Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة البقرة
القرآر - وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بحقه فيد معها - حيث يقول:
، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
ءَامُواْبِمَ أَنزَلَ الهُ قَلُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ.
وَهُوَ الْخَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمَّ ◌ُلْ قَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنِيَةَ الَه مِنْ قَبْلُ إنه
كُنُؤْمِينَ { وَلَقَدْ جَاءٌمُوسَى ◌ِّبَإِنَتِ ثُمَ اتَخَدَّةُ الْعِْلَ مِنْ
بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَالِبُونَ (﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِشَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُ
الطُّورَ خُّواْمَآءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُوْسَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَثْرِ بُواً
فِي قُلُوِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِمٍ قُلّ ◌ِسَمَ يَأْرٌم ◌ِةٍ إَِتُكُمْ إِن كُمْ
ء.
مؤمنین
ومعنى الآيات الكريمة. أن اليهود المعاصرين العهد النبوى كانوا إذا
عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله من القرآن على محمد (صلى الله عليه وسلم)
أجابوا بقولهم : نؤمن بما أنزل علينا وهو التوراة التى أنزلها الله - تعالى -
على موسى، ويححدون غيرها وهو القرآن الكريم المصدق لها فى الأمر بإتباع
محمد (صلى الله عليه وسلم) ثم أمر الله - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وسلم)
أن يكذبهم فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فقال: ( قل فلم تقتلون أنبياء
الله من قبل إن كنتم مؤمنين) بالتوراة فإنها تنها كم عن قتلهم. ثم كذبهم القرآن
الكريم مرة أخرى فقال: ( ولقد جاءكم موسى بالبينات) أى: بالآيات
الواضحات الدالة على صدقه، والمكنكم ( اتخذت العجل من بعد) ذها به
لميقات ربه ( وأنتم ظالمون ) اعبادتكم غير اللّه تعالى .

٢٦٢
الجزء الاول
ثم كنبهم القرآن الكريم فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم بصورة
أخرى سوى ماسبقها فقال تعالى: ((وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور.
وقلنا لكم( خذوا ما آتيناكم ـ من التوراة - بقوة، أى بجدو حزم(واسمعوا)
ما أمرقم به فيها سماع قدبر وطاعة. ولكن أسلامكم الذين أقتم على شاكلتهم
قالوا لنبيهم: «حمعنا، قولك ,وعصيناء أمرك. وخالط حب المجل قلوبهم
كما يخالط الماء أعماق البدن، وكل هذه الأفاعيل منكم لا تناسب دعواكم
الإيمان بما أنزل إليكم، وإذا فبئسما يأمر كم به إيمانكم إن كنتم
مؤمنين بالتوراة كما تزعمون . فالواقع أن التوراة بريئة من أعمالكم ، وأنتم
بعيدون عن الإيمان بها .
وقوله تعالى : (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل
علينا ، تصوير لنوع آخر من قبائح اليهود، وإخبار عن إعراضهم عن
الحق بدعوى أنهم مكلفون بعدم الإيمان إلا بما أنزله الله على موسى وهو التوراة
والمقصود ( بما أنزل الله) القرآن الكريم. ولم يذكر المنزل عليه وهو
محمد (صلى الله عليه وسلم) للعلم به أو النقبيه على أن وجوب الإيمان بالكتاب،
يكفى فيه العلم بأنه منزل من عند الله - تعالى - ومتى استقر فى النفس أن
القرآن الكريم من عند الله، استتبع ذلك استحضار أنه أنزل على محمد
( صلى الله عليه وسلم ) .
وقولهم (نؤمن بما أنزل علينا) معناه: نؤمن بالتوراة التى أنزلها الله على
فبينا موسى دون غيرها مما أنزله الله عليك ـ يا محمد - ، وجوابهم هذا
يدل على غبائهم وعنادهم . لأن الداعى لهم إلى الإيمان ، يطلب منهم أن
يؤمنوا بكل ما أنزل الله من الكتب السماوية، ولكنهم قيدوا أنفسهم بالإيمان
ببعض ما أنزل الله وهو ما أنزل عليهم، فلم يكن إيمانهم مطابقاً لما أمر الله
به وهو التصديق بجميع الكتب السماوية ، ولاشك أن منآ من ببعض الكتب
السماوية وكفر ببعضها يكون كافراً بجميعها .
وقوله تعالى: ( ويكفرون بما وراءه) قصد به بيان التصريح بكفرهم

