Indexed OCR Text

Pages 841-860

٨٤١
سورة البقرة
مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط الشاهد فيها ..
وقد نبه على ذلك فى آخر الآية حيث قال: ((ذلكم أقسط عند الله وأقوم
للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا، وروى البخارى عن ابن عباس أنه قال: أشهد
أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ «بايها الذين
آمنوا إذا تداينثم .. الآية)). وثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال:
قدم النبى: صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين.
والثلاث فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((من أسلف فليسلف فى كيل.
معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، (١) ..
ومعنى (( تداينتم، تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين.
- كما يقول القرطبى - «عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً
والآخر فى الذمة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين
ما كان غائبا ،(٢).
والأجل فى اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان.
هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه فى
المستقبل. وأصله من التأخير، يقال: أجل الشىء يأجل إذا تأخر والآجل
نقيض العاجل .
والمعنى: يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين.
فاكتبوا هذا الدين ، لأن فى هذه الكتابة حفظاً له، وضبطاً لمقداره، ومنعاً"
للتنازع من أن يقع بينكم .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا قيل: إذا قد اينتم إلى أجل مسمى،
وأى حاجة إلى ذكر الدين ؟ قلت: ذكر - لفظ الدين - ليرجع الضمير
إليه فى قوله: ((فاكتبوه)) إذلو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين،
فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٣٣٤.
(٢) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٠٣٧٧

٨٤٢
الجزء الثالث
.فإن قلت: ما فائدة قوله ((مسمى)، قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون
معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال: إلى الحصاد أو الدياس
أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية)، (١).
وجمهور العلماء على أن الأمر فى قوله ((فاكتبوه)، للندب، ولأن الله
- تعالى - قد قال بعد ذلك ,فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذى أنتمن أمانته)،
ولأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يلزم الدائنين بكتابة ديونهم، ولا المدينين
بأن يكتبوها .
وقال الظاهرية: إن الأمر هنا الوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آتماً،
لأن الأصل فى الأمر أنه الوجوب . .
وقوله (( وليكتب بينكم كاتب بالعدل، بيان الكيفية الكتابة المأمور بها
وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أى : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا
الدين، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقبها وعلمها، بأن
يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها ، وما يكون من الشروط موافقاً
لشريعة الإسلام وما يكون منها غير موافق. وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق
مع الدائن والمدين فى كتابته، لأن الله - تعالى - يقول: ((ولا يجر منكم
شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. فالجملة الكريمة تحض
المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصاً تتوفر فيه إجادة الكتابة، والخبرة
بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحرى الحق . ومفعول
((يكتب، محذوف ثقة بانفهامه أى وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل.
والتقييد بالظرف بينكم الإبذان بأنه ينبغى للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به
أحد المتعاقدين، لأن فى هذا الانفراد تهمة يجب أن يربا بنفسه عنها.
(١) تفسير الكثاف ج ١ صفحة ٠٣٢٥

٨٤٣
سورة البقرة
والجار والمجرور وهو «بالعدل، متعلق بمحذوف صفة لكانب أى:
وليكن المتصدى للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد
الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أى: وايكتب بالحق.
ثم نهى الله - تعالى - من كان قادراً على الكتابة عن الامتناع عنها متى
.دعى إليها فقال: ((ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب)).
أى: ولا يمتنع كانب من أن يكتب للتداينين دبونهما بالطريقة التى
علمه الله أباها أن يتحرى العدل والحق فى كتابته، وأن يلزم فيها ماتقتضيه
أحكام الشريعة الإسلامية .
فالكافى فى قوله - تعالى - «كا علمه الله، نعت لمصدر محذوف والتقدير:
فليكتب كتابة مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل؛ فيها.
ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى: لا يمتنع عن الكتابة لأنه
كما علمه الله إباها ويسر هاله ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها ، فهو كقوله
- تعالى - ,وأحسن كما أحسن الله إليك، وفى الحديث الشريف , إن من
الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)، وفى حديث آخر ((من كتم علماً
يعلمه ألاء لله بلجام من نار يوم القيامة)) (١).
وقوله («فليكتب، تفريع على قوله ((ولا يأب كانب، أى: فليكتب
الكتابة التى علمه الله إياها فهوتو كيد للأمر المستفاد من قوله (( ولا يأب كانب.،
.ويجوز أن يكون توكيداً للأمر الصريح فى قوله((وليكنب بينكم كانب بالعدل»
قال القرطبى : واختلف الناس فى وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة
على الشاهد . فقال الطبرى: واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب . وقال
الحسن : ذلك واجب عليه فى الموضع الذى لا يقدر على كاتب غيره فيضر
.صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر علی کاتب
غيره فهو فى سعة إذا قام بها غيره)) (٢) .
(١) تفسير ابن کثیر ج ١ ص ٣٣٥
(٢) تفسير القرطبى +٣ ص ٣٨٥°

