Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الجزء الثالث
أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون ، وفى موالاتهم
مندوحة عن موالاة الكفار .. )،(١) . .
قالوا: والموالاة الممنوعة هى التى يكون فيها خذلان الدين أو إيذاء لأهله
أو إضاعة لمصالحهم. وأما ماعدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات
الدنيوية فلا تدخل فى ذلك النهى، لأنها ليست معاملة فيها أذى الإسلام
والمسلمين» (٢).
وكرر - سبحانه - لفظ ((المؤمنين)) بأداة التعريف أل، الإشارة إلى
أن الثانى هو عين الأول، وفى ذلك إشعار بأن المؤمنين الذين يتخذون
الكافرين أولياء ونصراء، يتركون أنفسهم ويهملونها، ويتخذون من عدوم
نهاية لها.
ثم قال - تعالى -: ((ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء)) أو" ومن
يتخذ الكافرين أو ليا. وأنصارا من دون المؤمنين ، فإنه فى هذه الحالة يكون
بعيداً عن ولاية الله، ومفسلخاً منها رأساً، وليس بينه وبين أنه ضلة تذكر
قاسم الإشارة « ذلك، يعود على الانخاذ المفهوم من الفعل بتحذ.
والتنوين فى شىء، للتحضيض أى ليس فى شىء يصح أن يطلق عليه إسم
الولاية ، لأن موالاة الولى وموالاة عدوه متنافيان كما قال الشاعر .
تود عدوى ثم تزعم أفنى
صديقك ليس الفوك عنك بعازب(٣)
و(( من)) شرطية، و((يفعل) فعل الشرط، وجوابه، فليس من الله فى
شىء واسمه ضمير يعود على ((من، وقوله ((فى شىء، خبرهما. أى دايس
الموالى فى شىء كائن من الله - تعالى -. والجملة معترضة بين المستثنى
والمستنى منه .
وقال - سبحانه - فليس من الله، ولم يقل ((فليس من ولاية الله،
(١) تفسير الالوسى = ٣ ص ١٢٠
(٣) النواد الحمق . والعازب البعيد
(٢) تفسير المنار ج ٢ ص ٢٧٨ .

١٠٢
سورة آل عمران
للإشعار بأن من إختار مناصرة المشركين وموالاتهم فقد ترك ذات الله
- تعالى -، وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز الجباوا، فهو فى هذه
الحالة يعاند الله نفسه .
ثم إستثنى - سبحانه - من أحوال النهى حال التقية فقال: ( إلا أن تتقوا
منهم تقاة: وقوله: (تتقوا) من الإتقاء بمعنى تجنب المكروه. وعدى من
لتضمينه معنى تخافوا و(تقاة) مصدر تقيته - كرميته - بمعنى إنقيته ووزنه
فعلة ، ويجمع على تقى، كرطبة ورطب . وأصل تقاة : وقية من الوقاية .
فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وإنفتاح ما قبلها .
( والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال، والتقدير: لا تتخذوا أيها المؤمنون.
الكافرين أولياء فى أى حال من الأحوال إلا فى حال إنقائكم منهم أى إلا أن
تخافوا منهم مخافة. أو إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب إتقاؤه من الضرر
فى النفس أو المال أو العرض .
كأن كان الكمار غالبين ظاهرين، أو كنتم فى قوم كفار فيرخص لكم
فى مداراتهم باللسان، على ألا تنطوى قلوبكم على شىء من مودتهم، بل تدارونهم
وأنتم لهم كارهون، وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخمر ، أو إطلاعهم
على عورات المسلمين ، أو الانحياز إليهم فى مجافاة بعض المسلمين، وإذن
فلا رخصة إلا فى المداراة باللسان .
ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال - تعالى -
(ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير).
والتحذير: هو التخويف لأجل الحذر واليقظة ، من أن يقع الانسان فى
قول أو عمل منهى عنه .
ونفسه : منصوب على نزع الخافض . والمصير: المرجع والمآل.
أى: وبحذركم الله - تعالى - من نفسه أى من عقابه وإنتقامه، وإليه
- سبحانه - مرجعكم ومصير كم فيحاسبكم على أعمالكم

١٠٣
الجزء الثالث
وقوله ( ويحذركم الله نفسه ... ) فيه ما فيه من التهديد والتخويف من
موالاة الكافرين ، لأن التحذير من ذات الله ، يقتضى الخوف ووقوع الرحبة
فى النفس من الذات العلية، وذلك كما يقال : - ولله المثل الأعلى - احذر الأسد
فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد فى كل أحوالها مرهوبة، ولأن كلمة
( نفس ) تقال لتأكيد التعبير عن الذات. أى أن التغير قد جاءكم من اله
- تعالى - لامن غيره فعليكم أن تمتثلوا أمره، فإن إليه وحده المآل، وإنتها.
أمر العباد، وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقون، فاحذروا التعرض لمقابه
وقوله ( وإلى الله المصير) تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه .
هذا، ولبعض العلماء كلام طويل عن التقية - وهى أن يظهر الانسان
خلاف ما يبطن مخافة الأذى الشديد - فقد قال الآلوسي ما ملخصه :
( وفى الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها بالمحافظة على النفس أو
العرض أو المال من شر الأعداء .
والعدو قسمان: الأول : من كانت عداوته مبنية على إختلاف الدين
کالكافر والمسلم .
والثانى : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع
والامارة ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول فالحكم الشرعى
فيه أن كل مؤمن وقع فى محل لا يمكن له فيه أن يظهر دينه لتعرض المخالفين
له بالعداوة فإنه يجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه
أن يظهر دينه، إلا إذا كان ممن لهم عذر شرعى كالنساء والصبيان والعجزة
فقد قال - تعالى -: ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم
قالوا كنا مستضعفين فى الأرض ، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا
فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء
والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم
وكان الله عفواً غفوراً).

