قل لهم جميعا :
صدق الله فيما أخبر نابه فى قوله - تعالى - «كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل
إلا ما حرم إسرائيل على نفسه .... ، وفى كل ما أخبرنا به كتابه وعلى لسان
رسوله . وأقم الكاذبون فى دعواكم .
وإذا كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا: فاتبعوا ملة إبراهيم.
حنيفاً ، أى فانبعوا مله الإسلام التى عليها محمد - صلى الله عليه وسلم - وعليها
من آمن به، فهم المتبعون حقا لإبراهيم - عليه السلام - وهم أولى الناس به
لأن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما.
أى كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من الأديان أو الأقوال
أو الأفعال الباطلة .
وكان مسلما، أى كان مسلما وجهه فقه، مفردا إياه بالعبادة والطاعة.
والخضوع. ثم نفى الله - تعالى - عن إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ
وجه فقال: ((وما كان المشركين)».
أى: وما كان إبراهيم فى أى أمر من أموره من الذين يشركون مع الله آلهة
أخرى، وإنما كان مخلصا عبادته لله وحده .
وفى ذلك تعربض بشرك اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال ،
وتنبيه إلى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه هم المتبعون حةالإراهيم،

٢٤٥
الجزء الثالث
فقد أمر اقه - تعالى - محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يسير على طريقة أبيه
إبراهيم فقال: ( ثم أوحينا إليك أن أقبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين ، (١) .
وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة
التى جادل فيها اليهود النبى - صلى الله عليه وسلم - «وقد لقنت الآيات التى
- صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يخرس ألسنتهم، ويكشف عن كذبهم
وافترائهم وظلمهم ، ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة
إن كانوا حقاً يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم .
ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل اليهود فيها النبى - صلى الله عليه
وسلم - وهى مسألة أفضلية المسجد الحرام على غيره من المساجد، وقد رد القرآن
عليهم وعلى أمثالهم فى الكفر والعناد بما يثبت أن المسجد الحرام الذى نازعوا
فى أفضليته هو أفضل المساجد على الإطلاق فقال - تعالى - :
(((إِنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ النّاسِ لَّذِى ببكةً مباركاً وهُدّى
العالَمِينَ (٩٦) فيهِ آيَاتٌ بَّاتٌ مَّقَامُ إبراهيمَ ومَنْ دَخَهُ كانَ آمناً،
وقُمٍ عَلَى النّاسِ حِجُّ البيتِ مَنِ استطاعَ إليهِ سبيلاً، ومَنْ كَفَرَ
فإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ (٩٧)).
قال الفخر الرازى ما ملخصه : فى اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه
الأول: أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود فى إنكار
نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن
اليهود فى نبوته وقالوا: إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال
وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا
(٣) سورة النحل الآية ١٢٣

٢٤٦
سورة آلی عمر ان
كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكمية باطلا ، فأجاب الله عنه بقوله:
((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ... فبين - سبحانه - أن الكمية
أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى .. ، !! ).
والمراد بالأولية أنه أول بيت وضعه الله لعبادته فى الأرض ، وقيل المراد
بها كونه أولا فى الوضع وفى البناء، ورووا فى ذلك آثارا ليس فيها:
ما يعتمد عليه .
وبكة : لغة فى مكة عند الأكثرين ، والباء والميم تعقب إحداهما
الأخرى كثيراً ، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع . وقيل هما متغابران:
فيكا موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها. وأصل كلمة بكة من البك وهو
الأزدحام. يقال: تباك القوم إذا تزاحموا؛ و كأنها سميت بذلك الازدحام
الحجيج فيها . والبك أيضا دق العنق، وكأنها سيت بكد لأن الجبابرة تغدق
أعناقهم إذا أرادوها بسوء. وقيل أنها مأخوذة من بكات الناقة أو الشاة إذا
قل لبنها ، وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها.
والمعنى: إن أول بيت وضعه اله .. تعالى - للناس فى الأرض ليكون
متعبداً لهم، هو البيت الحرام الذى بمكة ، حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم.
حوله ، وقد أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا
منافع لهم.
روى الشيخان عن أبى ذر قال . قلت يا رسول الله: أى مسجد وضع فى
الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى.
قلت: كم بينهما ؟ قال: أربعون سنة، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل.
والأرض لك مسجد،(٢).
(١) تفسير الفخر ج ٨ ص ١٥١
(٣) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء ج ٤ ص١٩٧، وأخرجه مسلم فى كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ج ٢ ص ٦٣.