٢٦٣
سورة البقرة
بالقرآن الكريم بعد أن لموا بذلك فى قولهم: ((نؤمن بما أنزل علينا)).
والضمير فى ((وراء)) يعود على ((ما نزل علينا، المكنى به عن التوراة، أى:
قالوا نؤمن بما أنزل علينا والحال أنهم يكفرون بما سوى التوراة أو بما
.. بعدها وهو القرآن الكريم.
قال ابن جرير - رحمه الله -: ((وتأويل وراء فى هذا الموضع: سوى،
كما يقال للرجل المتكلم بالحسن، ما وراء هذا الكلام الحسن شىء يراد به
ليس من عند المتكلم به شىء سوى ذلك الكلام، فكذلك معنى قوله تعالى.
((ويكفرون بما وراءه، أى بما سوى التوراة، وبما بعده من كتب الله التى
: أنزلها على رسله » (١).
والضمير ((هو) فى قوله تعالى (( وهو الحق مصدقاً لما معهم، يعود إلى
القرآن الكريم المكنى عنه بقوله «بما وراءه)). والحق: الحكم المطابق
: الواقع، ووصف به القرآن الكريم لا شتماله على الأحكام المطابقة للواقع.
ومعنى كون القرآن مصدقاً لما مع اليهود وهو التوراة، أنه يدل على
نبوة النبى ( صلى الله عليه وسلم) . وبهذا كان مؤيداً للتوراة التى بشرت بالنعنى
(صلى الله عليه وسلم) وذكرت له نموتاً لا تنطبق إلا عليه، وبذلك يكون
اليهود الذين يدعون الإيمان بما أنزل عليهم كاذبين فى دعواهم ، لأنهم لميؤمنوا
بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) الذى بشرت به قوراتهم وأمرتهم بالأيمان به
. وأيدها القرآن الكريم فى ذلك.
قال صاحب الكشاف: وفى قوله تعالى: ((وهو الحق مصدقاً لما معهم))
.رد لمقالتهم (( أؤمن بما أنزل علينا، لأنهم إذ كفروا بما يوافق النوراة
فقد كفروابها، (٢).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله ( صلى الله عليه وسلم) أن يوبخهم ويبطل
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤١٨ :
(٢) تفسير الكشاف بتصرف جـ ١ ص ٠٢٢٤

٢٦٤
الجزء الأول
دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم بدليل إلزامى فقال تعالى: ( قل فلم تقتلون.
أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين).
والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين إذا دعونهم إلى الإيمان بك ..
قالوا. (« نؤمن بما أنزل علينا، قرلهم: إن كنتم حقاً مؤمنين بما أنزل عليكم.
وهو التوراة ، فلأى شىء تقتلون أنبياء الله مع أن التوراة تحرم عليكم قتلهم».
بل هى قأمركم باقباءهم وتصديقهم وطاعتهم لأنه أرسلهم لهدايتكم وسعادتكم.
إن قتلكم لهم أكبر دليل على أنكم لم تؤمنوا لا بما أنزل عليهم.
ولا بغيره وأنكم كاذبون فى مدعاكم لأن جميع ما أنزل الله من وحیی.
يحرم قتل الأنبياء، ويأمر الناس باتباعهم وطاعتهم.
ويرجع معنى الآية إلى نفى فعل الشرط وهو كونهم مؤمنين، إذ لا وجه.
لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة، وهذا كما تريد أن تنفى عن رجل
العقل لفعله ما ليس من شأنه أن يصدر من عاقل، فتقول له: إن كنت.
عاقلا فلم فعلت كذا ؟ أى أنت لست بعاقل .
والفاء فى قوله تعالى (( فلم تقتلون ، واقعة فى جواب محذوف دل عليه.
ما بعده، والتقدير إن كنتممؤمنين بما أنزل عليكم فلم تقتدون أنبياء الله - تعالى-
والإتيان بالمضارع فى قوله - تعالى-، تقتلون، مع أر القتل الأنبياء وقع.
من أسلافهم بقرينة قوله تعالى: ((من قبل، لقصد استحضار تلك الجناية
الشنيعة، وللتنبيه على أن ارتكاهم لنلك الجريمة البشعة يتجدد ويقع منهم ..
المرة تلو الأخرى، وللإشعار بأن الخلف يمشون على عماية السلف، فى التحدى ..
والعصيان، فلقد حاول اليهود المعاصرون للعهد النبوى قتل الرسول صحي اله
ولكن الله - تعالى - عصمه منهم، وتجاه من مكرهم.
وأضاف سبحانه - الأنبياء إليه فقال: « أنبياء الله، التنبيه على شرفهم.
العظيم ، وللدلالة على فظاعة عصيان اليهود واجتراحهم المنكر، إذ قابلوا
بالقتل من يجب عليهم أن يقابلوم بالتصديق والتوقير والطاعة . .
ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم يؤمنوا بمك

٢٦٥
سورة البقرة
أنزل عليهم كما يدعون. ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل، فقال تعالى:
((ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون)).
البينات : جمع بينة وهى الآيات والمعجزات الدالة على صدقه وحقية -
نبوته ، كانقلاب العصا ثعباناً، وفلق البحر ، وانفجار العيون من الحجر
... الخ
وإنما سماها الله بينات، لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتى بها شر
بتسخير الله ذلك له دلت على صدق موسى - عليه السلام - فى نبوته.
ورسالته .
والمعنى: ولقد جاءكم - يابنى إسرائيل - نبينا موسى بالآيات الواضحات
الدالة على صدقه، وجقية نبوته ، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه
وتطيعوه ولكنكم لم تفعلوا فقد اتخذتم العجل إلهاً من بعد مفارقة نبيكم موسى
لكم لمنا جاة ربه ، ومن بعد مشاهدتكم لتلك المعجزات، التى استبان بها
صدقه فيما يبلغكم عزربه فأنتم ظالمون بذلك، لأنكم تركتم عبادة من يستحق.
العبادة وهو الله - تعالى - وعبدتم العجل الذى لا يملك ضراً ولا نفعاً.
فالآية الكريمة فيها أبطال لدعوائم الإيمان بما أنزل عليهم، لأنهم لو كانوا
«ؤمنين حقاً بنيهم الذى جاءهم بالبينات، لما تركوا ما أمرهم به وهو عبادة.
الله، وفعلوا ما نهاهم عنه وهو عبادة العجل .
ثم ذكر القرآن الکریم جنایة أخری تکذبهم فىدعواهم « انميؤمنون
بما أنزل عليهم ، وهى إباؤهم التوراة عناداً واستكباراً فقال تعالى :
(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ماآتينا كم بقرة
واسمعوا، قالوا سمعنا وعصينا، وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم، فل
بتسما يأمر كم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ).
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا - يا بنى إسرائيل - وقت أن أخذنا الميثاق
عليكم بأن تعملوا بما فى التوراة ، وقتلقوا أحكامها بالتقبل والطاعة ورفعتك.