١٠٤
سورة آل عمران
وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه، جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا
بقدر الضرورة مع السعى فى حيلة للخروج والفرار بدينه .
والموافقة لهم حينئذ وخصة ، وإظهار ما فى قلبه عزيمة فلو مات مات
شهيداً بدليل ما روى من أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي
- صلى الله عليه وسلم - فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال
فعم، نعم، فقال له: أنشهد أنى رسول الله ؟ قال: نعم. ثم دعا الثانى فقال له
أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال فهم . فقال له: أتشهد أنى رسول الله ؟ قال
أنى أصمم. قالها ثلاثا، فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فقال: أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه فهنيئا له، وأما
الآخر فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه)).
وأما القسم الثانى وهو من كانت عداوته بسبب المال والإمارة وما إلى
ذلك ، فقد إختلف فى وجوب هجرة صاحبه، فقال بعضهم تجب لأن الله قد
نهى عن إضاعة المال . وقال آخرون لا تجب، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود
على من تركها نقصان فى الدين .
وعد قوله من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة
الكلام لهم والتبسم فى وجوههم لكف أذاهم ، وصيانة العرض منهم بشرط
أن لا تكون هذه المداراة مخالفة لأصول الدين وتعاليمه - فإن كانت مخالفة
لذلك فلا تجوز .
:٠١
روى البخارى عن عائشة قالت: إستأذن وجل على رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وأنا عنده فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بقس آخو
العشيرة. ثم أذن له فألان له القول . فقلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت
له القول ؟ فقال: با عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس إتقاء خشه).
إلى غير ذلك من الأحاديث. لكن لا تنبغى المداراة إلى حيث بخدش
الدين، وبرتكب المنكر، وتسىء الظنون)) (١).
(١) تفسير الالوسى بتصريف وتلخيص حـ ٢ ص ١٢١.

١٠٥
الجزء الثالث
ثم يبين - سبحانه - أنه عليم بالظواهر والبواطن، وأمر بأن يكثروا من
العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة. وأن يلزموا طاعة الله ورسوله لكى
يسعدوا فى دينهم ودنياهم، وأن ير قبوا الله - تعالى - فى أقوالهم وأعمالهم
لأنه- سبحانه - لا تخفى عليه خافية فقال - تعالى -:
((قُلْ إِنْ تُحْقُوا ما فى صُدُ ورَكُمْ أَو تَبْدُوه يعْلَهُ اللهُ ويعلم ما فى
السََّوَاتِ وما فى الأرْضِ، واللهَ عَلَى كَلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يوْمَ تَجِدُ
كلُّ نْسٍ ما عَمِلِتْ مِنْ خَيْرٍ مُحضراً وما تَمِلتْ مِنْ سُوءٍ نَوَدُ
﴿ْ أَنَّ بَيْنَا وَيَنْهَ أَمَداً بَعِيداً ويُحَذّرُ كُم اللهُ نَفْسَهُ، وَاللهُ رَءُوفٌ
بالعبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُم ◌ُحِبُونَ اللهَ عَبِوْنِى يُحْتِيْكُم الهُ ويَشْفِرِ
تَّكُمْ ذُنُوبُكُم واللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا الله والرَّسُولَ فإِنْ
تَوَلُوا فإنَّ اللهَ لاَ يَحِبُّ الكَفِرِينِ (٣٢) ».
والمعنى: قل يا محمد هؤلاء الذين يتخذونالكافرين أولیا .. ندونانمؤمنين،
وقل لغيرهم من يوجه إليهم الخطاب قل لهم على سبيل الإرشاد والتحذير
" إن تخفوا فى صدوركم أو تبدوه، من ولاية الكفار أو غيرها من الأقوال
والأفعال «يعلمه الله، فيجازيكم عليه بما تستحقون.
وفى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتوجيه هذا القول إلى المخاطبين
ترهيب لهم من الآمر وهو الله - تعالى - لأن هذا التنويع فى الخطاب من شأنه
أن يربو المهابة فى القلوب. وذلك - ولله المثل الأعلى - كأن يقول الملك
للمخالفین من رعيته: أحذرکم من مخالفی ، نم یامر احد أصفیاته بأن يكرر
هذا التحذير وأن يبين لهم سوء عاقبة المخالفين .
وقوله ((ويعلم ما فى السموات وما في الأرض)) جملةمستأنفة وليست معطوفة
على جواب الشرط وهو ((يعلمه الله))، وذلك لأن علمه - سبحانه -