٨٤٤
الجزء الثالث
وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة فى الدين ،
وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الإمتناع.
عنها إذا دعى إليها . ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء
فقال - تعالى -: ((ولملل الذى عليه الحق، وايتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئاً،
والإملال معناه الإملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن.
باللغتين قال - تعالى -: ((وقالوا أساطير الأولين اكتقبها فهى تعملى عليه.
بكرة وأصيلا ،.
أى : وعلى المدين الذين عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يعمل على الكاتب.
هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقراراً به وبالحقوق التى عليه الوفاء
بها. وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - فى إملائه فلا ينقص من الدين
الذى عليه شيئاً، لأن هذا الإنقاص ظلم حرمه الله - تعالى -.
وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذى ملی علی الکانب هو المدین لأنه
هو المكف بأداء مضمون الكتابة، ولأنه بإملاته يكون قد أفر على نفسه
بما عليه، ولأنه لو أعلى الدائن فربما يزيد فى الدين، أو على شيئاً ليس
محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين فى الغالب فى موقف ضعيف.
فأعطاه الله - تعالى - حق الإملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب.
حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه فى الوقت
نفسه أوجب عليه أمرين: تقوى الله، وعدم الإنقاص من الدين الذى
عليه، وإن ذلك لتشريع عدل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين .
ثم ين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذى عليه الدين لا يحسن الإملاء
فقال - تعالى -: ( فإن كر الذى عليه الحق)، وهو المدين ,سفيهاً، أى
جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل، أو منلافاً مبذراً لا يحسن تدبير أمره ،"
(( أو ضعيفاً، بأن يكون صبياً أو شيخاً تقدمت به الشيخوخة.
((أو لا يستطيع أن يمل هو)، بأن يكون عيباً أو أخرساً أو لا خبرة له

٨٤٥
سورة البقرة
بإملاء أمثال هذه الكائنات .
(( فليملل وليه بالعدل)) أى فعلى ولى أمره أو من بهمه شأنه ولا يرضى
ه أن يضيع حقه أن يتولى الإملاء متحرباً الحق والعدل فيما يكلف به.
وبعد هذا البيان الحكم عن الكتابة وأحكامها فى شان الديون، انتقل
القرآن إلى الحديث عن الإشهاد فقال - تعالى - ،واستشهدوا شهيدين من
رجالكم، أى : أطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجرى
بينكم من معاملات مؤجلة ، لأن هذا الإشهاد يعطى الديون والكتابة
توثيقاً وتثبيتاً. والسين والتاء فى قوله , واستشهدوا، للطلب.
قال الألوسى: ((وفى اختيار صيغة المبالغة فى ((شهيدين)) للإبماء إلى
من تكررت منه الشهادة ، فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكان فيه رمز ؟ إلى
العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام لا وهو مقبول عندما
ولعله لم يقل رجلين اذلك. والأمر الندب أو للم جوب على الخلاف فى ذلك)، (١)
وقوله (( من رجالكم، متعلق بقوله «واستشهدوا، ومن لابتداء الغاية
ويجوز أن يكون متعلفاً بمحذوف صفة الشهيد ين ومن النبعيض، أى من
رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام فى معاملتهم .
ثم بين - سبحانه - الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال :
((فإن لم يكونارجلين فرجل وامرأنان من ترضون من الشهداء)).
وقوله (ممن ترضون)) متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامرأنان.
أى فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فلي شهد رجل وامرأتان كالنون مرضيين
عندكم بعدالتهم .
وهذا الوصف وإن كان فى جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا للتشديد فى
اعتباره، لأن انصاف النساء به قد لا يتوفر كثيراً.
وقوله (( من الشهداء، متعلق بمحذوف حال من من الضمير المفعول
المقدر فى (( زضون)) العائد إلى الموصول: أى فليعد رجل وامر أتان من
(١) تفسير الآلوسي = ٣ ص ٥٧