٢٦٦
الجزء الأول
خوفكم التطور لنريكم آية من آبائنا العظمى التى تقوى قلوبكم، وتجعلكم
تقبلون على تعاليم التوراة برغبة واستجابة ، وقلنا لكم خذوا ما آتينا كم بجد
.وحزم، وأسمعوا ما أمر ناكم به سماع تدروطاعة، ولكنكم - يا بنى إسرائيل-
يامن تدعون الإيمان بما أنزل عليكم - أعرضتم عما أمر تم به من قبول التوراة
وقلتم لنبيكم مهمعنا قولك وعصينا أمرك، وخالط حب عبادة العجل قلوبكم
كما يخالط الماء أعماق البدن ولم تأبهوا بما جاءكم فى التوراة من الهدى والنور
بما صحب عرضها عليكم من الآية البينة وهى رفع الجبل فوقكم حتى ظننتم
"أنه وافع بكم فكفرقم بذلك كله ولازالت نفوسكم تحن إلى عبادة العجل.
ولقد سرقم على منهج أسلافكم فى العناد والجحود والإعراض عما ينزله الله
من الحق ، وإذا كان هذا شأنكم فكيف تدعون الإيمان بما أنزل عليكم ؟
ثم أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يوبخهم على تخرصاتهم فقال
تعالى: ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين).
وقوله تعالى: (ورفعنا فوقكم الطور ) معناه : أننا حر كناه ونقلناه
معلقاً فوقكم فى الهواء ، لتروا بأعينكم آية كونية من شأنها أنها تحملكم
على الإيمان والطاعة إن كانت لكم عقول تعقل.
ومعنى قوله تعالى: ( خذوا ما آنيناكم بقوة واسمعوا): قلنا لكم
خذوا ما أمرنا كم به فى التوراة بحدوا جتهاد فى تأديته ، واسمعوا ماتؤمرون
به سماع طاعة وتفهم . فقوله تعالى ( واسمعوا) ليس المراد به مجرد السماع
القول فقط، بل المقصود منه السماع الذى يصحبه التدبر والاستجابة
للأمر : فهو مؤ كد ومقرر لقوله تعالى: ( خذوا ما آتيناكم بقوة).
ثم حكى - سبحانه - جوابهم الذى يدل على عنادهم فقال: (قالوا
سمعنا وعصينا).
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت
طابقه من حيث إنه قال لهم أسمعوا: وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة،
فقالوا سمعنا ولكن لاسماع طاعة).

٢٦٧
سورة البقرة
وقد اختلف المفسرون هل صدر متهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقاً
أو أنهم فعلوا فعلا مقام القول فيكون مجازاً ؟
قال الفخر الرازى: (الأكثرون من المفسرين على أنهم قالوا هذا القول
حقيقة . وقال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان
فعبر عن ذلك بالقول ولم يقولوه، كقوله تعالى (فقال لها وللأرض إئتيا
طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ). قال : والأول أولى لأن صرف
الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز) (٢).
وقوله تعالى: ( وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم ) عطف على قولهم
سمعنا وعصينا) والإشراب: السقى وجعل الشىء شارباً، واستعمل على
وجه النجوز فى خلط لون بآخر كان أحد اللونين فى الآخر، يقال:
بياض مشرب بحمرة أى مختلط، وفلان أشرب قلبه حب كذا بمعنى خالط
حبه قلبه .
قال الإمام الرازى: قوله تعالى (وأشربوا فى قلوبهم العجل) فى وجه
هذه الاستعارة وجهان : الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته
كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله فى قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله:
(إنما يأكلون فى بطونهم ناراً)، الثانى: كما أن الشرب مادة لحياة ماتخرجه
الأرض، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال)(٣).
وفى الجملة الكريمة ( وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم ) مضاف
تخذوف وهو لفظ ( حب ) لدلالة المعنى عليه.
والمعنى : إن هؤلاء اليهود للذين مردوا على العصيان قد خالط حب.
العجل نفوسهم حتى استقر فى قلوبهم كمابخالط الماء أعماق الجسد . وحذف
:
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٥
(٢) الفخر الرازى ج ١ ص ٤٣٢
(٣) تفسير الرازى جـ ١ ص ٤٣٢

