Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة البقرة
شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لنبيه ماتعبدون من بعدى) .
روى أن اليهود قالوا للنبى (صلى الله عليه وسلم) ألست تعلم أن يعقوب
أوصى بنيه باليهودية، فنزلت هذه الآية الكريمة (١) .
والمعنى: ما كنتم - يا معشر اليهود - حاضرين وقت أن أشرف يعقوب
على الموت، ووقت أن قال لبنيه حينئذ (ما تعبدون من بعدى؟ ) فكيف
ندعون أنهکان علی الیهو دیة التی أنتم عليها وأنه أوصى بها بنيه ؟ ومراد.
يعقوب - عليه السلام - من هذا السؤال أخذ الميثاق عليهم بالثبات على منة
أبيهم إبراهيم من بعده, لكى يسعدوا فى دنياهم وأخرام، وقد أجابوه بما
بدل على رسوخ إيمانهم إذا قالوا: (فعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) .
وهذا الجواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم - عليه السلام - وهى ..
ملة لا تثليث فيها ولا تشبيه بمخلوق، وإنما هى أفراد الله - تعالى- بالعبودية،
والاستسلام له بالخضوع والانقياد .
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب من ترك طاعته انكالا على انتسابهم.
الآباءكانوا أنبياء أو صالحين فقال تعالى: «تلك أمةقد خلت، لها ما كسبت.
ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)) .
الإشارة ( بتلك ) إلى إبراهيم وبنيه، أى أن إبراهيم وذريته، أمة قد
مضت وانقرضت، لهاجزاء ماكسبت من خير أوشر ، ولا تسألون يوم.
القيامة عن أعمالهم فى الدنيا فلا يقال لكم على وجه المحاسبة لم عملوا كذا
وإنما ستسألون من أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها، وآمنوا بمحمد ..
(صلى الله عليه وسلم) الذى هو دعوة إبراهيم- عليه السلام- وعلى دينه وملته ..
فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة فى خلقه وهى أن
لكل نفس وحدها ثواب ماكسبت من خير ، وعليها وحدها يقع عقاب ..
(١) أسباب النزول النيسابورى طبعة الحلبى ص ٢٢

٠٣٦٢
الجزء اس ود
مااكتسبت من شر. وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت بوضوح لبنى.
إسرائيل وغيرهم أن ملة إبراهيم الإسلام وأنه هو ويعقوب - عليهما
السلام - قد أوصيا أبنا. هما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى الموت، وأن أبناء
يعقوب قدعاهدوه عندموته أن يستمروا على ملته وملة إبراهيم عليهما السلام.
وهذا الذى بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم اليه محمد (صلى الله
عليه وسلم) وهو الإيمان بالله - تعالى-وتصديق رسوله واتباع تعاليم الإسلام
وفى القرآن الكريم آنت أخرى صرحت بأن الإسلام اسم الدين الذى
دعا اليه كل الأنبياء، وافتسب اليه أنباعهم، فتوح قال لقومه (وأمرت أن
أكون من المسلمين) (١) .
وموسى قال لقومه (ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلواإن كنتم مسلمين)(٢)
والحواريين قالوا لعيسى- عليه السلام - (آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون)(٣).
بل إن فريقاً من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم
المدعوقه وقالوا (آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (٤).
وإلى هما تكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التى أرشدفى الى أن
ماجاء به محمد ( صلى الله عليه وسلم) يطابق ماجاء به الأنبياء السابقون،
فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوا، لأن كفرهم به كفر بجميع الرسل السابقين.
وقبل أن مختم هذا الموضوع ننبه الى مسألة مهمة. وهى أن ما جاء به
النبى ( صلى الله عليه وسلم) يطابق - كما قلنا - ما جاء به الأنبياء قبله فى
أصول الدين وكلياته كتوحيد الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة، وتصديق
الأنبياء السابقين فيها أقوا به عن الله - تعالى - والإيمان بالبعث وما يكون
فيه من تعيم وعذاب والحض على مكارم الأخلاق ، أما ماعدا ذلك مما يتعلق
بتفاصيل العبادات وأحكام المعاملات فإن الشرائح تختلف فيه بوجه عام
(١) سوري يونس الآ ية ٧٢
(٢) سورة آل عمران الآية ٥٢
(٢) سورة يونس الآية ٨٤ (٤) سورة القصص الآية ٤٣