٢٤٧
الجزء الثالث
قالوا: وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال : معلوم
أن سليمان بن داود هو الذى بنى المسجد الأقصى، والذى بنى المسجد الحرام
هو إبراهيم وابنه إسماعيل، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فكيف
قال - صلى الله عليه وسلم - إن بين بناء المسجدين أربعين سنة؟
والجواب أن الوضع غير البناء، فالذى أس المسجد الأقصى ووضعه
فى الأرض بأمر الله هو سيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم
ويعقوب هذه المدة التى جاءت فى الحديث، أما سليمان فلم يكن مؤسسا للمسجد
الأقصى أو واضعاً له وإنما كان مجددا فلا إشكال ولا منافاة.
وإذن فالبيت الحرام أ-بق بناء من المسجد الأقصى ، وأجمع منه للديانات
السماوية، وهو - أى البيت الحرام أول بيت جعل الله الحج إليه عادة
مفروضة على كل قادر على الحج، وجعل الطواف حوله عبادة، وتقبيل الحجر
الأسود الذى هو ضمن بنائه عبادة .... ولا يوجد بيت سواء فى الأرض له
من المزايا والخصائص ما لهذا البيت الحرام .
وبذلك ثيت كذب اليهود فى دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد
الحرام ، وأن فى تحول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة فى
صلاته مخالفة للأنبياء قبله .
ثم مدح الله - تعالى - بيته بكونه (, مباركا، أى كثير الخير دائمه، من
البركة وهى النماء والزيادة رالدوام .
أى أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف
فيه، أو طاف حوله، بسبب مضاعفة الأجر، وإجابة الدعاء ، وتكفير
الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة لله رب العالمين.
وإن هذا البيت فى الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية .
فمن بركاته المادية: قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها
• معمخدات الأرض، تقدمها على سما تعادل المنفعة قادة وعلى سمل

٢٤٨
سورة آل عمران
الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام، إجابة لدعوة سيدنا
إبراهيم حيث قال: «ربنا إنى أسكنت من ذریتی بواد غير ذى زرع عند
بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم
من الثمرات لعلهم يشكرون، (١).
ومن بركاته المعنوية: أنه مكان لأكبر عبادة جامعة المسلمين وهى فريضة
الحج، وإليه يتجه المسدون فى صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم.
وقوله (( مباركا)، حالى من الضمير فى ( وضع)).
ثم مدحه بأنه « هدى للعالمين، أى هو بذاته مصدر هداية للعالمين، لأنه
قبلتهم ومتعبدهم، وفى استقباله توجيه القلوب والعقول إلى الخير وإلى
ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته.
ثم مدحه - ثالثا - بقوله « فيه آيات بينات، أى فيه علامات ظاهرات،
ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته، وعلو مكانته. وهذه الجملة الكريمة
مستأنفة لبيان وتفسير بر كته وهداه .
ثم بين - سبحانه - بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه
فقال : مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا،.
فالآية الأولى الدالة على عظم وشرف البيت الحرام ((مقام إبراهيم، أى
المقام المعروف بهذا الاسم. وهو الموضع الذى كان يقوم فيه إبراهيم تجاه
الكعبة لعبادة الله - تعالى - ولإتمام بناء الكعبة ومعنى أن فى البيت مقام إبراهيم
أى أنه فى فنائه ومتصل به .
قال ابن كثير: عن جابر - رضى الله عنه - أن الرسول الله ـ صلى اته عليه
وسلم - رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم
فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى .. ، فجعل المقام
بينه وبين البيت فصلى ركعتين .... والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان
(١) سورة إبراهيم الآية ٣٧

