Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة البقرة
ضربوه ببعضها ليحيا فضربوه فحيى، يدل على ذلك قوله تعالى : (كذلك
يحيى الله الموتى وبريكم آياته لعلكم تعقلون)، (١).
والمقصود بالآيات فى قوله تعالى: ( ويريكم آياته لعلكم تعقلون)
الدلائل الدالة على أن الله على كل شىء قدير والتى منها ما شاهدوه بأعينهم.
من قرقب الحياة على ضرب القتيل بعضوميت، وأخباره عن قاتله، واهتدائهم
بسبب ذلك إلى القائل الحقيقى . وذلك لكل تستعملوا عقولكم فى الخبر.
وتوقنوا بأن من قدر على إحياء نفس ، واحدة فهو قادر على إحياء الأنفس
جميعا لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شىء.
هذا ولصاحب المنار - رحمه الله - رأى فى تفسير الآية الكريمة ، فهو
يرى أن المراد بالإحياء فى قوله تعالى (كذلك بحيى الله المدنى) حفظ
الدماء وأستبقاؤها وليس المراد به عنده الإحياء الحقيقى بعد الموت.
فقد قال فى تفسيره : ( وأما قوله تعالى: ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك
يحيى الله الموتى) فهو بيان لإخراج ما يكتمون، ويروون فى هذا الضرب
روايات كثيرة. قيل: إن المراد أضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها
وقيل بذنبها، وقالوا: أنهم ضربوه فعادت إليه الحياة، وقال قتلى أخى أو ان
فلان، الخ ما قالوه، والآية ليست أيضاً نصاً فى مجمله فكيف بتفصيله؟ والظاهر
مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم الفصل فى الدماء عند التنازع فى
القاقل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قائله ليعرف الجانى من
غيره فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك فى الشريعة برىء من الدم ومن لم
يفعل ثبتت عليه الجناية .
ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التى كانت عرضة لأن تسفك
بسبب الخلاف فى قتل تلك النفس ، أى بحبيها بمثل هذه الأحكام ، وهذا
الإحياء على حد قوله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) وقوله
تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) .
(١) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٠٣٠٩

٢٢٢
الجزء الأول
فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى فى الآيتين (١) ...
والذى تراه أن المراد بالإحياء فى قوله تعالى ((كذلك يخى الله الموتى)»
الإحياء الحقيقى للميت بعد موته، وأن تفسيره بحفظ الدماء واستبقائها
ضعيف لما يأتى :
أولا : مخالفته لما ورد عن السلف في تفسير الآية الكريمة فقد أخرج.
ابن جرير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: «لما ضرب المقتول
ببعضها - يعنى ببغض البقرة - جلس حياً، فقيل له من قتلك؟ قال: بنو
أخى قتلونى ثم قبض (٢) ..
ثانياً: ما ذهب إليه صاحب المنار لا يدل عليه القرآن الكريم لا إجمالا
ولا تفصيلا، ولا تصريحاً ولا تديحاً، لأن قوله تعالى, كذلك يحيى اله
الموتى، ظاهر كل الظهور، فى أن المراد بالأحياء رد الحياة إليهم بعد ذهابها
عنهم ، إذ الموتى هم الذين ماتوا بالفعل، وإحياؤهم رد أرواحهم بعدموتهم.
وليس هناك قص صحيح يعتمد عليه فى مخالفة هذا الظاهر ، ولا توجد أيضاً
قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأمل وما دام الأمر
كذلك فلا يجوزتأويله بما يخالف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة ، ومن.
التعسف الظاهر أن يراد من الموتى الأحياء من الناس، وبإحياء الموتى تشريع.
العقوبات صوتاً لدماء الأحياء منهم والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا
المعنى قال ( ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون).
فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة محفظ على الناس
حياتهم بدون التواء أو تحميه .
ثالثاً: تفسير الإحياء برد الحياة إلى الموتى، كما قال المفسرون، يؤدى
إلى غرس الإيمان بصحة البعث فى القلوب، لأن المعنى عليه، كهذا الإحياء
(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٠١٥١
(٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٠٣٤٢