٣٦٣
سورة البقرة
حسب ما يتناسب وحالة الأمة التى بعث الله لها رسولا من لدنه كما قال تعالى
((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً،.
١
ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بما لم يكن موجوداً فى الشرائع
السابقة ، ومن مظاهر ذلك أن القرآن الكريم أعلن الناس، أن محمداً
( صلى الله عليه وسلم) من ميزات شريعته أنها أحلت الناس كل الطبيات
وحرمت عليهم كل الخبائث ووضعت عنهم إصرم والأغلال التى كانت
عليهم وشرعت لهم أموراً تتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف
ويعجبنى فى هذا المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله
. دراز: ( يجب أن يفهم - أن تعديل الشريعة المتأخرة المتقدمة - ليس نقضاً
لها ، وإنما وقوفاً بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر .
مثل ذلك كمثل ثلاثه من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل فى الطور الأول
- من حياته ، فقصر غذاءه على اللبن ، وجاء الثانى من مرحلته التالية فقرر له
طعاماً ليناً، وطعاماً نشوياً خفيفاً، وجاء الثالث فى المرحلة التى بعدها
. فأمر له بغذا. قوى كامل .
لاريب أن ها هنا اعترافاً ضمنياً من كل واحد منهم بأن صاحبه كان
موفقاً كل التوفيق فى علاج الحالة التى عرضت عليه، نعم إن هناك قواعد
صحية عامة فى النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها ، لا تختلف باختلاف
الأسنان فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب الأطفال
والناشئين عن طب الكهول الناضجين.
هكذا الشرائع السماوية ، كلها صدق وعدل فى جملتها وتفصيلها ،
. وكلها يصدق بعضها بعضاً من ألفها إلى بائها ، ولكن هذا التصديق
على ضربين .
قصديق للقديم مع الإذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه
. فى حدود ظروفه الماضية ، ذلك أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين
من التشريعات .

٣٦٤
الجزء اس وں
(تشريعات خالدة) لاتتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع (كالوصايه
التسع ونحوها ) .
و (تشريعات موقوتة) بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهى ياتها ..
وفتها. وتجىء الشريعة التاليه بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة.
فشريعة التوراة - مثلا - عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك.
(لا تقتل). (لا تسرق) فطابعها البارز تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة.
وشريعة الإنجيل تجىء بعدها فتقرر هذه الأمور، ثم تقرقى فتزيد آداباً.
محملة ( أحسن إلى من أساء إليك).
وأخيراً تجىء شريعه القرآن فيراها تقرر كلا المبدأين فى نسق واحد
(إن الله يأمر بالعدل والإحسان) .
هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة
فى بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع . وكانت مهمة اللبنة الأخيرة.
منها أن أكملت البنيان وملات مابقى فيه من فراغ، وأنها فى الوقت نفسه.
كانت بمثابة حجر الزاوية الذى يمسك أركان البناء .
وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين صور الرسالات السماوية
فى جملتها أحسن تصوير فقال: ( مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل.
ینی بيناً فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة جعل الناس يطوفون به ويعجبون ..
له ويقولون: هلا وضعت هذه اللينة. فأنا اللينة وأنا خاتم النبيين)) (١).
وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع ..
السابقة إنما هى فى الأصول والكليات ، لا فى الفروع والجزئيات .
(١) من بحث قيم للمر حوم الشيخ محمد عبد الله دراز موضوعه(موقف.
- الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها) نشر بمجلة لواء الإسلام العدد.
١١ السنه ١١ ص ٦٨١، وكان فضيلته قد أعدهذا البحث لإلقائه فى الندوة.
العالمية للإسلاميات ، التى انعقدت فى لاهور فى أواخر سنه ١٩٥٧، إلا أن
المنية عاجلته قبل الانتهاء من الندوة - فرحمة الله عليه ورضوانه.

٣٦٥
سورة البقرة
ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد
عليها بما يبطلها فقال :
وَ قَالُواْ كُونُواْ.
هُوْدًا أَوْ نَصَدَرَ تَهْتَدُوَ قُلْ بَلْ مِلَّ إِبْرَاهِمَ حَنِفًا وَمَا كَانَ مِنَّ
الْمُشْرِ كِينَ أَ قُولُواْءَ امَنَّ ◌ِلّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَ هِّ
وَإِسَمْعِيلَ وَإِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوْبِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَاً.
أَوِي النَّبِيُونَ مِن رَّبِهِمْ لَ نْفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَحْنُ لَهُم مُسْلُونَ (٣)
فَإنّءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَاَ ءَامَنِتُ بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدُواْ وَإِن تَوَلَّوَاْ فَمَا هُمْفِ
شِقَاتٍ فَسَكْفِيكُهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ ﴿َ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ
(أَحْسَنُ مِنَ الَهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ (﴿ قُلْ أَتُّحَجُونَنَا فِ اللَّهِ
وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَا أَعْمَدُنَ وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُم ◌ُخْلِصُونَ (٣)
(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواً.
هُودًا أَوْ نَصَرَنَّ قُلّ ءَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ لّهُ وَمَنْ أَظْلُ غَمْنَ كَثَمَ شَدَةً
عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا الَّهُ بِغَِلٍ عَمّ تَعْمَلُونَ (٤) ◌ِّكَ أُمَّةٌ قَدْ خَتْهُ
إِهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْمَّا كَبْتُمْ وَلَ تُسْعَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ◌َ
٠

