Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة البقرة
لما كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت، وإعراضكم عنها أقبح. ورحم
الله القائل:
ولم أر فى عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
والجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها، لأن الأولى حث على التقوى
وهذه حث على الإخلاص فيها .
ثم بین - سبحانه - أن التزود بالزاد الروحى لا يتنافى مع التزود بالزاد
المادى متى توافرت التقوى، فقال - تعالى - « ليس عليكم جناح أن تبتغوا
فضلا من ربكم ) .
الجناح: أصله من جنح الشىء إذا مال: يقال جنحت السفينة إذاماات
إلى أحد جانبيها. والمراد بالجناح هنا الإثم والذنب، لأنه لما كان الإثم
يميل بالإنسان عن الحق إلى الباطل سمى جناحاً.
والابتغاء: الطلب بشدة، وجملة ((أن تبتغوا)) فى موضع جر
تقدير فى .
والفضل: الزيادة وتكون فى الخير والشر إلا أنه جرى العرف أن يعبر
عن الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزبادة القبيحة بالفضول .
والمراد به هنا المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة المشروعة
أو غيرها من وجوه الرزق الحلال.
أى : لا إثم ولا حرج عليكم فى أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيباعن
- طريق التجارة أو غيرها من وسائل المكسب المشروعة فى موسم الحج .
i'
وقد ذكر المفسرون أن الناس كانوا يتحاشون من التجارة فى الحج، حتى
- فإنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء فى العشر الأوائل من ذى الحجة، فنزلت
-هذه الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ذلك .
(م - ٣٦ البقرة)

٥٦٢
الجزء الثانى
روى البخارى عن ابن عباس قال : كان ذو المجاز(١) وعكاظ متجر
الناس فى الجاهلية فاما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت (( ليس.
عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)).
وقال ابن كثير : وروى الإمام أحمد عن أبى أمامة التيمى قال : قلت ..
لابن عمر: إنا فكرى فهل لنا من حج؟ قال: أليس قطوفون بالبيت وترمون
الجمار وتحلقون رءوسكم وتقضون المناسك قال: قلت بلى. فقال ابن عمر ..
جاء رجل إلى النبي - عَ ل ـ فسأله عن الذى سألتنى فلم يجبه حتى نزل ..
عليه جبريل بهذه الآية (( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)»
فدعاه النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال له , أنتم حجاج)، (٢).
فالآية الكريمة صريحة فى إباحة طلب الرزق لمن هو فى حاجة إلى ذلك ..
فى موسم الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله .
ثم قال - تعالى: ((فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر
الحرام ..
الغاء فى قوله .: فإذا، لتفصيل بعض ما أجمل من قبل فى قوله (( فن.
فرض فيهن الحج .. )، وأفضتم. اندفعتم بكثرة متزاحين . وذلك تشبيهلهم ..
بالماء إذا كثر ودفع بعضه بعضاً فانتشر وسال من حافى الوادى والإناء والإفاضة .
فى الحديث الاندفاع فيه بإكثار وتصرف فى وجوهه ومنه قوله - تعالى -.
((إذ تفيضون فيه)). فأصل هذه الكلمة الدفع للشىء بكثرة حتى يتفرق.
والتقدير: أفضتم أنفسكم فحذف المفعول للعلم به.
والمراد: خروجهم من عرفات بشىء من السرعة فى تكاثر وازدحام ...
متجهين إلى المزدلفة .
(١) ذو المجاز: مكان خلف جبل عرفات. وعكاظ : مكان فى واد .
بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال ومجنة : مكان يمر.
الظهران . وهذه الأماكن تسمى بأسواق العرب.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٠ .

٥٦٣
سورة البقرة
وعرفات: اسم الجبل المعروف ، قيل سمى بذلك لأن الناس يتعارفون به
فهم يجتمعون عليه فى وقت واحد فيجرى التعارف بينهم.
وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففى
الحديث الشريف ((الحج عرفة، ويكون ذلك فى اليوم التاسع من ذى الحجة.
قال القرطبى: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل
الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذاك قبل الزوال. وأجمعوا
على تمام جمع من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض مها راً قبل الليل إلا مالك بن
أنس فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمامن وقف بعرفة بالليل فإنه
لا خلاف بين الأمة فى تمام حجه . والحجة للجمهور مطلقة وله ,فإذا أفضتم من
عرفات،: فإنه لم يختص ليلا من نهار. وحديث عروة بن مضرس قال: أتيت النبى
- صلى الله عليه وسلم وهو فى الموقف من جمع - أى من المزدائمة - فقلت:
يا رسول الله، جثتك من جبل طىء أكلت مطيتى وأقعيت نفسى .. فهل لى.
من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-« من على.
معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهاراً فقد تم
حجا (١) ».
ومن فى قوله ((من عرفات، ابتدائية. أى، فإذا أفضتم خارجين من
عرفات إلى المشعر الحرام .
والمشعر الحرام: هو المزد لغة وقيل هو موضع بها. والمشعر: اسممشتق
من الشعور أى: العلم. أو من الشعار أى: العلامة.
ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم، وهو منسك له
حرمة وتقديس .
والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب، وسميت بذلك لأن الحجاج
يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى.
وقسمى المزدلفة - أيضاً - ((جمع، لاجتماع الناس فى هذا المكان)»
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ٤١٥.

