Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الجزء الثالث ما يوجب الإسلام ويقتضى - صوله لا محالة، فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم وهذا كميةولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق البيان طريقا إلا سلكته مل فهمتها لا أم لك، ومنه قوله - تعالى - ,فهل أنتم منتهون)) بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفى هذا الاستفهام إستقصار - أى عد المخاطب قاصرا - وتغيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له لحجة لم يتوقف فى إذعانه للحق ... ، (١) . ثم بين - سبحانه - ما يترتب على إسلامهم من نتائج، وما يترتب على إعراضهم من شرور تعود عليهم فقال: فإن,أسلموا فقد إهتدوا. وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد .. أى: فإن أسلموا وجوههم له وصدقو بما جاء به محمد - صلى الله عليه دسلم - فقد إمتدوا إلى طريق الحق، لأن هذا الاسلام هو الدين الذى إرتضاه الله للناس. وإن أعرضوا عن هذا الطريق المستقيم، فإن إعراضهم لن يضرك - أيها الرسول الكريم - لأن الذى عليك إنما هو تبليغ الناس ما أمرك الله بتبليغه إياه. وهو - سبحانه - بصير بخلقه لا تخفى عليه خافية من أقوالهم أو أفعالهم، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه . وعبر بالماضى فى قوله « فقد إهتدوا ، مبالغة فى الاخبار بوقوع الهدى لهم وقوله (( فإنما عليك البلاغ، قائم مقام جواب الشرط. أى وإن قولوا لا يضرك أو ليهم شيئا إذا ما عليك إلا البلاع وقد أديته على أكمل وجه وألمغه . وقوله (والله بصير بالعباد) تذييل فيه عزاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - . عن كفرهم، وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم، لأنه - سبحانه - عليم بنفوس الناس جميعا، وميجازى كل إنسان بما يستحقه ، وفيه كذلك .عد المؤمنين بحسن العاقبة، وجزيل الثواب . (١) تفسير الكثاف جـ ١ ص ٣٤٧. ( ٦ - سورة آل عمران) ٨٢ سورة آل عمران قال ابن كثير : وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكمادل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث. فمن ذلك قوله - تعالى - (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، وقال - تعالى - ( تبارك الذى نزل الفرقان على عبده يكون للعالمين قديرا ). وفى الصحيحين وغيرهما ما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث كتبه يُدعو إلى اقه ملوك الآفاق وطوائف نى آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم إستثالا لأمر الله له بذلك الفعن أبى هريرة ء النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة بهودي ولا نصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - بعثت إلى الأحمر والأسود). وقال: ( كان الغى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة). وعن أنس . رضى الله عنه - أن غلاما يهو ديا كان يضع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءه ويناوله فعليه فرض، فأناه النبى صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه , فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( يا فلان قل لا إله إلا الله ، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه. فأعاد عليه النبى - صلى الله عليه وسلم. القول ، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطاع أبا القاسم، فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو بقول: الحمد لله الذى أخرجه بى من النار) رواه البخارى فى الصحيح. إليـ غير ذلك من الآيات والأحاديث)(١). وبهذا نرى أن الآيات الكريمة، قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن مو الاسلام هو الدين الحق الذى إرتضاء الله لعباده. وشهد بذلك خالف هذا الكو . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٤ - عز وجل - وكفى بشهادته كماشهد بذلك الملائكة المقريون، واليلا. المخلصون ، كما بينت أن كثيرا من الذين أوتوا الكتاب يمدون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظنا ويغيا، كما بينت - أيضا - أن الذين يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يرضون عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين . ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين سوء مصيرثم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى --: ((إِنَّ الَّذِينَ يُكْفُرُونَ بَآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ،وِيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشْرْهُ بَعَذَابٍ أَيمٍ (٢١) أُولئكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعملِهُمْ فِى الدُّنْيَاَ والآخرَةِ ولمَاَ لَهُمْ مِنْ نأَصِرِينَ (٢٢) ». فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المارقين يصفات ينفر منها كل عاقل وصفهم أولا بأنهم: (يكفرون بآيات الله) أي لا يكتفون بالكفر بالله - تعالى -، بل يكفرون بالآيات المثبتة لوحدانيته، وبالرسل الذين جاءوهم بالهدى والحق . . ووصفهم ثانيا بأنهم (يقتلون النبيين بغير حق) وقتل النبيين بغير حق فعل معروف عن اليهود، فهم الذين قتلوا زكريا - عليه السلام - لأنه حاول أن يخلص زينه بحبى - عليه السلام - من القتل، وقتلوا يحي لأنه لم يوافقهم فى أهوائهم وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - ولكن الله - تعالى - تجاه من مكرم، وقتلوا غيرهم من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-(1). (١) راجع كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ ٢ ص ٤٤. ٨٤ سورة آل عمران فإن قيل إن اليهود ماقتلوا كل الأنبياء فلم أخبر القرآن عنهم أنهم يقتلون النبيين ولم يقل يقتلون بعض النبيين ؟ فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة، ومن استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء جميعا، ونظير هذا قوله - تعالى - : (( من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ... )) (١). ٠ . وقيد القتل بأنه (( بغير حق، مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدا، للتصريح بموضع الاستنكار ، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق بقتلهم للأنبياء، والإشارة إلى أنهم لتوغلهم فى الظلم والعدوان قد صاروا أعداء للحق لا يألفونه ولاتميل إليه نفوسهم، وللتسجيل عليهم أن هذا القتل للأنبياء كان مخالفا لما فى شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم ، بل عن مخالفتهم. فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بمنا تهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم فى كل زمان ومكان . وقال - سبحانه - ((بغير حق)) بصيغة التفكير ، لعموم النفى ، بحيث يتناول الحق الثابت ، والحق المزعوم، أى أنهم لم يكونوا معذورين بأىلون من ألوان العذر فى هذا الاعتداء، فقد أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم هذا إجراما فى بواعثه وفى حقيقته، وأفظع أنواع الإجرام فى موضوعه . وقوله , بغير حق، فى موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة ويقتلون النبيين ، إذ لا يكون قتل النبيين إلا كذلك . ووصفهم ثالثا بأنهم «يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس)). (١) سورة المائدة الآية ٣٢. ٨٥ الجزء الثالث والقسط : العدل بقال قسط يقسط ويقسط قسطا، وأقسط إقساطا إذا عدل . أى: لايكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم ، وإنما يقتلون مع ذلك الذين يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحاتهم. وفى قوله « من الناس، إشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء ، بل من الناس غير المبعوثين . وفى قرنهم بالأنبياء، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء، إشارة إلى بيان على منزلتهم ، وأنهم ورثتهم الذين يدعون بدعوےم. وعبر عن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون - لاستحضار صورة أفعالهم الشنيعة فى أذهان المخاطبين، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجدده كلما استطاعوا إليها سبيلا، والإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم. ولقد حاول اليهود فى العهد النبوى أن يقتلوا النبى - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم . هذا، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء والمصلحين، ومن ذلك ماجاء عن أبى عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يارسول الله: أى الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: « أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل فييا، أو قتل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إن الذين يكفرون بآيات الله ..... الآية). ثم قال: يا أباعبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار فى ساعة واحدة ، فقام سورةآل عمران مائة وسبعون رجلا