٢٦٦
الجزء الأول
عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ((قال عبد الله بن صوريا الأعور
أرسول الله (صلى الله عليه وسلم، ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعها - يا محمد -
تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله - عز وجل - «وقالوا كونوا
هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، (١).
ومعنى الآية الكريمة: وقالت اليهودللنبى (صلى الله عليه وسلم)، والمسلمين.
اتركوادينكم واتبعوا دينناتهتدوا وتصيبوا طريق الحق، وقالت النصارى مثل.
ذلك قل لهم - يا محمد - ليس الهدى فى اتباع ملتكم، بل الحق فى أن نتبع)
ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، فاتبعوا أنتم - يا معشر أهل
الكتاب - ما اتبعناه لتمكونوا حقاً سالكين ملة إبراهيم الذى لا تنازعون
فى هداه .
وقوله تعالى: ( وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) حكاية لما
زعمه كل من فريقى اليهود والنصارى من أن الهدى فى اتباع ملتهم.
و (أو ) للتنويع، أى قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يتقبل
الله سواها ، فاتبعوها تهتدوا ، وقال النصارى لغير هم کو فو ا نصاری هقدوا، ..
إلا أن القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله: ((وقالوا كونوا هوداً أو نصارى ..
تهتدوا، لمعرفة السامع أن كل فريق منهم بكفر الآخر، ويعد ديانته.
باطلة، كما حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله تعالى: ((وقالت اليهود ليست.
النصارى على شىء، وقالت النصارى ليست اليهود على شىء .. )).
ثم لقن الله - تعالى - نبيه (صلى الله عليه وسلم) الرد الملزم لهم، فقال.
تعالى: (( قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)،.
الملة: الدين ، والحقيف فى الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين
الحق ووصف به إبراهيم - عليه السلام - لميله عن الأديان الباطلة التى.
كانت موجودة فى عهده إلى الدين الحق الذى أوحى الله به إليه .
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٢٩

٣٦٧
سورة البقرة
وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفاً من الحنف وهو الاستقامة.
قال الإمام الرازى: ((لأهل اللغة فى الحنيف قولان: الأول. أن الحقيفه
هو المستقيم، ومنه قيل للأعوج أحنف تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ
سليم والمهلكة مفازة، قالوا فكل من أسلم الله ولم ينحرف عنه فى شىء
فهو حنيف، وهو مروى عن محمد بن كعب القرظى الثانى: أن الحنيف المائل،
لأن الأختف هو الذى يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها. وتحنف.
إذا مال ، فالمعنى: إن إبراهيم - عليه السلام - حنف إلى دين الله، أى
مال إليه، فقوله: ( بل ملة إبراهيم حنيفاً) أى: مخالفاً اليهود والنصارى ..
والمعنى: قل يا محمد لليهود ليس الهدى فى أن تتبع ملتكم ، بل الهدى فى
أن تتبع ملة إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، والذى ما كان
من المشركين بأى صورة من صور الشرك .
وقوله تعالى: («بل ملة إبراهيم حنيفاً. وما كان من المشركين، أى: بل نتبع.
ملة إبراهيم حنيفاً .. وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاء كل من اليهود.
والنصارى، لأن حرف (بل) يؤتى به فى صدر الكلام لينفى ما تضمنته الجملة
السابقة، والجملة السابقة هنا هى قول أهل الكتاب ,وقالوا كونوا هودا
أو نصارى تهتدوا، فجاءت بل بعد ذلك لتنفى هذا القول، والتثبت أن الهداية
إنما هى فى اتباع ما كان عليه إبراهيم - عليه السلام -، وفى إتباع من سار
على نهجه وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم) .
وفى هاتين الجملتين وهما قوله تعالى: («بل ملة إبراهيم حنيفا، .. وما
كان من المشركين، دعوة اليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها، ولبعدها
عن الشرك، وفى ذلك تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة ، بل هى معوجة،
وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة ؛ لأنهم أشر كوامع.
الله آلهة أخرى، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به.
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٠٥١٨
٠

٣٦٨
الجزء الأول
قال الإمام الرازى - ما ملخصه -: «فى الآية الكريمة. جواب إلزامى
لهم وهو قوله تعالى ((بل ملة إبراهيم حنيفاً، وتقرير هذا الجواب: أنه إنكان
طريق الدين التقليد، فالأولى فى ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين"
قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه، أولى من الأخذ
بالمختلف فيه .
وإن كان طريقه الاستدلال والنظر. فقد سقنا الكثير من الدلائل على
أن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الموافق لما جاء به إبرهيم - عليه
السلام - فى أصول الدين (١).
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى جواب جامع وكلمة سواء تفيد
فبذ التعصب جانباً وتدعو إلى اتباع الوحى الإلهى الذى أرسل الله به الرسل
مبشرين ومنذرين بدون تفرقة بين أحد منهم ، وهو يتضمن دعوة أهل
الكتاب إلى الطريق الحق فقال تعالى: («قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل
إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى
وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهمٍ، ونحن له مسلمون)).
أى: قولوا أيها المؤمنون لأولئك اليهود الذين يزعمون أن الهداية فى اتباع
ملتهم، قولوا لهم: ليست الهداية فى اتباع ملتكم فقد دخلها الشرك والتحريف،
وإنما الهداية فى أن نصدق بالله، وبالقرآن الكريم الذى أنزله الله إلينا، وبما
أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط))، وبالنوراة التى
أنزلها الله على موسى وبالإنجيل الذى أنزله الله على عيسى، ونحن فى تصديقنا
بالأنبياء لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعضهم و تكفر بالبعض الآخر كما فعلتم
أنتم يا معشر اليهود وإنما نؤمن بهم جميعاً، بدون تفرقة بينهم ، ونحن ار بنا
مسلمون خاضعون بالطاعة . مذعنون له بالعبودية .
قال الإمام الرازى: (فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى
(١) تفسير المخر الرازى ج ٣ ص ٠٩١

