Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة آل عمران
١
وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة (وإذ قالت الملائكة يامريم
إن الله اصطفاك .. الخ ، قالوا: ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل .
والمبدل منه اعتراض جىء به تقريراً لما سبق، وتفيها على استقلاله.
والظرف (( إذ)) معمول لمحذوف تقديره اذكر، أى اذكر وقت أن قالت
الملائكة لمريم إن الله يبشرك بكلمة منه ...
وقوله يبشرك « بكلمة منه، أى يبشرك بمولودیحصل بكلمةمنه -سبحانه.
وسمى هذا المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب
على المسبب .
والمراد أنه وجد من غير واسطة أب ؛ لأن غيره إن وجد بتلك
السكلمة لكنه بواسطة أب، أى أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق الناس
بطريق التناسل من ذكر وأنى وأخرج الأولاد من أصلاب الآباء ؛
فإن عيسى - عليه السلام - لم يكن كذلك، بل خلقه الله - تعالى - خلقا
آخر، خلقه ((بكلمة منه، وهى ((كن، فكان كما أراده أمه و((من) فى
قوله ((منه)) لابتداء الغايه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة الكامة:
أى بكلمة كائنة منه .
فالمراد بقوله ((كلمة)) أى يبشرك بولد حى بسرى عليه حكم الأحياء اسمه
المسيح عيسى ابن مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين.
ورج أن جرير أن معنى «بكلمة منه، ببشرى منه سبحانه - فقد قال:
وقوله . بكلمة منه، يعنى برسالة من اللّه وخير من عنده. وهو من قول القائل:
ألق إلى فلان كلمة سرنى بها بمعنى أخبر نى خبرا فرحت به ... فتأويل الكلام:
وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله يبشرك
ببشرى من عنده، هى ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم ... »(١).
وعلى كلا التأويلين ففى التعبير عن عيسى - عليه السلام بأنه كلمة من الله
(١) تفسير ابن جرير ج ٢ ص ٠٢٦٩

١٤٢
سورة آل عمران
تكريم له وتشريف، وقوله , اسمه المسيح)) مبتدأ أو خبر، والجملة فعت.
والضمير فى قوله (( اسمه)) يعود إلى كلمة. وجاء مذ كرارعاية للمعنى لأنناسبق
أن بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد .
والمسيح: لقب من الألقاب المشرفة كالصدق والفاروق، وأصله
مشيخاً بالعبرانية ومعناه المبارك. وقد حكى الله - تعالى أنه قال عن نفسه
« إنى عبد الله أتانى الككتاب وجعلنى نبياً. وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى
بالصلاة والزكاة مادمت حيا، وقيل المسيح فعيل بمعنى فاعل ، للمبالغة فى مسحه
الأرض بالسياحة للعبادة. أو مسحه ذا العاهة ليبرأ. أو بمعنى مفعول أى
مسوح لأن الله مسحه بالطهر من الذنوب.
وعيسى. اسم لهذا الإسم الكريم ، وهو اسم ينبىء عن البياض
والصفاء والنقاء.
قال الراغب : عيسى اسم علم، وإذا جعل عربياً أمكن أن يكون من
قولهم بمير أ عسى و فاقة عيساء وجعها عيسى وهى أبل بيض يعترى بياضها
بعض "ظلمة .. (١)، أى فيها أغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا.
وابن مريم: هو كنيته، وهو للإشارة إلى أن نسبة ثابت لأمه لا لأحد
سواما، وليس ابنالقه - تعالى - كما قال الضالون.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لمقيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟
قلت : لأن الأبناء ينسبون إلا الآباء لا إلى الأمهات، فاعلمت بنسيه إليها
أنه يولد من غير أب فلا يذب إلا إلى أمه . وبذلك فضلت واصطففت على نساء
العالمين . فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر . فإن
قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء: الإسم منها عيسى:
وأما المسيح والابن فلقب وصفة ؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى من ٣٥٣.

١٤٣
سورة آل عمران
من غيره، فكأنه قيل : الذى يعرف به وبتميز من سواء مجموع هذه
الثلاثة))(١) .
والمعنى الإجمالى للجملة الكريمة: أذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة
مريم: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه أى مولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة
أب هذا المولود العجيب اسمه الذى يميزه لقباً المسيح وميزه عداً عيسى ويميزه
کتیة ابن مریم .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد
جمع ثلاثة أمور كل واحد منها يشير إلى معنى كريم قد تحقق فى هذا النبى
العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من البشر ثم بعد ذلك وصفه.
سبحانه - بأربعة أوصاف قدل على فضله وعلو منزلته فقال - تعالى - ((وجيها
فى الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس فى المهد وكهلاو من الصالحين».
أما الصفة الأولى فهى قوله - تعالى -: ((وجيها فى الدنيا والآخرة (( أى
ذاجاه وشرف ومنزلة عالية . يقال وجه الرجل يوجه - من بأب ظرف -
وجاهة فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس . واشتقاقه من الوجه
لأنه أشرف الأعضاء، ولأنه هو الذى يواجه الإنسان به غيره.
وعيسى - عليه السلام - شهد أقه - تعالى - له - وكفى باقه شهيدا شهد له
بالوجاهة وسمو المنزلة فى الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة فى هداية الناس
وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ودعوتهم إلى وحدانية الله وإلى مكارم
الأخلاق ، وإقامة التوراة بعد أن اختلفوا فيها.
والصفة الثانية من صفاته أنه « من المقربين، أى أنه من المقربين عند اقه
- تعالى - ويالها من صفة عظيمة هى منتهى ما نتطلع إليه النفوس، وتهفو القلوب.
وأما الصفة الثالثة من صفات عيسى -عليه السلام فهى قوله - تعالى-، ويكلم
الناس فى المهدوكيلا، وهذه الجملة معطوفة على قوله «وجيها، وعطف الفعل
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦٣.

