Indexed OCR Text
Pages 741-760
٧٤١ سورة البقرة التابوت الذى سلب منكم ( فيه سكينة من ربكم) أى فى إتيانه سكون لنفوسكم وطمأنينة لها أو مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة (وبقية ما ترك آل موسى وآل مارون) من آثار تعتزون بها، وترون فيها صلة بين ماضيكم وحاضركم. وقوله ( تحمله الملائكة ) حال من التابوت . قال صاحب الكشاف : (قوله) وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشىء من التوراة . وكان رفعه الله - تعالى- بعد موسى - عليه السلام - فتزات به الملائكة تحمله وهـينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء لطالوت . فإن قلت: من هم (آل موسى وآل مارون ). قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما ، ويجوز أن يراد ما تركه موسى وهارون) والآل مقحم لافخيم شأهما (١). وقال ابن كثير: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين بدى طالوت والناس ينظرون (٢). ثم ختم -سبحانه - الآيه بقوله: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) أى: إن فى ذلك الذى أقا كم به طالوت لآيه عظيمة وعلامة ظاهرة لكم تدل على أحقية طالوت بالملك والقيادة إن كنتم مؤمنين بآيات الله وبالحق الذى جاء به أنبياز .. وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد حكى لنا أن هـؤلاء القوم من بنى إسرائيل قد جاءهم نبيهم بأنصع الحجج، وأوضح الأدلة ، وأثبته البراهين التى تؤيده فيما يدعوهم إليه . ثم بين - سبحانه - ما دار بين طالوت وجنوده فقال : فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر .. (( فصل، بمعنى الفصل. قال الزمخشرى: فصل عن موضع كذا: (١) تغير الكشاف = ١ - ٢٩٣ (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ٥ ٣٠١ ٧٤٢ الجزء الثانى إذا أففصل عنه وجاوزه. وأصله فصل نفسه. ثم كثر: حذف المفعول حتى صار فى حكم غير المعتدى كانفصل . وقيل: فصل عن البلد فصولاً. ويجوز أن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وعد نحوهما. والمعنى انفصل عن بلده)، (١) . و((النهر، بالفتح والسكون -: المجرى الواسع الذى يجرى فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنى شقها . أى : فذا انفصل بهم عن المكان الذى كانوا يقيمون فيه، وتوجهوا معه لقتال جالوت وجنوده، قال لهم ( إن الله مبتليكم بنهر)) أى مختبر } ومتحفكم بنهر ، وكان طالوت قد سار بهم فى أرض قفرة فأصابهم عطش شديد. وفى هذا الإبتلاء اختبار لعزيمتهم ، وامتحان لصبرهم على المناعب حتى يتميز من يصير على الحرب من لا يصبر، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم . ثم بين لهم موضع الاختبار فقال : فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اعترف غرفة بيده)». «يطعمه، أى يذقه من طعم الشىء يطعمه إذا ذاقه ما كولا أو مشروباً. و((الغرفة، - بالضم - اسم للشىء المغترف وجمعه غراف. وأما الغرفة -بالفتح- فهى اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل: هما لغتان بمعنى واحد أى قال لهم طالوت: من شرب من هذا النهر فليس من شيعتى، فعليه أن يتر كنى ولا يصاحبنى فى خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره، ومن لم يذقه أصلا فإنه من شيعتى وحزنى الذى سيكون معى فى هذه المعركة الخطيرة. ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال: (إلا من اغترف غرفة بيده) فإنه لا يخرج بذلك عن كونه منى. وفى هذه الجملة الكريمة قدم - سبحانه - جواب الشرط على الاستثناء (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٩٤ ٧٤٣ سورة البقرة حن الشرط فقد قال (ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من أغترف غرفة بيده) والتأليف المعهود للناس أن يقال: ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى ) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمة بليغه، وهى المسارعة .فإلى بيان الحكم، وإثبات أن أساس الصلة التى تربطهم بغيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر، ثم رخص لهم بعد ذلك فى الاعتراف باليدغرفة واحدة وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: فإن قلت : مم استثنى قوله ( إلا من اغترف )؟ قلت: من قوله ( فمن شرب منه فليس منى) والجملة الثانية فى حكم المتأخرة إلا أنها قدمت للعناية .. ومعناه: الرخصة فى اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، (١). ثم ختم - سبحانه - ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال: ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ). أى: فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم فى وقت تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب ، إلا عدداً قليلا -منهم فإنهم لم يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم. وعلى هذا التفسير - الذى قال به جمهور المفسرين - يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوامن النهر إلا أن كثيراً منهم قد شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم، وقلة هنهم شربت غرفة واحدة وهى التى رخص لهم قائدهم فى شربها . وبعض المفسرين يقسم أتباع طالوت ثلاثة أقسام: قسم شرب كثيراً مخالفاً أمر طالوت . وقسم شرب غرفه واحدة بيده كما رخص له قائده. وقسم لم يشرب أصلا لا قليلا ولا كثيراً مؤثراً العزيمة على الرخصة وهذا القسم هو الذى اعتمد عليه طالوت اعتماداً كبيراً فى قتاله لأعدائه . وممن ذكر هذا التقسيم من المفسرين الإمام القرطى فقد قال: «قال (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٩٥ ٧٤٤ الجزء الثانى ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم (١)، وبقى .. بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً ، وأخذ بعضهم الغرفة . فأما من شرب فلم يرو بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة ، (٢). ثم ين - سبحانه - ما كان من أتباع طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوالا طاقة لنا اليوم يحالوت وجنوده)). أى : فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه، وشاهدوا كثرة جند ... جالوت ، قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل : لاقدرةانا اليوم. على محاربة أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عدداً، وأوفر عددا. والضمير « هو، فى قوله «هو الذين آمنوا معه، مؤكد للضمير المستکن. فى جاوز، والذين آمنوا معطوف عليه ، أى على الضمير المستكن فى جاوز. والقائلون، هذا القول هم بعض المؤمنين الذين عبروا معه النهر، ولم .. يقولوا ذلك هروباً أو نكوصاً عن القتال، وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الوجل الذى يعقرى بعض النفوس عند الاستعداد للقتال ، لأن الذين عصوا .. الله وخالفوا طالوت بشربهم من النهر جبنوا عن لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم. أما المؤمنون الصادقون الذين اتصلت قلوبهم بالله، والذين أذعنوا» .. أنه لا نصر إلامنه ولا اعتماد إلا عليه، فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال :.. ((قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم مزفئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)). أى: قال الذين بتيقنون أنهمملاقو الله يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم، قالوا مشجعين لإخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم: كم من جماعة قليلة. (١) ألهيم: الإبل التى يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها أهيم .. والأنثى هيماء . (٢) تفسير القرطبى = ٣ صفحة ٢٥٤. ٧٤٥ سورة البقرة بإيمانها وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعه كثيرة بسبب كفرهة وجبنها وتفككها، والله - تعالى - بعونه وتأييده مع الصابرين. وعلى هذا التفسير يكون المراد بلقاء الله الحشر إليه بعد الموت، ومجازاة .. الناس على ما قدموا من عمل، ويكون المراد بالظن اليقين لأن كل مؤمن. متيقن بأن البعث حق . ويجوز أن يكون المراد بلقاء الله قربهم من رضاء يوم القيامة، وإناتهم. على جهادهم بالجنة، وعليه يكون الظن على معناه الحقيقي وهو الاعتقاد. الراجح، لأن خواقيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب. و((كم)، فى قولهم كم من فئة ... ، خبرية للتكثير ، وفى هذا التعبير الذى حكاه القرآن عنهم دليل على قوة إيمانهم وصفاء نفوسهم وثقتهم فى. نصر الله ثقة لا تحد، لأنهم أتوا بصيغة التكثير حتى لكانما أن القاعدة "عامه هى انتصار الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة الكافرة . وفى تعليقهم النصر على إذن الله إشعار بأنهم الم يعتمدوا على قوتهم وثباتهم. وشجاعتهم فحسب وإنما جعلوا اعتمادهم الأكبر على تأييد الله لهم . وهذا شأن العقلاء يبذلون أقصى جهدهم فى بلوغ غايتهم مستعينين على ذلك بتأييد .. الله وتوفيقه . ورحم الله الإمام القرطبى الذى عاصر دولة الإسلام فى الأندلس. وهى تسير فى طريق الضعف والتدهور فقد قال فى ختام تفسيره لهذه الآية: قلت : هكذا يجب علينا أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة ، منعت من ذلك حتى انكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو وكما شاهدنا ... غير مرة، وذلك بما كسبت أبدينا!