١٠٦
سورة آل عمران
بما فى السموات والأرض ليس متوقفا على شرط فلذلك جيء به مستأفقاً.
وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص وهو مافى صدوركم تأكيدا له وتقريرا.
وقوله ((والله على كل شىء قدير، تذييل قصد به الإخبار بأنه مع علمه
الواسع المحيط. فهو ذو قدرة نافذة على كل شىء وهذا لون من التهديد
إلا أحد أمرين: الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عن تنفيذ وعيده، لم)
أعلمهم - سبحانه - بأنه محيط بكل شىء وقادر على كل شىء، ثبت أنه ..
سبحانه - متمكن من تنفيذ وعيده .
قال صاحب الكشاف : و قو له, و الله على كل شىء قدير ، أى هو قادر
على عقوبتكم، وهذا بيان لقوله. ويحذركم الله نفسه، لأن نفسه وهى ذاته.
المميزه من سائر الذوات منصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم. فهى
متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذائية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهى
قادرة على المقدورات كلها ، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على
قبيح ولا يقصر عن واجب ، فإنه مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب.
ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع عنى أحواله ، فو كل همه بما يورد
ويصدر ، ونصب عليه عيونا. وبث من يتجسس عن بواطن أموره: لأخذ
حذره وتيقظ فى أمره، اوتقى كلّ ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من على
أن العالم بالذات - يعنى أن علمه بذاته لا يعلم زائد على ذاته كعلم الحوادث
وهذا عند المعتزلة - الذى يعلم السر وأخفى، ميهمن عليه وهو آمن. اللهم
إنا نعود بك من اغترارنا بسترك))(١).
ثم كرر - سبحانه - التحذير من الحساب يوم القيامة . وما يقع فيه من
أهوال ، ورغب المؤمنين فى العمل الصالح فقال: « يوم تجد كل نفس ما عملت
من خير محضرا، وما عملت من سوء تودلو أن بينها وبينه أمدا بعيدا . .
قال الألوسى :
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠١٢٥

١٠٧
الجزء الثالث
الأمد: غاية الشى. ومنتهاه؛ والفرق بينه وبين الأبدان الأبدمدة من الزمان
غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول . والمراد هنا الغاية الطويلة، وذهب
بعضهم إلى أن المراد بالأمد البعيد المسافة البعيدة. واهله الأظهر، فالنمنى هنا
من قبيل التمنى فى قوله - تعالى -: ((ياليت بينى وبينك بعد المشرفين، (١).
والمعنى: راقبواربكم أيها المؤمنون، وتزودوا من العمل الصالح، واذكروا
(( يوم تجد كل نفس ما عملت، فى الدنيا, من خير، وإن كان مثقال ذرة
((محضرا، لديها، مشاهدا فى الصحف ، حتى لكأنه قد أحضر من الدنيا
إلى الآخر فيرى رأى العين ((وما عملت من سوء)) تراه أيضا ظاهرا ثابتا
مسجلا عليها ، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل السى. زمناطويلا، ومسافة
بعيدة ، وذلك لأن الإنسان يتمنى دائما أن يكون بعيدا بعدا شاسعا عن الشى.
المخيف المؤلم خصوصا فى هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة.
١
وقوله ( یوم )) متعلق بمحذوف تقديره اذ كروا، وهو مفهول به لهذا
المحذوف. و«نجد، يجوز أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى نصيب
وتصادف، ويكون ((محضرا، على هذا منصوبا على الحال. قال الجمل:
وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما ((ما عملت))
والثانى (( محضرا))(١).
وقوله ((وما عملت من سوء)، (معطوف على قوله ((ماعملت من خير)).
ويرى بعضهم أن ((ما (( فى قوله ((وما عملت من سوء، مبتدأ، وخبرها
جملة «قود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، فيكون المعنى تجد ما عملت من سوء
وتتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمدا بعيدا.
وأتى - سبحانه - بقوله (( محضرا)) فى جانب الخير فقط مع أن عمل
السوء أيضا يكون محضرا، الإشعار بكون عمل الخير هو المراد بالذات.
(١) تفسير الآلوى - ج ٣ ص ١٢٧
(٢) حاشية الجل على الجلالين ج ١ ص ٢٥٩.

١٠٨
سورة آل عمران
وهو الذى يتمناه الإنسان ويرجو حصوله فى هذا لما يترتب عليه من ثواب ،
وأما عمل الشر فتتمنى كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم ترد بسبب ما يترقب
عليه من عقاب .
وقوله - سبحانه - ((وبحذ كم الله نفسه)، تكرير للتحذير الأول الذى
جاء فى قوله - تعالى - لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون
المؤمنين ... )) والسر فى هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب الله وانتقامه،
فإن تكرار التحذير من شأنه أن يغرس فى القلوب الثذكر والاعتبار والوجل.
وقيل إن التحذير الأول ذكر النهى عن موالاة الكافرين . والذى هنا
ذكر للحث على عمل الخير والتنفير من عمل الشر.
ثم ختم - سبحاته - الآية بقوله: «والله رءوف بالعباد، ومن مظاهر
رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن يعاقبهم: وأنه يسفر عن كثير من ذنوب
عباده، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى يقلعوا عن خطا ياهم، إلى غير ذلك من
مظاهر رأفته ورحمته .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرشد الناس
إلى الطريق الذى متى سلكوه كانواحقا محبين لله، وكانوا من بحبهم - سبحانه-
فقال - تعالى -: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم
ذنوبكم ..
قال بعضهم: عن الحسن البصرى قال: قال قوم على عهد النبي - صلى الله
عليه وسلم -- يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله الآية . وروى محمد بن إسحاق
عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : نزلت فى نصارى نجران وذلك أنهم
قالوا : إما نعظم المسيح وفعبده حياته وتعظيما له فأنزل الله هذه الآية
ردا عليهم » .
(١) تفسير الآلوسى ج ٣ ص ١٣٠. وتفسير ابن جرير جـ ٣ ص١٣٢