١٤٤
الجزء الثالث
على الإسم لتأويله به جائز والتقدير وجيها ومكلما، والمهد، اسم لمضجع
الطفل أى المسكان الذى يهيأ له وهو فى الرضاعة والكهل : هو الشخص الذى
اجتمعت قوته وكمل شبابه. وهو مأخوذ من قول العرب اكنهل النبات إذا
قوی و قم .
والمراد أن عيسى - عليه السلام - بكلم الناس فى حال كونه صغيراً قبل
أو ان الكلام، كما يكلمهم فى حال كهولته واكتمال شبابه، فهو - عليه السلام-
يكلمهم بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حالتى الطفولة والكهولة ، وذلك
إحدى معجزانه - عليه السلام - وقد حكى القرآن فى سورة مريم مانكلم
به عيسى - عليه السلام - وهو طفل صغير فقال - تعالى -: ((فأشارت إليه
قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبياً . قال إنى عبد الله آتانى الكتاب
وجعلنى نبيا . وجعلنى مباركا أينماكنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت
حيا . وبراً بو الدقى ولم يجعلنى جباراً شقياً. والسلام على يومٍ ولدت ويوم
أموت ویوم أبعث حياً ».
أما الصفة الرابعة من صفاته - عليه السلام - فهى قوله - تعالى - ,ومن
الصالحين، أى من عباد الله الصالحين لحمل رسالته وتبليغها للناس، أو من
الذين يصلحون ولا يفسدون، ويطيعون الله - تعالى - ولا يعصونه، قالوا:
ولا رقبة أعظم من كون المرء صالحا ؛ لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان
فى جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك يتناول جميع
المقامات فى الدين والدنيا فى أفعال القلوب وفى أفعال الجوارح ، ولذا قال
سليمان - عليه السلام - بعد النبوة «رب أوزعنى أن أشكر نعمتك الى أنعمت
على وعلى والدى وأن أعمل صالحاً ترضاه. وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين،
فلما عدد - سبحانه - صفات عيسى أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع
الدرجات ،(١) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٠٢٧٢

١٤٥
الجزء الثالث
تلك هى البشارات التى بشرت بها الملائكة مربم، وتلك هى بعض صفات
مولودها، فماذا كان موقفها من ذلك ؟
لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها ، وشدة تأثرها
فقال - تعالى -: ((قالت رب أفى يكون لى ولد ولم يمسنى بشر، ..
أى: قالت مريم على سبيل التعجب والاستغراب: يارب كيف يكون
لى ولد والحال أنى لم يمسسنى بشر، أى أست بذات زوج، ولم يحصل منى
قط ما يكون بين الرجل والمرأة مما يتسبب عنه وجود الولد .
والجملة الكريمة مستأنفة إستئناف بيانيا، كأنه قيل فماذا كان منها بعد أن قال لها
الملائكة ذلك ؟ فكان الجواب : قانت رب أنى يكون ولد ... الخ.
وصدرت إجابتها بالنداءقه - تعالى - الإشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهية،
وأن استغرابها وتعجبها إنما هو من الكيفية لا إنكاراً لقدرة الله - تعالى -.
وجملة (« ولم يمسسنى بشر)) حالية محققة لما مر ومقوية له.
والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن المباشرة التى تقع بين الرجل والمرأة
والتى يترتب عليها وجود الفسل إذا شاء الله ذلك، ويحتمل أن يكون المرادبه
حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل، لأنها كانت معتكفة فى بيت الله ومنصرفة
لعبادته ، ولم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط . وبذلك يفتفى بالأولى
ماهو أبلغ من مجرد اللمس . فموضع عجبها واستنكارها إنما هو وجود ولد
منها مع أنها لم يمسسها بشر.
وهنا يحكى القرآن أن الله - تعالى - قد أزال حجبها واستنكارما بقوله:
((قال كدلك الله - خلق ما يشاء).
أى قال أنه - تعالى - لها بلا واسطة أو بواسطة ملائكته: كهذا الخلق
الذى تجدينه ، بأن يكون لك ولد من غير أن يمسك بشر وهو إبداع،
يخلق الله - تعالى - ويبدع مايشاء ويريد إبداعه لاراد المشيئته، ولا معقب لحكمه.
وبعضهم يجعل الوقف على . كذلك، فتكون خبرالمبتدأ محذوف أى قال
(١٠ - سورة آل عمران)