٢٤٩
الجزء الثالث
إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة، لما إرتفع الحدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر
ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار .
ثم قال: وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف
اليوم إلى جانب الباب ما يلى الحجر يمنة الداخل من الباب فى البقعة المستقلة
هناك .... وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى
ناحية المشرق حيث هو الآن ، ليتمكن الطائفون من الطواف ، وليصلى
المصلون عنده دون تشويش عليهم من الطائفين (١).
وقوله، مقام إبراهيم)) مبتدأ محذوف الخبر أى مقام إبراهيم منها أو من
هذه الآيات البينات . أو خبر لمبتدأ محذوف أى فيه آيات بينات أحدها
مقام إبراهيم
وقد رجح ابن جرير أن قوله - تعالى - ((مقام إبراهيم)، هو بعض الآيات
البينات التى فى البيت الحرام فقال: وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب
قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم. وهو قول قتادة ومجاهد
الذى رواه معمر عنهما فيكون الكلام مراداً منهن، فترك ذكره اكتفاء
بدلالة الكلام عليها: فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات فما سائر
الآيات التى من أجلها قيل (( آيات بينات))؟ قيل: منهن المقام، ومنهن الحجر،
ومنهن الحطيم ... ، (٢).
وقال ابن عطية: والراجح عندى أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالالمافى
حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على
الكفار، إذهم مدركون هاتين الآيتين بحواسهم، (٢).
وأما الآية الثانية التى تدل على فضل هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن
بقوله: ((ومن دخله كان آمنا)).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٧٠. بتصريف وتلخيص.
(٢) تفسير ابن جرير ج ٤ ص ١١
اد/ حافة الحاءعد الحلالين ج ١ ص ٠٢٩٧

٢٥٠
-
سورة آل عمران
أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال - تعالى -
((أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم، وفى ذلك إجابه
لسيدنا إبراهيم حيث قال - كما حكى القرآن عنه -: «رب أجعل هذا البلد آمنا
وأجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام، ولاشك أن فى أمن من دخل هذا البيت أكبر
آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله، لأنه موضع أمان الناس فى بيئه
تغرى بالإعتداء لخلوها من الزرع والنبات .
وفى الصحيحين - واللفظ لمسم - عن أبي شريح العدوى أنه قال لعمرو بن
سعيد وهو يبعث البعوث لمكة - يعنى لقتال عبد الله بن الزبير -: أنذن لى أيها
الأمير أن أحدثك قولاقام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم
الفتح - سمعته أذنانى ووعاه قلبى، وأبصرته عيناى - حين تكلم به (١): أنه
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل
لأمرى يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شحرة، فإن
أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها - أُخذ فيه بالرخصة
فقولوا له: إن القه أذن لنيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى فيها ساعة من نهار،
وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمر، فليبلغ الشاهد الغائب.
فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو؟ فقال أبو شريح: قال لى : يا أبا
شريح أنا أعلم بذلك منك إن الحرم لا يعيذ عاصيا - أى لا يميره ولا يعصم
دمه - ولا فارا بدم - أى أن الحرم لا يجير إنسانا هاربا إليه لسبب من
الأسباب الموجبة للقتل - ولافأرا بخربة - أى بسبب سرقة أو خيانة(٢).
ولقد كان أهل الجاهلية يعظمون المسجد الحرام - وخصوصا أهل مكة -
(١) أراد بقوله: سمعته أذناى ... الخ المبالغة فى تحقيق حفظه إياه، وتيقنه من
زمانه ومكانه ولفظه .
(٢) أخرجه البخارى فى كتاب العلم . باب فليبلغ الشاهد الغائب ج ١ ص ٣٧
وأخرجه مسلم فى كتاب الحج ج ٤ ص ١٠٩