٢٢٣
حورة البقرة
العجيب - وهو إحياء القتيل بضربه يحضر البقرة ليخم عن قائله - محيى الله
الموّ بأن يبعثهم من قبورهم يوم القيامة، ليحاسبهم على أعمالهم، فيكون
إثباتاً للبعث عن طريق المشاهدة حتى لا ينكره منكر .
رابعاً: قوله تعالى بعد ذلك ((ويريكم آياته لعلكم تعقلون، قرينة
قوية على أن المراد بالإحياء، رد الحياء إلى الموتى بعد موتهم لأن المراد (بآياته)
فى هذا الموضع، - كما قال المفسرون - الدلائل الدالة على عظم قدرته
- تعالى - وذلك إنما يكون فى خلق الأمور العجيبة الخارة، للعادة والتى أيسته.
فى طاقة البشر ، كإحياء الموتى وبعثهم من قبورهم الحساب والجزاء ..
ثم بين القرآن الكريم، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التى تزلزل.
المشاعر، وتهز القلوب، وتبعت فى النفوس الإيمان، لم تؤثر فى قلوب بنى
إسرائيل الصلدة لأنه قد طرأ عليهم بعد رؤيتها ما أزال آثارها من قلوبهم،
ومحا الاعتبار بها من عقولهم ، فقال تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد
ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ،
وإن منها لما يشقق فيخرح منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما.
الله بغافل عما تعملون ).
والمعنى: ثم صلبت قلوبكم - يا بنى إسرائيل - وغلظت من بعد أن.
رأيتم ما رأيتم من معجزات منها إحياء القتيل أمام أعينكم، فهى كالحجارة
فى صلابتها ويبوستها، بل هى أشد صلابة منها، لأن من الحجارة ما فيه.
ثقوب متعددة، وخروق مقسمة، فتتدفق منه مياه الأنهار التى تعود بالمنافع
على المخلوقات، ولأن من بينها ما يتصدع تصدعاً قليلا فيخرج منه ماء العيون.
والآبار ولأن منها ما يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف
الله وخشيته، أما أنتم - يا بنى إسرائيل - فإن قلوبكم لا تتأثر بالمواعظ
ولا تنقاد الخير، ولا تفعل ما تؤمر به، مهما تعاقبت عليكم النعم والنقم.
والآيات ، وما الله بغافل عما تعملون :

٢٣٤
الجزء الأول
وقوله تعالى: ((ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد
قسوة )) بيان لما طرأ على قلوب بنى إسرائيل من بعْد عن الاعتبار، وعدم
تأثر بالعظات وإعراض عن الإنابة والإذعان لآيات الله وتحلل من المواثيق
التى أقروا بها على أنفسهم .
وجىء ( ثم ) التى هى للترتيب والفراخى، لإستبعاد استيلاء الغلظة
والقسوة على قلوبهم بعد أن رأوا الكثير من المعجزات، فكأنه - سبحانه -
يقول لهم - بعد أن ساق لهم قصة البقرة وما ترتب عليها من منافع وعبر: ومع
ذلك كله لم تلن قلوبكم - يا بنى إسرائيل - ولم تفدكم المعجزات: فقست
قلوبكم وكان من المسبعد أن تقسوا .
وقوله تعالى: ( من بعد ذلك ) فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة
بقلوبهم، بعد توالى النعم، وتكاثر المعجزات التى أشار القرآن الكريم إلى
بعضها فى الآيات السابقة .
واسم الإشارة (ذلك) مشار به إلى إحياء القتيل بعد ضربه بجزء من
البقرة أو إلى جميع النعم والمعجزات الواردة فى الآيات السابقة.
و(أو) فى قوله تعالى: ((فهى كالحجارة أو أشد قسوة)، قيل: للتنويع،
. فإن قلوبهم متفاوتة فى القسوة، فمنها ما هو قاس كالحجارة ، ومنها ما هو
أشد منها قسوة ، أى : فبعض قلوبكم كالحجارة فى صلابتها وبعضها أشد
من الحجارة فی صلابتها .
وقيل : التشكيك بالنسبة للمخاطبين، لا إلى المنكلم ، كان يقول أحد
.الناس لآخر، إن هذه القلوب قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها .
والأظهر أن تكون للإضراب على طريقة المبالغة والمعنى: ثم قست
قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة بل هى أشد منها قسوء، إذ لا شعورفيها
يأتى بخير ، والحجاره ليست كذلك .
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٢١.