٥٦٤
الجزء الثانى
أو جمعهم فيه بين صلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير. وتسمى كذلك
(قزح».
ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن،
ومن فأنه لا يبطل حجه ويجب عليه دم .
ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة .
ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بهاركن كالوقوف بعرفات
والمعنى: فإذا سرتم - يامعشر الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين
متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء
بقلوب مخبتة، ونفوس صافية، لأن ذكر الله - تعالى - فى تلك المواطن
المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات ، ويوصل إلى أعلا
المقامات .
ثم قال - تعالى - ((واذكروه كما عداكم، الكاف للتشبيه . ومعنى
التشبيه فى مثل هذا التركيب المشابهة فى القساوى فى الحسن والكمال . كا
تقول : اخدمه كما أكرمك تعنى: لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه.
والمعنى: اذكروا الله - تعالى - ذكراً حسناً عائلا لهدايته لكم، وأنتم
تعدون أن هذه الهداية شأها عظيم فيسيبها خرجتم من الظلمات إلى النور،.
فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر الله من الثناء عليه .
قال الألوسى: و((ما، تحتمل أن تكون مصدرية فمحل ((كما هداكم)،
النصب على المصدرية، بحذف الموصوف. أى : ذكراً هائلا لهداكم.
وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب. والمقصود من الكاف مجره
قشبيه مضمون الجملة بالجملة ، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها.
وقيل: إن الكافى التحليل، وما مصدرية. أى، اذ كروه وعظموه لأجل هدايته
السابقة منه - تعالى - لكم» (١).
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ٠٨٨

٥٦٥
سورة البقرة
و((إن)) فى قوله ((وإن كنتم من قبله لمن الضالين، هى المخففة من
الثقيلة والضمير فى (( من قبله، يعود إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية.
والمراد بالضلال هنا: الجهل بالإيمان وبالتكاليف التى كلف الله بها
عباده .
أى: اذكروا الله - تعالى - ذكراً مشابهاًلهدايته لكم، وإنكم لولا هذه
الهداية لبقيتم على ضلالكم وجهلكم بالدين الحق ، ولكن الله - تعالى -
من عليكم بهذه الهداية فأكثروا من ذكره وشكره عليها.
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر
بالإكثار من ذكره، عقب ذلك بيان الطريقة الالى الإفاضة فقال: « ثم
أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم)):
أى : أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة . وهناك قولان فى المخاطب
بهذه الآية .
١
أحدهما : أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها ، وذلك لأنهم كانوا
يترفعون على الناس، فلا يقفون معهم على عرفات، وإنما يقفون وحدم
بالمزدلفة، وكانوا يقولون: نحن قطين الله - أى سكان حرمه فينبغى لنا
أن نعظم الحرم - وهو المزدافة - ولا نعظم شيئاً من الحمل
- وهو عرفات - .
روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت ، كانت قريش
ومن دان ديتها يقفون بلمزدلفة، وكانوا يسمون الخمس ، وكان سائر العرب
يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله - نبيه - صلى الله عليه وسلم -
أن يأتى عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله (( ثم أفيضوا من
حیث أفاض الناس .
والمعنى: أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذى يفيض منه الناس

٥٦٦
الجزء الثانى
وهو عرفة، واتركوا ما تفعلونه من الإفاضة من المزدلفة، فالمقصود إبطال
ما كانت تفعله قريش .
والثاني: أن الخطاب فى الآية لجميع الناس، أمرهم الله - تعالى - فيه
أن يفيضوا من حيث أفاض الناس .
والمراد بالناس فى الآية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فإن سنتهما
كانت الإفاضة من عرفة لا من المزدلفة .
قال بعضهم: وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدى به
كما فى قوله - تعالى - ((الذين قال لهم الناس)) يعنى ((نعيم بن مسعود)).
والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن المغزى الذى تهدف إليه
الآية فى معناها الخاص والعام هو دعوة الناس جميعاً إلى التجمع فى مكان
واحد ليشعروا بالإخاء والمساواة عند أدائهم لفريضة الحج بدون تفرقة بين
کبیر و صغیر ، و غنىوفقير ، وقرشی وغیر قرشی، ويدخل فى النهى دخولا
أولياً تلك الحالة التى كانت عليها قريش. وقد قال العلماء: العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب .
و((ثم)) للتفاوت المعنوى بين الإفاضتين - أى الإفاضة من عرفات
والإفاضة من مزدلفة - لبيان البعد بينهما، إذ أن إحداهما صواب
والأخرى خطأ .
أى: لا تفيضوا من المزدلفة لأنه خطأ جسيم، واجعلوا أفاضتكم من
عرفات لأن هذا العمل هو الصواب الذى يحبه الله ويرضاه.
وقوله ((واستغفروا الله إن الله غفور رحيم)) معطوف على (أفيضوامن
حيث أقاض الناس ، أى: استغفروا الله من ذنوبكم وما سلف منكم من
أخطاء فإن المؤمن كلما قويت روحه، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر
أمام نعم خالقه التى لا تحصى . ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له
ما فرط منه، لأنه - سبحانه - كثير الغفران ، واسع الرحمة .