٢٦٨
الجزء الأول
لفظ الحب من الجملة الكريمة ، يشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى
لكأنهم أشربوا ذاته .
والتعبير بقوله: ( أشربوا) يشير إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر
الذى لا اختيار لهم فيه كأن غيرم أشربهم إياه .
وقوله تعالى ( بكفرهم ) دليل على أن محبتهم للعجل ناشئة عن كفر
سابق ، وجحود متأصل فكفرهم الذى ترتب على عبادتهم للمجل ، قد
سبقه كفر آخر ، فهو كفر على كفر .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه فى ختام الآية الكريمة بتوبيخهم فقال تعالى:
((قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين، أى: قل - يا محمد .
لهؤلاء اليهود الذين يدعون الإيمان بما أنزل عليهم - قل لهم - بتس الشىء
الذى يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء وعبادة العجل والعصيان إن كنتم مصدقين
كما زعمتم ـ بالتوراة، والحق أن التوراة ما أمرتكم بشىء من ذلك فما
أنتم بمؤمنين بها ولا بغيرها من كتب الله، لأنها لا تأمر بالفحشاء.
﴿فالجملة الكريمة خلاصة لإبطال قولهم («نؤمن بما أنزل علينا، بعد أن
أبطله الله - تعالى - فيما سبق بشواهد متعددة، لأنهم لما زعموا ذلك،
وكانوا مع هذا يفعلون أفعالا قبيحة تناقض الإيمان بأى كتاب سماوى،
أمر الله - تعالى - رسوله ( صلى الله عليه وسلم) أن يذمهم على هذه.
الأفعال التى تناقض الإيمان بما أنزل عليهم لكى يعلم الناس جميعاً أن
دعواهم لا أساس لها من الصحة .
وأضاف - سبحانه - الإيمان إليهم فقال (إيمانكم) ولم يقل الإيمان ،
لأنه ليس إيماناً صحيحاً وإنما هو إيمان مزعوم، فإضافة الإيمان إليهم.
من باب التهكم بهم، والاستهزاء بعقولهم.
وقوله تعالى ((إن كنتم مؤمنين، تشكيك فى إيمانهم بالتوراة، وقدح فى
صحة دهوأهم فإن الإيمان الحق إنما يأمر بعبادةالله وحده، وينهىعن عبادة
سواء وعن ارتكاب السوء والفحشاء.

٢٦٩
سورة البقرة
فالجملة الكريمة فى معنى النفى لادعائهم الإيمان بالتوراة لأنها ما أمرت
بشىء يبغضه الله تعالى.
قال الإمام ابن جرير: وقوله ((إن كنتم مؤمنين) أى إن كنتم مصدقين
كما زعمتم بما أنزل الله عليكم. وإنما كذبهم الله بذلك لأن التوراة تنهى
عن ذلك كله ، وتأمر بخلافه ، فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة إن كان
يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به . وإنما ذلك ذفى من الله - تعالى -
عن التوراة أن تكون تأمر بشىء ما يكرهه الله من أفعالهم وأن يكون
التصديق بها يدل على شىء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه - جل ثناؤه -
أن الذى يأمرهم بذلك أهواؤهم، والذى يحملهم عليه البغي والعدوان، (١)
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد أنامت الأدلة المتعددة ، والبراهين
القاطعة على كذب اليهود فى دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ، وربتهم
على مزاعمهم الباطلة ، وأقوالهم الفاسدة .
هذا ، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز كلام رصين عند
حديثه عن هذه الآيات ، فقد قال - رحمه أنه - :
يقول الله تعالى فى ذكر حجاج اليهود: (وإذا قيل لهم آمنوابما أنزل
اللّه، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدا
لما معهم، قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ؟٠٠.».
هذا قطعة من فصل من قصة بنى إسرائيل ، والعناصر الأصلية التى
تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلى :
١ - مقالة ينصح بها الناصح لليهود: إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن
٢ - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين .
٣ - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه.
وأقسم لو أن محامياً بليغاً وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن فى هذه
القضية، ثم هدى إلى استنباط هذهالمعانى التى تختلج فى نفس الداعى والمدعو
(١) تفسير ابن جرير ج ١ من ٤٢٤

٢٧٠
الجزء الأول
لما وسعة فى أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات ، ولعله بعد ذلك لا يني.
بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق .
قال الناصح اليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة، ألستم قد أمنتم
بالتوراة التى جاء بها موسى لأنها أنزلها الله؟ فالقرآن الذى جاء به محمد
( صلى الله عليه وسلم) أنزله الله، فآمنوا به ك) آ منتم بها.
فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير فى هذا اللفظ الوجيز (آمنوا
بما أنزل الله). وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى
كفايته، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشىء بحمجته، وبذلك أخرج.
الدليل والدعوى فى لفظ واحد.
ثم أنظر كيف طوى ذكر المنزل عليه فلم يقل: آمنوا بما أنزل الله.
(على محمد )، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة.
أتدرى لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكار فى نظر الحكمة البيانية زائداً، وفى.
نظر الحكمة الإرشادية مفسداً .
أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها فى الإلزام، فأدير الأمر
على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذى هو محمود الدليل.
وأما الثانى فلان إلقاء هذا الإسم على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج.
أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعى من التأليف
والإصلاح ...
كان جواب اليهود أن قالوا: إن الذى دعانا الإيمان بالتوراة ليسهو
كونها أنزلها الله فحسب، بل إننا آمنا بها لأن الله أنزلها علينا. والقرآن لم ينزله
علينا، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شرعة ومنهاج.
هذا هو المعنى الذى أو جزه القرآن فى قوله: « نؤمن بما أنزل علينا)،
وهذا هو المقصد الأول، وقد زاد إيجاز هذه العبارة أن حذف منها فاعل ..
الإنزال وهو لفظ الجلالة، لأنه تقدم ذكره فى نظيرتها.