١٤٦
سورة آل عمران
- سبحانه - فى إجابته على مريم: الأمر كذلك أى يأتى الولد منك على الحالة
التى أنت عليها، لأن الله - تعالى - يخلقمايشاء أريخلقه بدون احتياج إلى وجود
الأسباب والمسببات لأنه هو خالقه وخالق كل شى. ولا يعجزه شىء
فى الأرض ولا فى السماء .
وصرح مهما بقوله « يخلق مايشاء، ولم يقل ((يفعل، كما فى قصة زكريا،
لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة مجوز عاقر
من شيخ كبير ، فكان الخلق المنىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام
عن مطلق الفعل .
ثم أكد - سبحانه - عظيم قدرته، ونفاذ إرادته بقوله ((إذا قضى أمراً
فإنا يقول له كن فيكون)).
وقضى هنا بمعنى أراد أى: إذا أراد - سبحانه - شيئا، فإنما يقول لهذا الشىء
كن فيكون من غير تأخر ومن غير وجود أسباب. فهو كقوله - تعالى -
((وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر، أى إيما فأمر مرة واحدة لا تثنية فيها
فيكون ذلك الشىء مربعا كلمح البصر ١
قال الآلوسي: وقوله ((إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، هذاعند
الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته فى مرادها بأمر المطاع للمطيع فى حصول المأمون
من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل وإستعمال آلة. قالممثل الشىء
المكون بسرعة من غير عمل وآلة، والممثل به أمر الآمر المطاوع المأمون
مطيع على الفور ، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه .
وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة، بأن يراد تعلق الكلام النفسى
بالشىء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه .
وعلى كلا التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن الله - تعالى - لا يعجزه
أن يخلق ولدا من غير أب، لأنه أمر ممكن فى نفسه فيصح أن يكون متعلق
الإرادة والقدرة ... ()
(١) تفسير الآلوسى + ٣ ص ١٦٤

١٤٧
الجزء الثالث
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التى بشرت
ہا الملائکة مریم و بعض الصفات التی وصف الله - تعالى - بها عيسى، وبينت
جانباً من مظاهر قدرة الله - تعالى- وقفاذ إرادته، وفى ذلك مافيه من العظات
والعبر لأولى الألباب .
ثم واصل القرآن حديثه عن صفات عيسى - عليه السلام - وعن معجزاته
فقال - تعالى - :
((ويَعَلَّهُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ والتوراة والإنجيلَ (٤٨) ورسولاً
إِلَى بنى إسرائيلَ أَنَّى قد جِئْتَكُم بِآيَةٍ مِنْ رَبِكُم، أنَّى أَخلُقُ لِكُم
مِنَ الطِينِ كَبِيْئَةٍ الَّيْرِ فَأَفَّخْ فيهِ فيكُونُ طيراً بإذنِ الله، وأُبرِىء
الأكمه والأبرصَ وأُخْي الموتَى بإذْنِ اللهِ، وَأَنَبَتْكُم بِما تَأْكُلُونَ
وما تدَّخِرُونَ فِى بِيُوتِكُمْ إِنَّ فى ذلكَ لَآيَةٌ لَكُمُ إِنْ كُنْتُم مؤمنينَ (٤٩)
ومصدِّقًا لما بينَ يَدَىَّ مِنَ التوراة ولأحِلَّ لكُم بعضَ الذى حُرِّمَ
عليكم، وجئتكُم بآيةٍ مِنْ ربِّكُم فاتقوا الهَ وأطيعونِ (٥٠) إنَّ الله
وبِى وربّكُم فاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاط مستقيمٌ (٥١)).
فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكما عن طبيعة رسالة عيسى
- عليه السلام - وعن معجز اته التی أ کر مه الله - تعالى - بها.
وقوله - تعالى -: ((ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل)
معطوف على «يبشرك، أى: بامريم إن الله يبشرك بكلمة منه ... وإن الله
يعلم ذلك المولود المعبرعنه بالمكلمه الكتاب وقرأ بعضهم ((وفعله الكتاب ....
وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة معمولة لقول محدوف من كلام الملائكة
أى، ويقول الله - تعالى - وعلمه ... ، وتكون فى المعنى معطوفة على الحال.
وهى قوله ((وجيها، فكأنه قال: وجيها ومعلماً.