٢٢٥
سورة البقرة
۔
وشبه - سبحانه - قلوبهم بالحجارة فى القسوة، لأن صلابة الحجر أعرف
للناس وأشهر، حيث إنها محسوسة لديهم ومتعارفة بيتهم ولذاجاء التشبيه بها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت لم قيل أشد قسوة، وفعل القسوة مما
يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب ؟ قلت : لكونه أبين وأدل على
فرط القسوة، ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد
وصف القوة بالشدة . كأنه قيل اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد
تقسوة ».
وقوله تعالى: ((وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما
يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله، بيان لفضل الحجارة
على قلوبهم القاسية، قصد به إظهار زبادة قسوة قلوبهم عن الحجارة، لأن
هذا الأمر لغرابته يحتاج إلى بيان سببه.
فكأنه - سبحانه - يقول لهم. إن هذه الحجارة على صلابتها ويبوستها منها
ما تحدث فيه المياه خروقاً واسعة تتدفق منها الأنهار الجارية النافعة ، ومنها
ما تحدث فيه المياه شقوقاً مختلفة تنجم عنها العيون النابعة، والآبار الجوفية
المفيدة. ومنها ما ينقاد لأوامر الله عن طواعية وامتثال. أما قلوبكم أنتم فلا
يصدر عنها نفع، ولا تتأثر بالعظات والعبر، ولاتنقاد للحكم التى من شأنها
حداية النفوس .
وقوله تعالى: (( وما الله بغافل عما تعملون)، تهديد وتخويف، حيث
إنه - سبحانه - سيحاسبهم على أعمالهم، وسيذيقهم ما يستحقونه من عقاب
جزاء جحودهم لنعمه ، وعصيانهم لأمره .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بنى إسرائيل بما هم أهله . من
-قساوة القلب وانطماس البصيرة ، وعدم التأثر بالعظات مهما كثرت.
حبالآيات مهما توالت .
ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :
اشتمات هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإلهية من ذلك .
(م - ١٥ البقرة)

٢٢٦
المرء الأول
١ - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوم
أدب مع مرشدهم، وإحفاء فى الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم.
بما يأتيهم به الرسل ، وماطلة فى الانصياع للتكاليف ، وانحراف عن
الطريق المستقيم.
٢ - دلالتها على صدق النبى (صلى الله عليه وسلم) فيما يبلغه عن ربه،
فقد أخبر فى هذه القصة الواقعية التى لم يشهد حوادثها بما أو حاماته إليه وهذا
الإخبار من أعلام نبوته ( صلى الله عليه وسلم ) كما أنها تدل على صدق نبوة.
موسى - عليه السلام - وأنه رسول من رب العالمين.
٣ - دلالتها على أن التنطع فى الدين، والإلحاف فى المسألة يؤديان إلى.
التشديد فى الأحكام، لأن بنى إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح.
أى بقرة لأجرأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
أخرج ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال:
(( لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزاتهم. لكنهم شددوا شدد الله
عليهم ، (١) .
وقد أدى بهم هذا التنطعَ والتدديد إلى تضييق دائرة اختيارهم، وتکثیر
الشروط التى يجب توفرها فى البقرة المطلوبة، وذلك التأديبهم على عاطلتهم.
وبلادة عقولهم، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا
وفهما ، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما، وأن ما أمروا
به بعد ذالك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان
عن وقت الخطاب ، وإنما هو تشريع طارىء قصد منه تأديبهم على تعنهم.
ولجاجهم وكثرة أسئلتهم .
وقد جاءت تعاليم الإسلام بالنهى عن كثرة السؤال قال تعالى:
(يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسوكم، وإن قالوا
عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفالله عنها والله غفور رحليم قد سألها قوم.
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٤٧

