Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة البقرة
وكان الظاهر بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال: ولو يرونإذ يرون. ولكن.
وضع الموصول وصلته موضع الضمير، ليحضر فى ذهن السامع أنهم صاروا
باتخاذهم الأنداد من الظالمين ، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد.
هو ذلك الظلم العظيم .
وعبر بالماضى فى قوله (( إذيرون العذات )) لتحقق الوقوع ، وكل ما كان.
كذلك فإنه يجرى مجرى ما وقع وحصل .
وجملة « أن القوة لله جميعاً، سدت مسد مفعولى يرى، وانتصب لفظ.
(((جميعاً، على التوكيد للقوة. أى. جميع جنس القوة ثابت لله، وهو مبالغة.
فى عدم الاعتداد بقوة غيره ، ففاد جميع هنا مفاد لام الاستغراق فى قوله
((الحمد لله ».
وجملة ((وأن الله شديد العذاب)) معطوفة على ما قبلها، وفائدتها المبالغة.
فى تفظيع الخطب، وتهويل الأمر، فإن اختصاص القوة به - تعالى -
لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه .
هذا، وقد قرأ نافع وابن عمر ((ولو ترى)) بالتاء على الخطاب للنبي
- صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يتأتى له الخطاب.
أى : لو ترى ذلك أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب لرأيت أمراً
عظيماً فى الفظاعة والهول .
وقوله - تعالى - ((إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا .... ) بدل
من قوله: ((إذ يرون العذاب)). أو مفعولا به بتقدير اذكر.
و «قرأ، من التبرؤ وهو التخلص والتنصل والتباعد ، ومنه برئت
من الدين أى: تخلصت منه، وبرأ المريض من مرضه، أى : نخلص
من مرضه .
والمراد بالذين اتبعوا: أئمة الكفر الذين يحملون ويحرمون ما لم
پأذن به الله .

٤٤٢٠
الجزء الأول
والمراد بالذين اتبعوا: أتباعهم وأشياعهم الذين يتلقون جميع أقوالهم
حبالطاعة والخضوع بدون تدبر أو تعقل .
وجملة ((ورأوا العذاب، حال من الأتباع والمتبوعين، والضمير
يعود على الفريقين. أى: تبرؤا جميعاً من بعض فى حال رؤيتهم للعذاب.
وجملة ((وتقطعت بهم الأسباب)) معطوفة على تبرأ، أو رأوا.
والباء فى «بهم، للسببية أى: وتقطعت بسبب كفرم الأسباب التى
كانوا يرجون من ورائها النجاة. وقيل للملابسة أى : تقطعت الأسباب
ملتبسة بهم فخابت آمالهم وسقطوا صرعى .
و((الأسباب) جمع سبب، وهو فى الأصل الحبل الذى ير تقى به
الشجر ونحوه ، ثم سمى به كل ما يتوصل به إلى غيره ، عيناً كان أو معنى.
فيقال للطريق سبب ، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذى تريده، ويقال
للمودة سبب لأنك تتواصل بها إلى غيرك، والمراد بالأسباب هنا: الوشائج
والصلات التى كانت بين الأقباع والمتبوعين فى الدنيا، من القرابات
والمودات والأحلاف والاتفاق فى الدين ... الخ .
والمعنى: وأذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ يوم القيامة، ذلك يوم الهائل.
الشديد الذى يتنصل فيه الرؤساء من مر. وسيهم، والاتباع من متبوعيهم حال
رؤيتهم جميعاً للعذاب وأسبابه ومقدماته وما أعدلهم من شقاء وآلام، وقد
ترقب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من رواط كانوا
يتواصلون بها فى الدنيا، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرؤ منه.
قال بعض العلماء: وفى قوله ((وتقطعت بهم الأسباب)) استعارة تمثيلية،
إذ شبهت هيئة عند خيبة أملهم حين لم يجدوا النعم الذى تعبوا لأجله مدة
حياتهم وقد جاء إبانه فى ظنهم فوجدوا عوضه العذاب، بحال المرتقى إلى
النخلة ليجتنى المثمر الذى كد لاجله طول السنة فتقطع به السبب - أى الحيل-
عند ارتفائه فسقط هالكا، فكذلك هؤلاء قد علموا جميعاً حينئذ أن لانجاة