٢٥١
الجزء الثالث
فلما جاء الإسلام أقر له هذه الميزة وز كاها. ووضع لها الضوابط والأحكام
التى تضمن إستعمالها فى الوجوه التى شرعها الله.
فقد إتفق الفقهاء على أن من جنى فى الحرم جنابة فهو مأخوذ بجنا بتهسواء
أ کانت فى النفس أم فيما دونها .
وإختلفوا فيمن جنى فى غير الحرم ثم لاذ إليه. فقال أبو حنيفة وابن
حنبل: إذا قتل فى غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه؛ ولكن
لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه فيقتص منه. وإن كانت
جنايته فيما دون النفس فى غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه .
وقال مالك والشافعى يقتص منه فى الحرم لذلك كله كما يقتص منه
فى الحل .
ولكل فريق أدلته المبسوضة فى كتب الفقه .
ثم أخبر - سبحانه - عن وجوب الحج على كل قادر علي فقال :
«وقه على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى
عن العالمين).
أى أن الله - تعالى - فرض على الناس أن يحجوا بيته فى أوقات معينة
وبكيفية مخصوصة متى كان فى إستطاعتهم أداء هذه الفريضة .
((ومن كفر) أى من جحد فرضية الحج وأفكرها، ولم يؤدها مع
إستطاعته وقدرته على أدائها فإن الله غنى عنه وعن حجه وعن الناس جميعاً.
قال صاحب الكشاف: وفى هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد
منها قوله: « ولله على الناس حج البيت ، یعنی أنه حق واجب لله فى رقاب الناس
لاينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منه
من إستطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية
للماد وتكرير له. والثانى أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال

٢٥٢
سورةآل عمران
إراد له فى صورتين مختلفتين. ومنها قوله: ((ومن كفر، مكان ومن لم
يحج تغليظا على قارك الحج، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : من مات ولم
يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً. ومنها ذكر الاستغناء عنه ، وذلك
مما يدل على المقث والسخِط والخذلان. ومنها قوله: ((عن العالمين)) ولم يقل
عنه، لأن فيه الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين
تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل ، فكان أدل على
عظم السخط ... ، (١) .
وقوله: ((ولله)) خبر مقدم متعلق بمحذوف أى واجب. وقوله: ((على
الناس ، متعلق بهذا المحذوف. وقوله: «حج البيت)) مبتدأ مؤخر .
وللناس عام مخصوص بالمستطيع ، وقد خصص يبدل البعض فى قوله:
((من استطاع إليه سبيلا، إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل
والضمير فى البدل مقدر أى من استطاع منهم إليه سبيلا.
و«من، فى قوله: ((ومن كفر، يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر،
- أن تكون موصولة. وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة
الظاهر مقام المضمر إذ الأصل ومن كفر فإن الله غنى عنه فاستغنى بالظاهر
عن المضمر .
قال ابن كثير: والجمهور يرى أن هذه الآية هى آية وجوب الحج . وقيل
بل هى آبة. وأتموا الحج والعمرة لله، والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث
المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمة وقوائمة ، وأجمع المسلمون على ذلك
إجماعا ضر ورياً وإنما يجب على المكلف فى العمرمرة واحدة بالنص والإجماع
فعن أبى هريرة قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا أيها
الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل : أكل عام يارسول اته؟
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٩٠.

٢٥٣
الجزء الثالث
فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لو قلت
نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذرونى ماتركتكم فإنما هلك من كان
قبلكم بكثرة سؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه
ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه)).
٠
وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: «قام رجل إلى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فقال: ما السبيل يارسول الله، فقال: الزاد
والراحلة ،(١) .
وبذلك تكون هاقان الآيتان والآيات التى قبلهما قد ردت على اليهود فى
دعواهم أن ما حر مه الله عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم وبفيهم
وكذبتهم فى دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام.
وقد اشتمل هذا الرد على ما يثبت إفتراهم من واقع التاريخ ، فقد أمر
الله - تعالى - النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يظالبهم بإحضار التوراة إن
كانوا صادقين فى دعواهم. فيهتوا وانقلبوا صاغرين، وأثبت القرآن أن
البيت الحرام أول بيت وضع فى الأرض لعبادة الله، فهو يسبق بيت المقدس
فى أولوية الشرف والزمان وإذن جدال اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم-
فى هذه الأمور ماهو إلا نوع من منادهم وجحودهم للحق ، والمعاند والجاحد
لاينفع معهما دليل أو برهان .
وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود فى هاتين القضيتين - قضية
ماحرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم فى أفضلية البيت الحرام - بعدكل
ذلك ساق القرآن طرفا من مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين عن
طريق محاولتهم الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين. وقد حذر الله
المؤمنين من شرورهم بعد أن وبخ اليهود على مكرم ، وتوعدهم بسوء المصير.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٥.