منهم، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوفهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار فى ذلك اليوم))(١). هذه بعض جرائمهم فماذا كانت نتيجتها ؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذى أخبرهم الله به فى قوله «فبشرهم بعذاب أليم)). والجملة الكريمة خبر إن، وجاز دخول الفا. على خبرها لتضمن أسمها وهو ((الذين)) معنى الشرط فى العموم. وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء . حلى بشرة وجهه، وهو هنا مستعمل فى ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم ، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء. وأولياءه، وفعلوا ما فعلوا من منكرات، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التى برتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هى : العذاب الأليم . واستعمال اللفظ فى عضده بعد عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية، لأن تشبيه الشىء بضده لابروج فى عقل العقلاء إلا على معنى التركم والاستهزاء . ثم أخبر - سبحانه - بفساد أعمالهم فى الدنيا والآخرة فقال: ( أولئك الذين حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة)). والحبوط - كما يقول الراغب - من الحبط، وهو أن تكثر الدابة الأكل حتى تنتفخ بطنها ، وقد يؤدى إلى موتها . والمراد بحبوط أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب فى الآخرة وحياة طيبة فى الدنيا ، لأنهم عملوا ما عملوا وهم لا يرجون لله وقارا . وجىء باسم الإشارة فى صدر الآية ، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل تميز، والتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة. (١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٣٥٥ ٨٧ الجزء الثالث وكانت الإشارة للبعد ، الإيذان بعدهم عن الطريق القويم، والخلق. المستقيم، وقوله ((أولئك)) مبتدأ، والموصول وصلته خبره. أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم فى الدنيا والآخره، وسقطت عن حيز الاعتبار، وخلت عن الثمرة التى كانوا يؤملونها. من ورائها ، بسبب إشراكهم باقه واعتدائهم على حرماته . وقوله( وماهم من ناصرین» نفی لبكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب النصر ، وقد أكد هذا النفى بمن الزائدة. أی لیس لهم من أحد ینصرهم من بأس الله وعقابه، لا فی الدنیا ولا فى الآخرة، لأنهم بسبب كفرهم وأفعالهم القبيحة صاروا مستحقين للعقاب، وليس هناك من يدفعه عنهم. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصفهم بصفات ثلاث: بالكفر، وقتل الأنبياء، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس . وتوعدهم - أيضا - بثلاثة أنواع من العقوبات: بالعذاب الأليم وحبوط أعمالهم فى الدنيا والآخرة ، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم . وبذلك نرى الآيتين الكريمتين تسوقان أشد ألوان التهديدوالوعيد لهؤلاء المعتدين ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة . وبعد أن وصف القرآن هؤلاء المعاندين بالكفر وقتل الأنبياء والمصلحين وبين سوء مصيرهم ، أتبع ذلك ببيان رذيلة من أخش رذائلهم وهى انهم يدعون إلى التحاكم إلى الكتاب الذى يزعمون أنهم يؤمنون به، فيمتنعون عن ذلك غروراً وعنادا، استمع إلى القرآن وهو يصور أحوالهم السيئة فيقول: ((أَلَمْ تَر إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مَّنَ الكِتَابِ يُدْعُونَ إلى كِتَبِ الهِ لِيَحْكُم بَيْنَهِمِ ثُمَّ يَتَوْلَى فَرِيقٌ مِنْهِم وَمُ مُعرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَسَبَّنَ النَّارُ إِلاَّ أَّمَا مَعْدُودَاتٍ، وَغَرَّمُ فى دِينِهِم ٨٨ سورةآلی عمر ان مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إذَا بَعْنَامُ لِيَوْمِ لاَّ رَيْبَ فيهِ وَوُفَّتْ كلُّ ◌َفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمون (٢٥) » . أورد بعض المفسرين روایات فی سبب نزول هذه الآيات : منها، مارواه البخارى عن عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى الغبى - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة قد زنيا. فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟)) قالوا: نحممهما - أى نجعل على وجوههما الفحم تفكيلا بهما . ونضربهما. فقال: لا تجدون فى التوراة الرجم ؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كدتم. فأتوا بالتوراة قاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها الذى يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها. ولا يقرأ آية الرجم ففزع يد عن آية الرجم. فقال ما هذه؟ - أى أن عبدالله بن سلام رفع يد القارىء عن آية الرجم وقال له ما هذه ۔ فلما رأى اليهود ذلك قالوا : هى آية الرجم . فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد .. »(١). وقال ابن عباس: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت المدراس على جماعة من يهود - أى دخل عليهم فى المكان الذى يتدارسون فيه علومهم - فدعاهم إلى الله، فقال له بعضهم: على أى دين أنت يا محمد؟ فقال: إنى على ملة إبراهيم ودينه. فقالوا: فإن إبراهيم كان يهو ديا. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراةفهى بيننا وبينكم ، فيأبوا عليه فأنزل الله هذه الآيات . وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد (١) صحيح البخاري، كتاب التفسير ج ٦ ص ٤٧ ٨٩ الجزء الثالث - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: هدوا إلى التوراة ففيها صفتى فأبوا))(١). قال ابن جرير ما ملخصه: وأولى الأقوال فى تأويل ذلك عندى بالصواب أن يقال: إن الله - تعالى - قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم إليها فى بعض ماتنازعوا فيه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبوا. ويجوز أن يكون هذا التنازع فى أمر فيوته، أو فى أمر إبراهيم ودينة، أو فى حد من الحدود، فإن كل ذلك ما تنازعوا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... ،(٢) وكأن اذن جرير - رحمه الله - يريد أن يقول: إن الآيات الكريمة تتسع لعكل ما تنازعوا فيه مع رسول الله - صلى اله عليه وسلم - فلما دعاهم إلى أن يحكم التوراة بينه وبينهم فى شأن هذا التنازع أبوا وأعرضوا، وهو رأى حسن. والاستفهام فى قوله (( ألم تر ... للتعجب من شأنهم ومن سوء صنيعهم حیث دعوا إِلی کتا بهم لیحكم بينهم فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا -كما يقول الألوسى ... إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة وأعرضوا عن المحجة، ثم قال: و((من)) إما للتبعيض وإما للبيان على معنى «نصيبا، هر الكتاب أو نصيبا منه، لأن الوصول إلى كنه كلامه - سبحانه - متعذر، فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم. وإن جعل تبعيضا كان المراد هدايتم إلى فهم مافيه، وعلى التقديرين اللام فى ((الكتاب) للعهد. والمرادبه التوراة)(٢). والمعنى: قد علمت أيها العاقل حال أولئك الأحبار من اليهود الذين أعطوا قسطا من معرفة كتابهم، والذين دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التحاكم إلى التوراة التى هى كتابهم فيما حدث بينهم وبينه من نزاع فأبوا أن (١) تفسير القرطبي حـ ٤ ص . (٢) تفسير ابن جرير = ٣ ص ٢١٨ (٣) تفسير الالوسى = ٣ ص ١١٠ ٩٠ سورة آل عمران يستجيبوا لدعوته، وأعرضوا عنها كما هو شأنهم ودأيهم فى الإعراض عن الحق والصواب . وعرف المتحدث عنهم - وهم أحبار اليهود - بطريق الموصولية، لأن فى. الصلة ما يزيد التعجيب من حالهم، لأن كونهم على علم من الكتاب قليل أو كثير من شأنه أن يصدهم عما أخبر بن عنهم لو كانوا يعقلون. وجملة (« يدعون إلى كتاب اته ليحكم بينهم، مستأنفة مبينة لمحل التعجب. أو حال من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، والمراد بكتاب الله: التوراة، لأن سبب النزول يؤيدذلك، ولأن التعجب من حالهم يكون أشد إذا كان إعراضهم إنما هو عن كتابهم. وقيل المراد به القرآن . وقوله (( ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون معطوف على قوله, يدعون). وجاء العطف بم للإشعار بالفارق الشاسع بين ما قاموا به من إعراض عن الحق، وبين ما كان يجب عليهم أن يفعلوه، فإن علمهم بالكتاب كان يقتضى أن يتبعوا وأن يعملوا بأحكامه، ولكنهم أبوا ذلك لفساد نفوسهم. وقوله (( منهم، جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق. وإنما قال ((فريق منهم، ليخرج القلة التى أسلمت من علماء اليهود كعبد الله بن سلام، وهذا من إنصاف القرآن فى أحكامه، واحتراسه فى سوق الحقائق فهو لا يلقى الأحكام على الجميع جزافا، وإنما يحدد هذه الأحكام. بحيث يدين المتهم ، ويبرىء ساحة البرى .. وقوله ((وهم معرضون)) حال من فريق، أى ثم يتولى فريق منهم عن سماع الحق والانقياد لأحكامه، وينفر منها نفوراً شديداً، والحال أنهم قوم ديهم الإعراض والانصراف عن الحق . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى صرفتهم عن الحق فقال : .ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات .. ٩١ الجزء الثالث واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى الذكورمن توليهم وإعراضهم عن مجلس التجى - ضلى الله عليه وسلم - وعن سماعهم للحق الذى جاء به. والمس : اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الاحساس والاصابة والمراد من النار : قار الآخرة . والمراد من المعدودات: المحصورات القليلات . يقال شىء بعدود، أى قليل ، وشىء غير معدود أى كثير. فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة بسيرة قد تكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوما، وبعدها يخرجون إلى الجنة . عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما فى النار، وإنما هى سبعة أيام. وفى رواية عنه أنه قال فى قوله - تعالى - ((وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.، ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التى أصبنا فيها العجل أربعين يوما. فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم ، (١) . أى ذلك التولى والإعراض عن الحق الذى صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم ، سبه أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب، وتوهموا أنهم لن يعذبوا عذابا طويلا ، بل النار ستمسهم أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها، أنهم أبناء اله وأحباؤه , ولأن آبا م سيدفعون هم فى زعهم. ثم قال - تعالى - ((وغرم فى دينهم ما كانوا يفترون)). وقوله , وغرهم، من الغرور وهو كل ما يغر الانسان ويخدعه من مال أو جاء أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التى تغر الانسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠١١٨ ٩٢ سورة آل عمران والمعنى: أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب، ولم يبالوا بالمعاصي والذنوب وأنهم طمعوا فى غير مطمع ، وأصاب موضع الغرة والغفلة منهم فى دينهم ما كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات . والغرور أكبر شىء يبعد الإنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو دينه ودنياه. ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب موثر فقال: فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ، ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلون » . فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة . وكيف فى موضع نصب على الحال، والعامل فيه محذوف أى فكيف تكون حالهم ، أو كيف يصنعون. ويجوز أن تكون خبرالمبتدأ محذوف أى: فكيف حالهم . قال الفخر الرازى : أما قوله، فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، فالمعنى أنه لما حكى عنهم إغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجىء يوم يزول فيه ذلك الجهل، وينكشف فيه ذلك الغرور فقال: «فكيف إذا جمعناهم ... )، وفى الكلام حذف، والتقدير: فكيف صورتهم وحالهم، ويحذف الحال كثيراً مع كيف ، لدلالته عليها تقول : كنت أكره وهو لميزرنی ، فكيف لو زارنى، أى كيف حاله إذا زارنى. وأعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة فى قول القائل : لو زارنى ، وكل نوع من أنواع العذاب فی ھذہ الآية !! ) . والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لاريب فى مجيئه (١) تفسير الفخر الرازى - ٧ ص ٢٣٤. ٩٣ مجزء الثالث وحصوله، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التى أدعوها فى الدنيا , ووفيت كل نفس ما كسبت ، من خير أو شر، وهم لا يظلمون، شيئا . بل يجازى كل إنسان على حسب عمله، لا شك أنهم فى هذا اليوم الهائل الشديد سيفاجئون بذهاب غرورهم، وبفساد تصورهم ، وأنهم سيقعون فى العذاب الأليم الذى لا حيلة لهم فى دفعه، ولا مخلص لهم من ذوقه ، يوم لاينفع مال ولا بنون. إلا من أنى الله بقلب سليم : (١). قال الزمخشرى: روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار. راية اليهود، فيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد، ثم بأمر بهم إلى النار،(٢). وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق توبيخاشديدا. وأبطلت أكاذيبهم وغرورهم . وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم، وصورت حالهم يوم القيامة تصويرا مؤثراً هائلا تهتز له القلوب، وترتجف منه الأفئدة، ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل الصالح حتى يفوزوا برضا الله . . وبعد هذا الحديث البليغ المؤثر عن المعرضين عن الحق ، وعن دعاواهم الكاذبة، وعن سوء مصيرهم، بأمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم- كما بأمر كل مؤمن، أن يتوجه إليه بالضراعة، وأن يخلص له العبادة. وأن يعترف له بالقدرة على كل شى. وبالعدالة القائمة على الحكمة والعلم فيقول : ((قُلِ الَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُواْفِى الْكَ مَن تَشَاءِ، وتَنْعُ المُكَ مَّنْ ◌َشَاءُ، وتُعزّ مَن نشاء، وتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلُّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تَوَلِيعُ الَّيْلِ فِى النََّرِ وتُولِعُ النَّرَ فِى الَّيل، وتُخْرِجُ (١) سورة الشعراء . الايتان ٨٩,٨٨ (٢) تفسير الكناف ج ١ ص ٤٩ ٩٤ سورةآل عمران الحىَّ مِنَ الَيْتِ وتُخْرِجُ الَّيْتَّ مِنَ الحَىُّ، وتَرْزُقُ مَن نشلَه بَغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)». قال القرطى: قال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم - مكة ، ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنطفقون واليهود : هيهات هيهات ! من أين محمد ملك فارس والروم! وهم أعز وأمنع من ذلك، لم یکف محمدا مکه والمدينة حتى طمع فى ملك فارس والروم. فأنزل الله هذه الآ ية .... (١). والأمر بقوله ((قل)) للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولكل من يتأنى له الخطاب من المؤمنين . وكلمة ((اللهم، يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا الله، فلما استعملت دون حرف النداء الذى هو « يا، جعلوا هذه الميم المشددة الى فى آخرها عوضا عن حرف النداء ، وهذا التعويض من خصائص الاسم الجليل ، كما اختص بجواز الجمع فيه بين ((يا، و((أل))، ((وبقطع همزته، ودخول قاء القسيم عليه. . وقال الفراء والتكوفيون: إن الميم المشددة فى آخر الكلمة هى ((أم)، بمعنى قصد ، أى أقصدك يا مولاى بضراعتى، وأنت صاحب الملك والسلطان. ولكن بعض النحو بين كالزجاج لم يرتض قول الكوفيين والفراء، وقال: إن معنى القصد قابت بمجرد الإلتجاء والدعاء. و«المالك، هو القادر المتصرف فى شئون هذا الكون كيف يشاء، وهذا الوصف على الحقيقة لا يكون إلا ورب العالمين . . والمعنى: قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك، والشكر له، والتوكل عليه، والضراعة إليه، قل : يا الله يا مالك الملك أنت وحدك صاحب السلطان (١) تفسير القرطبى = ٤ ص ٠٥٢ ٩٥ الجزء الثالث المطلق فى هذا الوجود ، بحيث تتصرف فيه كيف تشاء ، إبجاداً وإعداما. وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة ، من غير أن ينازعك فى ذلك أى منازع . فكان فى هذه الجملة الكريمة قل اللهم مالك الملك ، دعاءين خاشعين: أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله(، اللهم، أى يا الله، وفى هذا النداء كل معانى العبودية والتغزيه والتقديس والخضوع. وأما الدعاء الثانى فهر المعبر عنه بقوله ((مالك الملك، أى يا مالك الملك، وفى هذا الندخ. كل معانى الإحساس بالربوبية ، والضعف أمام قدرة لقه وسلطاته. فقوله (( مالك) منصوب بحرف النداء المحذوف. كما فى قوله « قل اللهم فاطر السموات والأرض ، أى يا فاطر السموات والأرض. ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر خلفه التى تدل على أنه هو مالك الملك على الحقيقة، فقال - تعالى - ((تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء). أى: أنت وحدك الذى تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك، وتنزعه ممن تشاء ، نزعة مبهم، فأنت المتصرف فى شئون خلقك ، لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك. وعبر بالإيتاء الذى هو مجرد الإعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية، للتنبيه على أن المالكية على الحقيقة إنما هى مختصة باقه رب العالمين، أما ما يعطيه .