٢٧١
سورة البقرة
ومن البين أن اقتصارهم على الإيمان بما أنزل عليهم يومى. إلى كفرانهم.
بما أنزل على غيرهم، وهذا هو المقصد الثانى، ولكنهم تحاشوا التصريح به
لما فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه، أنظر
كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً له، ولم يدخل مضمون قولهم
فى جملة ما نقله من كلامهم، بل أخرجه فى معرض الشرح والتعليق على
مقالتهم فقال :
((وبكفرون بما وراءه)، أليس ذلك مو عاية الأمانة فى النقل؟ ..
ثم جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه.
فتراء لا يبدأ محاورتهم فى دعوى إيمانهم بكتابهم، بل يتركها مؤقتاً
كأنها مسلمة ليس عليها وجوب الإيمان بغيره من المكتب فيقول: كيف
يكون الإيمان بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله ؟ لا بل هو الحق.
كله، وهل يعارض الحق الحق حتى يكون الإيمان بأحدهما موجبا الكفر
بالآخر.؟
ثم يترقى فيقول: وليس الآمر بين هذا الكتاب الجديد و بين الكتب ..
السالفة عليهم كالأمر بين كل حق وحق ، فقد يكون الشىء حقاً وغيره حقاً
فلا بتكاذبان ، ولكنهما فى شأنين مختلفين، فلا يشهد بعضهما البعض،
أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهداً ومصدقاً لما بينيديه من الكتب، فكيف
یکذب به من يؤمن بها .
فانظر إلى الإحكام فى صنعة البيان: إنما هى كامة رفعت وأخرى وضعت
فی مکلها عند الحاجة إليها ، فكانت هذه الكلمة حسما لكل دذر، وسداً
لكل باب من أبواب الهرب، بل كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة
تطويق للخصم قمت خطوة واحدة، وفى غير ما جلبة ولا طنطنة .
ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوى الذى ساقه مساق الاعتراض
والاستطراد، استوى إلى الرد على المقصد الأصلى الذى تبجحوا بإعلانه-

٢٧٢
الجزء الأول
.والافتخار به، وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم ، فأوسعهم إكذاباً
وتفنيداً. وبير أن داء الجحود فيهم داء قديم ، قد أشريره فى قلوبهم ومضت
عليه القرون حتى أصبح مرضاً مزمناً وأن الذى أنوه اليوم من الكفر بما أنزل
على محمدما هو إلا حلقة متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عليهم، وساق على
ذلك الشواهد التاريخية المفظمة التى لا سبيل لإفكارها فى جهلهم بالله،
وانتهاكهم لحرمة أنبيائه، وتمردهم على أوامره , قل فلم تقتلون أنبياء الله
من قبل إن كنتم مؤمنين ).
تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استمدت له فى آخر المرحلة
السابقة، إذ يفهم السامع من تكذيهم لما يصدق كتابهم أهم صاروا مكذبین
الكتابهم نفسه ، وهل الذى يكذب من يصدقك يبقى مصدقاً لك ؟؟ ...
ثم انظر بعد أن سجل القرآن على بنى إسرائيل أفحش الفحش وهو.
وضعهم البقر الذى هو مثل فى البلادة موضع المعبود الأقدس ، وبعد أن
وصف قسوة قلوبهم فى تأبيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة.
بعد كل ذلك تراه لا يزيد على أن بقول فى الأمر: إن هذا (ظلم)،
وفى الثانية ( بئسما) صنعتم ، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات ؟ نعم
إنها كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فهمتا على وجهها، ولكن أبن حدة
الألم وحرارة الاندفاع فى الانتقام؟ بل أين الأفذاع والتشنيع؟ وأين الإسراف
. والفجور الذى تراه فى كلام الناس ، إذا أحفظوا بالنيل من مقامهم.
١
الله ما أعف هذه الخصومة وما أعز هذا الجناب، وأغناه عن شكر الشاكرين
وكفر الكافرين، وتالله أن هذا الكلام لا يصدر عن نفس بشر)، (١).
ثم أمر الله - تعالى - نبيه ( صلى الله عليه وسلم)) أن يرد على اليهود فى
دعواهم أن الجنة أن يدخلها إلا من كان على ملتهم فقال - تعالى - .
(١) عن كتاب ( النبأ العظيم ) من ص ١١٤: ص ١٢٢ لفضيلة
الأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز .

٢٧٣
سورة البقرة
قُلّ إِن كَانَتْ لَكُرُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَلِصَةٌ مِّنْ
دُوِنِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ وَلَنْ يَتَمَنّوهُ أبدا
١٠٠٤١٠٠٠
◌ِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْظَّالِنَ ﴿ وَلَتَجِدَنَهُمْ أَخْصٌ
النَّاسِ عَلَى حَّةٍ وَمِنَ الَّذِيْنَ أَشْرَكُوْ يَوَدُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفّه
مَنَّةٍ وَمَا هُوَ يُزَخْرِهِ، مِنَ الْعَذَّابِ أَنْ يُعَمَّ وَالَهُ بَصِبْرِّيِّ)
يَعْمَلُونَ ﴾
ومعنى الآيات الكريمة إجمالا :
قل - يا محمد - لأولئك اليهود الذين ادعوا أن الجنة أن يدخلها إلا
من كان هودا : إن كانت الجنة مختصة بكم، وسالمة لكم دون غير كم ،
وليس لأحد سواكم فيها حق . فتمكوا الموت إن كنتم صادقين فى دعواكم،
"لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق اليها وأحب الوصول اليها.
ثم أخبر الله أن هذا المنى لن يحصل منهم فقال: ((ولن يتمنوه أبداً،
أى الموت ((بما قدمت أيديهم)) أى بسبب ما ارتكبوه من كفر ومعصية
-((والله عليم بالظالمين، الذين وضعوا الأمور فى غير موضعها، فادعوا
ما ليس لهم، ونفوه عمن هو لهم .
ثم أخبر القرآن بأن حرصهم على الحياة لا نظير له ولا مثيل فقال :
((ولتجدنهم أحرص الناس على حياة)) متطاولة ((ومن الذين أشر كوا، أى:
وأحرض عليها - أيضاً - من الذين أشركوا الذين لا يعرفون إلا الحياء الدنيا
« يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، أى يتمنى الواحد من هؤلاء اليهود أن
-يعيش السنين الكثيرة ولو تجاوزت الحدود المعقولة لعمر الإنسان والحال
(م - ١٨ البقرة)

٢٧٤
الجزء الأول
أنه ما أحد منهم بمز حزحه ومنجيه تعميره من العذاب ((واقه بصير بما يعملون)».
أى: لا تخفى عليه أعمالهم ، فهو محاسبهم عليها، ومجازيهم بما يستحقونه.
من عقاب .
وقوله تعالى: ((قل إن كانت الدار الآخرة عند الله خالصة من دون
الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، رد على زعمهم الباطل أن الجنة لا يدخله.
إلا من كان هوداً، والمراد بالدار الآخرة: الجنة ونعيمها، ومعوم خالصة.
سالمة لكم مختصة بكم، لا يشارككم فيها أحد من الناس .
قال الإمام ابن جرير: ((يقال: خلص لى فلان بمعنى صار لى وحدى.
وصفالى، ويقال منه خلص هذا الشىء، فهو يخلص خلوصاً وخالصة ،
والخالصة مصدر مثل العافية .. ،(١).
وقوله تعالى: ((فتمنوا الموت)) التمنى هو ارتياح النفس ورغبتها القوية.
فى الشىء. بحيث توده وتحب المصير إليه، وهو يستعمل فى المعنى القائم ...
بالقلب كما بينا ، ويستعمل فى اللفظ الدال على هذا المعنى، كأن يقول
الإنسان بلسانه ، ليتنى أحصل على كذا .
والاستعمال الثانى هو المراد بقوله تعالى ((فتمنوا الموت، أى اذكروا"
بألسنتكم لفظاً يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه. وإنما قلنا أن ذلك.
هو المراد من الآية لأن المعنى الكائن بالقلب لا يعرفه أحد سوى الله - تعالى-
والتحدى لا يقع بتحصيل المعانى القائمة بالضمائر والقلوب .
ومعنى الآية الكريمة . قل يا محمد لليهود: إن كانت الجنة خاصة بكم ،
ولا منازع لكم فيها ولا مزاحم كما تزعمون، فتمنوا الموت بالسنتكم لكى
تظفروا بتعيمها الدائم، إن كنتم صادقين فى دعواكم أنها خالصة لكم ،
وإلا فإنكم لا تكونون صادقين فى دعواكم، إذ لا يعقل أن يرغب
الإنسان عن السعادة المحضة الدائمة المضمونة له فى الآخرة، إلى سعادة ...
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٠٤٢٦

٢٧٥
سورة البقرة
ممزوجة بالشقاء فى الدنيا .
قال الإمام الرازى : ( وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة
بالقياس إلى نعم الآخرة. ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم
بسبب ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم، ومنازعته معهم، بالجدال والقتال،
ومن كان فى النعم القليلة المنغصة. ثم تيقن أنه بعد الموت لا بد أن ينتقل إلى تلك
النعم العظيمة ، فإنه لا بد أن يكون راغباً فى الموت ، لأن تلك النعم العظيمة
مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وحيث كان الموت يتوقف عليه المطلوب
وجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة
لو كانت خالصة لهم، لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله - تعالى - أخبر
أنهم ما تمنوا الموت، بل أن يتمنوه أبداً، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائها
فى قولهم : إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس (١).
وتحديهم بتمنى الموت يكون بأن يقولوا بألسنتهم ليتنا نموت، أو يقولوا
ما فى معنى هذه الكلمة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، وهذا رأى جمهور المفسرين.
وروى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن ذلك يكون عن طريق
المباهلة، بأن يحضروا مع المؤمنين فى صعيد وحد ، ثم يدعو الفريقان
بالموت على الكاذب منهما .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ الذى
نطقت به الآية وأقرب أيضاً إلى معناها. إذ ليس فى الآية إشارة ما إلى طلب
المباهلة، والقرآن حينما دعا إليها نصارى نجران، جاء اللفظ بها صريحاًفى
قوله تعالى: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساكم وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعلى
لعنة الله على الكاذبين)،(٢)
(١) تفسير الرازى ج ١ ص ٠٤٢٣
٠٢٠٠ ٠ ٠٢٠٠٠٠