٣٦٩٠
سورة البقرة
وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ؟ قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد
من تلك الشرائع كان حقاً فى زمانه ، فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود فإنهم
لما اعترفوا بقوة بعض من ظهر المعجز على يديه، وأفكروا نبوة محمد عبد
- مع قيام المعجز على يديه ، فحينئذ بلزمهم المناقضة فظهر الفرق (١).
وقوله تعالى : (قولوا آمنا بالله ) خطاب للمؤمنين .
والأسباط: جمع سبط، وهو الحفيد، وهم أبناء يعقوب- عليه السلام-
سمواً بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحق - عليهما السلام - وكانوا أثنى
عشر سيطاً كما قال تعالى: ( وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطاً أما)، والمراد:
الإيمان بما أنزل الله من الوحى على الأنبياء منهم.
قال الإمام القرطبى: والأسباط: ولد يعقوب، وهم اثناعشر ولداً،
ولكل واحد منهم أمة من الناس، وأحدهم سبط، والسبط فى بنى إسرائيل
بمنزلة القبيلة فى ولد إسماعيل، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع،
فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط ((بالتحريك، وهو الشجر،
أى هم فى الكثرة بمنزلة الشجر: الواحد سبطة، ويبين لك هذا ما روى
عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من إسرائيل إلا عشرة: فوحا وشعيبا،
وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا -
صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، (٢) .
وقوله تعالى:( وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم)، معناه:
وآمنا - أيضاً - بالتوراة التى أعطاها الله - تعالى - لموسى، وبالإنجيل الذى
أعطاه لعيسى، وبكل ما آناه الله لأنبيائه تصديقاً لهم فى نبوتهم.
وعطف - سبحانه - عيسى على موسى بدون إعادة الفعل لأن عيسى جاه
-مصدقاً للتوراة، وما نسخ منها إلا أحكاماً يميرة، كما أشار إلى ذلك
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤١٧.
(٢) تفسير القرطبى ج ٢ ص ١٤١ بتلخيص.
(م ٢٤ - سورة البقرة )

٣٧٠٠
الجزء الأول
القرآن الكريم فى قوله حكاية عنه «ومصدقاً لما بين يدى من التوراة ».
ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم ، ..
وقدم - سبحانه - الإيمان بالله على غيره، لأن الإيمان بالأنبياء وما أنزل.
إليهم متوقف على الإيمان بالله .
وقدم الإيمان بما أنزل إلينا - نحن معشر المسلمين-وهو القرآن الكريم
لأن الإيمان به يجب أن يكون على وجهى الإجمال والتفصيل ، أما ما أول
على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل، فيكفى الإيمان به على وجه الإجمال.
و قوله تعالی: «لا نفرق بين أحد منهم ، معناه: لا نفرق بين جماعة
النبيين ، فنؤمن ببعض وفكفر ببعض كما فعلتم يا معشر اليهود، إذ كفرتم.
بعيسى ومحمد ( صلى الله عليه وسلم) وفعلكم هذا فى حقيقته كفر بالأنبياء
جميعاً، لأن من كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل ، ولذلك فنحن معشر
المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بدون تفرقة أو استثناء.
ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب إن آمنوا بما دعوتموهم إليه معشر
المسلمين ، فقد أصابوا الهدى ، وإن نأوا وأعرضوا فهم معاندوفه.
مستكبرون فقال تعالى :
( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن قولوا فإنما هم فى شقاق.
فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ).
والفاء التى صدرت بها الآية الكريمة لترقيب ما بعدها على ما قبلها.
لأن قول المؤمنين «آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم الخ.
من شأنه أن يرقق القلوب الجاحدة ، ويستميل النفوس الشاردة ،
لبعده عن التعصب والعناد، ولأنه الحق الذى تؤيده العقول السليمة، وإذا"
لم يؤمنوا به فمرد ذلك إلى شدة عنادهم والتواء أفكارهم .
وقوله تعالى: (فقد اهتدوا) ترغيب لهم فى اتباع الحق الذى اتبعه ..
المؤمنون، أى : فإن آمنوا مثل إيمانكم فقد اهتدوا ورشدوا.
وكامة: (مثل) فى الآية الكريمة معناها، نفس الشىء وحقيقته. المراد ..