٤٤٣
سورة البقرة
هم، فحالهم كحال الساقط من علو لا ترجى له سلامة . وهى تمثيلية بديعة
تشتمل على سبعة أشياء كل واحد منها يصلح لأن يكون مشبها بواحد من
الأشياء التى تشتمل عليها الهيئة المشبهة بها وهى:
تشبه المشرك فى عباداته الأصنام بالمرتقى بجامع السعى ، وتشبيه العبادة
.وقبول الآلهةمنه بالحبل الموصل، وتشبيه النعيم والثواب بالثمرة فى أعلى النخلة
لأنها لا يصل إليها المرء إلا بعد طول وهو مدة العمر، وتشبيه العمر بالنخلة
: فى الطول، وتشبيه الحرمان من الوصول للنعيم بتقطع الحبل ، وتشبيه الخيبة
بالبعد عن الثمرة، وتشبيه الوقوع فى العذاب بالسقوط المهلك ... (١)
ثم بين - سبحانه - ما قاله الأتباع على سبيل الحسرة والندم فقال :
( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا ).
الكرة: الرجعة والعودة. يقال: كريكركراً: أى: رجع . و(لو)
التمنى. وقوله (فنتبرأ منهم) منصوب بعد الفاء بأن مضمرة فى جواب التمنى
(الذى أشربته لو، والمكاف فى قوله ( كما تبرؤا منا) فى محل نصب نعت
لمصدر محذوف أى تبرأ مثل تبرئهم .
. والمعنى: وقال الذين كانوا تابعين لغيرهم فى الباطل بدون تعقل أو قدير
: ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا
السبيل كما تبرؤا منا فى هذا اليوم العصيب، ولنشفى غيظنا منهم لأنهم
خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم .
وقوله - تعالى - ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم) تذييل
لتأكيد الوعيد، وبيان لحال المشركين فى الآخرة .
قال الآلوسي: وقوله ( كذلك ) فى موضع المفعول المطلق لما بعده، .
والمشار إليه الإراء المفهوم من قوله (إذ يرون) أى: كاراء العذاب الملتبس
بظهور أن القوة لله والشبرى وتقطع الأسباب وتمنى الرجعة، يريهم الله أعمالهم
حسرات عليهم . وجوز أن يكون المشارإليه المصدر المفهوم ما بعد والكافى
(١) تفسير التحرير والتنوير ج٢ ص ٩٣ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
.٣

٤٤٤
الجزء الأول
مقحمة لتأكيدما أفاده اسم الإشارة من الضخامة. أى: مثل ذلك الآراء الفظيع.
يريهم على حد ما قيل فى قوله - تعالى - ((وكذلك جعلنا كم أمة وسطا، (١).
والمراد بأعمالهم: المعاصى التى ارتكبوها وفى مقدمتها اتباعهم لمن أضلوهم.
و((حسرات)) جمع حسرة، وهى أشد درجات الندم والغم على
ما فات. يقال: خسر يحسر حسراً فهو حسير، إذ أشتدت قدامته على.
أمر فاته .
قال الرازى: وأصل الحسر الكشف. يقال حسر ذراعيه أى: كشف.
والحسرة إنكشاف عن حال الندامة . والحسور الإعياء لأنه إنكشاف.
الحال عما أوجبه طول السفر. قال - تعالى - ,ومن عنده لا يستكبرون
هن عبادته ولا يستحمرون، (٢) .
والمعنى: كما أرى الله - تعالى - المشركين المذاب وما صاحبه من
التبرؤ وتقطع الأسباب بينهم، يربهم - سبحانه - أعمالهم السيئة يوم
القيامة فتكون حسرات تتردد فى صدورهم كأنها شرر الجحيم .
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة أمرهم فقال ((وماهم بخارجين.
من النار )) .
أى: وماهم بخارجين من تلك النار التى عوقبوا بها بسبب شركهم،
بل هم مستقرون فيها استقراراً أبدياً، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى
خروجهم من النار ، وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال - تعالى - فى آية أخرى
« كاما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ..
وهكذا يسوق لنا القرآن مايدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة.
من قنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة ، حتى لكأنك أمام مشهد
مجسم ، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة . وذلك لون من ألوان بلاغة.
القرآن فى عرضة للحقائق، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة ،
(١) تفسير الآلونى = ٢ ص ٣٦
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٤ ص ٢٣٨