٨٤٦
الجزء الثالث
-
ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم، وثقتكم بهم.
وقوله - تعالى - ((من ترضون من الشهداء ، أدق فى الدلالة على صدق
الشهادة من العدالة ، لأن الإنسان العدل قد يكون مرضياً فى دينه وخلفه
ولكنه قد يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته فى وقت الحاجة إليها، أوقد
يكون من يمنعه منصبه وجاهه ومقامه فى الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب.
بعض المعاصى، فجاء - سبحانه - بهذه الجملة الحكيمة لكى يقول للناس.
اختاروا الشهداء من الذين يرتضى قولهم ، ويقيمون الشهادة على وجهها
الحق بدون التأثر بأى نوع من أنواع المؤثرات .
١
هذا ، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية فى الأموال والطلاق.
والنكاح والرجعة وكل شىء إلا الحدود والقصاص. وعند المالكية تجوز نى.
الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل فى أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص
والنكاح والطلاق والرجعة .
ثم بين - سبحانه - العلة فى أن المرأتين تقومان مقام الرجل فى الشهادة.
فقال: ((أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)).
قال القرطبى : معنى أضل تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان.
جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا، (١).
والمعنى: جعلنا المرأتين بدل رجل واحد فى الشهادة ، خشية أن تنسى
إحداهما فتذكر كل واحدة منهما الأخرى. إذ المرأة لقوة عاطفتها، وشدة.
انفعالطا بالحوادث، قد تتوهم مالم تر، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة
أخرى فى الشهادة بحيث يتذاكران الحق فيما بينهما .
والعلة فى الحقيقة هى التذكير ، ولكن الضلال لما كان سبباً فى النذكير،
نزل منزلة العلة. وذلك كأن تقول: أعددت السلاح خشيه أن يجىء العدو
فأدفعه ، فإن العلة هى الدفاع عن النفس، ولكن لما كان مجىء العدو سبباً.
فيه نزل منزلته .
(١) تفسير القرطى = ٣ ص ٣٩٧

٨٤٧
سورة البقرة
وكما أمر الله - تعالى - الكتاب فى أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة».
أمر الشهود أيضاً بعدم الإمتناع عن الشهادة فقال - تعالى -: «ولا بأب
الشهداء إذا مادعوا)، أى: ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى.
دعوا إليها، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها - يؤدى إلى ضياع
الحقوق . والله - تعالى - قد شرع الشهادة لإحقاق الحق ، ونشر العدل بين
الناس ، فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما
أمرهم الله - تعالى - .
ثم أمر - سبحانه - بكتابة الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال:
((ولا تسأمرا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله)).
الأم: الضجر والملل. يقال: سئمت الشىء أسامه ساماً وسامة أى.
ملته وضجرته .
والمعنى: وعليكم أيها المؤمنون أن لا تملوا من كتابة الدين إلى الوقت
المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيراً أم صغيراً، لأن الكتابة فى الحالتين.
أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها، وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم.
بينكم، ولأن الدين قد يكون صغيراً فى نظر الغنى الملى.، إلا أنه كبير فى
نظر الفقير المعسر ، ولأن التهاون فى شأن الدين الصغير قد يؤدى إلى
التهاون فى شأن الدين الكبير، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن.
تکتیوا ما ینکم من ديون .
والضمير فى قوله ((أن تكتبوه)) يعود إلى الدين أو إلى الحق. وقوله.
صغيراً أو كبيراً، حالان من الضمير. أى لانسأموا أن تكتبوه على كل حال.
قليلا أو كثيرا، وقدم الصغير على الكبير إهتماماً به وانتقالا من الأدنى إلى
الأعلى .
ثم بين - سبحانه - ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم.
الله - تعالى - به، فقال: ((ذلكم أقسط عند الله،.
واسم الإشارة ((ذلكم، يعود إلى كل ما سبق ذكره فى الآية من الكتابة