٣٧١
سورة البقرة
فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به فقد اهتدوا، ومنه قول العرب: «شاك
لا يبخل، والمراد أنت لا تبخل. ويرى بعض المفسرين أن كلمة ( مثل))
هنا على حقيقتها وهى الشبية والنظير، وأن المماثلة وقعت بين الإيمانيين ،
. وأنها لا تقتضى تعدد ما أمرنا الله أن نؤمن به .
قال الإمام القرطبى: «المعنى: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدقوا.
مثل تصديقكم فقد اهتدوا، (١) . .
وقال ابن جرير: فإن صدقوا مثل تصديقكم بجميع ما أنزل عليكم من
كتب الله وأنبيائه، فقد اهتدوا، فالتشبيه إنما وقع بين التصديق والاقرارين
الذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء، كقول القائل: (مو عمر و بأخيك
مثل ما مررت به ) يعنى ذلك ( مر عمرو بأخيك مثل مرورى به) والتمثيل
إنما دخل تمثيلا بين المرورين لا بين عمرو وبين المتكلم، فكذلك قوله:
((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين لا بين المؤمن
به). (٢) .
وقوله تعالى: ((وإن تولوا فإنما هم فى شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع
العليم، بيان لحالهم عند إعراضهم عن دعوة الحق، ووعد من الله - تعالى -
للنبى (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين بالنصر عليهم ، والعصمة من شرورهم.
والشقاق : المنازعة والمخالفة والتعادى وأصله من الشق وهو الجانب
فكأن كل واحد من الفريقين فى شق غير شق صاحبه .
وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب ، فكأن كل واحد
من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه .
والمعنى: وإن أعرض هؤلاء الذين زعمواأن الهداية فى ملتهم عن الإيمان
الذى تدعوهم اليه - يا محمد - فاعلم أن إعراضهم سببه المخالفة والمعاندة
والمعاداة إذ لا حجة أوضح من حجتك، وما داموا هم كذلك نسيقيك
(١) تفسير القرطبى ج ٢ ص ١٤٣
(٢) تفسير ابن جرير ج١ ص ٤٣١
ع

٣٧٢٠
الجزء الأول
. الله شرهم، وينصرك عليهم، فهو سميع لما يقولونه فيك، عليم بما يبيتو
لك ولأنباءك من مكرو كيد، وهو الكفيل بكف بأسهم، وقطع دابرهم
وعبر بـ سبحانه - عن شدة مخالفتهم بقوله, فإنما هم فى شقاق
مبالغة فى وصفهم بالشقاق حيث جعله مستولياً عليهم استيلاء الظرف على
ما يوضع فيه .
ورتب قوله ((فسيكميكهم الله، على قوله (( فإنما هم فى شقاق، تثبيت
للنبى (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين لأن إعلامهم أن أهل الكتاب فى مخالف
ومعاداة لهم ة- يحملهم على الخوف منهم بسبب كثرتهم وقوتهم، فبشر الله
- تعالى - نبيه ( صلى الله عليه وسلم) بأنهم مهما بلغت قوتهم فلن يستطيعوا
أن يصلوا إليك بأذى. وأنه - سبحانه - سيكفيك شرهم.
وقد أو فى الله - تعالى - بوعده، فنصر نبيه (صلى الله عليه وسلم) عليه.
وعصمه من كيدهم بإلقاء العداوة بينهم وطرد من يستحق الطردمنهم، وقدل
من لابد من قتله بسبب خيانته وغدره . فالآية الكريمة قد تضمنت وعداً
المؤمنين بالنصر، ووعيداً لليهود ومن على شاكلتهم بالهزيمة والخيبة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك - أن دين الله وهو الإسلام أولى بالاتباع
فقال تعالى: ((صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون)).
الصبغة فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهى فى أصل اللغة . الحالة
التى يقع عليها الصبغ وهو تلوين الأشياء - كالثياب وغيرها - بألوان معينة
واستعملت الصيغة فى الآية بمعنى الإيمان بما فصلته الآية الكريمة وهى قوله
تعالى قبل ذلك «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى ... الخ الآية)).
وإنما أطلقت الصبغة على الإيمان بما ذكرته الآية مفصلا، لأن الإيمان
يمتزج بالقلوب امتزاج الصبغ بالمصبوغ ، وتبدو آثاره على المؤمنين كما
تبدو آثار الصبغ على المصبوع . ويقال: تصبح فلان فى الدين إذا أحسن
دينه ، وتقيد بتعاليمه تقيداً قاماً .

٣٧٣
سورة البقرة
وقوله ( صبغة الله ) هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر المؤكد
لقولهم ( آمناً) فإنه فى معنى صبغنا الله بالإيمان، وكأنخم قالوا صبغنا الله
بالإيمان صبغته . وإيراد المصدر تأكيداً لفعل أبوافقه فى المعنى ويخالفه
فى اللفظ معهود فى الكلام البليغ .
قال القاضى: قوله تعالى: ((صبغة اللّه، متعلق بقوله «قولوا آمنا بالله
إلى قوله ونحن له مسلمون)، فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله، ليبين
أن المباينة بين هذا الدين الذى اختاره الله، وبين الدين الذى اختاره المبطلون
ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذى الحس السليم» (١)
والاستفهام فى قوله تعالى ((ومن أحسن من اللّه صبغة، الإنكار والنفى
ولممعنى: لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو الذى يصبغ عباده بالإيمان
ويطهرهم من أدران الكفر والضلال ، فهى صبغة ثابتة لا تزول لأن الإيمان
متى خالطت بشاشته القلوب لا يرتد عنه أحد سخطة له . خلاف ما يتلقنة
أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو من الصيغة
البشرية ، التى تجعل من الدين الواحد أدياناً مختلفة ومذاهب متنافرة .
وهذا التركيب ((ومن أحسن من الله صبغة، يدل بحسب أصل الوضع
اللغوى على نفى أن يكون ديناً أفضل من دين الله، ويبقى احتمال أن يوجد
دين يساويه فى الحسن، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع
ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوباً يفهم منه بمعونة مقام المدح ففى مساواة
دين لدين الله فى الحسن ، كما يفهم منه نفى أن يكون هناك دین أحسن منه ،
وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق الكريمة ،
والآداب السمحة ، والعادات الصحيحة ، والسياسة الرشيدة ، والمعاملات
القائمة على رعاية المصالح .
وقوله تعالى: (( ونحن له عابدون، عطف على آمنا بالله فى قوله تعالى
(١) تفسير الرازى جـ ١ ص ٥٢٢