٢٧٦
الجزء الأول
ثم أخبر - سبحانه - بأن هؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت أبداً بسببما
فعلوا من شرور فقال تعالى: ((ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم واللّه علي
بالظالمين ).
أى: لا يتمنى اليهود الموت أبداً بسبب ما قدمت أيديهم من آثام، واقه
- عز وجل - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداء اتهم بل هو سيسجلها.
عليهم، ويجازيهم عليها الجزاء الذى يستحقونه، والآية الكريمة خبر من الله.
تعالى - على اليهود بأنهم يكرهون الموت، ويمتنعون عن الإجابة إلى ما دعوا
إليه من تمنيه، لعلمهم بأهم إن فعلوا فالموت نازل بهم، وذلك لأن رسول
الله , صلى الله عليه وسلم)) لم يخبرهم خبراً إلا كان حقاً كما أخبر فهم يحذرون
أن يتمنوا الموت ، خوفاً من أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت من الذنوب.
وقد صح من عدة طريق عن ابن عباس أنه قال: ((لو تمنوا الموت لشرق
أحدهم بربقه .
وقال ابن جرير فى تفسيره: «وبلغا أن النبى (صلى الله عليه وسلم)
قال: «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا؛ ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج
الذين يباهلون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)، ارجعوا لا يجدون أهلا
ولا مالا ، قال حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدى ، حدثنا
عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن ابن عباس عن رسول الله
((صلى الله عليه وسلم)) (١).
وقال الإمام ابن كثير: ورواه الإمام أحمد عن اسماعيل بن يزبد الرقى
حدثنا فرات عن عبد الكريم به =(٢) :
وقال صاحب الكشاف: قوله (ولن يتعنوه أبداً ) من المعجزات
لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به، كقوله تعالى ( ولن تفعلوا) فإن
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٠٤٢٧
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠١٢٧

٢٧٧
سورة البقرة
قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت : قلت لو تمنوا لنقل ذلك عنهم كا
نقلت سائر الحوادث، ولسكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى
المطاعن فى الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل عنه ذلك» (١).
ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهودالذين
تحداهم النبى ( صلى الله عليه وسلم) بذلك، وهم الذين كانوا يضعون
العراقيل فى طريق دعوته ، ويضرون على جحود نبوته؛ فلا يقد ح فى هذه
المعجزة أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى بتمنى الموت وهو حريص على
الحياة ، لأن المعنيين بالتحدى هم الجهود المعاصرون للعهد النبوى .
وقوله تعالى: (والله عليم بالظالمين) وارد مورد التهديد والوعيد لهم
وكان اليهود ظالمين بسبب ما قدمت أيديهم وبسبب كونهم قد كذبوا على الله
فى دعواهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان منهم .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بأن هؤلاء اليهود الذين يزعمون أن الجنة
خالصة لهم فى غاية الحرص على الحياة فقال تعالى: ((ولتجدنهم أحرص
الناس على حياة ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وماهو
بمز حزجه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون)».
. ومعنى الآية الكريمة: ولتجدن ـ يا محمد - أولئك اليهود - الذين
يزعمون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس - لتجدهم أحب الناس
الحياة ، وأحرصهم عليها، وأشدهم كراهية للموت ((وليس ذلك عندما
يكونون منمتعين بالطمأنينة والعافية فقط بل هم كذلك حتى ولو زالت عنها
كل معانى الراحة والطمأنينة ، فهم أحرص عليها حتى من المشركين الذين
لا يؤمنون بالبعث، والذين يعتبرون نعيمهم الأكبر هو ما يتمتعون به من
اللذائذ فى هذه الدنيا، وهم فى حرصنهم على الحياة يتمنون أن تطول أعمارهم
دهوراً طويلة، لا يصل إليها خيال أحد ممن يحرصون عليها كما قال تعالى:
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٢٥