٥٦٧
سورة البقرة
ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عمله بعد فراغهم من أعمال الحج
-فقال - تعالى -ـ((فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكر كم آباء كم
أو أشد ذكراً ».
المناسك : جمع منسك مشتق من فك نسكاً من باب نصر إذا تعبد.
والمراد هنا العبادات التى تتعلق بالحج.
قال ابن كثير: عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: كان أهل
الجاهلية يقفون فى الموسم - بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج
يذكرون فضائل آبائهم - فيقول الرجل منهم. كان أبى يطعم الطعام ويحمل
الديات ... ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله - تعالى - على نبيه
صلى الله عليه وسلم - هذه الآية)) (١).
والمعنى: فإذا فرعتم من عباداتكم ، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا
على ذكر الله وطاعته كماكنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم ، بل عليكم
أن تجعلوا ذكركم الله - تعالى - أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم، لأن
،ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا أدى إلى الخزى فى الدنيا والعقوبة فى
الآخرة. وإن كان صدقاً فإنه فى الغالب يؤدى إلى العجب وكثرة الغرور،
أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه عظيم، وأجره كبير. وفضلا عن
ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب وجوده فأولى به ثم أولى
ألا ينسى الذى خلق أباه وهو الله رب العالمين.
فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله - تعالى - والنهى عن
بالتفاخر بالأحساب والأنساب .
و((أو) هنا فى معنى الإضراب والترقى إلى أعلى، لانه .. سبحانه
أمرهم أولا بأن يذكروه ذكراً يماثل ذكرهم لآبائهم ثم ترقى بهم إلى
- ما هو أعلى من ذلك وأحمى فطالبهم بأن يكون ذكرهم له - سبحانه - أكثر
- وأعظم من ذكرهم لآ بائهم .
(١) تفسير أن كثير ج١ ص ٢٤٣ بتصرف يسير.
١٠

٥٦٨
ســ
الجزء الثانى
قال صاحب الكشاف: وقوله( أو أشد ذكراً، فى موضع جر عطفه
على ما أضيف إليه الذكر فى قوله (( كذ كركم، كما تقول كذكر قريش.
آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً أو فى موضع نصب عطف على ((آباءكم،
بمعنى ، أو أشد ذكراً من آبائكم.
وبعد أن أمر - سبحانه - الناس بذكره، بين أنهم بالنسبة لدعائه وسؤاله.
فريقان، أما الفريق الأول فقد عبر عنه بقوله: «فمنهم من يقول ربنا آتنا
فى الدنيا وما له فى الآخرة من خلاق)).
أى: من الناس نوع يقول فى دعائه يا ربنا آتنا ما رغبه فى الدنيافنحن.
لا نطلب غيرها، وهذا النوع ليس له فى الآخرة من ((خلاق)) أى: نصيب.
وحط من الخير .
وهذا النوع من الناس هو الذى استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها.
فأصبح لا يفكر إلا فيها، ولا يهتم إلا بها، صارفا نظره عن الآخرة وما فيها ..
من ثواب وعقاب .
والفاء فى قوله (( فمن الناس، للتفصيل، لأن ما بعدها تقسيم للناس.
إلى فريقين .
وحذف مفعول «آتنا، للدلالة على تعميم المطلوب. فهم يطلبون كل ما.
يمكن أن تصل إليه أيديهم من متاع الدنيا بدون تمييز بين حلال أو حرام.
وأما الفرق الثانى فقد عبر - سبحانه - عنه بقوله: ومنهم من يقول ربنا آتنا
فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار،.
أى: يقولون يا ربنا أعطنا حسنة فى الدنيا أى: حالا حسنة فى الدنيا:
تكون معها أبدانناسليمة، ونفوسنا آمنة، ومعيشتنا مدرة بحيث لا نحتاج إلى.
أحد سواك، ولا نذل إلالك، وامنحنا حالا حسنة فى الآخرة بأ تجعلنايوم.
لقائك من رضيت عنهم، ورضواعنه . وأبعدنا يوم القيامة من عذاب النار.
ولم يذكر - سبحانه - قسما ثالثاً من الناس وهو الذى يطلب الأخرة فقط، ولا
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٤٨.