٤٤٥
سورة البقرة
وتؤتى ثمارها الطيبة فى القلوب السليمة .
ثم وجه القرآن ندأ. عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن يتمتعوا بما أحله
لهم من طيبات ، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال - تعالى - .
بَأَيُّهَا النَّاسُ كُوْمِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَّعُوْ خُطُوْتِ
الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينَ (٥﴾ إِنَّمَا يَأْمُرُ كُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ
وَأَنْ تَقُولُوْ عَلَى الَِّمَالَا تَعْلُونَ
((كلوا)، صيغة أمر واردة فى معنى الإباحة.
والحلال : ما أذن الله فى تناوله من مطعومات أو مشروبات.
قال الرازى: وأصله من الحل الذى هو نقيض العقد، ومنه حل بالمكان
"إذا نزل، لأنه حل شد الارتحال للنزول، وحل الدين إذا وجب لانحلال
العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام .. ثم
قال: واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه - فى ذاته - كالميتة والدم ولحم
الخنزير، وقديكون حراما لوصف عارض كملك الغير إذا لم بأذن فى أكله ،
- فحرمته لتعلق حق الغير به - فالحلال هو الخالى عن هذين الفيدين)) (١)
والطيب: هو المستلذ المستطاب الذى تقبل عليه النفوس الطاهرة وقنبسط
لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ولا موقع فى
تهلكة ، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم، والموقع فى تملكه مجه العقل القويم
و((من)) فى قوله (بما فى الأرض) للنبغيض، لأن بعض ما فى الأرض
كالحجارة - مثلا - لا يؤكل، ولأنه ليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك
قال : (( حلالا طيباً .. )).
وقوله (( حلالا، مفعول به لقوله ((كلوا) أو حال ما فى الأرض،
(١) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص = ٥ ص ٢

٤٤٦
الجزء الأول
أى: كلوه حال كونه حلالا، أو صفة لمصدر محذوف، أى: كلوه أكلا
حلالا .
وقوله , طيبا، صفة مقررة ومؤكدة لمعنى يستفاد من قوله ((حلالا)).
وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه فى ضرر .
قال الألوسى : وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم كما فى قوله
- تعالى -((ومامن دابة فى الأرض، ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات ..
فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تنعم، بخلاف غير الموصوفة، (١).
والمعنى: يأيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا من كل ما تحويه.
الأرض من المطعومات التى أحلت لكم، والتى تستلذها النفوس الكريمة،
والقلوب الطاهرة ، فتمتعوا بهذه الطيبات فى غير سرف أو غرور ،.
وأشكروا الله - تعالى - على مارزقكم من نعم .
ولقد أمر الله عباده فى كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من
طيبات ومن ذلك قوله - تعالى - : (قل من حرم زينة الله التي أخرج.
لعباده والطيبات من الرزق، قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة
يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) .
وفى صحيح مسلم عن عياض المجاشعى أن رسول الله ( صلى الله عليه.
وسلم) قال ذات يوم فى خطبته: ((ألا إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم.
مما علمنى، يومى هذا. يقول الله - تعالى -: كل مال نحلته - أى منحته -
عبادى فهو لهم حلال، وإنى خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أقتهم.
الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم
أن يشر كوا بي مالم أنزل به سلطاناً ....
الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن
الآية عند النبى (صلى الله عليه وسلم) ((يأيها الناس كلوا ما فى الأرض حلالا
طيبا، فقام سعد بن أبى وقاص فقال: يارسول الله، ادع الله أن يجعلنى مستجابه
(١) تفسير الألوسى ج ٢ ص ٣٨ طبعة منير الدمشقى

٤٤٧
سورة البقرة
الدعوة، فقال: ياسعد! أُطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، والذى ..
نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام فى جوفه ما يتقبل منه-
أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به)) (١).
وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحات، فإن.
الله سوى فيها بين الفعل والترك، ومن يجعل تركها من الورع، والورع،
مندوب ، فكأنه بقول : إن الترك راجح على الفعل ،
، وكان الحسن البصرى - وهو من أجل التابعين - يقوم عوج من بعدون.
من الزهد المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة ..
يحكى عنه أنه شهديوما ولمة ، فرأى رجلا يرفع يده عند ما قدمت الحلوى.
فقال له الحسن : كل يألكع فلنعمة الله عليك فى الماء البارد أعظم من نعمته
في هذه الحلوى .
ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن : أتحب الخبيص - وهو.
طعام لذيذ - فقال الزاهد: لا أحبه ولا أحب من يحبه !! فأقبل الحسن ..
على جلساته وقال لهم : أترونه مجنوناً.
والخلاصة: أنه لا ورع فى ترك المباح الذى أحله الله من حيث فيه متعة.
للنفس ، فذلك هو التنطع فى الدين ، وإنما الورع فى ترك الإكثار من تناول ..
تلك المباحات ، لأن الإكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى الله عنه.
هذا، وقد أورد بعض المفسرين آثاراً تدل على أن هذه الآية نزات ..
فى قوم معينين .
قال الآلوسي: نزلت فى المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة :-
والسائبة والوصلة والخام ، وقيل نزلت فى قوم من ثقيف وبنى عامر
ابن صعصعة وخزاعة وبنى مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم، (٢)؛.
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٠٣ طبعة عيسى الحلى.
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠٢٨