٢٥٤
سورة آل عمران
استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه الحكيم فيقول :
(( قُلْ يَا أَهْلَ الكتابِ لِمَ تسكُفُرُونَ بَآيَاتٍ وَاللّهَ شَهِيدٌ عَلَى
ماَ تَعمَلُون (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الكتابُ لِمَ تَصْدُّونَ عنْ سبيلِ اللهِ
مَنْ آمَنْ تَبْقُونَهاَ عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاء وما اللهُ بغافلٍ عمَّ تعلونَ (٩٩)
يَأْيُها الذينَ آمنُوا إنْ تطيعُوا فريقاً من الذينَ أُوتُوا الكتابَ يردُّوكُ
بعد إِيمَانِكُمْ كافِرِين (١٠٠) وكَيفَ تكفرُون وأنتم تَثْلَى عليكم آياتٌ
اللهِ وفيكُم رسولُه، ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِى إلى صراطٍ
مستقيمٍ (١٠١) يأيُّها الذينَ آمنُوا اتقوا الهَ حقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ
إِلاَّ وَأَنَّ مُسلمونَ (١٠٢) واعْتَصِمُوا بحبلِ اللهِ جَميعاً ولا تفرَّقُوا
واذكُرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم إِذْ كُنْتُمْ أَعداء فَأَلَّفَ بِينَ قلوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِسْتَّهِ إخواناً وَكُنْتُمْ فَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَ كُمْ مِنْها، كَذَلكَ
يَيَِّ اللهُ لِكُمْ آيَاتِهِ لَّمَلِكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتُكُنْ مِنكُمْ أُمَةٌ
يدعونَ إلى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بالمعروفِ ويَنْهَوْنَ عن المنكرِ وَأُولئكَ
م المُفْلحونَ (١٠٤) ولا تكونُوا كَالذينَ تَفَرَّقُوا وَاختلفُوا مِنْ بَعْدِ
ما جاءهمُ البيناتُ، وَأُولتكَ لَهُم عذابٌ عظيمٌ (١٠٥))).
أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس - وكان
شيخاً قد عا (1) فى الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد
الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج فى جلس قد
جمعهم يتحدثون فيه، ففاظه مارأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم
(١) حسا الشيخ: كبر وأمن من عسا القضيب إذا يبس.

٢٥٥
جزء الثالث
على الإسلام، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية - فقال : قد اجتمع
ملأ بنى قيلة (١) بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا إجتمع ماؤهم بها من قرار.
فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم
بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان
يوم بعات يوما اقتتلت فيه الأوس والالخزرج وكان الظفر فيه للأوس على
الخزرج - ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حى وائب
رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظى من الأوس ، وجبار بن صخر
من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شتم واله رددناها الآن
جذعة (٢)، وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا، السلاح موعدكم الظاهرة.
والظاهرة: الحرة - خرجوا إليها وتحاور الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى
بعض والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التى كانواعليها فى الجاهلية. فبلغ ذلك
رسول الله -صلى الله عليه وسلم خرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه
حتى جاءهم . فقال يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم
بعد إذ مداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ،
واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوم ، فألقوا السلاح من
أيديهم، وبكوا، وعافق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم إنصرفوا
مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سامعين مطيعين، قد أطفأ أبله عنهم كيد
عدو الله شاس بن قيس . وما صنع .
فأنزل أقه فى شاس بن قيس وما صنع ((قل يا أهل الكتاب لم تكفرون
الآية ، وأنزل فى أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما
الذين صنعوا ما صنعوا، يأيها الذين آمنوا أن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا!
(١) قيلة: هى قلة ذات كاهل بن عذره وهى أم الأوس والخزرج.
(٢) جذعة : هابة فتية . يريد عودة الحرب قرية كما كانت.