١٤٨
سورة آل عمران
وعلى كلتا القراءتين بجوز أن تكون الجملة مستأنفة، سبقت تطييبالقلب
مريم، وإراحة لما أهمها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير أن
يمسها بشر.
ولقد حكى القرآن عنها فى سورة مريم قولها بتحسر وألم عندما جاءها
المخاض (( ليتنى مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً).
والمراد بالكتاب الكتابة والخط ، فإن عيسى - عليه السلام - قد بعثه
أنه - تعالى - فى أمة ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة، فأكرمه الله بأن جعله
يفوق غيره فى هذه النواحى . وقيل المراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية .
قال الفخر الرازى: والأقرب عندى أن يقال: المراد من الكتاب تعليم
الخط والكتابة ، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق ، لأن كال
الإنسان فى أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومجموعها هو المسمى
بالحسكة . ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم العقلية
والشرعية يعلمه التوراة . وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة،
لأن التوراة كتاب إلهى، وفيه أسرار عظيمة . والإنسان مالم يتعلم العلوم.
الکثیرة لا يمكنه أن يخوض فى البحث عن أسرار الكتب الإلهية . ثم قال فى
المرتبة الرابعة والإنجيل وإنما أخر ذكر الانجيل عن التوراة؛ لأن من تعلم
الخط ، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذى نزل على من قبله
من الأنبياء ، فقد عظمت درجته فى العلم، فإذا أنزل الله عليه بعد ذلك كتابا
آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو العناية القصوى والمرتبة العليا فى العلم والفهم.
والاحاطة بالأسرار المقلية والشرعية، والاطلاع على الحمكم العلوية والسفلية(١).
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى علم الرسالة التى هيأها لعيسى -عليه السلام ..
عقب ذلك ببيان القوم الذين أرسل إليهم فقال - تعالى -: ((ورسولا
إلى بنى إسرائيل، أى أن الله - تعالى - سيجعل عيسى - عليه السلام -
(١) تفسير الفخر الرارى ج ٨ ص ٥٧.

١٤٩
الجزء الثالث
رسولا إلى بنى إسرائيل لكى يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ولكى يبشرم
برسول يأتى من بعده هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ألا وهو محمد - صلى الله
عليه واسلم .
وخص بنى إسرائيل بالذكر مع أن رسالة عيسى كانت إليهم وإلى من
عليها من الرومان، لأن بنى إسرائيل خرج عيسى من بينهم فهو منهم، ولأنهم"
هم الذين كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية، وكانت دعوته
بينهم وانبثت منهم إلى غيرهم. فكان تخصيصهم بالذكرفيه إشارة إلى حقيقة
واقبة وفيه توبيخ لهم ، لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء، ومع ذلك فقد
كفر كثير منهم بعيسى وبغيره من رسل الله، بل لم يكتفوا بالكفر وإنما.
آذوا أولئك الرسل الكرام وقتلوا فريقا منهم.
وقوله ((رسولا ... )) منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على
((ويعلمه)» أى يعلمه ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل.
وقوله , أنی قد جئتكم بآية من ربكم )) معمول لقوله ((رسولا، لمافيه من
معنى النطق. كأنه قيل: ورسولا ناطقا بأنى قد جئتكم يابنى إسرائيل بآية
من ربكم .
والباء للملابسة، وهى مع مدخولها فى محل الحال وقوله « من ربكم))
متعلق بمحذوف صفة لآية . والمراد بالآية هنا المعجزات التى أكرمه الله بها.
أى: أن الله - تعالى - قد علم عيسى - عليه السلام، الكتاب والحكمة
والتوراةو الأنجيل وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل مخبرا إياهم بأنى رسول الله
إليكم حال كونى ملتبسا مجىء بالمعجزات الدالة على صدقى، وهذه المعجزات
ليست من عندى وإنما هى من عند ربكم .
ثم ذكر - سبحانه - خمسة أنواع من معجزات عيسى - عليه السلا !
أما المعجزة الأولى فعبر عنها بقوله: ((أفى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير
فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ) ..

١٥٠
سورة آل عمران
قال الآلوسي: وقوله (( أفى أخلق لكم ... الخ، بدل من قوله. أنى تهـ
جئتكم، أو من « آية، أو منصوب على المفعولية لمحذوف أى أعنى أنى أخلق
لكم ... أو مرفوع على أنه خير لمقدر أى أنى قد جئتكم بآية من ربكم هى
أفى أخلق لكم .... وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف والمراد بالخلق
التصوير والابراز على مقدار معين لا الايجاد من العدم .. ، !! )
والمعنى : ان عیسی ۔ علیهالسلام - قد حكى الله - تعالى - عنه أنه قال لبنى
إسرائيل: لقد أرسلنى الله إليكم لأبلغكم دعوته، ولأمركم بإخلاص العبادة
له، وقد أعطانى - سبحانه - من المعجزات ما يقنعكم يصدقى فيما أبلغه عز ربى،
ومن بين هذه المعجزات أنى أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئا صورته
مثل صورة للطير، فأنفح فى ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا
حقيقيا ذا حياة بإذن الله أى بأمره وإرادته .
فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما
لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم المفخ فيه . أما الثالث فهو من صنع
الله - تعالى - وحده، ألا وهو خلق الحياة فى هذه الصورة التى صورها عيسى
ونفخ فيها. وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس فى عيسى ألوهية ولا أى
معنى من معانيها، ولذا حكى الله تعالى - عنه أنه قال: (( بإذن الله)).
أى أفى ما فعلت الذى فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وقيسيره.
واللام فی قوله (( لبكم، للتعلیل أى أمور لأجل حدابتكم وتصديقكم بى١٠
والكاف فى قو له (« كهيئة الطير » ابمعنى مثل وهى فعت لمفعول محذوف
أى أخلق شيئا مثل هيئة الطير . والهيئة هى الصورة والكيفية .
والضمير فى قوله. فأنفخ فيه، يعود إلى هذا المفعول المحذوف
وقوله ((بإذن الله)) متعلق بيكون، وجىء به لإظهار العبودية، وفقى
قوم أن يكون عيسى أو غيره شريكا لته فى خلق الكائنات .
(١) تفسير الآلوسى = ٣ ص ١٦٧