١٠٩
الجزء الثالث
ومحبة العباد قه - كما يقول الزمخشرى - مجاز عن إرادة نفوسهم
إختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ومحبة الله عباده: أن يرضى عنهم
ويحمد فعلهم .
والمعنى: قل يا محمد للناس على سبيل الإرشاد والتبيين: إن كنتم تحبون
انه حقاً کما تدعون . فانهو نی ، فإن أتباعکم لی یؤدی إلی محبة الله لكم وإلى
غفرانه لذنوبكم ، وذلك لأن محبة الله ليست دعوى باللسان، وإنما محبة الله
تتحقق باتباع ما أمر به، وإجتناب ما نهى عنه على لسان رسوله محمد - صلى
الله عليه وسلم - الذى أرسله رحمة للعالمين.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل
من إدعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية ، بأنه كاذب فىنفس الأمر
حتى يقبع الشرع المحمدى. والدين النبوى فى كل أقواله وأعماله . كما ثبت فى
الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
/ (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، (١).
وقوله: يحببكم الله)) جواب الأمر. وهو قوله ،فاتبعونى) وهذارأى الخليل.
ويرى أكثر المتأخرين من النحاة أن قوله ((يحببكم الله)) جواب الشرط
مقدر دل عليه المقام والتقدير: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، وإن اتبعتمو فى
يحييكم الله. أى يمنحكم الثواب الجزيل، والأجر العظيم: والرضا الكبير.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن أول علامات محبة العبد لربه ،
هى إتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن هذا الإتباع يؤدى إلى محبة
الله - تعالى - لهذا العبد وإلى مغفرة ذنو به .
ومحبة الله لعبده هى منتهى الأمانى، وغاية الآمال. ولذا قال بعض الحكماء:
« ليس الشأن أن يحب إنما الشأن أن تحب).
و محبة اللهإنما تتأتى بإخلاص العبادة له،والوقوف عندحدوده، والاستجابة
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٨.

١١٠
سورةآل عمران
لتعاليم رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكل من يدعى أنه محب قه وهو
معرض عن أوامره ونواهيه فهو كاذب فى دعواه كما قال الشاعر الصوفى:
هذا لعمرى فى القياس بديع
تعصى الإله وأنت تظهر حبه
إن المحب لمن يحب مطيع.
لو كان حبك صادقاً لأطعته
ثم ختم - سبحانه - الآية بوصفين جليلين فقال: ( والله غفور رحيم)
أى أنه - سبحانه - كثير الغفران والرحمة لمن تقرب اليه بالطاعة، واتبع
رسوله فيما جاء به من عنده .
ثم كرر - سبحانه - الأمر لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن بعض
الناس على اتباع ما يسعدهم فقال: (قر أطيعوا الله والرسول )
أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا رسوله فى جميع الأوامر والنواهى
وإن من يدعى أنه مطيع الله دون أن تبع رسوله فإنه يكون كاذباً فى دعواه
ولذا لم يقل - سبحانه - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، الإشعار بأن الطاعة
واحدة وأن طاعة الرسول طاعة لله - تعالى - كما قال - سبحانه - ، من يطع
الرسول فقد أطاع الله (١).
ثم ذكر - سبحانه - عاقبة العصاة المعاندين فقال: (إن قولوافإن الله
لا يحب الكافرين) أى: فإن أعرضوا عما تأمرهم به يا محمد ولم يستجيبوا لك
وإستمروا على كفرهم ، فإنهم لا ينالون محبة الله، لأنهم كافرون.
ففى هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ينالها إلا من يقبع الرسول
- صلى الله عليه وسلم - لأنه - سبحانه - ففى حبه عن الكافرين، ومتى
أفى حبه عنهم فقد أثبت بغضه لهم، ولأنه عبر عن تركهم إتباع رسوله بالتولى-
وهو أفحش أنواع الإعراض، ومن أعرض عن طاعة رسول اللّه كان بعيدا
عن محبة الله .
(١) سورة النساء من الآية ٨٠