٢٥٦
سورة آل عمران
الكتاب ... إلى قوله ((وأولئك لهم عذاب عظيم، (١) - فما كان يوم أقبح
أولا وأحسن آخر ا من ذلك اليوم -.
وقوله - تعالى - قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله . ..
أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يوبخ هؤلاء اليهود
ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، وإيذاء أقباعها
ومحاولتهم صرف الناس عنها .
أى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروابالحق بعد أن حامتهم البينات:
لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى فيما
أبلغه عن ربى، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد لأعمالكم
الظاهرة والخفية ، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم.
فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر، وتهديدهم بالعقاب إذا
إستمروا فى مسالكهم الأثيمة .
ولكى يكون التأنيب أوجع، أمراقه - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم-
أن يناديهم بقوله: « يا أهل الكتاب،، لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم
الإيمان، والإذعان للحق، ولكنهم اتخذوا عليهم وسيلة للشرور والتضليل
فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم، وخبث طويتهم وسوء طباعهم.
وبعد أن أنبهم القرآن الكريم فى هذه الآية على كفرهم وضلالهم، أمر
أقه - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى آية ثانية أن يوبخهم على
محاولتهم إضلال غيرهم فقال - تعالى -: ((قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن
سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء، وقوله («تصدون)) من الصد
وهو صرف الغير عن الشىء ومنعه منه. يقال : صد يصد صدودا، وصدا .
(١) تفسير ابن جرير ج ٤ ص٢٣.

٢٥٧
الجزء الثالث
وقوله ((سبيل الله، أى طريقة الموصلة وهى ملة الإسلام.
وقوله (( تبغونها عوجا، أى تطلبون لها الموج. يقال: بغيت له كذا أى
طلبته . والعوج - بكسر العين - الميل والزيغ فى الدين والقول والعمل وكل
ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج. والعوج - بفتح
العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح وكل شىء منتصب
قائم أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها يكون فى الأعيان .
والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب مرة أخرى مبالغة فى تقريعهم، وإزاحة
لأعذارهم ، لأى شىء تصرفون المؤمنين عن الإيمان الحق، وتمنعون من آمن
بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستمرار على إتباعه، وتثيرون الفتنة
والوقيعة بين أصحابه .
وقوله: (« تبغونها عوجا)) أى تطلبون الموج والميل لسبيل اله الواضحة.
والميل بها عن القصد والإستقامة، وتريدون أن تكون ملتوية غير واضحة
فى أعين المهتدين، كما التوت نفوسكم ؛ وإنحرفت عقولكم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف قال تبغونها عوجا وهو محال ؟
قلت : فيه معنيان: أحدهما أنكم تلبسون على الناس حتى قوهموم أن فيها
أهوجاجا بقولكم إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة رسول الله
-صلی الله عليه وسلم - عن وجهها وغير ذلك.
والثانى أنكم تتعبون أنفسكم فى إخفاء الحق إبتغاء ما لا يتأتى لكم من
وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم، (١).
وقوله: من آمن، مفعول به لتصدون. والضمير المنصوب فى قوله
((قبغونها)) يعود إلى سبيل الله أى تبغون لها خذفت اللام كما فى قوله - تعالى -
((وإذا كالوهم، أى كالوا لهم. وقوله , عوجا، مفعول به اتبغون.
وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى « تبغونها، وهو الماء هو المفعول.
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٩٣.
(١٧ - سورة آل عمران)

٢٥٨
سورة آل عمران
وجعل عوجا حال من سبيل الله. أى تبغونها أن تكون معوجة وتريدونها فى
حال موج وإضطراب.
وقوله، وأنتم شهداء)) حال من فاعل ، قصدون) أو ((تبغون)).
أى والحال أنكم تعلمون بأن سبيل الإسلام هى السبيل الحق على من
يعاين ويشاهد الشى. على حقيقته ، يحودكم عن علم ، و کفركم لیس عن جهل،
ولقد كار المتوقع متكم يا من ترون الحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه
وسلم - فى كتابكم، أن تكونوا أول المسارعين إلى الإيمان به ، ولكن
الحسد والعناد حالا بينكم وبين الإنتفاع بالنور الذى جاء به محمد - صلى الله
عليه وسلم - .
وقوله, وما الله بغافل عما تعملون، تهديد لهم ووعيد على ضلالهم ومحاولتهم
إضلال غيرهم ، لأنه - سبحانه - ليس غافلا عن اعمالهم، بل هو سيجازيهم
على هذه المالك الخبيثة بالفشل والذلة فى الدنيا، وبالعذاب والهوان فى الآخرة.
ولما كان مدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة
حيلتهم، بيان أن الله - تعالى - محيط بكل ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال
وليس غافلا عنها. بخلاف الآية الأولى فقد كان كفرهم بطريق العلاقية لذا
ختمت ببيان أن الله مشاهد لما يعملونه ولما يجاهرون به .
وبعد أن بين - سبحانه - فى هاتين الآيتين أن اليهود قد جمعوا الخستين
خلال أنفسهم ، ثم محاولتهم تضليل غيرهم : تركهم مؤقتا فى طغيانهم يعمهون
ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم ، وينهاهم عن
الركون إليهم، والاستماع إلى مكرهم فقال - تعالى -((بأيها الذين آمنوا إن
تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين،.
والمعنى: إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب
بينكم من دسائس ولنتم لهم، لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم كما فى
الجاهلية، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى ونفيتكم القديمة وكفراً
بالله بعد إيمانكم.