لغيره من ملك فهو عارية مستردة، وهو چى و زائل لايدوم. إزالة الملك بقوله، وتنزع الملك ممن تشاء، يشعر بأنه والتعبير عن - سبحانه - فى قدرته أن يسلب هذا القضاء من أى علوق مهما بلغت سعة ملكه، وجهما اشتدت قوته ؛ وذلك لأن نقط لنزع يدل على أن المنزوع منه الشىء كان متمسكا به، فسلبه الله منه بمقتضى قدرته وحكمته . والمراد بالملك هذا السلطان ، وقيل النبوة ، وقيل غير ذلك . قال الفخر الرازى: وقوله ((تؤنى الملك من "شاء، محمود على جميع أنواع ٩٦ سورةآل عمران الملك فيدخل فيه ملك النبوة. وملك العقل، والصحة والأخلاق الحسنة. وملك النفاذ والقدرة، وملك المحبة، وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لايجوز،(١). ومفعول المشيئة فى الجملتين محذوف أى: تؤتي الملك من تشاء إيتاءه وتنزعه من تشاء نزعه منه . أما الأمر الثانى الذى يدل على أنه - سبحانه - هو مالك الملك على الحقيقة، فهو قوله : وتعز من تشاء وتذل من تشاء .. العزة - كما يقول الراغب - حالة مانعة للإنسان من أن يغلب ، من قولهم: أرض عزاز: أى صلبة، وتعزز اللحم: اشتد وعز ، كأنه حصل فى عزاز يصعب الوصول إليه ... والعزيز الذى يقهر ولا يقهر. وتذل، من الذل: وهو ما كان عن قهر ، يقال: ذل بذل ذلا إذا قهر وغلب))(٢) والعزة صفة نفسية يحس بها المؤمن الصادق فى إيمانه ؛ لأنه يشعر دائما بأنه عبد الله - تعالى - وحده وليس عبداً لأحد سواه، قال - تعالى - ((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، فالمؤمنون الصادقون أعزا. ولو كانوا فى المال والجاه فقراء . أما الكافرون فهم أذلاء، لأنهم خضعوا لغير الله الواحد القهار . والمعنى: أنت يا الله يامالك الملك، أنت وحدك الذى تؤنى الملك لمن تشاء أن تؤتيه له ، وتنزعه ممن تريد نزعه منه . وأنت وحدك الذى تعز من تشاء إعزازه بالنصر والتوفيق، وقذل من تها. إذلاله بالهزيمة والخذلان . ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذاته فقال - تعالى -: , بيدك الخير إنك على كل شىء قدير ). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٧: طبعة عبد الرحمن محمد. (٢) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ج ١٨١ ص ٣٣٣ ٩٧ الجزء الثالث أى : أنت وحدك الذى تملك الخير كله ، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيتتك. لأنك على كل شىء قدير . وأل فى الخير للاستغراق الشامل ، إذكل خير فهو بيده - سبحانه - وقدرته، وتقديم الجار والمجرور (( بيدك)) الإفادة الاختصاص، أى بيدك وحدك على الحقيقة لا بيد غيرك وجملة ((إنك على كل شىء قدير)، تعليلية. قال صاحب السكشاف فإن قلت: كيف قال ((بيدك الخير، فذكر الخير دون الشر؟ قلت : لأن الكلام إنما وقع فى الخير الذى يسوقه إلى المؤمنين وهو الذى أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير، تؤقبه أو ايامك على رغم من أعدائك ، ولأن أفعال الله - تعالى - من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة. فهو خير كله كايتا. الملك و نزعه .(١). ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة فقال: (متوج الليل فى النهار وقولج النهار فى الليل)). الولوج فى الأصل: الدخول ، والإيلاج الإدخال. يقال: ولج فلان منزله إذا دخله، فهو يلجه ولجا وولوجا. وأولجته أنا إذا أدخلته . ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ، بحسب المطالع والمغارب . أى أنت يا الله يا مالك الملك ، أنت الذى بقدرتك أن تدخل طائفة من الليل فى النهار فيقصر الليل ويزيد النهار، وتدخل طائفة من النهار فى الليل، فيقصر النهار ويزيد الليل ، وأنت وحدك الذى بقدرتك أن تجعلهما متعاقبين بأن فأنى بالليل رويدا رويدا فى أعقاب النهار ، وتأتى بالنهار شيئا فشيئا فى أعقاب الليل. وفى كل ذلك دليل على سعة قدرتك ، وواسع رحمتك، وقذ کر واعتبار لأولی الألباب . ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال : ( تخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى). (١) تفسير الكشاف = ١ ص ٣٥٠ (٧ - سورة آل عمران: ٩٨ سورة آل عمران قال الفخر الرازى: ذكر المفسرون فيه وجوها أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كفعاز من نوح. والثأن يخرج الحيوان - وهو حى - من النطفة، - وهى ميتة -، - والدجاحة . وهى حية - من البيضة أو العكس والثالث: يحرج السنبلة من الحبة وبالعكس، وتنخلة من النواة وبالعكس. ثم قال: والكلمة محتملة للكل: أما الكفر والإيمان فقال - تعالى -، أو من كان ميتا فأحييناه)) يريد كان كافرافهديناء، فجعل الموت كمرا والحياة إيمانا، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل ما قبل ذلك ميتة فقال: ((يحيى الأرض بعد موتها)). وقال: ((فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها، وقال: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فاحيا كم ثم يميتكم ثم يحبيكم.