٣٧٤
الجزء الأول
((قولوا آمنا بالله .. )) والمعنى: قل لهم يا محمد إننا نحن معاشر المسلمين
نعبد الله وحده وصبغته هى صبغتنا ولا نعبد غيره فلا تتخذ الأحبار والرهبان
أرباباً يزيدون فى ديننا وبنقصون ويحلون ويحرمون ويمحون من النفوس
صبغة التوحيد، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه (صلى الله عليه وسلم ) أن يزيد فى تذ كيرم
ودحض حجتهم فقال تعالى: ( قل أتحاجون فى الله وهو ربنا وربكم ولنا
أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون. أم تقولون إن إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كافوا هودا أو نصارى، قل.
أ أنتم أعلم أم الله؟ ومن أظلم من كنتم شهادة عنده من الله؛ وما الله بغافل
عما تعملون . تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون
عما كانوا يعملون ).
ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين قالوا لك ولأصحابك
(((كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وزعموا أن دينهم هو المعتبر عند الله
دون دينك، قل لهم: أتجادلوننا فى دين الله وهو ملة الإسلام التى بعثنى
بها العالمين هدى ورحمة ، وتزعمون أن الهداية فيما أنتم عليه من اليهودية
والنصرانية، وتستبعدون عليه - تعالى - أن ينزل وحيه على من ليس منكم ،
بدعوى أنكم أقرب إلى الله منا، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، والحال أنه
- سبحانه - هو ((ربنا وربكم)) أى خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم
ومحاسبنا ومحاسبكم على ما يصدر منا ومنكم من أعمال .
وقوله تعالى: ((لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، معناه: لكل منا ومنكم
أعمال يترقب عليها الثواب والعقاب، فكما أننا فتساوى معكم فى أن الله
ربها وربكم فكذلك تتساوى معكم فى استحقاق الجزاء على الأعمال التى
فعملها ، فانظروا إلى أعمالنا وأعمالكم تجدوا أعمالنا خيراً من أعمالكم،
لأننا نريد عليكم الإخلاص لله فى تلك الأعمال فلا تستبعدوا أن يؤهل
أهل إخلاصه بإكرامهم بالنبوة.

٣٧٥
سورة البقرة
فقوله تعالى ,وهو ربنا وربكم ، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) حجنان
حيطلتان لدعوى أهل الكتاب أنهم أحق لأن تكون النبوة فيهم لأن نسبة
العبادة إلى الله - تعالى - واحدة هو ربهم وهم عباده، والتفاضل فى المنازل
لديه إنما يكون بالأعمال الصالحة والإخلاص تهفيها، وهو أعلم حيث يجعل
رسالته ، ويختص بوحيه من يراه أهلا لذلك ، وقد شاء - سبحانه - أن
ينزل وحيه على محمد (صلى الله عليه وسلم) النبى الأمى العربى، بدين عام
خالد فيه الهداية والنور والفلاح فى الدنيا والآخرة .
وقوله تعالى: ((ونحن له مخلصون)) بيان السبب أحقية المسلمين بالهداية
والكرامة، والمعنى، ونحن - يامعشر المسلمين - اربنا موحدون، نخلص
** العبادة والعمل، ولا نشرك معه آلهة أخرى، أما أنّ فقد أشر كتم وضللتم
فقال بعضكم ((عزير ابن عبد الله)) وقال بعضكم ((المسيح ابن الله، فنحن
أهدى منكم سبيلا، وأقوم قيلا .
ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن ، ولا أعمال المخاطبين بالسوء
تجنباً لنفور المخاطبين من سماع خطابهم ، بل أوردوا كلامهم مورد قوله
تعالى ((لكم دينكم ولى دين، كما أنهم لم يقولوا: ونحن مخلصون وأقّم
مخلصون، بل اقتصروا على نسبة الإخلاص لأنفسهم، وفى ذلك تعريض
لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله، فإن إخبار الإنسان باشترا كه مع
جماعة فى أمر أو أمور، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر، يومى. إلى أن هذا
الأمر الذى أثبته لنفسه خاصة معدوم فى أولئك الجماعة .
فيعنى الجملة: ونحن له مخلصون فى أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشى.
من الشرك كما فعل غيرنا .
١
وبعد أن أبطل القرآن الكريم محاجة أهل الكتاب فى دين الله بغير
حق وأفكر عليهم ذلك ، عقبه بإبطال دعواهم أن أسلافهم من الأنبياء
كانوا هودا أو نصارى فقال تعالى: «أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله،
۔۔