٥٦٩
سورة البقرة
يطلب الدنيا، لأن الإسلام دين لا يرضى لأتباعه أن ينسوا حظوظهم من ..
الدنيا، ولا يقر الانقطاع عن زينتها التى أخرجها الله لهم، وإنما يريد لهم.
أن يكونوا من العاملين بقوله - تعالى - «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة
ولا تنس نصيبك من الدنيا ،.
وبين - سبحانه - أن هذا النوع الثانى من الناس قد التمس من خالقه
أن يقيه عذاب النار مع أن هذا الدعاء مندرج تحت حسنة الآخرة، وذلك
لأن هذا النوع من الناس لقوة إيمانه، وصفاء وجدانه، وشدة خشيتهمنربه.
يغلب الخوف على الرجاء ، فهو يستصغر حسناته مهما كثرت بجانب نعم الله
وفضله ، ويلح فى الدعاء وفى الطلب أملا فى الاستجابة .
وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة من جوامعالدعاء، ووردفى
فضل الدعاء بها أحاديث كثيرة منها ما رواه البخارى عن أنس بن مالك قال
كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة.
وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )) .
وروى ابن أبى حاتم عن عبد السلام بن شداد قال : كنت عند أنس بن
مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم . فقال: « اللهم.
آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وتحدثوا حتى إذا
أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة إن إخوانك يربدون القيام فادع ألقهم فقال:
أتريدون أن أشقق لكم الأمور !! إذا آتاكم الله فى الدنيا حسنة وفي الآخرة.
حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتا كم الخير كله،(١).
قال الإمام الرازى : اعلم أن الله - تعالى - بين أولا تفصيل مناسك.
الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: (( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا أنه
عندالمشعر الحرام، ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكر.
- سبحانه - ثم بين بعد ذلك كيفية الدعاء فقال , فمن الناس من يقول .. ».
(١) تفسير إن كثير جـ ١ ص ٢٤٤.

٥٧٠٠
الجزء الثانى
وما أحسن هذا الترتيب فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظداتها
ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله - تعالى - لتنوير القلب وتجلى
فور جلاله. ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإن الدعاء إنما يكمل
إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قدم الذكر
فقال ((الذى خلقنى فهو يهدين)، ثم قال: «رب هب لى حكماً وألحقنى
(الصالحين، فقدم الذكر على الدعاء)) (١).
١
ثم بين - سبحانه - جزاء هذا الفريق الثانى فقال: «أولئك لهم نصيب
بماكسبوا والله سريع الحساب ).
قاسم الإشارة يعود إلى الفريق الثانى باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت:
الجميلة وكانت الإشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم، وسمو درجاتهم ولم يعطف
على ما قبله لأنه كالنتيجة له
وقيل: إن الإشارة تعود إلى الفريقين. أى: لكل من الفريقين نصيب"
من عمله على قدر ما نواه . ويضعفه أن الله - تعالى - قد ذكر قبل ذلك عاقبة
الفريق الأول بقوله (( وما له فى الآخرة من خلاق)).
والمعنى: أولئك الذين جمعوا فى دعائهم بين طلب حسنتى الدنيا والآخرة
لهم نصيب جزيل ، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة،
أو من أجل ما كسبوا من الفعال الطيبة. فحرف الجر (من)) يصح أن
يكون للابتداء أو للتبعيض .
وفى هذه الجملة الكريمة وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب
سليم، أجاب لهم دعاءهم، وأعطاهم سؤالهم .
قال القرطبى: وقوله ((والله سريع الحساب)) من سرع يسرع - مثل عظم
يعظم - فهو سريع. ومالحساب، مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب
حساباً. والحساب: العد. يقال: حسب بحسب حساباً وحسابة وحسباناً
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٢٠٤.