٨٤٨
الجزء الثالث
والإشهاد ومن عدم الإمتناع عنهما، ومن تحرى الحق والعدل.
و «أقسط)، بمعنى أعدل. يقال: أقسط فلان فى الحكم يقسط إقساطاً
إذا معدل فهو مقسط. قال - تعالى - ((إن الله يحب المقسطين)). ويقال:
هو قاسط إذا جار وظلم. قال - تعالى -: «وأما القاطون فكانوا لجهنم
حطيا . .
أى : ذلكم الذى شر عناه لكم فى أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما
أعدل فى علم الله - تعالى -، وكل ما كان كذلك فهو الأعدل والأفضل
والأحكم فى ذاته، لأنه - سبحانه - هو الأعلى بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا
له، وتلك هى الفائدة الأولى. أما الفائدة الثانية فهى قوله - سبحانه -((وأقوم
للشهادة، ومعنى ((أقوم)) أبلغ فى الإستقامة التى هى ضد الاعوجاج. أى:
أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها وأما الفائدة الثالثة فهى قوله: ((وأدنى
أن لاترتابوا أى: أقرب إلى زوال الشك والريبة. أى أن الأوامر والنواهى
السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل فى علم الله - تعالى -،
وأعون على إناءة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ، وأقرب إلى عدم
الشك فى جنس الدين وقدره وأجله، وإذا توفرت هذه الفوائد الثلاث
فى المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس، أما إذا فقدت فإن الثقة
تزول من بينهم، ويحل محلها النزاع والشقاق .
ثم أباح - سبحانه - فى التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال: ((إلا أن
تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها)).
والتجارة الحاضرة التى تدور بين التجار: هى التى يجرى فيها التقابض
فى المجلس أوالتى يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا. وسميت حاضرة، لأن المبيع
والثمن كلاهما حاضر .
والمعنى: أن الله - تعالى - يأمركم بكتابة الديون وبالإشهاد عليها إلا
أنه - سبحانه - رحمة بكم أباح لكم عدم الكتابة فى التجارة الحاضرة التى
: تكثرون إدارتها والتعامل فيها، لأنه لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم،

٨٤٩
سورة البقرة
-وهو - سبحانه - (( ما جعل عليكم فى الدين من حرج)). ولأن أمثال هذه
التجارات التى يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها، لا يتوقع فيها التنازع
أو النسيان .
والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب ، وليست التجارة
الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل: إذا تدايتم فتكانوا
وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التى يجرى فيها التقابض لا جناح عليكم فى
عدم كتابتها .
وقيل: الاستثناء متصل والجملة المستثناة فى موضع نصب لأنه استثناء
. من الجنس، لأنه أمر بالكتابة فى كل معاملة واستثنى منها النجارة الحاضرة
والتقدير: آمركم بالكتابه والإشهاد فى كل معاملة إلا فى حالة حضور التجارة
- خلا بأمر من ترك الكتابة. و((تجارة، قرأها الجمهور بالرفع على أنها اسم تكون،
والخبر جملة (« تديرونها بينكم)). أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبر ناها مامة.
وقراها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها
يعود على التجارة. أى. إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة.
٢
وقوله - تعالى - ((وأشهدوا إذا تبايعتم، أمر منه - سبحاله - بالإشهاد
- عند البيع، وهذا الأمر الإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء. ويرى الظاهرية
أنه للوجوب .
قال صاحب الكشاف: هذا أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا فاجزا
أو كالنا - أى مؤجلا - لأنه أحوط وأبعد ما على يقع من الاختلاف. ويجوز
أن يراد: وأشهدوا إذا تبا يعتم هذا النبايع. يعنى النجارة الحاضرة على أن
الإشهاد كاف فيه دون الكتابة، وعن الضحاك: هى عزيمة من الله ولو على
-باقة بقل» (١).
ثم نهى - سبحانه - من المضارة فقال: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد)).
(١) تفسير الكشاف = ١ صفحة ٠٢٧٧ (م ٤) - سورة البقرة)

٨٥٠
الجزء الثالث
والمضارة: إدخال الضرر، والفعل (يضار، يحتمل أن يكون مبنية
الفاعل، وإن أصله (( لا يضارر - بكسر الراء - ويحتمل أن يكون مبقية
لمفعول . وأن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى.
والمعنى على الأول : فى الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضرراً بأحد.
المتعاقدين، بأن يبخس الكاتب أحدهما، أو يشهد بغير الحق.
والمعنى على الثانى - وهو الظاهر - نهى الدائن والمدين عن أن ينزل أحدهمك
ضرراً بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق،.
فإنما أمينان ، والإضرار بهما تد يحملهما على الخيانة وفى ذلك ضياع
الأمانة وذهاب الثقة. ولذا قال - تعالى - بعد ذلك ,وإن تفعلوا فإنه
فسوق بكم ).
أى: وإن تفعلوا ما نهيتم عنه أو تخالفوا ما أمرتم به، فإنكم بذلك ..
تكونون قد خرجتم من طاعة الله، وتلبستم بمعصيته، وصرتم أهلا
لمقوبته ، فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة فى.
دينكم ودنياكم .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته. وبتذكيرهم بنعمه
فقال: ((واتقوا الله ويعلمكم الله، والله كل شىء عليم)).
أى: واتقوا الله فما أمركم به ونها كم عنه، فهو - سبحانه - الذى يعلكم.
ما يصلح لكم أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى القيتموه واستجبتم.
له، وهو - سبحانه- بكل تى. عليم لاتخ فى عليه خافية فى الأرض ولا في السماء ..
وبعد : فهذه هى آية الدين التى هى أطول آية فى القرآن، تقرؤها
فتراها قد اشتملت على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأنجمع.
الإرشادات التى تهدى إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل.
تقرؤها فترى الدقة العجيبة فى لصياغة بأن وضع كل لفظ فى مكانه.
المناسب، وترى الطلاوة فى التعبير، والعذوبة فى الألفاظ بحيث لا تطغى.