٢٢٧
سورة البقرة
من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين).
وفى الحديث الشريف: (( ذرونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم
بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشىء فأتوه، وإذا
نهيتكم عن شىء فانتهوا عنه ما استطعتم)، (١).
قال صاحب المنار: (وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم،
فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عنا
الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده، حتى صار الدين حملائقيلا
على الأمة فستمته وملت وألفته وتخلت )، (٢).
٤ - قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: وفى هذه القصة أنواع
من العبر منها.
(أ) أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذى لا يعلم المأمور به وجه الحكمة
فيه؟ بالإفكار، فإن القوم لما قال لهم نبيهم (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)
قابلوا هذا الأمر بقولهم : ( أتتخذنا هروا) فلما لم يعلموا وجه الحكمة فى
ارتباط هذا الأمر بما سألوا عنه قالوا, أتتخذنا هزواً،. وهذا من غاية
جهلهم بالله ورسوله، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ، ولم يكن هو
الآمر به، ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك
فلما قال لهم: ((أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وتيقنوا أن الله -تعالى-
أمره بذلك، أخذوا فى التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها، فلما أخبروا
عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة ، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال
توقفوا فى الامتثال ، ولم يكادوا يفعلون .
.ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم : ( الآن جشت بالحق ) فإن
أرادوا بذلك: أنك لم تأت بالحق قبل ذلك فى أمر البقرة ، فتلك ردة وكفر
(١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٤٧.
(٢) تفسير المنار ج ١ ص ٠٣٤٦

٢٢٨
الجزء الأول
ظاهر، وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام فى تعيين البقرة المأمور
"بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: ( إن الله يأمر كم
أن تذبحوا بقرة ) فإنه لا إجمال فى الأمر ولا فى الفعل ولا فى المذبوح فقد
جاء رسول الله بالحق من أول مرة .
قال الإمام بن جرير: ( وقد كان بعض من سلف بزعم أن القوم ارتدوا
عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ((الآن جئت بالحق)) وزعم أن ذلك فنى
منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أقام بالحق فى أمر البقرة قبل ذلك)
وأن ذلك كفر منهم، وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة
بذبحها، وإن كان قولهم الذى قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من
حفواتهم،،
..... (ب) ومنها: الدلالة على صحة ما انفقت عليه الرسل من أولهم إلى
خاتمهم من معاد الأبدان ، وقيام الموتى من قبورهم .
(جـ) ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرقم
المتنوعات، زيادة فى هداية المهتدى، وإعذارا وإنذارا للضال: 23 |
(د) ومنها: الإخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها ، وعدم تمكن
الإيمان فيها .
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول (إن القوم
بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم بقائله، أنكروا قتله، وقالوا:
والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق)).
(٥) ومنها: مقابلة الظالم الباغى بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن
القائل قصد ميراث المقتول، ودفع القائل عن نفسه، ففضحة الله - تعالى -
وهتكه ، وحرمه ميراث المقتول .
(و) ومنها : أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب فقتنوا
بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة ، والبقرة من أبلد الحيوان حتى
ليضرب به المثل فى البلادة .

٠٫٢٢٩
سورة البقرة
ثم قال الأمام ابن القيم فى ختام حديثه عن هذه القصة: والظاهر أن:
هذه كانت بعد قصة العجل؛ ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع
من الحيوان الذى لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى، لا يصلح أن يكون
إلها معبوداً من دون الله، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسفى والجمل)، (١)
٥ - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب
بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى- على الإحياء.
والإماقة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة
عن آثار قدرته - تعالى - التى لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها
الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها، وصدق الله حيث يقول: ((فقلنا
اضربوه ببعضها كذلك يحمي الله الموتى ويربكم آياته لعلكم تعقلون)).
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بنى إسرائيل برذيلة التنطع فه
الدين، والتعنت فى الأسئلة، والإساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم
اعتبارهم بالعظات والمثلات . لقساوة قلوبهم ، وسوء طباعهم، وانطماس
بصيرتهم ( ومن يضلل الله فما له من هاد)).
ثم ساق القرآن بعد ذلك لوناً آخر من ألوان رذائلهم .: ويتمثل هذا
اللون فى تحريفهم الكلم عن مواضعه، واشترائهم بآيات الله ثمناً قليلا،
وذلك لقسوه قلوبهم، وانطماس بصيرتهم ، وبيعهم الدين بالقليل من
حطام الدنيا ، قال - تعالى - .
(١) إغاثة اللهفان ج ٢ ص ٣٠ لابن القيم.