٥٧١
سورة البقرة
أى : عد .
والمعنى فى الآية: أن الله - تعالى - سريع للحساب لا يحتاج إلى عدولا
إلى عقد ولا إلا إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق
(«وكفى بنا حاسبين)). فالله - تعالى - عالم بما العباد وعليهم فلا يحتاج إلى
حذ كر وتأمل .
وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم . وقيل لعلى بن أبى طالب: كيف
يحاسب الله العباد فى يوم؟ قال: كما يرزقهم فى يوم . ومعفى الحساب:
تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه.
وقيل : معنى الآية سريع بمجىء يوم الحساب، فالمقصود بالآية الإنذار
جيوم: القيامة ، (١).
وقوله ((واذكروا الله فى أيام معدودات)) معطوف على قوله- تعالى-
-((فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، وما بينهما اعتراض.
والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التى بعد يوم النحر .
والتشريق : تقديد اللحم .
قال القرطبى: ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات فى هذه الآبة
هى أيام منى، وهى أيام التشريق ، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها ،
وهن أیام رمى الجمار)» (٢).
فالآية الكريمة تأمر الحجاج وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من
- ذكر الله فى هذه الأيام المباركة، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها
بالتفاخر ومغازلة النساء ((ويزعمون أن الحج قد انتهى بانتهاء يوم النحر
وهو اليوم العاشر من ذى الحجة .
ولقد بين لنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأيام ينبغى أن تعمر
بذكر الله وبشكره على نعمه .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٥٣
(١) تفسير القرطبی ج ٢ ص ٤٣٥

٥٧٢
الجزء الثانى
روى الأمام مسلم عن نبيشة الهذلى قال: قال رسول الله - مَ الله
أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)).
وروى البخارى عن ابن عمر: أنه كان يكبير بمنى تلك الأيام، وخلفه
الصلوات، وعلى فراشه وفى فسطاطه. وفى مجلسه، وفى مشاه، فى تلك.
الأيام جميعاً ،.
ومن الذكر فى تلك الأيام الكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل
يوم من أيام التشريق. فقد أخرج البخارى عن ابن عمر أن النبى - زاخ -
كبر مع كل حصاة)).
ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام، لأنها أيام أكل.
وشرب وذكر له .
والمعنى. أذكروا الله، أى: كبروه فى أدبار الصلوات وعند ذبح
القرابين، وعند رمى الجمار وغيرها فى تلك الأيام المعدودات التى هى موسم.
من مواسم العبادة والطاعات، فإن الإكثار من ذكر الله يرفع الدرجات ،
ويمسح السيئات .
ثم قال - تعالى - ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومنآخر فلا إثم.
عليه لمن اتقى)). تعجل واستعجل بحيثان مطاودين بمعنى عجل، يقال:
تعجل الأمر واستعجل. ويأتيان متعدبين فيقال: تعجل الذهاب واستمجله.
ويرى الزمخشرى أن المطاوعة أو فق لقوله - تعالى - ((ومن تأخر».
وإيضاح ذلك: أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية
من ليالى أيام التشريق، ليرمى كل يوم بعد الزرال إحدى وعشرين حصاة.
يرمى عند كل جمرة سبع حصيات . ثم من رمى فى اليوم الثانى وأراد أن
ينفر ويترك المبيت بمنى فى الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال - كمايرى.
الشافعية - وبعده أو قبله - كما يرى الحنفية - فلا إثم عليه فى عدم مبيته ..
يحنى فى الليلة الثالثة .
أى: فمن تعجل فسافر فى اليومين الأولين فلا إثم عليه فى التعجيل».

٥٧٣
سورة البقرة
ومن بقى إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل منهما انه
ووقف عند حدوده .
فالتقييد بالنقوى للتقبيه إلى أن العبرة فى الأفعال إنما هى بتقوى القلوب
وطهارتها وسلامتها.
قال الألوسى: وقوله (( لمن اتقى)) خبر لمبتدأ محذوف، واللام إما التعليل
أو للاختصاص .
أى: ذلك التخيير المذكور لأجل المنقى لئلا يتضرر بترك ما يقصده
من التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقاً مختصة بالمتقى
لأنه هو الحاج على الحقيقة. والمراد من التقوى على التقديرين تجنب
٠٠٠
ما يؤثم من فعل أو ترك (١).
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى-((واققوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون»
اتقوا الله فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنكم ستجمعون بعد تفرقكم
وتساقون إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم.
وقد ختمت الآيات التى تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون
من عنصرين أحدهما تقوى الله والثانى العلم اليقينى بالحشر ، للإشعار بأنهما
خلاصة التدين، وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها، وإذا خلت أية
عبادة من هذين العنصرين كانت صورة لا روح فيها .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض أحكام الحج وآدابه
ومناسكه بأسلوب يهدى القلوب، ويسعد النفوس ، ومن شأن من يعمل
بهذه الآيات أن يكون من رضى الله عنهم ورضوا عنه .
وبعد أن بين - سبحانه - فريضة الحج وما اشتملت عليه من أحكام
.وآداب ، وبين أصناف الناس فى أدعيتهم التى تكشف عن خبايا قلوبهم، ومعادن
نفوسهم، بعد أن بين ذلك أعقبه بالحديث عن صنفين من الناس فقال:
(١) تفسير الآلومى ج ٢ ص ٠٩٤
--