٨٥١
سورة البقرة
دقة الصياغة على جمال العرض .
وترى الوفاء الكامل ، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل
المؤثرات التى قد تؤثر على سلامة المتعاقد، والإرشاد الجامع إلى كل ما
يضمن وصول الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غين.
وترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس
فى النفوس الخوف من الله - تعالى - والمراقبة له، والاستجابة لأوامره،
لا كطريقة البشر فى قوانينهم التى صاغوها فى قوالب صماء من الألفاظ
لا تشعر معها بتأثير فى النفس ، ولا باهتزاز فى القلب .
ولو لم يكن فى شريعة الله سوى هذا التأثير الذى تشعر به النفوس النقية
الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى أنها من صنع
الله - تعالى -، ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها إِفى سائرا شئونهم
أظفروا بالسعادتين : الدينية والدنيوية .
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة
ديونهم بأن كانوا مسافرين وليس معهم كاتب فقال - تعالى - :
وَ إِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًّا.
فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَقْتُمِنَّ
أَمَانَتَهُ وَلْبَّنَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ, وَلَا تَكْتُمُوْ الشَّهَدَةً وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُنْ
◌َائِمٌ قَلْبُ وَاللهُبِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
الرهان: جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم
المفعول وقرأ ابن كثير وأبو عمر («فرهن مقبوضه)، وأصل الرهن فى كلام
٢٨٣

٨٥٢
الجزء الثالث
العرب يدل على الحبس قال - تعالى - «كل نفس بما كسبت رهينة)).
ومعنى الرهن : أن يوضع شىء يناسب قيمة الدين من متاع المدين بيد الدائن
توثقة له فى دينه، ليستطيع أن يستوفى فى حقه من هذا الشىء المرهون عند
تعذر الدفع .
والمعنى: وإن كنتم - أيها المؤمنون - مسافرين، وقداينتم بدين إلى أجل
مسمى، ولم تجدوا كاتباً يكنب لكم ديونكم، أولم تتيسر لكم أسباب الكتابة
لأى سبب من الأسباب ، فإنه فى هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان
مقبوضة يقبضها صاحب الدين ضماناً لحقه عند تعذر أخذه من الغريم.
وفى التعبير بقوله (على سفر، استعارة تبعية حيث شبه يمكنهم فى السفر
بتمكن الراكب من مركوبه . وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال،
لأن حال المسافر يغلب عليها التنقل وعدم الاستقرار .
وجملة ((ولم تجدوا كانباً، معطوفة على فعل الشرط، أى: وإن كنتم مسافرين
ولم تجدوا، كانبا فتكون فى محل جزم تقديراً. ويجوز أن تكون الواو الحال
والجملة بعدها فى محل نصب على الحال .
وقوله ((فرهان مقبوضة، خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالذى يستوثق
به رهان مقبوضة . أو مبتدأ محذوف الخير والتقدير: فعليكم رهان مقبوضة
ومن الأحكام التى أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة: أن تعليق الرمان
على السفر ليس لكون السفر شرطاً فى صحة الرهان ، فإن التعامل بالرمان
مشروع فى حالتى السفر والحضر، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة تعسر"
الكتابة لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار . وقد ثبت فى الصحيحين عن
أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توفى ودرعه مرهونة عند يهودى
على ثلاثين وسقاً من شعير رمنها قوتً لأهله ، (١).
ومن الواضح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) عند مارهن درعه
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٣٧