٤٤٨
الجزء الأول
والذى نراه أن الخطاب فى الآية لجميع المكلفين من البشر، وأنها واردة
لتفنيد آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع
على تحريمها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم قال - تعالى - ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان)).
الخطوات : جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة ، وهى فى
الأصل ما بين القدمين عند المشى، وتستعمل على وجه المجاز فى الآثار.
أى: كاوا أيها الناس من الطيبات التى أحلها الله لكم. ولا تتبعوا آثار
الشيطان وزلانه ووساوسه وطرقه التى يحرم بها الحلال ويحلل الحرام والتى
يقذفها فى صدور بعض الناس فتجعلهم ينتقلون من الطاعات إلى المعاصى.
وفى الجمة الكريمة استعارة تمثيلية.، إذ أن السائر فى طريق إذا رأى
آثار خطوات السائرين قتبع ذلك المسلك ظناً منه بأن ماسار فيه السائر قبله
إلا لأنه موصل المطلوب ، فشبه المقتدى الذى لا دليل معه سوى المقتدى
به وهو يظن مسلكه موصلا ، بالذى يقبع خطوات السائرين ، وشاعت
هذه الاستعارة حتى صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدى به.
وقوله ((إنه لكم عدو مبين) تعليل النهى عن إتباع الشيطان و ((مبين من
أبان بمعنى بان وظهر، وقيل: من أبان بمعنى أظهر ، أى : مظهر للعداوة
والمعنى: «ولا تتبعواخطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على
-أى عاقل.
رقوله - تعالى - ((إنما بأمركم بالسوء والفحشاء، استئناف لبيان
كيفية عداوته ، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده.
والسوء فى الأصل: مصدر ساءه بسوء سوءاً ومساءة إذا أحزنه،
والمراد به هنا، كل ما يغضب الله - تعالى - من المعاصى، لأنها ثسو.
صاحبها وتحزنه فى الحال أو المـآل.
والفحشاء والفاحشة والفحش: ماعظم قبحه مر الأقوال والأفعال .
وروى عن ابن عباس أنه فر السوء بما لا حدفيه، والفحشاء بما فيه حد .

٤٤٩
سورة البقرة
والأمر فى الأصل : الطلب بالقول ، واستعمل فى تزيين الشيطان
المعصية ، لأن تزيينها فى معنى الدعوة إليها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرا مع قوله
« ليس لك عليهم سلطان، ؟
قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر ، كما تقول : أمر قى نفسى
بكذا ، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم
وساوسه، ولذلك قال: ((ولآمرتهم فلمتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فإ غيرن
خلق الله)) وقال - تعالى - ((إن النفس الأمارة بالسوء)) لما كان الإنسان
بطبعها فيعطيها ما اشتهت، (١).
وقوله ((وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) معطوف على ما قبله .
أى : يأمركم الشيطان بالسوء والفحشاء ، ويأمر كم أن تقولوا على
الله مالا تعلمون.
والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل: لقد أحل الله
كذا وحرم كذا بدون دليل شرعى بعتمد عليه .
قال الإمام ابن القيم: ((والقول على الله بغير علم يعم القول عليه - سبحانه-
فى أسمائه وصفاته وأفعاله، وفى دينه وشرعه، وقد جمله - سبحانه - من أعظم
المحرمات، بل جعله فى المرتبة العليا منها، فقال - تعالى - : قل إنما حرم
ربى الفواحش، ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغى بغير الحق، وأن تشركوا
بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، وقال - تعالى -
((ولا تقولوا لما قصف ألتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا
على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون . متاع قليل
- ولهم عذاب أليم ، فتقدم إليهم - سبحانه - بالوعيد على الكذب عليه فى
أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٣
(م - ٢٨ البقرة)