٢٣٠
الجزء الأول
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِ يْقُ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ
اللَّهِثُمَ يُحِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَاعَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٥﴾ وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُوْ قَالُوْءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ
بِمَا فَتَحَ اللهُ عَيْكُمْ لِيُحَاجُوٌ بِهِ، عِندَ رَبِّكُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (g)
أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (﴾ وَمِنْهُمْ أَمِيُّونَ
لَيَعْلُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَنِىّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّ يَقُونَ (﴾ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِلِبَشْتَرُواْ بِهِ،
عَّ قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّمُ بَّ كَتَبَتْ أَيْدِهِمْ وَوَيْلٌ لَّمُ بِمَّا يَكْسُونَ (9)
والآيات الكريمة التى معنا قد افتتحت بتيشيس المؤمنين من دخول اليهود
فى الإسلام ولكن هذا التيئيس قد سبق بما يدعم ويؤيده ، فقد بينت الآيات
السابقة عليها , موقف اليهود الجحودی من نعم الله - عز وجل- كما بينت:
تقطعهم فى الدين، وسوء إدراكهم لمقاصد الشريعة، وقساوه قلوبهم من بعد أن
رأوا من الآيات البينات ما رأوا، وبعد هذا البيان الموحى بالقنوط من استجابتهم
للحق، خاطب الله المؤمنين بقوله :
(( أنتطمعون (١) أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه
ثم يحر فونه(٢) من بعد مام عقلوه وهم يعلمون)).
(١) الطمع تعلق النفس بالحصول على شيء مرغوب تعلقاً قوياً.
(٢) التحريف أصله مصدر حرف الشىء يحرفه إذا مال به إلى الحرف، وهو
يقتضى الخروج عن جادة الطريق، ولما شاع تشبيه الحق والصواب بالجاده
وبالصراط المستقيم، شاع فى تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف .

٢٣١
سورة البقرة
ومعنى الآية الكريمة: أفتطمون- أيها المؤمنون- بعد أن وصفت لكم
حال اليهودما وصفت من جحود ونكران، أن يدخلوا فى الإسلام. والحال
كان فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون كلام الله ثم يميلونه عن وج
الصحيح من بعد ما فهموه، وهم يعلمون أنهم كاذبون بهذا التحريف على
تعالى، أو يعلمون ما يستحقه محرفه من الخزى والعذاب الأليم .
i
فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين، والاستفهام يقصد به الاف
عليهم، إذ طمعوا فى استجابة اليهود لدعوة الحق، بعد أن علموا -
أحوالهم، وفساد نفوسهم. والنهى عن الطمع فى إيمانهم لا يقتضىء
-دعوتهم إلى الإيمان، فالمؤمنون مأمورون بدعوتهم إليه، لإقامة الحـ
عليهم فى الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم، ولقطع عذرهم فى الآخـ
وقد تصادف الدعوة إلى الإسلام نفوساً منصفة تستجيب لدعوةالحق،وتهنا
إلى الطريق المستقيم، وهذا ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)) معهم
وأصحابه من بعده. ولكن اليهود صموا آذاهم عن الحق بعد ما عرة
فأصبحت دعوتهم إلى الإسلام غير مجدية ، وهنا يأتى النهى عن الطمع
إيمانهم بهذه الآية وأمثالها،
وجملة ((وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه، حالية، مشتملة:
- بيان أحد الأسباب الداعية إلى القنوط من إيمانهم، وبذلك يكون التقني
من إيمانهم قد علل بعلتين :
إحداهما، ما سبق هذه الآية من تصوير لأحوالهم السيئة.
والثانية: ما تضمنته هذه الجملة الكريمة من تحريفهم لكلام الله .
علم وتعمد .
والمراد بالفريق فى قوله تعالى: ((وقد كان فريق منهم ، أحبار.
موعلماؤهم الذين عاصروا الرسل الكرام، فسمعوا منهم، أو الذين أة
بعدهم فنقلوا عنهم .
والتحريف أصله انحراف التى. عن جهته وميله عنها إلى غيره