٣٧٦ ٢
الجزء الأول
ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون).
وقوله تعالى((أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط
حرف ((أم)) فيه معادل للهمزة فى قوله تعالى فى الآية السابقة , أتحاجوتنا
فى اللّه، على أحد الوجوه بمعنى أى الأمرين تأتون؟ المحاجة فى حكمة الله
أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين فى هذه الآية، والمراد
من الاستفهام عنهما إنكارهما معاً، إنكار حجاجهم [فى دين الله، وإنكار
قولهم إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا
أو نصارى .
فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم، قل لهم: لاتجا دلونتا
فى دين الله بغير حق، ولا تقولوا إن الأنبياء كانوا على دينكم ، فإن
مجادلنكم وأقوالكم من قبيل المزاعم الباطلة التى لا سند لها من عقل أو نقل.
وقوله تعالى: ((قل أأنتم أعلم أم الله، معناه قل لهم يا محمد إن زعموا،
أن الأنبياء المذكورين فى الآية كانوا هودا أو نصارى إن ما زعمتوه من أن
إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب كانوا أو نصارى هو على خلاف.
ما يعلمهالله، لأنه - سبحانه - قد أخبر نا بأنهم كانوامسلمين مبر تين عن اليهودية
والنصرانية، وأن يعقوب - عليه السلام - عندما حضرته الوفاة أوصى بنيه
بأن يموتوا على الإسلام، وأن التوراة والانجيل ما أنزلا إلا من بعد أولئك
الأنبياء جميعاً، هكذا أخبرنا الله (١) فهل أنتم أعلم بديانتهم أم الله ؟
ولا شك أنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم، وإنما سيقولون الله أعلم،
(١) والآيات تشهد بذلك منها قوله «ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب
يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتون إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم.
شهداء إذ حضر يعقوب الموت. إلى قوله تعالى ونحن له مسلمون)، ومنها.
قوله تعالى:يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أقزلت التوراة والإنجيل.
إلا من بعده أفلا تعقلون » .

٣٧٧
سورة البقرة
فإذا لزمهم هذا القول : قلنا لهم إذا فدعواكم لا أساس لها من الصحة
وبذلك تكون الجملة الكريمة قد قطعت حجتهم بأجمع بيان وأحكمه .
وقوله تعالى ((ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من اللّه، معناه لا أحد
أشد ظلماً ممن يكتم شهادة ثبتت عنده عن الله، تخر بأن هؤلاء الأنبياء كائه
على الإسلام ولم يكونوا هوداً أو نصارى .
قال فضيلة أستاذنا السيد محمد الخضر حسين - رحمه الله - ما ملخصه
((ولما أنزل قوله تعالى: ((الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه:
مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر،
ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ... ، إلى آخر الآية الكريمة،
كان من أهل الكتاب من آمن به وأخبر بما فى كتبهم من ذكره بصفته
وعلاماته، وكان منهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر فى الكتابين. ولكنه
يكابر ويقول : المقصود نبى لم يأت بعد وقد تصدى لجمع هذه البشائر من
كتابى التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم فى القديم والحديث،
وبينوا وجه انطباقها على حال النبى ( صلى الله عليه وسلم) بحيث لا تأخذ
الناظر الطالب للحق ريبة فى أنه الرسول الذى بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم
رسالته، ومن هذه البشائر ما جاء فى سفر التثنية من التوراة ( أقيم لهم من وسه
إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامى فى فمه فيكامهم بكل ما أوصيه به).
والنبى المماثل لموسى - عليه السلام - فى الرسالة والشريعة المستأنفة
هو النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) وإخوة بنى إسرائيل هم العرب، لأنهما.
يجتمعان فى إبراهيم - عليه السلام - و قو له((وأجعل كلامیفی فمه ، یو افق حال
النبى ( صلى الله عليه وسلم) من الأمية وعدم تعاطى الكتابة)، (١).
ثم ختمت الآية بالوعيد الشديد لهم على مزاعمهم الباطلة، فقال تعالى:
( وما الله بغافل عما تعلمون) .
(١) مجلة لواء الإسلام العدد ١٢ السنة الثالثة من ٠٨٢٧