١١١
الجزء الثالث
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من التوجيهات
المسامية، والآداب العالمية. ما من شأنه أن يغرس فى النفوس إخلاص العبادة
لله، والخشية من عقابه، والأمل ثوابه، والإكثار من العمل الصالح الذى
يؤدى إلى رضا الله ومحبته .
وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع - من أول السورة إلى هنا- عن وحدانية
الله، وقدرته النافذة وعلمه المحيط، وعن أحقيته للعبادة والخضوع، وعن
الكتب السماوية وما اشتملت عليه من هدايات، وعن محكم القرآن ومتشابهه،
وعن رعاية الله - تعالى - لعباده المؤمنين، وعن تهديد الكافرين بو- العاقبة
إذا ما استمروا على كفرهم، وعن بيان الشهوات التى يميل الإنسان بطبعه إليها
وعماهو أفضل منها، وعن دين الإسلام وأنه هو الدين الذى ارتضاء الله لعباده،
وعن بعض الرذائل التى عرفت عن أكثر أهل الكتاب ، وعن حث الناس على
مراقبة الله - تعالى- وإخلاص العبادة له حقى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيعدوا
فى دينهم ودنياهم وآخزنهم ... بعد كل ذلك تحدث "تقر آن - فى أكثر من أر ثين
آية - عمن اصطفاهم الله من عباده. وعن جانب من قصة مريم، وقصةزكريا
وأبنه يحي - عليهما السلام .. وعن قصة ولادة عيسى - عليه السلام- وما صاحبها
من خرق العادات، وما منحه - سبحانه - من معجزات، وعن محاجة الكافرين
من أهل الكتاب فى شأنه وكيف رد القرآن عليهم ... استمع إلى القرآن
الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البلميغ المؤتر فيقول:
((إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَم ونُوحاً وَآلَ إبْرَاهِيم وَآلَ عمْرَانَ عَلَى
العَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَةَ بِعْضُهَا مِنْ بعْضٍ والله ◌َميعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَلَتْ،
أمرَّأَّةُ عِمَْإِنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بْنِى مُخْرَّراً فَتَقَّلْ مِنِّى إنّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (٣٥) فَمَّا وَضَّهَا قَالَّتْ رَبِّى إِنِّى وَضَتَتُهَا أُنْثَى
- واللهُ أَعْلَ بِمَ وَضَّعَتْ - ولَيْسَ اللَّ كَرُ كَالأَنْثَى وإِنِّى سَيْهَا وَرْيَمَ

١١٢
سورة آل عمران.
وإِنِّى أعِذُهَا بِكَ وَذُرُبَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبِّها
بِقَبَولٍ حَسنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتً حَسَناً وَكَفْلهَا زَكَرِيًّا كُلَّا دَخَل عَلَيْا
ذَكَرِيَّ الِحْرَابِ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً، قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ !!
قالَتْ هُو مِنْ عنْدِ الهِ إِنّ اله يرْزُقُ مَنْ يَشَاءِ بَغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)).
قوله « اصطفى، من الأسطفاء وهو الاختيار والإنتقاء وطلب المقوة
من كل شىء.
وقوله « وآل إبراهيم، الآل - كما يقول الراغب - مقلوب عن الأهل
إلا أنه خص بالإضافة إلى عموم الناطقين دون السكرات ودون الأزمنة
والأمكنة. يقال آل فلان ولا يقال آل رجل ولا آل زمان كدا أو موضع
كذا ... ويضاف إلى الأشرف الأفضل فيقال آل الله وآل السلطان ولا يقال
آل الحجام ... ويستعمل الآل فيمن يختص بالإنسان اختصاصا ذاتيا إما
بقرابة قرينة أو بموالاة قال - تعالى - ((آل إبراهيم وآل عمران)، (١).
والمعنى: إن الله - تعالى - قد اختار واصطفى (آدم, أبا البشر، بأن جعله
خليفته فى الأرض، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته .
واصطفى، فرحا)، لأنه - كما يقول الآلوسي - آدم الأصغر، والأب الثانى
للبشرية (وليس أحد على وجه البسيطه إلا من نسله لقوله - سبحانه-,وجعلنا
ذريته هم الباقين ، (٢) .
١
واصطفى )) آل إبراهيم، أى عشيرته وذوى قرباء وهم إسماعيل وإسحاق
والأنباء من أولادهما .
واصطفى ((آل عمران، إذ جعل فيهم عيسى - عليه السلام - الذى آ ناء اله
البينات . وأيده بروح القدس .
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٠
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٧١

١١٣
الجزء الثالث
والمراد بعمر ان هذا والد مريم أم عيسى - عليه السلام - فهو عمران بن
باشم ، ن ميشا بن حزقيا ... ويفترى نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام -.
وإن فى ذلك التسلسل دليل على أن الله - تعالى - قد اقتضت حك: أن
يجعل فى الإنسانية من يهديها إلى الصراط المستقيم، فقد ابتدأت الهداية بآدم
أبى البشر كما قال - تعالى -: (( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى،. ثم جاء من
بعده بقرون لا يعلمها إلا الله نوح - عليه السلام - فمكث يدعو الناس إلى
وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق, ألف سنة إلا خمسين عاما،. ثم جاء
من بعد ذلك إبراهيم - عليه السلام - فدعا الناس إلى عبادة الله وحده،
فكان هو وآله صفوة الخلق، وفيهم النبوة، فمن إسماعيل بن إبراهيم كان محمد
- صلى الله عليه وسلم - الذى ختمت به الرسالات السماوية.
ومن إسحاق وبنيه كان عدد من الأنبياء كداود وسليمان وأيوب
ويوسف وموسى وهارون ... ومن فرع إسحاق كان آل عمران وم
ذريته وأقاربه كزكريا ويحى وعيسى الذى كان آخر فى من هذا الفرع.
وفى التعبير بالاصطفاء تنبيه إلى أن آدم ونوحاوآً ل إبراهيم وآل عمران
صفوة الخلق، إذ أن الرسل والأنبياء جميعا من نسلهم.
وقوله ((على العالمين) أى على عالمى زمانهم . أى أهل زمان كل واحد منهم.
ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بتسلسل هذه الصفوة الكريمة بعضها من
بعض فقال: «ذرية بعضها من بعض، وأصل الذرية - كما يقول القوطي -
فعلية من الذر، لأن لله - تعالى - أخرج الخلق من صلب آدم ،الذر حين
أشهدهم على أنفسهم . وقيل مأخوذ من ذرأ الله الخلق ذرؤم ذر أ خلقهم،
ومنه الذرية وهى نسل الثقلين ... ))(١).
والمعنى : أن أولئك المصطفين الأخيار بعضهم من نسل بعض ، فهم
(١) تفسير القرطبی ج ٢ ص ١٠٧
(٨ - سورة آل عمران)