٥٧٤
الجزء الثانى
ومِن
النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيُشِْدُ اللّهَ عَ مَا فِى
قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَّالْخِصَاِ () وَإِذَا تَوَّ سَعَى فِ اْأَرْضِ لِيُفْسِدَ
قـ
فِيَهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَّ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٥) وَ إِذَا قِبَلَ
ج
لَهُ أَِّ اَللَّه ◌َخَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِلَّ خَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١)
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْ ضَاتِ اللهِ وَاَللَّهُ رَءُ وفٌ
بِالْعِبَادِ
٢٠٧
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة ة. بينت صنفين من الناس، أولهما :-
يمثل الأشرار والثانى: يمثل الأخيار.
أما الصنف الأول فقد وصفه الله - تعالى - بخمس صفات، الصفة.
(الأولى حكاها فى قوله: (( ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا)).
يعجبك: من الإعجاب بمعنى الاستحسان، تقول. أعجبنى هذا.
الشىء، أى، استحسنته وعظم فى نفسى . و ((من)) للتبعيض:
والمعنى : ومن الناس فريق يروفك منطقهم، وبعجبك بيانهم، ويحسن.
عندك مقالهم. فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر ، المر الباطن ، وأنت فى ..
هذه الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم ، أما فى الآخرة فلن يعجيك أمرم
لأنهم ستنكشف حقائقهم أمام الله الذى لا تخفى عليه خافية، وسيعاقبهم.
عقابا ألماً لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ((فى الحياة الدنيا)) متعلقاً بيعجبك.
وبعضهم يجعل قود فى الحياة الدنيا، متعلقاً بالقول فيكون المعنى عليه.
ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا فى شئون الدنيا ومتعها لأنهذا

٠٥٧٥
سورة البقرة
منتهى آمالهم ، ومبلغ علمهم، وأصل حبهم، ومن أحب شيئاً أجاد التعبير
عنه، أما الآخرة فهم لا يحسنون الفول فيها، لأنهم لا يهتمون بها، بل ثم
غافلون عنها ، ومن شأن الغافل عن شىء ألا يحسن القول فيه .
ويبدو لنا أن تعلق الجار والمجرور بيعجبك أرجح، لأنه يتفق مع السياق.
إذ سياق الحديث فى شأن الذين يقولون بأفواههم ما لير فى فلوهم، ويخدعون
الناس بمعسول بيانهم مع أن نفوسهم مريضة، وليس فى شأن الذير يحسنون
الحديث عن شئونها المختلفة، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث فى شئون.
الدنيا لم يضيعوا أخرام وإنما عمروها بالعمل الصالح، فهم جامعون بين.
حسنتى الدنيا والآخرة .
والصفه الثانية من صفات هذا النوع المنافق من الناس بينه القرآن بقوله.
((ويشهد الله على ما فى قلبه)، أى: يقرن معسول قوله، وظهر قودده،
بإشهاد اللّه على أن ما فى قلبه مطابق لما يجرى على لسانه .
وكأن هذا النوع المنافق قد رأى من الناس تشككاً فى قوله، لأن من.
عادة المنافقين أن يبدو من فلتات لسانهم ما يدل على ما هو مخبوء فى نفوسهم
فأخذ يوثق قوله بالأيمان الباطلة بأن يقول لمن ارتاب فيه : الله يشهد أنى صادق.
فيما أقول .. إلى غير ذلك من الأقوال التى يقصد بها تأكيد قوله وصدقه.
فما يدعيه ، فالمراد بإشهاد الله: الحلف به أن ما فى قلبه موافق لقوله.
وجملة «ويشهد الله، حالية أو مستأنفة أو معطوفة على قوله
يعجبك ، .
وقوله - تعالى - ((وهو ألد الخصام، صفة ثالثة من صفات هذا النوع.
من الناس .
قال القرطبى : الألد: الشديد الخصومة والعداوة .. ولددته - بفتح.
الدال - الده - بضمها - إذا جادلته فغلبته. والألد مشتقمن اللديدينوهما:
صفحتا العنق، أى: فى أى جانب أخذ من الخصومة غلب. والخصام.
فى الآية مصدر خاصم . وقيل جمع خصم كصعب وصعاب. والمعنى،