٤٥٠
الجزء الأول
وهذا بيان منه - سبحانه - أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال.
وهذا حرام إلا بما علم أنه - سبحانه - أحله وحرمه)) (١).
وقال بعض العلماء : وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين ..
لبعض الوقائع أحكاماً من طريق الاستنباط، قد يستندون فى ذلك إلى دايل.
يفيد الفان بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به ، فيكون إفتاؤه من قبيل
القول على الله بغير علم، ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدايل ..
الظنى أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعاً به ، وهو أن كل مجتهد ..
بحق يكون حكم الشرع فى حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذى أداه
إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له.
بالرسوخ فى العلم قائلا على الله مالا يعلم، (٢).
هذا، ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى القرآن الكريم فى التحذير
من الشيطان ووساوسه قوله - تعالى - ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذده ..
ددوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)).
وقوله - تعالى - ((الشيطان بعد كم الفقر ويأمركم بالفحشاء واله.
يعدكم مغفرة منه وفضلا)).
وقوله- تعالى - ((يابنى آدم لا يفتفكم الشيطان كما أخرج أبو بكم من الجنة))-
وقد أرشدنا النبى ( صلى الله عليه وسلم) إلى أن الإكثار من ذكر الله ..
خيرمعين الإنسان للتغلب على وساوس الشيطان فقال فى حديثه الطويل الذى
رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عز الحارث الأشعرى: (وآمركم بذكر.
الله كثيراً، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى أثره، فأتى ..
حصنا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله.
(١) من كتاب ((أعلام الموقعين، لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى.
جـ ٢ ص ٢٧٠
(٢) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الإمام محمد الخضر حسين، مجلة.
"لواء الإسلام. السنة الرابعة . العدد السادس.

٤٥١
سورة البقرة
وبعد أن نهى - سبحانه - الناس عن إتباع خطوات الشيطان، وبين
لحم مظاهر عداوته لهم ، أردف ذلك ببيان حال طائفة من الناس لم
يستمعوا لهذا النصح ، بل اتبعوا خطوات الشيطان فقلدوا آباءهم فى الشرك
والجهالة فقال - تعالى - :
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا،
أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)).
أى : وإذا قيل لأولئك الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على
أه بدون علم ولابرهان ، إذاقيل لهم: اتبعواما أنزل الله من قرآن، أعرضوا
عن ذلك وقالوابل فتبع ما وجدنا عليه آباء نامن عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء
فالضمير فى قوله - تعالى - ((لهم)) يعود على طائفة من شملهم الخطاب
بقوله - تعالى - فى الآية السابقة: ((بأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا
طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان، وهم الذين لم يستجيبوا لنداء الله بل
ساروا فى ركب الشيطان، واقتفوا آثاره، والقائل لهم ذلك هو النبى
(صلى الله عليه وسلم) والمسلمون.
والمراد بما أنزل الله: القرآن الكريم، وما أوحاه الله إلى نبيه ( صلى
الله عليه وسلم) من هدايات. وعدل - سبحانه - من خطلبهم إلى الغيبة
التنبيه على أنهم لفرط جهلهم وحمقهم صادوا ليسوا أهلا للخطاب ، بل
ينبغى أن يصرف عنهم إلى من يعقله .
و («بل)، فى قوله - تعالى - ((بل نتبع)) للإضراب الإيطالى، أى:
أضربوا عن قول الرسول لهم (اتبعوا ما أنزل الله، إضراب إعراض بدون
حجة، إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم من أمور الشرك والضلال.
وقوله - تعالى - ((أو او كان آراؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون))
رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد فى الدين على مجرد تقليد الآباء .
والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال، والمعنى : أيتبعون

٤٥٢
الجزء الأول
ما وجدوا عليه آباءهم والحال أن آباءهم لا يعقلون شيئاً من أمور الدين
الصحيح، ولا يهتدون إلى طريق الصواب .
قال الألوسى: وفى الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر،
وأما إتباع الغير فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق فإتباع فى الحقيقة لما أنزل
اته - تعالى - وليس من التقليد المذموم فى شىء وقد قال - سبحانه - ,فظالوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، (١).
وبعد أن بين - سبحانه - فساد ما عليه أولئك المشركون المقلدون
من غير نظر ولا استدلال ، أردف ذلك بضرب مثل لهم زيادة فى تقبيح
شأنهم والزراية عليهم فقال - تعالى - :
ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ،
صم بكم عمى فهم لا يعقلون)).
ومثل : الصفة والشأن ، وأصل المثل بمعنى المثل : النظير والشبيه ،
ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمائلة مضربه - وهو الذى يضرب
فيه - لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة.
ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة.
و «ينعق، من النعيق وهو الصياح. يقال: نعق الراعى بالغنم ينعق
فعقاً ونعيقا وفعاقاً ونعقاناً، صاح بها وزجرها .
والدعاء والنداء قيل معنى واحد أى أن ثانيهما تأكيد الأول، وقيل :
الدعاء للقريب والنداء البعيد .
والظاهر أن المرادبهما نوعان من الأصوات ، أولهما وهو الدعاء معناه:
الصياح بالبهائم لتأتى، وثانيهما وهو النداء معناه: الصياح بها لتذهب.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: والعلماء من أهل التأويل فى هذه الآية
طريقان : أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار فى الآية، والثانى :
إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار .
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٤١