١١٤
سورة آل عمران
٤٠٠٠
متصلو النسب، فنوح من ذرية آدم، وآل إبراهيم من ذرية نوح ,وآل
عمر أن من ذرية آل إبراهيم، فهم جميعاً سلسلة متصلة الحلقات فى النسب،
والخصال الحميدة .
وقوله (( ذرية، منصوب على الحال من آل إبراهيم وآل عمران.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: «والله سميع عليم، أى هو - سبحانه - سميع
لأقوال عباده فى شأن هؤلاء المصطفين الأخيار وفى شأن غيرهم، عليم أحوال
خلقه علما تاما بحيث لا تخفى عليه عافية تصدر عنهم .
والجملة الكريمة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها، ومؤكد له.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته إمرأة عمران عندما أحست بعلامات الجمل
فقال - تعالى - : «إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرتلك ما فى بطنى محرر!
فتقبل منى، والظرف، إذ)) فى محل النصب على المفعولية بفعل محذوف منه
والتقدير. أذكر لهم وقت قولها رب إنى نذرت .. الخ. وقيل وهو متعلق
بقوله ((وانه سميع عليم، أى أنه - سبحانه - يعلم علم من يسمع فى الوقت الذى
قالت فيه امرأة عمران ذلك القول .
وامرأة عمران هذه هى حنة )، بنت فاقوذا بن قنبل وهى أم مريم وجدة
عيسى عليه السلام وعمر ان هذا هو زوجها، وهو أبو مريم.
وقوله ((نذرت)) من النذر وهو التزام التقرب إلى الله - تعالى - بأمر من
جنس العبادات التى شرعها - سبحانه - لعباده ليتقربوا بها إليه . ...
وقوله (( محرراء أى عتيقا مخلصاً للعبادة، متخليا من شواغل الدنيا لخدمة
بيتك المقدس . يقال: حررت العبد إذا خلصته من الرق . وحررت الكتاب
إذا أصلحته ولم تبق فيه شيئاً من وجوه الخطأ، ورجل حر إذا كان خالصاً
لنفسه ليس لأحد عليه سلطان .
والمعنى: أذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن لجأت إمرأة عمران
إلى ربها تدعوه بضراعة وخشوع فتقول : يا رب إنى نذرت لخدمة بيتك
هذا الجنين الذى فى بطنى مخلصا لعبادتك متفرغا لطاعتك فتقبل منى هذا النذر

١١٥
الجزء الثالث
الخالص، وتلك النية الصادقة، ( إنك أنت السميع) لقولى ولأقوال خلفك
( العليم) بنيتى وبنوايا سائر عبادك.
فأنت ترى فى هذا الدعاء الخاشع الذى حكاه القرآن عن امرأة عمران أسمى
ألوان الأدب والإخلاص ، فقد توجهت إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين
الذى فى بطنها ، ملتمسة منه - سبحانه - أن يقبل نذرها الذى وهبته لخدمة
بيته واللام فى قوله (لك ) للتعليل أى نذرت لخدمة بيتك.
وقوله ( محررا) حال من (ما) والعامل فيه (نذرت).
قال بعضهم : (وكانَ هذا النذر يلزم فى شريعتهم فكان المحرر عندهم
إذا حرر جعل فى كنيسة يخدمها ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يتخير
فإن أحب ذهب حيث شاء: وإن اختار الإقامة لا يجوزله بعد ذلك الخروج .
ولم يكن أحد من أنبياء بنى إسرائيل وعلمائهم إلا ومن أولاده من حرر
لخدمة بيت المقدس ولم يكن يحرر إلا الغلمان، ولا تصلح الجارية لخدمة بات
المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى )(١).
وجمله ( إنك أنت السميع العليم) تعليلية لاستدعاء القبول، من حيث
أن علمه - سبحانه - بصحة فيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلامنه وكرما.
ثم حكى - سبحانه - ماقالته بعد أن وضعت ما فى بطنها فقال - تعالى -:
فلما وضعتها قالت : رب إنى وضعتها أفى .
-
قالوا: إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار، بل المقصود منه إظهار التحسر
والتحزن والاعتذار ، فقد كانت امرأة عمران تتوقع أن يكون مافى بطنها
ذكرا، لأنه هو الذى يصلح لخدمة بيت الله والانقطاع العبادة فيه، لكنها
جين وضعت حملها ووجدته أفتى قالت على سبيل الاعتذار عن الوفاء بنذرها
رب إنى وضعتها أفى، والأفى لا تصلح المهمة التى نذرت ما فى بطنها لها
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٤٦٢