٥٧٦
الجزء الثانى
أشد الخاصمين خصومة، وفى صحيح مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله
- عَ له ــ((إن أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم)) (١).
أى: أن هذا النوع من الناس يثير الإعجاب محسن بيانه، ويضللهم
بحلاوة لسانه، ويحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يقول إلا الصدق، ويجادل
- عما يقوله بالباطل بقوة وعنف ومغالبة، فهو بعيد عن طباع المؤمنين الذين
إذا قالوا صدقوا، وإذا جادلوا اتبعوا أحسن الطرق وأهداها.
ثم وصفه الله - تعالى - بصفة رابعة فقال: ((وإذا تولى سعى فى الأرض
ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)).
تولى: من التولية بمعنى الإدبار والانصراف ، ومتعلق تولى محذوف
تقديره : قولى عنك .
وسعى : من السعى وهو الشى السريع وهو مستعار هنا لإيقاع الفتنة
والتخريب . والفساد كما قال الراغب - خروج الشىء عن الاعتدال
-قليلا كان الخروج عنه أو كثيراً، ويضاده الصلاح يقال فسد فساداً وفسوداً
إذا خرج عن الإستقامة (٢).
والحرث: مصدر بحرث، أى: أثار الأرض لإعدادها للزراعة ، ثم
أطلق وأريد به المحروث وهو الأرض، ثم أطلق وأريد به ما يتريب على
ذلك من الزروع والثمار وهو المراد هنا .
والنسل : - كا يقول القرطى - ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله
الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر ينسل إذا سقط. ومنه وحتى إذافتحت
يأجوج وما جوج وهم من كل حدب ينسلون، أى: يخرجون مسرعين
(١) تفسير القرطبي = ٣ ص ١٦.
.(٢) المفردات فى غريب القرآن ص ٣٧٩ الراغب الأصفهانى ..

٥٧٧
سورة البقرة
والمعنى : وإذا أعرض عنك هذا النوع من الناس وولاك دبره أسرع
.. فى الإفساد بينهم ، وتفريق كلمتهم، وإتلاف كل ما يقع تحت يده من الزروع
. والثمار والحيوان وما به قوام الحياة والأحياء.
فإهلاك الحرث والنسل كتابة عن إتلافه لما به قوام أحوال الناس
ومعيشتهم، وعن إيذاته الشديد لهم.
وبعض العلماء يرى أن «تولى، مشتق من الولاية: يقال: ولى البلد
.. وقولاه، أى صار والياً له، أميراً عليه . والمعنى على هذا الرأى .
وإذا صار والياً على قوم هذا النوع من الناس اجتذبهم إليه ببريق قوله،
وبمعول لفظه، وبأيمانه الفاجرة، ومجادلته الباطلة، حتى إذا ما التف الناس
حوله مى بينهم بالفساد، وعمل على تقاطعهم وقباغضهم ، وحكم فيهم
- بالباطل، ظناً منه أن هذا الخلق وذلك السلوك سيجعلهم دائماً طوع إرادته.
قال الإمام الرازى: والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود
بيان نفاق هذا النوع من الناس، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن
ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى فى إيقاع الفتنة والفساد (١).
وقوله ((والله لا يحب الفساد، أى لا يرضى عن الذى منه الإفساد فى
الأرض، ويظهر الناس الكلام الحسن وهو يبطن لهم الفعل السىء، لأنه
- سبحانه - أو جد الناس ليصلحوا فى الأرض لا ليفدوا فيها. فالجملة الكريمة
تحذير منه - سبحانه - للمفسدين، ووعيد لهم على خروجهم عن طاعته.
أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس فهى قوله - تعالى -,وإذا قيل
له اتق الله أخذته العزة بالإثم،. أى:، وإذا قيل هذا المنافق" على سبيل
النصح والإرشاد اتق الله واترك ما أنت فيه من نفاق وخداع "وخروج
- عن طاعة الله، استولت عليه العزة - أى حبة الجاهلية - مقارنة إبالإثم
جومصاحبة له، فهى ليست العزة المحمودة ولكنها الكبرياء المبغوضة.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢١٩.
( م ٣٧ البقرة)

٥٧٨
الجزء الثانى
والباء على هذا المنى للصاحبة والافقدان.
قال الجمل . والباء على هذا تكون فى محل نصب على الحال وفيها.
حينئذ وجهان. أحدهما: أن تكون حالا من العزة أى ملتبسة أبالإثم والثانى:
أن تكون حالا من المفعول. أى، أخذته حال كونه ملتبسا بالإثم وفى قوله-
العزة بالإثم التتميم وهو أوغ من علم البديع، وهو عبارة عن إرداف الكامة.
بأخرى ترفع عنها اللبس وتقر بها من الفهم ، وذلك أن العزة تكون محمودة.
ومذمومة فمن مجينها محمودة قوله - تعالى - «ولله العزة ولرسوله والمؤمنين».
فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لادراية له أنها محمودة، فقيل بالإثم توضيحاً:
المراد فرفع اللبس ، ويجوز أن تكون الباء للتعدية - وهو قول الزمخشرى.
فإنه قال: أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه. أى: حملته العزة ..
التى فيه وحمية الجاهلية على الإثم الذى ينهى عنه وألزمته ارتكابه ،
ويجوز أن تكون للسببية بمعنى أن إئمة كان سبباً لأخذ العزة له)، (١).
أى : استولت عليه حمية الجاهلية بسبب الإثم الذى استحوذ على.
قلبه فأنساه كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة .
و((أل)، فى العزة للعهد. أى: العزة المعهودة المعروفة عند أهل.
الجاهلية التى تمنع صاحبها من قبول النصيحة .
قال الأستاذ الإمام محمد عبده مرجحاً ماذهب إليه من أن ((قولى ،
بمعنى الولاية والإمارة: «وهذا الوصف ظاهر جداً فى تفسير التولی بالولاية
والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة ، أو
يحذر من مفسدة، لأنه يرى أن هذا المقام الذى ركبه وعلاه بجعله أعلا
الناس رأياً وأرجحهم عقلا، بل الحاكم المستبد الذى لا يخاف الله - تعالى -.
يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله فى السلطة ، فيجب أن يكون أفنرأيه
خيراً من جودة آرائهم، وإفساده نافذاً مقبولا دون إصلاحهم، فكيفه
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٦٤