١٠١
الجزء الثالث
وأما النوع الثانى والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن
فى قوله - تعالى -: ((وأبرى. الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن اقه ،
وقوله ((وأبرئ.)) أى أشفى يقال : برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برها وبرود).
إذا شفى من مرضه .
والأكمه: هو الذى يولد أعمى. يقال كمه يكه كمها إذا ولد أعمى،
فهو أكمه وامرأة كمهاء)).
والأبرص: هو الذى يكون فى جلد، بياضر مشوب بحمرة، وهو مرض
من الأمراض المنفرة التى عجز الأطباء عن شفائها.
والمعنى: أن عيسى - عليه السلام - قال لقومه: ومن المعجزات التى تدل
على صدقى أنفى أشفى وأعيد الإبصار إلى من ولد أعمى، وأعيد الشفاء إلى من
أصيب بمرض البرص ، وأعبد الحياة إلى مزمات ، ولا أفعل كل ذلك بقدر فى
وعلمى وإنما أفعله بإذن الله وبإرادته وأمره .
وخص إراء الأكمه والأبرص بالذكر، لأنهما مرضان عضالان لم يصل
الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منهما، فإذا أجرى الله - تعالى - على إد
عيسى الشفاء منهما، كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب والمسببات
خالقا مختارا لا يعجزه شيء، وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة ذاتها فى الإيجاد
أو الإعدام وإنما المؤثر هو الله - تعالى -.
١
وقوله (( وأحيي الموتى إذن الله))، يدل دلالة قاطعة على أن الأسباب
تتدرج من الصعب إلى الأصعب، فإن مما لاشك فيه أن إحياء الموتى خارق
للأمور العادية، وأنها ليست هى المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر، وأن
الأشياء لم تخلق بالعلية - كما يقول الماديون - وإنما خلقت بالإرادة المختارة
والقدرة المبدعة المنشئة المكونة، وهى إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه .
وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن أقه: للتنبيه على أن ما يفعله
من خوارق إنما هو بأمر المه وتيسيره وإرادته .

١٥٢
سورة آل عمران
وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياءه للمونى
كان عن طريق الدعاء، وكان دعاؤه باحى يا قيوم، وذكروا من بين من
أحياهم سام ابن نوح (١) ...
قال ابن كثير : بعث الله كل فى بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان
الغالب على زمان موسى السحر وتعظيم السحرة ، فبعثه الله بمعجزة بهرت
الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار
انقادوا للإسلام. وأما عيسى فبعث فى زمن الأطباء وأصحاب علوم الطبيعة
تجاءهم من الآيات بما لاسبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذى شرع
الشريعة فمن أين الطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه
والأبرص؟ وكذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - بعث فى زمان الفصحاء
والبلغاء وتجاريد الشعراء فأناهم بكتاب من الله لو اجتمعت الإنس والجن
على أن يأتوا بسورة من مثله ما استطاعوا أبدا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب
لا يشبه كلام الخلق (٢) ...
وأما المعجزة الخامسة فقد حكاها القرآن فى قوله - تعالى -: «وأنبتكم
بما تأكلون وما ندخرون فى بيوتكم،.
١
وقوله - تعالى -((وأنبتكم)) من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن ..
وقوله ((تدخرون، من الإدخار وهو إعداد الشىء لوقت الحاجة إليه.
بقال: دخرته وأدخرته، إذا أعددته للعقى. وأصله ((تذتخرون)) بالذال
المعجمة - من أذتخر الشىء - بوزن افتعل ـ فأبدلت انتاء ذالا ثم أبدات الذال
دالا وأدغمت .
والمعنى: أن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه بنى إسرائيل: وإن من
(١) تفسير الآلوسى ج ٣ ص ٠١٦٩
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٦٥ - تلخيص يسير -.