٢٧٨
الجزء الاول
« يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)). وبذلك تكون الآية الكريمة قد كذبتهم
فى دعواهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس لأن الأمر لو كان
كما يزعمون لرحبوا بالانتقال إليها، ولكنهم لا يحبون الموت ولا يكاد خطر
ببالهم ، ويحرصون كل الحرص على البقاء حتى مع سوء الحالة ورذالة
العيش، كما يشعر بذلك التفكير فى قوله تعالى ((على حياة».
والمراد بالناس جميعهم، وأفعل التفضيل فى ((أحرص)) على بابه،
لأن الحرص على الحياة غريزة فى البشر إلا أنهم متفاوتون فيه قوة وكيفية
وأسباباً ، كما قال الشاعر :
أرى كلنا يهوى الحياة بسعيه - حريصاً عليها مستهاماً بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى - وحب الشجاع النفس أورده الحربا.
فالناس جميعاً وإن كانوا يشتركون مع اليهود فى الحرص على الحياة ،
إلا أن اليهود يزيدون على سائر الناس أنهم أحرصهم، وأنهم من أجل حرصهم
عليها يضحون بدينهم وبكرامتهم وبكل شىء.
ونكر - سبحانه - الحياة التى بحرصون عليها، زيادة فى تحقيرهم ،
فكأنه - سبحانه - يقول : إنهم شديدو الحرص على الحياة ، ولو كانت حياة
بؤس وشقاء، وللإشعار بأن ما يهمهم هو مطلق حياة كيفما كانت، بصرف
النظر عن العزة والكرامة، فمن أمثال اليهود المشهورة ((الحياة وكفى)).
ولا شك أن شدة التهالك على الحياة، تؤدى إلى الجبن، واحتمال الضيم،
وتجعل الأمة التى تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة
والحياة الذلية .
وقوله تعالى: ((ومن الذين أشركوا، عطف على الناس، لأنه لما كان
قوله تعالى: ((أحرص الناس)) فى معنى: أحرص من جميع الناس صح أن
يراعى المعنى، فيكون قوله: ((ومن الذين أشركوا ، معطوف عليه، فيكون
المعنى: أحرص من جميع الناس، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة.

٢٧٩
سورة البقرة
والذين أشركوا، هم الذين جعلوا لله شركاء وإنما أفردوا بالذكرمع
أنهم من الناس، مبالغة فى توبيخ اليهود وذمهم، لأنهم إذا زاد حرصهم
على الحياة - وهم أهل كتاب - على المشركين الذين لا كتاب لهم ولا
مدينون ببعث أو نشور كان ذلك دليلا على هوان نفوسهم، وابتذال كرامتهم
وعدم اعتدادهم بوصايا كتبهم التى تنهاهم عن الحرص على الحياة الذليلة .
قال صاحب الكشاف: (( وفيه توبيخ عظم، لأن الذين اشر كوا
لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد
لأنها جنتهم، فإذا زاد عليها فى الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء،
كان حقيقاً بأعظم التوبيخ ، فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟
قلت: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون
ذلك)، (١).
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حرصهم على الحياة فقال تعالى
((يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، أى يتمنى الواحد منهم أن يعيش دهوراً
كثيرة ، ليس من عادة الناس أن يحبوا بلوغها، لأنها تؤدى بهم إلى أرذل
العمر، وعدم طيب العيش.
فالجملة الكريمة مستأنفة لإظهار مغالاتهم فى التهالك على الدنيا ولتحقيق
عموم النوعية فى الحياة المنكرة، ولدفع ما يظنه بعض الناس من أن حرصهم
على الحياة مهما اشتد فلن يصل بها إلى تمنى أن يعيش الواحد منهم ألف عام،
أو أكثر، فجىء بهذه الجملة الكريمة . لتحقيق أن تعلقهم بالدنيا يشمل
حتى هذه الن المتطاولة ، التى لا هناء فيها ولا راحة ، والتى استعاذ من
بلوغها المؤمنون .
ثم بين - سبحانه - أن تعميرهم الطويل أن ينجيهم من العقوبة، لأن
الموت لا يتركهم مهما طال عمرهم، فقال تعالى: (( وما هو بمز حزحه من
(١): تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٢٢٥

٢٨٠
الجزء الأول
العذاب أن يعمر) أى: وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له ».
ولا بمنجيه عنه .
والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم، وقطع لجبال مطامعهم، لأن
الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم ، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم.
وفى التعبير ( بمز حزحه) أشارة إلى أن طول عمرهم، ليس له أى أثر
فى تخفيف العذاب عنهم، وقوله ((والله بصير بما يعملون)، تهديد ووعيد لهم.
لأنه - سبحانه - عليم بأعمالهم، محيط بما يخفون وما يعلنون، وسيجازيهم.
على كل ذلك بما يستحقون .
ومن هذا العرض الآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود فى دعواهم
أن الجنة خالصة لهم ، رداً يبطل حجتهم، ويفضح مزاعمهم، ويكبت نفوسهم،
ويخرس ألسنتهم ، ويعلن أن الجنة إنماهى لمن أسلم وجهه لله وهو محسن،
وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من
الموت، لأنهم يعدون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوله.
من سيئات ، واقترفوا من آثام ، وافتروا من أكاذيب .
ثم ساق القرآن بعد ذلك لوناً عجيباً من ألوان رذائل اليهود وهو مجاهرتهم.
بالعداوة لأمين الوحى جبريل - عليه السلام - فقال - تعالى -:
قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا ◌ِبْرِ يِلَ فَإنَّهُ نََّهُ, عَلَى قَلِْكَ بِإِذْنِ
الله مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (® مَنْ كَانَ
عَدُوّا لِلَّهِ وَمَكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيَكَثَلَ فَإِنَّ اللَّهُ عَدُوّ
لِلْكَفِرِينَ ﴾
فهاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقاً من رذائل اليهود وهى.