٥٧٩
سورة البقرة
يجوز لأحد منهم أن يقول له: اتق الله فى كذا ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من هذه صفاته فقال: «فحسبه
جهنم ولبئس المهاد).
الفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط محذوف تقديره: إذا
كانت هذه حالة المعرض عن النصح أنفة وتكبراً, فحسبه جهنم، أى:
كافيه جهنم جزاء له ((وبئس المهاد)، أى: ولبئس الفراش الذى يستقر
عليه بسبب غروره وفجوره .
وقوله ((فحسبه جهنم، جملة من مبتدأ وخبر، وقوله ((وليس المهاد »
٢
جواب قسم مقدر. أى : والله . والمخصوص بالذم محذوف لظهوره
وتعينه وهو جهنم. والمهاد جمع مهد وهو المكان المهيأ للنوم، والتعبير عن
جهنم بالمهاد من باب التهكم والاستهزاءبهذا النوع المغرور المفسد من الناس
هذا وقد أورد بعض المفسرين روايات فى سبب نزول هذه الآيات منها
أنها نزلت فى الأخنس به شربق الثة فى أقبل على النبى (صلى الله عليه وسلم)
فأظهر الإسلام وزعم أنه يحبه وأقسم بالله على ذلك ، غير أنه كان منافقاً
خبيث الباطن ، فخرج من عند النبى ( صلى الله عليه وسلم) فمر بزرع لقوم
من المسلين فأحرق الزرع وقتل بعض الماشية فنزلت .
قال الإمام الرازى ما ماخصه بعد أن ساق هذه الرواية وغيرها واختيار
أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات عامة فى حقكل من كان موصوفا
بهذه الصفات المذكورة ... ولا يمتنع أن تنزل الآية فى الرجل ثم تكون عامة
فى كل من كان موصوفا بتلك الصفات، ونزولها على السبب الذى حكينا.
لا يمنع من العموم، بل نقول فيها ما يدل على العموم وهو من وجوه. أحدها:
أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله - تعالى -
قوماً وصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة
(١) تفسير المنار ج ٢ ص ٢٥١ .

٥٨٠
الجزء الثانى
هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفا بتلك الصفات أن يكون
مستوجباً للذم. وثانيها: أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه
يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة. وثالثها: أن هذا أقرب
إلى الاحتياط، لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص،
وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم فى غيره، فثبت بما
ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى، (١).
هذا ، وفى هذه الآيات الكريمة زجر شديد ووعيد أليم، للمنافقين
الذين بقولون بأفواههم ماليس فى قلوبهم، ويفسدون فى الأرض ولا يصلحون،
ويكادون يسطون بالذين ينصحونهم وبتلون عليهم آيات الله، لأن المنافقين
ما كثروا فى أمة إلا وجعلوا بأسمها بينها شديداً . روى ابن جرير عن اوف
البكالى قال: إنى لأجد صفة ناس من هذه الأمة فى كتاب الله المنزل:
قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من
الصبر. يلبون الناس مسوك - أى جلود - الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب
يقول الله - تعالى - فعلى يحترئون وبى يفترون، حلفت بنفسى لأبعثن
عليهم فتنه تترك الحليم حيران »:
قال ابن كثير: قال القرظى الذى روى هذا القول عن نوف: قدبرت
هذه الصفات فى القرآن فإذا هى فى المنافقين، ووجدتها فى قوله - تعالى-
(( ومن الناس من يعجك قوله فى الحياة الدنيا .. )، (٢).
والحق أنه ما ابتليت أمة يتفشى هذا النوع من الناس فيها إلا أحد
حالها، وهان شأنها ، وكانت عاقبة أمرها خمرا .
أما النوع الثانى من الناس وهم الأخيار الصادقون فقد عبر عنهم القرآن
بقوله - تعالى - ((ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله
ر.وف بالعباد » :
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٥ ص ٢١٦
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٦