١١٦
سورة آل عمران
وهى خدمة بيتك المقدس، وأنت يا إلهى القدير على كل شىء ، فبقدرتك
أن تخلق الذكر ، وبقدرتك أن تخلق الأنى .
والضمير فى قوله ((فلما وضعتها، يعود لما فى بطنها. والتأنيث باعتبار حاله
فى الواقع ونفس الأمر وهو أنه أنثى .
وقوله (( أنثى)) منصوب على الحال من الضمير فى ((وضعتها، وهى حال
مؤكدة، لأن كونها أنثى مفهوم من تأنيث الضمير جاءت أنى مؤكدة.
وقوله (( والله أعلم بما وضعت، جملة معترضة سبقت للإيماء إلى تعظيم
المولودالذى وضعته وتفخيم شأه، وللإشعار بأن هذه الأنثى لا تصلح لما يصلح له
الذكور من خدمة بيته، أى والله - تعالى - أعلم منها ومن غيرها بما وضعته،
لأنه هو الذى خلق هذا المولود وجعله أنثى، وهو العليم بما سيصير إليه أمر
هذه الأنثى من فضل، إذ منها سيكون عيسى - عليه السلام-، وسيجعلهما
- سبحانه - آية ظاهرة دالة على كمال قدرته ، ونفوذ إرادة.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب (والله أعلم بما وضعت)
- بضم التاء -، وعلى هذه القراءة لا تكون الجملة معترضة وإنمامى من قتمة.
ما قالتة، ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الإسم الظاهر وهو لفظ
الجلالة إذ لو جرت على مقتضى قولها (رب إنى وضعتها) لقالت: وأنت
أطم بما وضعت.
ويكون قولها هذا من تتمه الإعتذار إلى الله - تعالى - حيث وضعت
مولودا لا يصلح لما نذرته - فى عرف قومها وتسلية لنفسها، أى ولعل لله
- سرا وحکمه لا يعلمهما أحد سواه فى جمل هذا المولود أنثى ، أو امل
هذه الأخی تكون خيرا من الذكر .
وقوله - تعالى - (وليس الذكر كالأنثى) يحتمل أنه معه - سبحانه .
- وهو الظاهر - فتكون الجملة معترضة كسابقتها، ويكون المعنى: وليس الذكر
الذى طلبته كالأنثى التى ولنتها، بل هذه الأنثى وإن كانت أفضل منه فى العبادة
٠

١١٧
الجزء الثالث
والمكانة إلا أنها لا تصلح عندهم لسدانة بيت الله - تعالى - بسبب حرمة
إختلاطها بالرجال، وما يعتريها من حيض وغير ذلك ما يعترى النساء.
ويحتمل أنه من كلامها الذى حكاه الله - تعالى - عنها فلا تكون الجملة
معترضة ويكون المعنى: وليس الذكر الذي طلبته كالآتى التى وضعتها ، بل هو
خير منها لأنه هو الدى يصلح لسدانة بيتك وخدمته، ومع هذا فأنا فى كلتا
الحالتين راضية بقضائك ، مقسلة لإرادتك .
ثم حکی - سبحانه - أيضا بعض ما قالته بعد ولادتها فقال ، وإنى سميتها
مريم، وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)).
قالوا : إن كلمة مريم معناها فى لغتهم العابدة أرادت بهذه القسمية التقرب.
إلى الله، والالتماس منه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها.
ومعنى «أعيذها بك، أمنعها وأجيرها بحفظك. مأخوذ من العوذ، وهو.
أن تلتجى. إلى غيرك وتتعلق به. يقال: عاذ فلان إذا إستجار به، ومنه,
العوذة ، وهى النميمة والرقية .
والشيطان فى لغة العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل
شىء. وهو مشتق من شطن إذا بعد ، فهو بعيد بطبعه عن كل خير .
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول. أى: أنه مر جوم مطرود من رحمة الله ومن
كل خير . وقيل رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشرور.
والمعنى: وإنى با خالقى مع حبى لأن يكون المولود ذكرالتهيأ له خدمة
بيتك ، فقد رضيت بما وهبت لى وإنى قد سميت هذه الأنثى الى أعطيتنى إياها
مريم، أى العابدة الخادمة لك، وإنى أحصنها وأجيرها بكفالتك لها ولذوبتها
من الشيطان الرجيم، الذى يزين للناس الشرور والمساوى ..
قال القرطبى: وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول أنه
- صلى الله عليه وسلم -: (( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا
من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه .

١١٨
سورة آل عمران
ثم قال أبو هريرة: إقرءوا إن شئتم: وإنى أعيذها بك وذريتها من
الشيطان الرجيم ، .
قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديث أن الله - تعالى - إستجاب دعاء أم
مريم .... ولا يلزم من هذا أن نخص الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس
فإن ذلك ظن فاسد، فكم أعرض الشيطان الأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد
والإغواء، ومع ذلك عضمهم الله مما يرومه الشيطان كما قال - تعالى ((إن
عبادى ليس عليهم سلطان ... ، (١).
. وقوله: ((وإنى سميتها مريم٠٠، معطوف على ((إنى وضعتها أنثى))
وما بينهما إعتراض. وهذا على قراءة الجمهور التى جاءت بتسكين التاء فى
(((وضعت، فى قوله - تعالى - ((والله أعلم بما وضعت)):
وأما على قراءة غير الجمهور التى جاءت بضم التاء فى قوله. «وضعت.
فيكون أيضا معطوفاً على(( إنى وضعتها أنثى)، ويكون هذا القول وما عطف
عليه فى محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إنى وضعتها أنثى، وقالت :
الله أعلم بما وضعت، وقالت: ليس الذكر كالأنثى ، وقالت : إنى
سميتها مريم.
وأتى فى قوله: « وإنى أعيذها، بخبر إن فعلا مضارعا للدلالة على طلبها
إستمرار الاستعاذة دون إنقطاعها، بخلاف،وضعتها وسمعتها , حيث أتى
بالخبرين ماضيين لانقطاعهما .
وقوله: (( وذريتها، معطوف على الضمير المنصوب فى أعيذها . وفى:
التنصيص على إعادتها وإعادة ذريتها من الشيطان الرجيم ، رمز إلى طلب"
بقائها على قيد الحياة حتى تكبر وتمكون منها الذرية الصالحة .
تلك هى بعض الكلمات الطيبات، والدعوات الخاشعات، التى توجهت
(١) تفسير القرطبى ج ٣ ص ٦٨.

١١٩
الجزء الثالث
بها أمرأة عمران إلى ربها عندما أحست بالحمل فى بطنها، وعند ما وضعت
حملها ، حكاها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر . فماذا كانت نتيجتها ؟"
كانت نتيجتها أن أجاب الله دعاءها وقبل تضرعها، وقد حكى - سبحانه -
ذلك بقوله: (( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا)).
ولفاء فى قوله: ( فتقبلها، تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة،
والضمير يعود إلى مريم. والتقى - كما يقول الراغب - قبول الشيء على وجه
يقتضى ثوابا کالهدية ونحوها .
وإنما قال سبحانه ,فتقبلها ربها بقبول، ولم يقل بتقبل: للجمع بين
الأمرين: التقبل الذى هو الترقى فى القبول ، والقبول الذى يقتضى الرضا
والإنابة ، (١) .
والمعنى: أن الله - تعالى - تقبل مريم قبولا مباركا، وخرق بها عادة
قومها، فرضى أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته كالذكور، مع كونها
أنثى وفاء بنذر الأم التقية التى قالت ((رب إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا)).
وأنبتها نباتا حسنا، أى ورباها تربية حسنة، وصانها من كل سوء ،
فكان حالها كحال النبات الذي ينمو فى الأرض الصالحة حتى يؤتى
ثماره الطيبة .
وهكذا قيض الله - تعالى - لمريم كل ألوان السعادة الحقيقية، فقد قبلها
لخدمة بيته مع أنها أنثى، وأنشأما تنشئة حسنة بعيدة عن كل نقص خلقى أو
خلقى، وهيالها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب، فقد قال
- تعالى -: ,وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها
رزقا، قال با مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء
بغير حساب ).
(١) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى جـ ٣٩٣.
٤.

١٢٠
سورة آل عمران
قوله« وكفلها زكريا، أى ضمها إلى زكريا. لأن الكفالة فى أصل معناها
الضم. أي ضمها الله - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضاعنا لمصالحها.
وقرىء ,وكفلها)) بتخفيف الفاء، وبرفع , زكريا، على أنه فاعل. وعلى
هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أى ((زكريا».
أما على القراءة الأولى فيجوز فى زكريا المد والقصر.
وزكريا هو أحد أنبياء بنى إسرائيل وينتهى نسبه الى سليمان بن داود
- عليهما السلام - وكان متزوجا بخالة مريم، وقيل كان متزوجا بأختها.
وكانت كفالته لها نتيجة اقتراع بينه وبين من رغبوا فى كفالتها من سدنة
بيت المقدس ، يدل على ذلك قوله - تعالى .. «ذلك من أبناء الغيب نوحيه
إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ
يختصمون ».
قال صاحب الكشاف: روى أن ( حنة) حين ولدت مريم ؛ لفتها فى
خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحباروهم فى بيت المقدس ، فقالت
لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب
قربانهم ..
فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندى خالتها. فقالوا: لا ، حتى نقترع
عليها. فانطلقوا إلى نهر وألقوا فيه أفلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء
ورسبت أفلامهم فتكفلها ) (١).
وقوله : (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) بيان الكفالة
الله - تعالى - لرزقها ورضاه عنها، ورعايته لها.
والمحراب الموضع العالى الشريف، والمراد به الغرفة التى كانت تتخذها
مريم مكانا لعبادتها فى المسجد. سمى بذلك لأنه مكان محاربة الشيطان والهوي
(١) تفسير الكفاف ج ١ ص ٣٥٧ بتلخيص يسير.