(١). وفى الحق . إن المتدبر فى هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة ، ليشهد ويذعن بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو الله الواحد القهار. ثم ختم - سبحانه - مظاهر قدرته ورحمته بقوله (, وترزق من تشاء بغير حساب)). والرزق - كما يقول الراغب - يقال للعطاء الجارى تارة دنيويا كان أو أخرويا وللنصيب تارة ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به قارة أخرى ، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما. قال - تعالى - . وأنفقوا مما رزقناكم من أجل أن يأتى أحدكم الموت ..: ، أى من المال والجاه والعلم .... (٢). أى أنت يا أته يا مالك الملك، أنت وحدك الذى ترزق من تشاء من ترزة بغير حساب أى رزقا واسعا عظيما، لأنك أنت صاحب الجود والكرم، ولأنك ليس معك شريك فيحاسبك، ثم أنت المعطى بدون محاسب، وبدون محاسبة من تعطيه، ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء مهما كثر. (١) تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ١٠ بتصرف يسير (٢) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ١٩٤. ١ الجزء الثالث ٩٩ ومن كانت هذه صفاته، وتلك بعض مظاهر قدرته: من إيتاء الملك لمن يشاء وتزعه من يشاء، وإيلاج الليل فى النهار، والنهار فى الليل، وإخراج . الحى من الميت والميت من الحى ، كان من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع. ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)). قال ابن كثير: روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب فى هذه الآية: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، ونذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شىء قدير، (١). وبذلك نرى أن هاتين الآ يتين الكريمتين قد وصفتا الخالق - عز وجل - بما هو أهله، من قدرة قامة وسلطان فاهذ، ورحمة واسعة، وهذا الوصف من شأنه أن يحمل كل عاقل على إخلاص العبادة له -- سبحانه - ، وعلى الاستجابة لكل ما أمر به أو نهى عنه رغبة فى ثوايه، ورهبة من عقا به . وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده مالك الملك، وأنه على كل شىء قدير ، عقب ذلك بنهى المؤمنين عن موالاه أعدته بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما . فقال - تعالى -: ((لاَ يَتَّخِذَ الْمُؤْمِنُونَ الكَفِرِينَ أَوْلِياءِ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَّ اللَّهِفِى شَىْءٍ، إلاْ أَنْ تَّقُوا مِنْهِم تَقَةً ، ويُحَذّرُكُ الهُ نَفْسَهُ، وإلَى اللهِ المَصِيرُ (٢٨))). أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات : منها أن جماعة من اليهود كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتغو هم عن دينهم . فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيدبن خيثمة لأولئك النفر من الأنصار: «اجتنبواهؤلاء اليهود واحذروا ملازمتهم ومباعطفتهم التلا (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٢٢ ١٠٠ سورةآل عمران يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية)) (١). وقوله، أولياء, جمع ولى، والولاء والتوالى - كما يقول الراغب: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد . ١ م والولاية - بكسر الواو - النصرة - والولاية - بفتحها - تولى الأمر، وقل. هما بمعنى واحد ... .(٢). و ((لا)) ناهية. والفعل، يتخذ، مجزوم بها، وهو متعد لمفعولين أولهما · الكافرین ، وثانيهما , أولیاء ،. والمعنى: لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ونصراء، بل عليهم أن يراعوا مافيه مصلحة الإسلام والمسلمين ، وأن يقدموها على ما بينهم وبين الكفار من قرابة أو صداقة أو غير ذلك من ألوان الصلات، لأن فى تقديم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين تقديما للكفر على الإيمان، ومن شأن المؤمن الصادق فى إيمانه أن لا يصدر منه ذلك . وقد ورد مثل هذا النهى فى كثير من الآيات ، ومن ذلك قوله - تعالى .. (((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، (٢). وقوله - تعالى - ((يأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ... ،(٤) قال الآلوسى: وقوله ((من دون المؤمنين) حال من الفاعل، أى متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين إستقلالا أو اشتراكا، ولا مفهوم هذا الظرف، إما لأنه ورد فى قوم بأعيانهم والوا الكفار دون المؤمنين فهو لبيان الواقع، (١) تفسير الألوسى ج ٣ ص ١٢٠ (٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٥٣٣ (٣) سورة الممتحنة الآية ١ (٤) سورة المائدة الآية ٥١