٤٥٣
سورة البقرة
أما الذين أضمروا فذكروا وجوها: الأولى كأنه قال: ومثلمن يدعو
الذين كفروا إلى الحق كمثل الذى ينعق ، فصار الناعق الذى هو الراعى
بمبزلة الداعى إلى الحق. وهو الرسول (صلى الله عليه وسلم) وسائر الدعاة
إلى الحق، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ، ووجه الشبه أن البهيمة
تسمع الصوت ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفاركانوا يسمعون صوت الرسول
(صلى الله عليه وسلم) وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعافيها.
الثانى: ومثل الذين كفروا فى دعاهم آلهتهم من الأونان كمثل الناءق
فى دعاته مالا يسمع كالغنم وما يجرى مجراها من البهائم. فشبه الأصنام
فى أنها لا تفهم بهذه البهائم، فإذا كان ولاشك أن من دعا بهيمة عد جاهلا،
فمن دعا حجراً أولى بالذم .
والفرق بين هذا القول والذى قبله أن هاهنا المحذوف هو المدعو،
وفى القول الذى قبله المحذوف هو الداعى.
أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار فتقديره، ومثل الذين كفروا
فى قلة عقولهم فى عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعى إذا تكلم مع البهائم،
فكما أنه يقضى على ذلك الراعى بقلة العقل فكذا ههنا .
ثم قال - رحمه الله - ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحواله
الكفار، وبمقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا القلبه ،
وتضيفاً اصدره ، حيث صيره كالبهيمة فيكون فى ذلك نهاية الزجر والردع
لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه فى التقليد)، (١).
وقوله - تعالى - «صم بكم عمى، زيادة فى تبكيتهم وتقريعهم، أى:
هم صم عن استماع دعوة الحق ، بكم عن إجابة الداعى إليها ، عمى عن آيات
صدقها وصحتها ، فهم لإعراضهم عن الهادى لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من
العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه ، فأصبح لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٨ بتصرف وتلخيص.

٤٥٤
الجزء الأول
وقوله (فهم لا يعقلون) وأرد مورد النتيجة بعد البرهان ، بجانب كونه
توبيخاً لهم ، لأنهم بفقدهم أهم طرق الإدراك وهما السمع والبصر ، وأهم
وسيلة للثقافة وهى استطلاع الحقائق من طريق المحاورة والتكلم ، صاروا
بعد كل ذلك بمنزلة من فقد عقله الاكتسابى ، فأصبح لا يفقه شيئاً ؛ لأن
العقل الذى يكتسب به الإنسان المعارف والحقائق يستعين استعانة كبرى
بهذه الحواس الثلاث .
وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون الله أنداداً، ولحال
الكافرين المقلدين لآبائهم فى الضلال بدون تدبر أوقعقل ، بعدكل ذلك وجهت
السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه - وفيما سيأتى بعده من آيات-
كثيراً من التشريعات والآداب والأحكام التى هم فى حاجة إليها فقال - تعالى -:
يَتَابِهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَارَزَقْتَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ
إِيَّهُ تَعْبُدُونَ (٥) إِنَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْئَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ آلِزِيرِوَمَآ
أُمِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَ عَادٍ فَلَا إِلْمَ عَلَيّْةٍ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
الطبيبات من الأطعمة: المستاذات، وبحوز حملها على ماطاب من الرزق بتحليل
الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، - وهو ما ينتفع به.
أى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من
ألوان الطيبات التى أحللناها لكم، ولا تتعرضوا لما حر مناه عليكم .
وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة ، لأهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم.
وأحرى بالاهتداء، وأولى بالتكريم والتشريف.
ومفول ( كلوا ) محذوف ، أى : كلوا رزقكم حال كونه بعض
طيبات ما رزقناكم.

٤٥٥
سورة البقرة
ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التى أباحها لهم فقال:
. (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون).
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة (كلوا).
والشكر: هو الاعتراض بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها،
ووضعها فى الموضع الذى أمر به .
أى: تمتعوا بنعم الله، واعترفوا له بها على وجه النعظيم، بأن تمتثلوا
- ما أمر به، وتجنبوا مانهى عنه، إن كنتم تخصرفه بالعبادة حقاً، وتفردونه
بالطاعة صدقاً .
قال الألوسى : وجملة (إن كفتم إياه تعبدون ) بمنزلة التعليل الطلب
الشكر، كأنه قيل: واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم
إياه بالعبادة، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه، وهى
لا تتم إلا بالشكر، لأنه من أجل العبادات» (١) .
وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير: إن كنتم إباه
تعبدون فكلوا واشكروا لله .
ولقد أمر الله - تعالى - عباده أن يشكروه فى آيات كثيرة ومن ذلك
قوله - تعالى - (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)
وقال - تعالى -(ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى كريم)
وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى أن رسول الله (صلى الله عليه
وسلم ) قال الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر: وروى الأمان فى صحيحه
عن أنس بن مالك عن النبى عليه إنه قال: إن الله ليرضى عن العبد أن
يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ..
قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإمام : لا يفهم هذه الآية حق فهمها
إلا من كان عارفاً بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله، فإن المشركين
- وأهل الكتاب كانوا فرقاً وأصنافاً، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناحها
أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم
وكان المذهب الشائع فى النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى -
(١) تفسير الآلوسى ج ٢ ص ٠٤١