١٥٣
سورة آل عمران
معجزاتى تدل على صدقى فيما أبلغه عن ربى أنى أخبركم بالشىء الذى تأكلونه
وبالشى. الذى تخبئونه فى بيوتكم لوقت حاجتكم إليه.
قال القرطى : وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا:
أخبرنا بما نأكل فى بيوتنا وما تدخر للغد ؛ فأخبرهم فقال : يا فلان أنت
أكلت كذاو كذا، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله
«وأنبتكم،(١).
و «ماء فى الموضعين موصولة، أو ذكرة موصوفة، والعائد محذوف
أى بما تأ كلونه و تدخرونه.
١٠
ولا شك أن إخبار عيسى - عليه السلام - لقومه بالشىء الذى يأكلونه
وبالشىء الذى يدخرونه يدل على صدقه؛ لأن هذا الإخبار الغيبى بمالم يعاينه
دليل على أن الله - تعالى - قد أعطاه على ما أخبر به.
ثم ختم الله - تعالى - هذه الآية بقوله: ((إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم
مؤمنين ) .
أى إن فى ذلك المذكور من المعجزات التى أجراها الله - تعالى - على بد
عيسى - عليه السلام - لدلالة واضحة ، وعلامة بينه، تشهد بصدقة فيما يبلغه
عن ربه، إن كنتم يابنى إسرائيل ممن يصدق بآيات الله ويذعن لها .
فاسم الإشارة («ذلك، يعود إلى ما سبق ذكره من معجزات على
- عليه السلام - وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن كنتم مؤمنين انتفعثم
بهذه الآبات وأذعنتم للحق الذى جئتكم به من عند انه .
وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التى أيد الله بها عيسى - عليه
السلام - عقب ذلك بالإشارة إلى طبيعة رسالته فقال - تعالى - ,ومصد
(١) تفسير القرطبى ج ٤ ص ٩٥.

١٥٤
سورةآل عمران
لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجنتكم بآية
من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ،.
1
وقوله - تعالى(( ومصدقا لما بين يدى من التوراة، عطف على المضمر
الذى تعلق به قوله - تعالى - ((باية، اى قد جئتكم محتجا أو ملتبا بآية
من ربكم، ومصدقا لما بين يدى وجوز أن يكون منصوبا بفغل دل عليه ،قد
جمكم .. )، أى وجتكم مصدقاً لما بين يدى من التوراة. ومعنى تصديقه
- عليه السلام - للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب، وأن
كتابه يدعو إلى الإيمان بها :
والمعنى: أن عيسى - عليه السلام - قال لبنى إسرائيل: إن الله - تعالى-
قد أرسلنى إليكم لهدابتكم وقد جئتكم بالمعجزات التى تثبت صدقى،
وجتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة، أى مقررالها ومؤمنا بها.
ومعنى ما بين يدى ما تقدم قبلى، لأن المتقدم السابق يمشى بين بدى الجاى
فهو هنا تمثيل لحالة التسبق، وإن كان بين عيسى - عليه السلام - وبين نزول
التوراة أزمنة طويلة؛ لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه
بزمن طويل. ويستعمل بين يدى كذا فى معنى الحاضر المشاهد كما فى قوله
- تعالى - « يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ..
وقوله (( ولا حل لكم بعض الذى حرم عليكم ،معمول لمقدر بعدالواو،
أى: وجئتكم لأجل بعض الأشياء التى كانت محرمة عليكم فى شريعة
موسى - عليه السلام - فهو من عطف الجملة على الجملة .
أى أن شريعة عيسى جاءت متعمة لشريعة موسى وفاسخة لبعض أحكامها،
فلقد حرم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلهم وبغيهم
كما جاء فى قوله - تعالى - «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت
لهم ... ، فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - لتحل لهم بعض ما حرمه الله
عليهم بسبب ظلهم ولجورهم .

١٥٥
الجزء الثالث
قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى - عليه السلام - نسخ بعض شريعة.
التوراة وهو الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال: لم ينخ منها شيئا،
وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطاوا فكشف لهم عن خطتهم
كما قال فى الآية الأخرى ((ولا بين لكم بعض الذى تختلفون فيه»(١).
قالوا: ومن الأطعمة التى أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت
محرمة عليهم فى شريعة موسى: لحوم الإبل والشحوم وبعض الأسماك
والطيور(٢).
وقوله ((وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون) تحريض لهم على
الاستجابة لما يدعوهم إليه .
قال الفخر الرازى: وإنما أعاد قوله - تعالى - ((وجئتكم بآية من ربكم))
لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر، فأعاد ذكر
المعجزات ليكون كلامه ناجعا فى قلوبهم ، ومؤثرا فى طباعهم . ثم خوفهم
فقال: « فانقوا الله وأطبعون، لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله فبين
أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعونى فيما أمركم به عن ربى، (٣).
ثم حكى القرآن أن عيسى - عليه السلام - قد قرر أن هذه المعجزات
الباهرة لن تخرجه عن أن يكون عبد الله ومخلوقا له، وأن من الواجب على
الناس أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا فقال: (( إن الله ربى وربكم.
فاعبدوه هذا صراط مستقيم، أى قال عيسى - عليه السلام - داعياً قومه إلى
عبادة الله - تعالى - هو الذى خلقنى وخلقكم، وهو الذى ربانى ورباكم،
ومادام الأمر كذلك فأخلصوا له العبادة، فإن عبادته - سبحانه - وطاعته
هى الطريق المستقيم الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس .
١
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ٣٦٥
(٢) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ١٧١
(٣) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٦٠.