٢٥٩
الجزء الثالث
وقد خاطب الله المؤمنين بذاته فى هذه الآية بعد أن أمر رسوله
سلى الله عليه وسلم - بأن يخاطب أهل الكتاب فى الآيتين السابقتين، إظهارا
(لة قدرهم، وإشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من الله - تعالى -.
وناداهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم ، وتوجيه
ولهم إلى ما يستدعيه الإيمان من فطنة ويقظة . فالمؤمن ليس خبا ولكن
ذب لا يخدعه .
وفى التعبير ((بإن)) فى قوله: (( إن تطيعوا فريقا، إشارة إلى أن طاعتهم
بود ليست متوقعة، لأن إيمانهم يمنعهم من ذلك .
ووصف - سبحانه - الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من
ذين أوتوا الكتاب، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم .
وفعتهم بأنهم ( أوتوا الكتاب، للإشعار بأن تضليلهم متعمد. وبأن
مرهم على المؤمنين مقصود، فهم أهل كتاب وعلم ، ولكنهم استعملوا علمهم
، الشرور والآثام .
وقوله: «يردوكم، أصل الرد الصرف والإرجاع، إلا أنه هنا مستعار
تغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصدير كقول الشاعر :
فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سوداً
أی: يصيروكم بعد إيمانكم كافرين. والمكاف مفعوله الأول، وکافرين
فهوله الثانی
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى: ((ودكثير من أهل
لكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حدأ من عند أنفسهم من بعد
ماتبين لهم الحق ... »(١) .
ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من

٢٦٠
سورةآلعمران
الذين أوتوا الكتاب، أو أن يكفروا بعد إيمانهم، أو أن يتفرقوابعدوحدتهم
فقال - تعالى -: «وكيف تكفرون وأنتم قتلى عليكم آيات الله وفيكم
رسوله، والاستفهام فى قوله: «وكيف تكفرون، للافكار ، ولاستبعاد
كفرهم فى حال اجتمع لهم فيها كل الأسباب الداعية إلى الإيمان .
أى: كيف يتصور منكم الكفر، أو يسوغ لكم أن تسيروا فى أسبابه
وآيات الله تقرأ على مسامعكم غضة طرية صباح مساء، ورسول الله
- صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيكم، يردكم إلى الصواب إن أخطأتم، ويزيح
شبهكم إن القبس عليكم أمر .
وفى هذا ما يومى. إلى إلقاء اليأس فى قلوب هذا الفريق من اليهود من أن
يصلوا إلى ما يبغونه بين المؤمنين فى وقت يذكر النبى - صلى الله عليه وسلم -
المؤمنين بما ينفعهم ؛ ويحذرهم ما يؤذيهم ويضرم .
وفى توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة ، لأن كل
موجود لابد أن يكون وجوده على حال من الأحوال ، فإذا أنكر وفنى
فى جميع الأحوال افتفى وجوده بالكلية بالطريق البرهانى.
وقوله ((وأنتم قتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، جملتان حاليتان
من فاعل ((تكفرون، وهو ضمير الجماعة. وهاتان الجملتان هما محط الافكار
والاستبعاد .
أى أن كلا من تلاوة آيات الله وإقامة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فيهم، وازع لهم عن الكفر، ودافع لهم إلى التمسلك بعرى الإيمان .
ففى الآية الكريمة دلالة على عظم قدر الصحابة، وأن لهم وازعين عن
مواقعة الضلال: سماع القرآن، ومشاهدة أنوار الرسول - صلى الله عليه وسلم-
فإن وجوده عصمة من ضلالهم،