٤٥٦
الجزء الأول
تعذيب النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه،
واعتقاد أنه لا حياة الروح إلا بذلك .... ثم قال: وقد تفضل الله على
هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطاً تعطى الجسد حقه والروح حقها ، فأحل .
لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون
لنا منها فو اندرو حافية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضاً كالأنعام، ولاروحانيين.
خلها كالملائكة، وإنما جعلنا أناسى كملة بهذه الشريعة المعتدلة ، فله الحمد
و الشكر والثناء الحسن)) (١).
وقوله - تعالى - ((إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل
به لغير الله، بيان لما حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا.
و((الميتة)، فى عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة
غير مشروعة ، فيدخل فيها : المنخنفة والموقوذة والمتردية والنطيحة وماعدا
عليها السمع، ويدخل فى حكم الميتة ما قطع من جسم الحيوان الحى الحديث
الذى أخرجه أبو داود والفرمذى عن أبى واقد الليثى، أن رسول الله.
(صلى الله عليه وسلم) قال: ماقطع من البهيمة وهى حية فهى ميتة)».
وكان الإكل من الميتة محرماً، لفساد جسمها بذول أجزائه وقعفنها ...
ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقدارتها وضررها .
قال الألوسى: وأضاف - سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة
من الأحكام الشرعية التى هى من صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق.
بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف فى الميتة من جميع الوجوه بأخصر
طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ماخصه
الدليل كالتصرف بالمدوغ، وخرج عن حكم الميتة السمك والجراد. للحديث
الذى أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم) قال: أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال
وللعروف أيضاً، فإنه إذا ما قال القائل: أكل فلان الميت لم يسبق الوهم إليها.
(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٩٦

٤٥٧
"سورة البقرة
نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافى ومامات من الجراد بغير سبب ، واستدل.
بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه، (١)
والدم المحرم : ما يسيل من الحيوان الحى كثيراً كان أم قليلا وكذلك
يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته، وهو الذى عبر عنه القرآن
بالمسفوح فى قوله - تعالى - قل لا أجد في أوحى إلى محر ما على طاعم
يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مفوحاً .. )).
والدم المسفوح : هو الدم الجارى المهراق من البهيمة بعد ذيحها .
أما الدم المتبقى فى أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شىء فيه .
قال القرطبى: وأما الدم فمحرم مالم تعم به البلوى ، ومعفو عما تعم به
البلوى. والذى تعم به البلوى هو الدم فى المحم وعروقه ... وقد روت
عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله (صلى
الله عليه وسلم) تعلوها الصفرة من الدم فتأكل ولا نذكره، لأن التحفظ
من هذا أصر وفيه مشتقة ، والإصر والمشقة فى الدين موضوع. وهذا
أصل فى الشرع، (٢) .
وقد عرف عن بعض العرب فى الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من
البهائم عندذبحها ، فيضعونه فى أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون
ذلك بالقصيد ٧٠
قال بعضهم: والحكمة فى تحريم الدم أنه تستقذده النفوس الكريمة،
ويقضى شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس ، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه
يورث ضراوة فى الإنسان ، وغلظة فى الطباع فيصير كالحيوان المفترس ،
وهذا مناف لمقصد الشريعة التى جاءت لإتمام مكارم الأخلاق .
وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر،
لأنه الذى يقصد بالأكل ، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض.
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٤١
(٢) تفسير القرطبى حـ ٢ ص ٢٢٢