٨٥٣
سورة البقرة
اليهودى كان مقيماً ولم يكن مسافرا .
قال القرطبى : ولم يرو عن أحد منع الرمن فى الحضر سوى مجاهد
والضحاك وداود متمسكين بالآية، ولاحجة فيها لهم، لأن هذا الكلام وإن
خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن فى الآية.
فى السفر مما حظر فى غيره)، (١).
كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله («فرماز مقبوضة)، أن الرهن لا يتم
إلا بالقبض، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح
بنص الآية وهذا مذهب الأحناف والشافعية ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن
يتم من غير القبض ، لأن القبض حکم من أحکامه ، فمن حق الدائن بعد
تمام عقد الرمن أن يطالب بقبض العين المرهونة ، فالقبض حكم من أحكام
العقد ، وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه.
وقوله «فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى انتمن أمانته وليتق الله ربه)»
تفريع على أحكام الديون السابقة، وحض على أداء الأمانة وعلى حسن المعاملة.
أى: فإن أمن الدائن المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين،
بالكتابة والشهود والرهن، فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به
بأن يؤدى ما عليه من ديون فى الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة ،
وعليه كذلك أن يتقاقه ربه فى رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر
فى أدائها لأن الله العليم بكل شىء سيحاسب كل إنسان ما قدمت يداه.
وعبر - سبحانه - بقوله, فإن أمن ... )، دون أو أودع، للإشارة إلى
الجانب الذى اعتمد عليه الدائن فى المدين وهو خلق الأمانة ، فهو لا يرى.
فيه إلا جانباً مأمونا لا يتوقع منه شراً أو خيانة، والتنبيه إلى أن صفة الأمانة
والوفاء من الصفات التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون جميعاً حتى ينالواالسعادة
فى دينهم ودنياهم. ودمر بقوله «فليؤد الذى أوتمن، ولم يقل ،فليؤدالمدين»
لحضنه: لى الأداء بأ- سن أسلوب، لأنه ما دام الدائن قد انتمنه على ما أعطاء
(١) تفسير القرطبى = ٣ ص ٤٠٧

٨٥٤
الجزء الثالث.
من ديون ، فعلى هذا الذى انتمن وهو المدين أن يكون عند حسن الظن به
وأن يرد إليه حقه فى موعدهمع شکره على حسن ظنه به .
وقوله (( أمانته)) أى دينه. والضمير يصح أن يعود إلى الدائن باعتباره
مالك الدين، وإلى المدين باعتبار أن الدين عليه. وفى إضافتها - أى الأمانة.
إلى المدين إشعار له بأنها عبء فى ذمته يحب أن يؤديه حتى يتخلص من
تكاليفه، إذ الأمانة عبء ثقيل عند العقلاء الذين يشعرون بالمسؤولية نحو
أنفسهم ونحو غيرهم .
وجمع - سبحانه - بين صفتى الألوهية والربوبية فى قوله, وليتق القهربه،
المبالغة فى التحذير من الخيانة والمماطلة، فإنهما يغضبان الله - تعالى - الذى
خلق الإنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، ولإشعار هذا المدين
بأن النقوى هى الوثيقة الكبرى التى لا تعدلها وثيقة أخرى من كتابة أو شهادة
أو رمان .
وبذلك نرى لوناً من ألوان التدرج الحكم فى شريعة الله - تعالى-، فأنت
ترى أن الله - تعالى - قد بين قبل ذلك أن الكتابة فى الديون والإشهاد عليها
مطلوبان، فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص
حينئذ بالرهن المقبوض .
فإن تعذر على المدين المحتاج أن يدفع للدائن فهنا يكون الاعتماد على
الأمانة التى هى صفة من صفات الصادقين .
فيا له من تشريع حكيم، بين للناس ما يصلح شأنهم فى دينهم وفى دنيام .
ثم أمر الله - تعالى - عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا يكتموها
فقال - تعالى -: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آ ثم قلبه)). أى:
وعليكم - أيها المؤمنون - ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها وألا تخفوها
فإن الذى يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقباً من الله - تعالى - بسبب
ارتكابه لما نهى عنه .

٨٥٥
سورة البقرة
وقد أسند - سبحانه - الاثم إلى القلب خاصة مع أن الإثم يسند إلى
الشخص، لأن الإئم فى كتمان الشهادة عمل القلب لا عمل الجوارح،
ولأن القلب أساس كل خير وكل شر، ففي الحديث الشريف: « ألا وإن
فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله
ألا وهى القلب».
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا لقتصر على قوله , فإنه آ ئم)).
وما فائدة ذكر القلب والجملة هى الأئمة لا القلب وحده؟ قلت : كتمان
الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقفرفاً بالقلب أسند إليه
لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التى يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت
التوكيد: هذا ما أبصر قه عينى، ووعاء قلبى. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء ..
فكأنه قيل: ومن يكتمها فقد تمكن الإثم من أصل نفسه، وملك أشرف مكان
فيه : وائلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام التى تتعلق باللسان فقط. وليعلم
أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال
القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. وهى لها كالأصول التى تتشعب عنها.
ألا ترى أن أسل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب
فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.
وقوله: ((آثم)) خبر إن و«قلبه، رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل:
".فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدم. والجملة
خبر إن والضمير الشأن)» (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((والله بما تعملون عليم)، أى: وافقه
- تعالى - عليم بكل أعمالكم وأقوالكم وسائر شئونكم، وسيجازى المحسنين
إحساناً، والمسيتين سوءاً، فعليكم أيها المؤمنون أن تستجيبوا لأوامراته،
وأن تجتطبوا ما نها كم عنه حتى تكونوا من السعداء .
فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمومنين الصادقين ، والوعيد
(١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣٢٩)