١٥٦
سورة آل عمران
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بعض المعجزات التى أكرم
الله بها عيسى - عليه السلام - كما حكت لنا بعض التوجيهات القويمة،
والإرشادات الحمكيمة التى نصح بها قومه لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم .
والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو : ماذا كان موقف بنى إسرائيل منه
بعد أن جاءهم بما جاءهم به من بينات وهدايات ؟
لقد حكى القرآن أن موقف أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد
لرسالته فقال - تعالى - :
((فَلَمَّا أَحَسَّ عيسَى منهم الكُفرَ قَالَ مَنْ أَنْصَرِى إِلَى اللهِ ؟ قالَ
الحوارِ يُّونَ نحن أَنصارُ اللهِ، آمَنًا بالمِ واشهدْ بأَنَّ مُسلِمُونَ (٥٣) ربّاً
آمَنَّا بِمَا أُنزَلْتَ واقَّعناَ الرسولَ فاكتُبْنَ مع الشَّاهِدينَ (٥٣) ومكرُوا
ومكرَ اللهُ والله خيرُ الماكرين (٥٤) إذقالَ الله يا عيسى إنَّى مُتَوفِيكَ
ورافعُكَ إِلىَّ ومطوَّرُكَ من الذينَ كَفَرُوا وجاعل الذينَ اتبعوكَ فَوْقَ
الذينَ كَفَرُوا، إلى يومِ القيامةِ، ثمَّ إلىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحُكُمُ بَيْنَكُم فيا
كنْتُمْ فيه تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فأمّا الدينَ کفُوا فأعذبهم عذاباً شديداً فى
· الدّنيا والآخرةِ وما لهُمْ مِنْ نَصرِينَ (٥٦) وأَما الذِينَ آمَنُوا وعملُوا
الصَّالِحَاتِ فَيَوفْهم أُجُورَهُم وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظالمينَ (٥٧))).
فقوله - تعالى - ,فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى
القه، شروع فى بيان مآل أحواله - عليه السلام - ، وفى بيان موقف
قومه منه ، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك بعض صفاته ومعجزاته
وخصائص رسالته .

١٠٧
الجزء الثالث
وأحس: بمعنى علم ووجد وعرف . والإحساس : الإدراك ببعض
الحواس الخمس وهى الذوق والشم واللمس والسمع والبصر . يقال أحس
الشىء، علمه بالحس، وأحس بالشىء شعر به بحاسته والمراد أن عيسى
- عليه السلام - علم من بنى إسرائيل الكفر علما لا شبهة فيه.
والأنصار جمع نصير مثل شريف وأنصار .
والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد جاء لقومه بالمعجزات الباهرات
التى تشهد بصدقه فى دعوته ولكنه لم يحد منهم أذنا واعية ، فلما رأى تصميمهم
على باطلهم ، وأحس منهم الكفر أى علمه يقينا وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس،
قال على سبيل التبليغ وطلب النصرة: من أنصارى إلى الله، أى من أعوانى
فى الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه.
قال ابن كثير : وذلك كما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول فى مواسم
الحج قبل أن يها جر « هل من رجل يؤوينى وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى
فإن قريشا قد منعوفى أن أبلغ كلام ربى، فقيض الله له الأنصار فآوره
ونصروه ومنعوه من الأسود والأحمر،(١).
والفاء فى قوله «فلما، تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة. أى أنهم بعد
أن رأوا ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم
بل كذبوه على الفور ، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم.
والتعبير بأحس - كما أشرنا من قبل .. يشعر بأنه علم منهم الكفر عناً
لاشبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس
والمقول لهم «من أنصارى إلى الله، هم الحواريون كما يشير إليه قوله
- تعالى - فى سورة الصف: ((يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال
عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله، وقيل المقول لهم جميع
أفراد قومه .
٠٣٦٥٠٠
٠٢٠٠٥/٠١