؛ وفى البخارى: وقال أبو الدرداء: "إبما تقاتلون بأعمالكم. وفى البخارى - أيضاً - أن النبى - مَال) - قال: (( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم،. فالأعمال فاسدة والضعفاء. مهملون والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوي زائلة !! قال - تعالى -:- ٧٤٦٠ ٠٠ الجزء الثانى ((أصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله، وقال ((وعلى الله فتوكلوا)) وقال: (( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وقال: ((ولينصرن اقهمن ينصره)) وقال ((إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)). فهذه أسباب النصر وشروطه وهى معدومة عندفا غير موجودة فينا، فإناله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ... ))(١). ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله المؤمنون الصادفون عندما برزوا للقاء أعدائهم فقال : وَلَّا بَزُواْلِجَالُوتَ. وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى. اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (يْ فَهَزَمُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَهُ. الهُ الْمُلْكَ وَالْحِكَةَ وَعَلَّهُ مَِّ ◌َشَاءُ وَلَوْلَادَفْعُ لَّهِالنَّاسَ بَعْضَهُم يِبَعْضِ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَنْكِنَّ اللّهَذُ و فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ (٢٦) ◌ِلَكَ ءَايَنْتُ اللهِيَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقوله ((برزوا)) أى صاروا إلى براز الأرض وهو ما افكشف منها بحيث يصير كل فريق من المنقاتلين يرى صاحبه، ومنه سميت المبارزة فى الحرب لظهور كل قرن إلى قرفه. أى: وحين برز طالوت ومن معه لقتال جالوت وجنوده، وأصبح الفريقانفى مكان متسعمن الأرض بحیثیری (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٥٥. ٧٤٧ سورة البقرة كل فريق خصمه اتجه المؤمنون إلى - لله - تعالى - بالدعاء قائلين بإخلاص وخشوع : «ربنا أفرغ علينا صبرا، أى: أفض علينا صبرا يعمنا، ويملأ قلوبنا ثقة بنصرك ، ويحبس نفوسنا على طاعتك . قال الإمام الرازى ما ملخصه الإفراغ: الصب. يقال أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه . وقولهم هذا يدل على المبالغة فى طلب الصبر من وجهين: أحدهما : أنه إذا صب الشىء فى الشىء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول منه وهذا يدل على التأكيد. والثانى أن افراغ الإناء هو إخلاؤه وذلك يكون بصبكل ما فيه . فمعنى أفرغ علينا صبرا، أى أصيب علينا أثم صب وأبلغه - حتى تتحقق فينا صفة الصبر كأحسن ما يكون التحقق -)» (١). أما الدعوة الثانية فقد قالوا فيها - كما حكى القرآن عنهم-«وثبت أقدامنا، "أى هب لنا من كمال القوة والرسوخ عند القتال ما يجعلنا نثبت أمام أعداتنا، وفتمكن من رقابهم دون أن يتمكنوا منا. فهذا الدعاء كتابة عن أن يمنحهم - سبحانه - الثبات عند الزحف ، وعدم الفرار عند القتال. وفى قوله ((وثبت أقدامنا، تعبير بالجزء عن الكل، لأن الأقدام هى التى يكون بها الفرار، فتثبيتها إبعاد عن الفرار ، ومتى حصل الثبات كان النصر متوقعا، والصبر متحققاً . ثم ختموا دعاءهم بأن قالوا: «وانصرنا على القوم الكافرين، أى اجعل الغلبة لنا عليهم، لأننا مؤمنون بأنك المعبود المستحق للعبادة وهم يكفرون بذلك . والمتأمل فى هذه الدعوات الثلاث يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ صفحة ١٩٩. ٧٤٨ الجزء الثانى وحسن الترتيب ، فهم قد صدروا دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا؟ «ربنا، أى يا خالقنا ويا منشتنا وبا مربینا وبا ممیتنا، وفى ذلك إِشعار بأنهم" يلجأون إلى من بيده وحده النفع والضر، والنصر والهزيمة. ثم افتتحوات دعاءهم بطلب الصير عند المخاوف لأنه هو عدة القتال الأولى، وركنه الأعلى، إذ به يكون ضبط النفس فلا تفزع، وبه يسكن القلب فلا يجزع. ثم التمسوامنه - سبحانه - أن يثبت أقدامهم عند اللقاء لأن هذا الثبات. هو مظهر الصبر، ووسيلة النصر، وعنوان القوة. ثم ختموا دعاءهم بماهو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات وهو النصر على الأعداء . فإذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع الخالص؟ كانت نتيجته النصر المؤزر الذى حكاه القرآن فى قوله: « فهزموهم بإذن الله». ١ وأصل الحزم فى اللغة الكسر. ومنه سقاء منهزم أى أنثنى بعضه على بعض. مع الجفاف، ويقال السحاب هزيم، لأنه يتشقق بالمطر. والفاء هذا فصيحة أو سيبية أى أنهم بسبب دعائهم المخلص، وإيمانهم القوى، واستجابتهم. لما أمرهم الله به، استطاعوا أن يكسروا أعداءهمويهز،وهم، وقوله«یاذن الله، أى بتوفيقه وتيسيره وتأييده. والباء إما للاستعانة والسببية وإمه. للصاحبة . ثم قال - تعالی ۔ (وقتل داود جالوت ، أمی : وقال داود ن إماوكان فى جيش طالوت، جالوت الذى كان يقود جيش الكفر، وبقتله ،زق. أتباعه شر مزق، ورزق الله طالوت ومن معه النصر والغلبة. ثم بين - سبحانه - ما منحه لداود من نعم فقال: «وآثار الله. الملك .. والحكمة وعلمه مما يشاء، والحكمة المراد بها منا النبوة، ولم يجتمع. ٧٤٩ سورة البقرة الملك والنبوة لأحد قبله فى بنى إسرائيل، وورثه فيهما ابنته سليمان - عليه السلام . أى: وأعطى الله - تعالى - عبده داود ملاك بنى إسرائيل وأعطاء النبوة التى هى أشرف من الملك زيادة فى ترقيته فى درجات الشرف والكمال، وعلمه - سبحانه - مما يشاء من فنون العلم، ومن أمور الدين الدنيا، كعرفته للغة الطيور، ولكلام الدواب، ولصناعة آلات الحرب واغير ذلك من ألوان العلوم المختلفة التى لا تحدها إلا مشيئة الله وإرادته. وفى قوله - تعالى - ((وعلمه مما يشاء، بعد الإخبار بأنه - سبحانه - ٣فى داود الحكمة ، إشعار بأن الإنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان فييا أم لم يكن، لأن داود - عليه السلام - مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم الله إياه، وقد أمر الله - تعالى - نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يلتمس المزيد من العلم فقال: (« وقل رب زدنى علما». ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال: ولولا دفع الله : الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)). أى: ولولا أن الله - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق، أفسدت الأرض، وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة، وتعطات مصالح الناس ، وانتشر الفساد فى الأرض. فلولا فى الجملة الكريمة حرف امتناع أو جود. أى: امتنع فساد الأرض الأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض. فالجملة الكريمة تأمر الأخيار فى كل زمان ومكان أن يقفوافى وجوه الأشرار، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان . ٧٥٠ الجزء الثانى ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((ولكن الله ذو فضل على العالمين)). أى: ولكن الله - تعالى - صاحب فضل عظيم، وإنعام كبير، على الناس. أجمعين ، لأنه وضع لهم هذا التنظيم الحكيم الذى أوجب فيه على المصلحين. أن يدافعوا المفسدين، وأن يقاوموهم بالطريقة التى تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح فى وجوههم ، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدى إلى العقاب الذى يعمهم ويصيب معهم المصلحين . ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء القوم من بنى إسرائيل بقوله: «تلك .. آيات الله نتلوما عليك بالحق وإنك لمن المرسلين)). أى : تلك الآيات التى حد ثناك فيها عن قصة أولئك القوم وما جرى لهم .. هى آيات الله التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، نتلو ما عليك با محمد عن طريق جبريل الأمين تلاوة ملتبسة بالحق الثابت الذى لا يحوم. حوله الباطل، وإنك يا محمد « لمن المرسلين)) الذين أرسلهم الله - تعالى - (((بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)). فالإشارة فى قوله (( تلك آيات الله)) إلى الآيات المتلوة من قوله - تعالى ... ((ألم تر إلى الملا من بنى إسرائيل .. ، إلى آخر القصة. وقيل إليها وإلى القصة التى قبلها وهى قصة القوم (( الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ». وكانت الإشارة للبعيد، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات،. ولعلو شأنها، وكمال معانيها، والوفاء فى مقاصدها . وأضيفت الآيات إلى الله لأنها جزء من هذا القرآن الذى أنزله - سبحا)) .. على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون هداية الناس، وليحملهم على. تقديرها والاعتبار بها لأنها من عند الله الذى شرع لهم ما يسعدهم. ٧٥١ سورة البقرة وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له فقال: ((تتلوها عليك .. بالحق ، للإشعار بشرف جبريل ، وأنه ما خرج فى تلاوته عما أمره الله به، فهو رسوله الأمين إلى رسله المكرمين. وجملة , نتلوما عليك)، فى محل نصب حال من الآيات والعامل فيها. معنى الإشارة . وقوله ((بالحق)) فى موضع نصب حال من مفعول تتلوها أو ملتبسة. باليقين الذى لا يرتاب فيه عافل . أو من فاعله أى : نتلوما عليك ملتمسين بالحق والصواب . وأكد - سبحانه - قوله: ((وإنك لمن المرسلين، بحرف ((إن)، وباللام. فى ((لمن)، وبالجملة الاسمية، للرد على من شكك فى صدق رسالته - *- ، ولتسليته عما بقوله الجاحدون فى شأنه . وبعد : فهذه قصة الملا من بنى إسرائيل من بعد موسى، وإن فيها لعبرا" متعددة، وعظات متنوعة لقوم يعقلون. ومن العبر التى تؤخذ منها : ١ - أن الشعور بالظلم والهوان، والابتلاء بالمحن والهزائم، والوقوع تحت أيدى المعتدين ، كل ذلك من شأنه أن يصهر النفوس الحرة الكريمة، وأن يدفعها بقوة إلى الذود عن كرامتها المسلوبة، وعزتها المغصوبة، حتى تنال حقها معن سلبه منها أو تموت دونه، لأن النفوس الأبية. تشعر دائماً بأن الموت مع العزة خير من الحياة مع الذلة. يدل على ذلك قوله - تعالى -: ((قالوا: ومالما ألا تقائل فى سبيل الله وقد أخرجنا. من ديارنا وأبنائنا». ٢ - أن الناس فى كل زمان ومكان، يلجأون - خصوصاً عندما تنزل بهم. الشدائد إلى من يتوسمون فتهم الخير والصلاح، لكى يرشدوهم إلى .. ٧٥٢ الجزء الثانى ما يأخذ بيدهم إلى طريق السعادة، ولكنى يهدوهم إلى أفضل السبل التى تنقذهم مما هم فيه من بلاء، ولكى يختاروا لهم من يقودهم إلى النصر والفلاح. ألا ترى إلى الملا من بنى إسرائيل كيف لجأوا إلى بنى لهم ليقولوا له بعد أن أصابهم الن الذل ما أصابهم: ((أبعث لنا ملكانقائل فقاقل فى سبيل الله))؟ إنهم لم يلجأوا إلى زعيم من زعمائهم ، أو إلى أمير امراتهم ، وإنما لجأوا إلى نبيهم يبثون إليه شكواهم، ويطلبون منه أن يختار لهم من بقودهم للقتال فى سبيل الله، لأنهم يرون فيه الامل المرتجى، والعقل السليم، والخلق القويم، والأسوة الحسنة . ٣٠ - أن القائد يجب أن تتوفر فيه صفتان: قوة العقل، وقوة الجسم، لأنه متى توفرت فيه مانان الصفتان استطاع أن يقود أتباعه بنجاح،وأنه قبل أن يلتقي بأعدائه يجب عليه أن يختبر جنده ليعرف مبلغ إيمانهم وقوتهم وطاعتهم وثبانهم وألا يكلفهم بما لا يستطيعونه حتى يحارب أعداء. وهو على بينة من أمرة . انظر إلى طالوت كيف اختبر جنده قبل أن يخوض المعركة بأن قال لهم: «إن الله ميتلبكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من أغترف غرفة بيده، وهكذا القواد العقلاء يقدمون على حرب أعدائهم وهم على بصيرة من أمرهم ... ٤ - أن الفئة القليلة المؤمنة كثيرا ما تنتصر على الفئة الكثيرة الكافرة؛ لأن المؤمنين الصادقين يحملهم إيمانهم على اليقين بلقاء الله، وعلى التضحية من أجل إعلاء كلمته ، وعلى الإقدام الذى يرغب الكافرين ، ويخيف الفاسقين، وصدق الله إذ يقول: ((كم من فئة قليلة غلبت فته كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)). ٥ - أن هزائم الإمم يمكن إزالتها متى توفر لتلك الأمم القادة العقلاء الأقوياء، والجند الأشداء على أعدائهم الرحماء فيما بينهم، وأن من شأن المؤمنين حقالنهم مع مباشرتهم للأسباب ، وإحكامهم لكل ما يحتاج إليه ٧٥٣ سورة البقرة القتال، وإحسانهم لكل وسيلة تعينهم على النصر، مع كل ذلك لا يفترون ولا يتطاولون بل يعتمدون على الله - تعالى- اعتمادا تاما، ويتجهون إليه بالضراعة والدعاء ، ويلتمسون منه النصر على أعدائه وأعدائهم أنظر إلى الصفوة المؤمنة من جند طالوت ماذا قالت عندما برزت لجالوت وجنوده، لقد قالت كما حكى القرآن عنها: «ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله ... ». ٦٠ - أن من سنن الله فى خلقه أنه - سبحانه - جعل الحياة صراعاً دائماً بين الحق والباطل ، ونزاعاً موصولا بين الأخيار والأشرار، ولولا أن الله - تعالى - يدفع بعض الناس الفاسقين ببعض الناس الصالحين لفسدت الأرض، لأن الفاسقين لو تركوا من غير أن يدافعوا ويقاومولنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم فى الأرض، ولكنه - سبحانه - أهطى لعباده الصالحين من القوة والثبات ما جعلهم بقاومون الظالمين، ويعملون على نشر الخير والصلاح بين الناس . ٧ - أن القصة الكريمة تصور لنا ما جيل عليه بنو إسرائيل من نقض العهد وكذب فى القول ((فلما كتب عليهم القتال قولوا إلا قليلا منهم )، ومن تطاول على أنبيائهم، وعصبان لأوامرهم، واعتراض على توجيهاتهم، وتفضيل الجاه والمال على العقل والعلم, قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ، ولم يؤت سعة من المال ، ومن خور عند الابتلاء والاختبار، وحماس فى ساعة السلم ونكوص فى ساعة الجد ، تأمل قوله - تعالى - «فشربوا منه إلا قليلا منهم. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)). وبعد هذا الحديث الحكيم عن الملاُ من بنى إسرائيل من بعد موسى ... (م - ٤٨ البقرة) ٧٥٤ الجزء الثالث وبعد أن شهد الله - تعالى - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بأنه من المرسلين. الذين أرسلوا لينصروا الحق، واليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بعد كل ذلك بين الله - تعالى - أن الرسل وإن كانوا قد بعثوا جميعاً لهداية البشر إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم فقال - تعالى -: ◌ِّكَ الرَّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضُ مِنْهُ مَّنْ كَمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجْتٍّ وَاَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيَِّتِ وَدْتَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِّ وُلَوْ شَآءَ اللهُ مَا أَقْتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمٍ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبِنَتُه وَلَكِنِ أَخْتَقُوْ فَنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُمْ مَّنْ كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَُّمَ أَقْتَلُواْ وَلَنْكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِدُ (9) الإشارة بتلك فى قوله (( تلك الرسل، إلى جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم فى السورة والذين أرسلهم الله - تعالى - لهداية البشر، وأمرنا - سبحانه - بالإيمان بهم. أى أولئك الرسل الذين أرسلفاهم الهداية الناس, فضلنا بعضهم على بعض». أى جعلنا لبعضهم مناقب وخصائص ومزايا لم تتوفر للبعض الآخر. و((تلك)) مبتدأ، و((الرسل، عطف بيان لتلك. وجملة , فضلنا بعضهم على بعضهم، هى الخبر. وكانت الإشارة باللفظ الدال على البعيد ». ٧٥٥ سورة البقرة لبيان همو مكانة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأنهم هم المصطفون الأخيار . • ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر التفضيل فقال: ((منهم من كلم الله)) أى منهم من فضله الله بتكليمه إياه كموسى - عليه السلام -، فقد وردت آيات صريحة فى ذلك، منها قوله - تعالى - ((وكلم الله موسى تكليما، وقوله - تعالى - ,قال يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى،. وقوله - تعالى - ((ولما جاء موسى ليقاتنا و كلمه ربه،. ثم قال - سبحانه - ((ورفع بعضهم درجات)) أى: ومنهم من رفعه الله على غيره من الرسل مراقب سامية ، ومنازل عالية . قيل كإبراهيم الذى اتخذه الله خليلا، وإدريس الذى رفعه الله مكاناً علياً ، وداود الذى آتاه الله النبوة والملك . والذى عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله - تعالى- ((ورفع بعضهم درجات)) هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة ، والمعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، والرسالة العامة الناسخة لكل الرسالات قبلها ... وقد صرح صاحب الكشاف بذلك فقال : قوله ((ورفع بعضهم درجات)، أى ومنهم من رفعه الله على سائر الأنبياء ، فكان بعد تفاوتهم فى الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمداً - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتى ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر . ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفاً على سائر ما أوقى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفى هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره مالا يخفى ، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذى لا يشتبه، والمتميز الذى لا يلتبس. ويقال الرجل: من فعل هذا ؟ فيقول: أحدكم ٧٥٦ الجزء الثالث أو بعضكم، يريد به الذى تعودف واشتهر بنحوه من الأفعال فيكون أفخم من التصريح، وسئل الخطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت أذكرت الثالث ، أراد نفسه، ولو قال : ولو شئت انهكرت نفسى لم يفخم أمره،(١). ثم قال - تعالى - ((وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)). البينات: هى المعجزات الظاهرة البينة . وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام - والروح هنا بمعنى الملك الخاص. والقدس أصل معناه الطهارة، وهو يطلق على الطهارة المعنوية وعلى الخلوص والنزاهة. فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة روح إليه إضافة أصلية للتشريف أى روح من ملائكة الله. والمعنى : وأعطينا عيسى ابن مريم الآيات الباهرات، والمعجزات الواضحات كإراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى، وإخبار قومه بما يأكلونه ويدخرونه فى بيوتهم، وفضلا عن هذا فقد قويناه بجبريل - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - قد عاش حياته محاربا من أعدائه الرومان ومن قومه الذين أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل، ولم يؤذن له بالقتال ليدافع عن ففسه بل تولى الله - تعالى - الدفاع عنه بجنده الذين من بينهم جبريل - عليه السلام -. قال الزمخشرى: فإن قلت لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت : لما أوقيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات . فلما كان هذان النبيان قد أوقيا ما أوتيا من عظام الآيات ، خصا بالذكر فى باب التفضيل. وهذا دليل بين على أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذى أوتى منها ما لم يؤت (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٠٢٩٧ ٧٥٧ سورة البقرة أحد فى كثرتها وعظمها كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع ، . وقال الأمام القرطبى ما ملخصه : هذه الآية تثبت التفاضل بين الأنبياء وهناك أحاديث تقول: ((لا تخيرونى على موسى)، و((لا تخيروا بين الأنبياء)» و «لا تفضلوا بين الأنبياء، أى لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان فكيف الجمع ؟ فالجواب أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. أو أن قوله هذا من باب الهضم والتواضع. أو المراد النهى عن الخوض فى . ذلك، لأن الخوض فى ذلك ذريعة إلى الجدال والجدال قد يؤدى إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغى أن يذكر به، وقد يؤدى إلى قلة احترامهم. ثم قال . وأحسن من هذا القول قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التى هى خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل فى زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات، وأما النبوة فى نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك فهم رسل ، وأولوا عزم ، ومنهم من كامه الله ... فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطى من الوسائل. وبذلك تكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير النسخ .. )). ثم قال - تعالى - ,ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر). أى: ولو شاء الله - تعالى- ألا يقتتل الذين جاؤوا بعد كل رسول من الرسل وبعد أن جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق ، لو شاء اللّه ذلك الفعل، ولكن الله - تعالى - لم يشأ ذلك، لأنه خلق الناس مختلفين فى تقبلهم للحق، فترتب على هذا الاختلاف أن آمن بالحق الذى جاءت به الرسل من فتح له قلبه، واتجه إليه إختياره، وأن كهر بهم ز آثر الضلالة على الهداية. واستحبه العمى على الهدى، وترتب عليه - أيضاً - أن تقاقل الناس وتحاربوا. ٧٥٨ الجزء الثالث ومفعول المشيئة محذوف دل عليه جواب الشرط أى لو شاء الله ألا يقتتل الذين جاءوا من بعد الرسل ما اقتتلوا. وقدم - سبحانه - المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو الاختلاف . كما يشهد له قوله «ولكن اختلفوا ... ، للتفيه على سوء مغبة الاختلاف، والتحذير من الوقوع فيه، لأن وقوعهم فيه سيؤدى إلى أن يقتل بعضهم بعضاً، وللإشارة إلى أنه - سبحانه - قادر على إزالة الاقتتال فى ذائه حتى مع وجود أسبابه، لأنه - تعالى - هو الخالق للأسباب والمسببات وفى قوله (من بعد ما جاءتهم البينات)) إشارة إلى ما جبلت عليه بعض النفوس من العناد الذى يؤدى إلى التنازع والاختلاف والتقاتل حتى بعد ظهور الحق، وان كشاف ، جـ، الصواب، لأن هذه النفوس قد آثرت الهوى على الرشاد ، واتخذت طريق الغفى طريقاً لما . وفى قوله « ولكن اختلفوا، إشارة إلى أنه - سبحانه - لم يشأ أن يزبل القتال الذى حدث بين المقاتلين، لأن هذا القتال قد نشأ بينهم بسبب اختلافهم، وسو. اختيارهم، وعدم استجابتهم للهدايات والتوجيهات والبينات التى جاءتهم بها الرسل - عليهم السلام - . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد، أى: ولو شاء اللّه عدم افتتالهم لأى سبب من الأسباب لما اقتتلوا، ولكنه - سبحانه - يفعل ما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، وتر قضيهمشيئیه، فهو الكبير المتعال الذى كل شىء عنده بمقدار فالآية الكريمة تبين أن الرسل - عليهم السلام - بتفاضلون فيما بينهم، وتنهى الناس فى كل زمان ومكان. عن الاختلاف والتنازع لأنهما يؤديان إلى أوخم العواقب، وأسوأ النتائج ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرثم فيه ببذل أموالهم فى سبيل الدفاع عن الحق، حتى يكونوا أهلا لرضا الله ومثوبته. ٧٥٩ سورة البقرة فقال - تعالى -: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ ◌ِّ رَزَقْنَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ . وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَِّلُونَ ٢٥٤ الحلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين، وميت ذلك لأنها تتخلل النفس أى تتوسطها ، أو اشدة الحاجة إليها . ومنه سمى الخليل خليلا لاحتياج الإنسان إليه . والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، وتطلق على الضام شخص إلى آخر لنفعه أو نصرته، وأكثر ما تستعمل فى انضمام من هو أعلى حرمة .ومرتبة إلى ما هو دونه . والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تنفقوا فى وجوه الخير 5إعانة المجاهدين، ومساعدة الفقراء والبائسين من أموالكم التى رزق-كم الله إياها بفضله وكرمه ، من قبل أن يأتى يوم القيامة الذى لا يكون فيه تجارة ولا مبابعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم، ولا يكون فيه -حديق يدفع عنكم، ولا شفيع بدفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن يأذن ـرب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرماً. فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإنفاق فى سبيل الله، لأنه أعم عناصر القوة فى الأمة، وأفضل وسيلة لإقامة المجتمع الصالح المتكافل. والمراد بالإنفاق هنا ما يعمل الفرض والعقل، والأمر لمطلق الطلب، إلا أن هذا الطلب قد يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة عدة لم آ.کف الزكاة عن دفعها وقوله («مما رزقناكم)) إشعار بأن هذا المال الذى بين أيدى الأغنياء -ماهو إلا رزق رزقهم الله إباء، ونعمة أنعم بها عليهم، فمن الواجب عليهم شكرها جالا يدخلوا بجود منه على الإنفاق فى جوه الخير، لأن هذا البخل سيعود: ٧٦٠ الجزء الثالث عليهم بما يضرم . وفى قوله ((من قبل أن يأتى يوم ... الخ)، حث آخر على التعجيل. بالإنفاق ، لأنه تذكير لتامر بهذا الوقت الذى تنتهى فيه الأعمال». ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم، ولا تعويض ما فقدوه من طاءت، فكأنهـ - سبحانه - يقول لهم: نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى الإنفاق من قبل أن أن يأتى يوم لا منجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذى قدمتموه. و((من)) فى قوله ((مما رزقناكم)) للتبعيض. وفى قوله , من قبل ». لابتداء الغاية: ومفعول أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئاً ممارزقناكم. . والشفاعة المنفية هنا هى التى لا يقبها الله - تعالى - وهى التى لا يأذن .. بها، أما شفاعة النبى ( صلى الله عليه وسلم) فقد أذن الله له بها وقبلها منه، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التوافر المعنوى فى أن النبى (صلى الله .. عليه وسلم) ستكون له شفاعة فى دفع العذاب عن أقوام من المؤمنين وتغفيفه. عن أهل الكبائر من المسلمين ، ومن ذلك ما أخرجه البخارى عن جابر. ابن عبد الله. أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أعطيت خمساً لم يعطهن. بنى قبلى: فصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لى الأرض مسجداً وطهورا: فأيما رجل أدر كته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى. وأعطيت الشفاعة، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». ثم ختم - سبحانه -الآية بقوله: «والكافرون هم الظالمون، أى والكافرون .. الجاحدون لنعمه هم الظالمون لأنفسهم، لأنهم حالوا بينها وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة، والغى على الرشد، والشر على الخير، والبخل. على السخاء . أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق المستقيم، وبذلوا الكثير من أموالهم فى سبيل إعلاء كلمة الله، وفى إعانة المحتاجين . وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة فى إنفاق. أموالهم فى وجوه الخير من قبل أن يأتى يوم لا ينفع فيه ما كان نافعاً فى الدنيا