٨٥٦
الجزء الثالث
الشديد للعصاة المسيئين ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا ، ويقلع العصاة عن
عصيانهم وسيئاتهم.
وبعد هذا البيان الجامع الحكيم لطرق التعامل التى أباحها الله - تعالى -.
لعباده، والتى حرمها عليهم، بين ، سبحانه - أن ما فى السموات والأرض ..
ملك له ، وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه علمه الشامل، وإرادته النافذة ..
فقال - تعالى -.
لِلِّ مَا فِ السَّمَنَوْتِ وَمَا
فِى الْأَرْضِ وَ إِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ نُخْفُوُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللهُ.
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مِنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ( ه
أى: لله - تعالى - وحده ما فى السموات وما في الأرض خلقا وملكا
وتصرفاً ...
وما دام الأمر كذلك فعليكم - أيها المؤمنون - أن تبذلوا نهاية جهدكم.
فى العمل الصالح الذى يرضى عالقكم المهيمن على كل شىء ، وأن تعلموا.
أن المال الذى بين أيديكم إنما هو عارية مستردة، وأن المالك الحقيقى له إنماء.
هو الله رب العالمين، فأنفقوا من هذا المال - الذى هو أمانة بين أيديكم -..
فى وجوه الخير، واجمعوه من طريق حلال ، وكونوا من القوم العقلاء.
الصالحين الذين لم تشغلهم دفياهم عن أخراهم، بل كانوا كما قالوا: « ربنا ..
آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)).
وقوله - سبحانه - ((وإن تبدو ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» ..
بيان لشمول علم الله - تعالى - لما أظهره الإنسان أو أخفاه من أقوال وأعمال».
وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر.

٨٥٧
سورة البقرة
والجملة الكريمة صريحة فى أن الله - تعالى - بحاسب العباد على نياتهم
وما تكسبه قلوبهم سواء أأخفوه أم أظهروه .
وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة إنما تكون على ما يعزم عليه.
الإنسان وينويه ويصر على فعله، سواء أنفذ ما اعتزم عليه أم حالت دونه.
حوائل خارجة عن إرادته: كمن عزم على الرقة واتخذ الوسائل اذلك ولكن.
لم يستطع التفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التى أصر عليها .
أما الخواطر النفسية التى تجول فى النفس ، وتعرض الإنسان دون أن
يعزم على تنفيذها، فإنها ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها،
وكفها بعد مكافحتها يجعله أهلا للثواب.
1
ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
قال الله - تعالى - إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها.
فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها.
فاكتبوها عشراً)، (١) .
وروی الجماعة فی کتبهم عن أبى هريرة قال . قال رسول الله - صلی الله.
عليه وسلم -: إن الله تجاوز لى عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل.
أو تتكلم )، (٢).
قال الفخر الرازى : الخواطر الحاصلة فى القلب على قسمين: فمنها:
ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله فى الوجود، ومنها ما لا يكون.
كذلك، بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه.
لا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذاً به، والثانى لا يكون.
مؤاخذا به. ألا ترى إلى قوله - تعالى - ((لا يؤاخذ كم الله باللغو فه.
أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، (٣).
(١)، (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٠٢٢٩
(٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ صفحة ١٣٤.