٣٧٨٠
الجزء الأول
الغفلة: السهو والنسيان، والمراد أنه - سبحانه - محيط بأعمال هؤلاء الذين
كتموا الحق، لا تخفى عليه منها خافيه، وسيحاسبهم عليها حساباً عسيراً،
- ويعاقبهم على مزاعمهم الباطلة عقاباً أليماً، فالجملة الكريمة تهديد ووعيد
لأهل الكتاب .
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب - فى ختام الآيات - من التمادى
فى الكفر والمعصية، انكالا على انتسابهم الآباء كانوا من الأنبياء أو من
الصالحين، فقال تعالى: ( تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم.
ولا تسألون عما كانوا يعملون )
(تفاح) إشارة إلى أمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط
و (الأمة ) المراد بها هذا الجماعة من الناس الذين يجمعهم أمر واحد وهو
. هنا الدين ( قد خلت ) أى مضت وانقرضت .
ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين زعموا أن الهداية
فى ملتهم وإن إبراهيم وآله كانواهودا أو نصارى، قل لهم: إن إبراهيم وآله
يمثلون أمة قد مضت أسبيلها، لها عند الله ماكسبت من خير وعليها ما اكتسبت
من شر ولا ينفعها غير صالح أعمالها، ولا يضرها سوى سيئها، وإذا كان
الأمر كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين تفتخرون بهم، فمن الأولى أن يكون الأمر
كذلك بالنسبة لكم ، فعليكم أن تسلكوا طريق الإيمان والعمل الصالح وأن
تتر کواالاتكالعلىفضائل الآباء والأجداد فإن كل نفس يوم القيامة سقسالعن
أعمالها دون أعمال غيرها، كما بين ذلك قوله تعالى ( كل امرى بما كسب
رهين .
فالمقصد الأول الذى ترمى إليه الآية الكريمة ، هو تحذير المخاطبين
من تركهم الإيمان والطاعة، اعتماداً منهم على انتساهم الآباء كانوا أنبياء
أو صالحين، فإن هذا الاعتماد إنما هو نوع من الأمانى الكاذبة والأفكار
الفاسدة، وقد جاء فى الحديث الشريف (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)
وكأن الآية تقول لأهل الكتاب فى تأكيد: إن أمامكم ديناً دهيتم إلى

٣٧٩
سورة البقرة
لاتباعه، واقترنت دعوته بالحجة فانظروا فى دلائل صحته، وسمو حكمته،
-ولا تردوه بمجرد أن الأنبياء كانوا على ما أنتم عليه الآن ، فإن دعواكم
هذه لا تنفعكم ولو فى حال تسليمها لكم، إذ لا يمنع اختلاف الشرائع
باختلاف المصالح، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد دحضت ما ادعاه اليهود من أن
الهدى فى إتباع ملتهم، وأقامت الحجج والشواهد على كذبهم وافترائهم
وأرشدتهم إلى الدين الحق، ودعتهم إلى الدخول فيه، ووقتهم على المحاجة
فى دين الله بغير علم، وحذرتهم من الانحراف عن الصراط المستقيم اعتماداً
منهم على آباء لهم كانوا أنبياء أو صالحين، فإنه لن تجزى نفس عن نفس
شيئاً يوم الدين .
ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد
الأقصى إلى المسجد الحرام، وأورد الشبهات التى أثارها المشركون وأهل
"الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه المسألة، ورد عليها بما يدحضها
ويبطلها .
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلا منا عنه على النحو التالى :
أولا : كيف كان المسلمون يتجهون فى صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى
المسجد الحرام ؟
ثانياً: ما الشبهات التى أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟
ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل ؟
رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التى نزلت بشأن القبلة؟
خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها
من الأمور الفرعيه .
وإليك الإجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة.
أولا: فرضت الصلاة على النبى ( صلى الله عليه وسلم) فى مكة ليلة
الإسراء والمعراج. ويرى بعض العلماء أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان

٣٨٠
الجزء الأول
يستقبل فى صلاته وهو بمكة ببيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة،
بل كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس ، وذلك بأن يقف بين الر كنين.
الأسود والمانى .
ويرى بعضهم أنه كان يستقبل فى صلاته وهو بمكة المسجد الحرام . وهذا
الرأى هو الذى نرجعه، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم، ولأنه.
(صلى الله عليه وسلم) عربى، وظهر بينقومه العرب، ولاشك أن اعتزازهم
بالمسجد الحرام، أشد من اعتزازهم بأى مسجد آخر، إذن فالمصلحة والحكمة
تقضيان بأن يستقبل المسلمون فى صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة .
ومهما يكن من خلاف بين العلماء فى الجهة التى كان النبى (صلى الله عليه -
وسلم) يستقبلها فى صلاته وهو بمكة ، فإن الأمر الذى لاخلاف فيه ، أنه
بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل فى صلاةه سوى بيت المقدس بأمر من الله - تعالى-
وقد وردت أحاديث صحيحة فى ذلك، منها ما أخرجه البخارى فى صحيحه
عن البراء بن عاذب - رضى الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
صلى إلى بيت المقدس سنة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله
(صلى الله عليه وسلم)تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها
العصر وصلى معه قوم فخرج رجل من كان معه فمر على أهل المسجد وهم.
راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبى (صلى الله عليه وسلم) جهة بمكة
قداروا كماهم قبل البيت وكان اليهود قد أعجبهم إذا كان يصلى قبل بلات
المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أن كروا ذلك وجهه (١).
ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: بينما الناس.
بقباء فى صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه.
وسلم) قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها،
وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) (٢) .
(١) البخارى باب (الصلاة من الايمان) من كتاب الإيمان = ١ ص ١٧°
(٢) البخارى باب «ماجاء فى القبلة، من كتاب الصلاة جـ ١ ص ١٠٦