١٥٨
سورة آل عمران
وقوله, منهم)) متعلق بأحس. ومن لابتداء الغاية أى ابتداء الإحساس
من جهتهم. أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أى أحس الكفر
حال كونه صادرا منهم . وقوله (( إلى اله، متعلق محذوف على أنه حال من
الياء فى أنصارى. أى من أنصارى حال كونى ذاهبا إلى الله أى ملتجنا إليه
وشارعا فى نصرة دينه .
وفى قوله ((من أنصارى إلى الله، حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق،
لأنهم لا ينصرونه من أجل متعة زائلة، وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن
دين الله ويشر به، ومن نصر دين الله، نصره الله - تعالى -.
والآنة الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من
بنى إسرائيل، بدليل أنه - سبحانه - نسب الكفر إليهم فى قوله، فلما أحس
عيسى منهم الكفر ، وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة
الظاهرة، والمؤمنون هم القله غير الظاهرة حتى لمكان عيسى بقوله ((من
أنصارى إلى الله، يبحث عنهم من بين تلك الجموع المكثيرة من الكافرين.
وهنا يحكى القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم يتقاعسواعن تلبية
قداء عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : ((قال الحواريون نحن
أنصار الله آمنا باله واشهد بأنا مسلمون، والحواريون جمع حوارى وم
أنصار عيسى الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه، و کانواعونا
له فى الدعوة إلى الحق .
يقال فلان حوارى فلان أى خاصته من أصحابه ، ومنه قول النبي
- صلى الله عليه وسلم - فى الزبير بن العوام : «لكل نی حوارى وحوارى
الزبير ، .
وأصل مادة (( حور)): هى شدة البياض، أو الخالص من البياض،
ولذلك قالوا فى خالص لباب الدقيق الحوارى . وقالوا فى النساء البيض :
الحواريات والحوريات ...
وقد سمى الله - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين، لأنهم أحلصوا

١٠٩
الجزء الثالث
قه - تعالى - نياتهم، وطهرت سرأثرهم من النفاق والغش، فصاروا فى
فقائهم وصفائهم كالشى. الأبيض الخالص البياض.
والمعنى: أن - عيسى عليه السلام - لما أحس الكفر من بنى إسرائيل
قال لهم من أنصارى إلى الله ؟ فأجابه الحواريون الذين أمنوا به وصدقوه
وباعوا نفوسهم لله - تعالى -: نحن أنصار أله الذين تبحث عنهم ، ونحن
الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق، فقد آمنا بالله إيمانا عميقا، ونريدك
أن تشهد على إيماننا هذا، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد
الرسل لأقر امهم وعليهم.
١
فأنت زى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم ، قد لبوا دعوة
عيسى - عليه السلام - فى طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا الله.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ((نحن أنصار الله)) إشعار بأنهم
ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله، ودفاعا عن الحق الذى أنزله على
و-وله عيسى .
وقولهم (( آمنا باقه)) جمئة فى معنى العلمة للنصرة أى نحن أنصار الله يا عيسى
لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن
له كفوا أحد، وأنه هو الخالق لكل شىء والقادر على كل شىء.
وقولهم (( واشهد بأنا مسلمون)) معطوف على آمنا. والشهادة هنا بمعنى
العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة. فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام-
أن يكون شاهدا لهم يوم القيامة بأنهم أسلمواوجوههم ته وأخلصوا له العبادة
وأقوالهم هذه التى حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا فى الدرجة العلـ
من قوة الإيمان ، وصدق اليقين ، ونقاء السريرة .
ثم حكى القرآن عنهم أنهم قلطوا - انضا - «ربنا آمنا بما أنزلت، ٠)
أنبيائك من كتب ((واقبعنا الرسول، أى امتثلنا ما أتى به منك إليناءفا كتب
مع الشاهدين، أى فاكتبنا بفضلك ورحمتك مع الشاهدين بوحدانيتك العاملة
بشريعتك المستحقين أرضاك ورحمتك .

١٦٠
سورة آل عمران
فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله - تعالى - بالاعتراف التكامل بربوبيته،
ثم أعلنوا إيمانهم به وبما أنزله على أنبيائه، ثم أقروا بانباعهم لرسوله والأخذ
بسقته، ثم التمسوا منه - سبحانه - بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذينرضى
عنهم وأرضاه .
وهذا يدل على أنهم فى نهاية الأدب مع الله - تعالى -، وعلى أنهم فى أسمى
مراقب الإيمان . قال بعض العلماء: وكان عدد هؤلاء الجواريين ثنى عشر
رجلا آمنوا بعيسى وصدقوه ولازموه فى دعوته إلى الحق .
تم حكى سبحانه - ما كان من بنى إسرائيل فقال: «ومكروا ومكر الله
والله خير الماكرين، والمكر: التدبير المحكم، أو صرف غيرك عما يريده
بحيلة . وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الخير والجميل .
والمعنى: أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له
القتل غيلة ، واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة. فأحبط الله - تعالى-
مكرم ، وأبطل تدبيرهم ، بأن نجى نبيه عيسى - عليه السلام - من شرورهم
« والله خير الماكرين، أى أقوام مكرا وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب
من حيث لا يشعر المعاقب .
ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر قدرته، ورعايته لعبده عيسى - عليه
السلام - وخذلانه لأعدائه فقال - تعالى - ,إذ قال الله ياعيسى إنى متوفيك
ورافعك إلى ٠,٠٠ ).
وللعلماء فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان:
أما القول الأول - وهو قول جمهور العلماء - فيرى أصحابه أن معنى « إنى
متوفيك ورافعك إلى، أى قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك
وروحك لتستوفى حظك من الحياة هناك .
وأصحاب هذا الرأى لا يفسرون التوفى بالموت وإنما يقولون: إن التوفى
فى اللغة معناه أخذ الشىء تاما وافيا. فمنى ((متوفيك، آخذك وافيا بروحك