٤٥٨
الجزء الأول
الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير فى الخرازة - أى:
خياطة الجلود وغيرها - ، وبعضهم كره ذلك .
ومن الحكم فى تحريم لحم الخنزير قذارته ، واشتماله على دودة تضر
بدن آ كله وقد أثبت ذلك العلم الحديث .
وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت، وصار فى
الإمكان التغلب على ما فى لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن
العلم الحديث قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرناً ليكتشف آفة واحدة فى لحم
الخنزير، فمن ذا الذى يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى فى هذا اللحم لم
يعرفها العلم حتى الآن ؟
إن الشريعة التى سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرناً أولى
بالإتباع، وأجدر بالطاعة فما أحلته وحرمته ما يقوله الناس، لأنها من
عند الله العليم بشتون عباده، الخبير بما ينفعهم وبما يضرم .
وقوله ( وما أهل به لغير الله، معطوف على ماقبله من المحرمات.
و((أمل) من الإهلال، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل
لرفع الصوت مطلقاً، ومنه إهلال الصبى، والإهلال بالحج . وكانوا فى
الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم موا عليها أسماءها - كاللات
والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا .
فالمراد بما أهل به لغير الله: ما ذبح للأصنام وغيرها ، ومنه ما يذيعه
المجوسى للنار . ومنه عند جمهور العلماء: ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر
عليها اسم عزير أو عيسى، لأنها مما أهل به لغير الله.
وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح
أهل الكتاب مطلقاً، لعموم قوله - تعالى - فى سورة المائدة وهى من آخر
السور نزولا: (( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعام حل لهم))
أى ذباتحهم، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون.

٤٥٩
سورة البقرة
وروى الحسن عن على - رضى الله عنه - أنه قال: إذا ذكر الكتابى اسم
" غير الله على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل ، فإن
اله قد أحل ذباتحهم وهو يعلم ما يقولون. وقد روى البخارى عن عائشه
- رضى الله عنها - قالت: إن قوماً قالوا للنبى (صلى الله عليه وسلم): إن
قوماً بأنوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال :
سموا عليه أنتم وكلوه. قالت : وكانوا حديثى عهد بكفر .
فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن أسم اللّه ذكر عليه، بل المجرم ما علم أن
غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه .
فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقدار الأكل
من هذه الثلاثة، أى : لعلة ذاتية فيها، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس
لعلة فيه، ولكن المتوجه به إلى غير الله. وهى علة روحية قنا فى سلامة القلب،
وطهارة الروح، ووحدة المتجه ما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ملحق
بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وفى ذلك حض للناس على إخلاص
العبادة لله - تعالى -، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه.
وقوله - تعالى - ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، بيان
لحالات الضرورة التى يباح للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات .
و((أضطر) من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء. يقال: اضطره
إلى هذا الشى .. أى: أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإضرار، وهو
حمل الإنسان على أمر بكرهه، وقهره عليه بقوة بناله بدفعها الهلاك .
و (دباغ، من البغاء وهو الطلب. تقول: بغيته بناء وبغى وبغية أى:
طلبته .
و «عاد، اسم فاعل بمعنى متعد، تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده
وتعداه إلى غيره فهو عاد، ومنه قوله - تعالى - فى شأن قوم لوط :
(( بل أنتم قوم عادون)).

٤٦٠
الجزء الأول
و ((غير)، منصوب على الحال من الضمير المستقر فى ((اضطر، وهى منا
بمعنى النفى ولذا عطف عليها لا .
والمعنى: فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات : حالة
كونه غير باغ: أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب له.
لإشباع لذته ، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، أو
غير ساع فى فساد((ولا عاد)) أى: وغير متجاوز ما يسد الجوع، ويحفظ
الحياة ((فلا إثم عليه، أى: فلا إثم عليه فى أكله من هذه المحرمات.
وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره فى تشريعاته، التى أقامها
الله - تعالى - على رفع الحرج، ودفع الضرر، قال - تعالى - ,ماجعل عليكم في
الدين من حرج)) وقال - تعالى - ((يريد الله بكم اليسر ولا يريدبكم العسر)).
وقوله ((إن الله غفور رحيم)) تذييل قصد به الامتنان. أى: إن الله
- تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين، ومن كان كذلك كان من
شأنه أن يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، ويشرع لعباده ما فيه بسر
لا ما فيه عسر .
هذا ، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطمومات
سوى هذه الأربعة ، لكنا نعلم فى الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم
على المسلم تناولها كلحوم الحمر الأهلية، فعلى هذا تكون لفظة « إنما، متروكة
الظاهر فى العمل - كما قال الإمام الرازى - أي : أن الحصر فيها غير مقصود
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنعام : قل لا أجد فما أوحى
إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون مينة أو دماًمسفوحاً أو لحم خنزير
فإنه رجس أو فسقاً، أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن
ربك غفور رحيم »(١).
٠
(١) الآية ١٤٥. وراجع كتابنا (( تفسير سورة الأنعام)) فى معنى.
الآية ص ٠٣٠٨
٠