٨٥٨
الجزءالثالث
وقال الألوسى : المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية فى الأعيان
ـوهو من الكيفيات النفسانية التى تلحق بالملكات ، وليس كذلك سائر ما
يحدث فى النفس - أى من خواطر لا تصميم ولا عزم معها - قال بعضهم:
مراقب القصد خمس هاجس ذكروا فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعت سوى الأخير ففيه الأخذقد وقعا(١)
وقوله - تعالى - فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، بيان النتيجة المحاسبة
التى تكون من الخالق - عز وجل - لعباده.
أى : أنه - سبحانه - بمقتضى علمه الشامل، وإرادته النافذه، يحاسب
عباده على ما أشروه وما أعلنوه من أقوال وأعمال، فيغفر بفضله لمن يشاء
أن يغفر له، ويعذب بعدله من يشاء أن يعذبه، لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه.
وقوله , فيغفر، ويعذب، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر
برفع الرأء والباء على الاستنتاف أى فهو يغفر. وقرأ الباقون بإسكانهما عطفاً
على جواب الشرط وهو قوله ((يحاسبكم)).
وقوله ((والله على كل شىء قدير)) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. فإن كمال
قدرته - سبحانه - على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما سبق ذكرهمن
المحاسبة لعباده، وإثابة من يشاء إثابته وتعذيب من يشاء تعذيبه، فهو القاهر
فوق عباده، وهو الحكيم الخبير ..
ثم ختم - سبحانه - سورة البقرة بآبتين كريمتين بين فى أولاهما أن رسالة
النبى - عَ ل - امتداد للرسالات السماوية السابقة وخاتمة لها، ومهيمنة
عليها ، وبين فى الثانية أنه - سبحانه - لم يكلف الناس إلا بما فى قدرتهم،
وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع
إليه بخالص الدعاء. قال - تعالى -:
(١) تفسير الآلومى = ٣ صفحة ٦٤.

٨٥٩
سورة البقرة
جَامَنَ الَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ◌َ مَنَ
◌ِلّهِوَمَلَ ◌ّكَّتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا ◌ُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ،
وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِير ◌ِ لَ يُكَلِّفُ
آَلَهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَاْ إِن تَسِنَا أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا:
◌َكَ حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَالَ طَاقَةَ لَنَا بِهِءَ
وَأَعْفُ عَنَّ وَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَاً أَنْتَ مَوْلَنَا
٢٨٦
فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
وقوله «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) استئناف قصد به
الإخبار عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بما يشرفهم وبعلى من
أقدارهم ومنازلهم .
أى: صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما أنزل إليه من ربه فى هذه
السورة وغيرها من العقائد والأحكام والسنن والبيئات والهدايات تصديق
إذعان وإقرار وإطمئنان، وكذلك المؤمنون الذين صدقوه واتبعوه آمنوا
بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق - ◌َ } ..
وقد قرن - سبحانه - إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم - صلى الله عليه وسلم-
تشريفاً لهم وللإشارة إلى أنهم متى صدقوا فى إيمانهم كانت منزلتهم عند الله
- تعالى - قريبة من منازل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .

٨٦٠
الجزء الثالث
وفى تأخيرهم فى الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع، وإشارة إلى
أن النبى - صلى الله عليه وسلم- هو أول من آمن بما أوحى إليه منر به،وهو
أقوى الناس إيماناً، وأصدقهم يقيناً، وأكثرهم استجابة لأوامر الله.
و قوله «كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، بيان للإيمان الكامل
الذى اعتقدوه ومدقوا به .
أى : كل فريق من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيماناً
قاماً بوجود الله - تعالى - ووحدانيته، وكمال صفاته، ووجوب الخضوع
والعبادة له، وبوجود الملائكة وأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يؤمرون ، كما آمنوا بكتب الله التى أنزلها لسعادة البشر، وبرسله
الذين أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ثم بین - سبحانه -أن من صفات هؤلاء الأخيار أنهم لا يفرقون بين
رسل الله - تعالى فقال: «لا نفرق بين أحد من رسله ، أی یقولون لا نفرق.
فى الإيمان بين رسل الله - تعالى - وإنما نؤمن بهم جميعاً، ونصدق برسالة.
كل رسول أرسله الله - تعالى -، ولا نقول كما قال الضالون , أؤمن ببعض.
ونكفر ببعض ».
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم، ونقاء نفوسهم،
وطهارة قلوبهم فقال: ((وقالوا سمعناوأطعنا، أى: وقالوا سمعنا قولك وفهمناء،
وامتثلنا أمرك - با الهنا - واستقمنا عليه، وصبرنا على تكاليفه بكل رضا
واستسلام. , غفرانك ربنا، أى اغفر لنا غفرانك الذى هو من فضل.
رحمتك ونعمك، فأنت ربنا وعالقنا والعليم بأحوالنا وبضعفنا.
فقوله : غفرانك، مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل فيهمقدر
أى: اغفر غفرانك. وقوله (وإليك المصير) أى: وإليك وحدك المرجع
والمآب، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب، ((يوم لا ينفع.
مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)).