٢٣٢
الجزء الأول
والمراد به هنا: إخراج الوحى والشريعة عملا جاءت به، بالتغيير والتبديل.
فى الألفاظ ، أو بالكتمان والتأويل الفاسد، والتفسير الباطل .
وقوله تعالى: ((ثم يحرفونه من بعد عقلوه وهم يعلمون، زيادة.
تشنيع عليهم، حيث إنهم حرفوا كلام الله بعد فهمهم له عن تعمد وسوء.
فية، وارتكبوا هذا الفعل الشنيع ، رغم علمهم بما يستحقه مرتكبه من
عقوبة دنيوية وأخروية .
ففى هذين القيدين من النعى عليهم مالا مزيد عليه، حيث أيطل بهمك.
عذر الجهل والنسيان، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان.
وإنما كان قيام الفريق من أحبار اليهود بتحريف الكتاب سبباً فى اليأس.
من إيمان عامتهم، لأن هؤلاء العامة المقلدون ، قد تلقوا دينهم عن قوم.
فاسقين، دون أن يلتفتوا إلى الحق ، أويتجهوا إلى النظر فى الأدلة الموصلة.
إليه، وأمثال هؤلاء الذين شبوا على عرابة التقليد، وغواية الشيطان،
لايرجى منهم الوصول إلى نور الحق، وجلال الصدق، ولأن أمة بلغ
الجمال بعدماتها - وهم مظهر محامدها - أن يجر واعلى كلام الله فيحرفوه
لا تنتظر من دهماتها أن يكونوا خيراً منهم حالا أو أسعد مآ لا.
ثم أخبر القرآن الكريم عن بعضهم، بأنهم قد ضموا إلى رذيلة التحريف ..
رذيلة النفاق والتدليس فقال تعالى: ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمناً وإذا
خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به.
عند ربكم أفلا تعقلون. أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ومايعلنون)).
والمعنى: وإذا ما تلافى المنافقون من اليهود مع المؤمنين، قالوا لهم نفافاً
وخداعاً. صدقنا أن ما أنتم عليه هو الحق. وأن محمداً (صلى الله عليه وسلم).
_ رسول من عند الله، واذا ما انفرد بعض اليهود ببعض قال الذين لم ينافقوا.
لإخوانهم الذين نافقوا معاتبين: أخبرون المؤمنين بما بينه لكم فى كتابكم
مما يشهد بحقية ماهم عليه، لتكون لهم الحجة عليكم يوم القيامة، أفلا
تعقلون أن هذا التحديث يقيم الحجة لهم عليكم ؟

٠٢٣٣
سورة البقرة
فالآية الكريمة فيها بيا لنوع آخر من مساوىء اليهود ومخازيهم التى تدعو.
الى اليأس من إيمانهم وتكشف النقاب عما كانوا يضمرونه من قد ليس (١)
قال الإمام الرازى: «وأما عذلوهم على ذلك لأن اليهودى اذا اعترف
بصحة التوراة، واعترف بشهادتها على صدق النبى ( صلى الله عليه وسلم)
كانت الحجة قوية عليه ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك.
أمام المؤمنين)، (٢).
والاستفهام فى قوله تعالى: ((أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، للإنكار.
والتوبيخ والفتح يطلق على القضاء ومنه قوله تعالى: ((ربنا افتح بيننا وبين
قومنا بالحق ، أى : افض بيننا وبين قومنا بالحق .
قال ابن جرير: ( أصل الفتح فى كلام العرب القضاء والحكم والمعنى
أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاء فيكم؟ ومن حكمه - تعالى -
وقضائه فيهم أخذه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) فقد ..
بشرت به التوراة، (٣).
وقوله تعالى: ((ليحاجو كم به عند ربكم)) متعلق بالتحديث ومرادهم
تأكيد النكير على إخوانهم الذين أظهروا إيمانهم نقافاً، فكأنهم بقواون
لهم: أتحدثون المؤمنين بما يفضحكم يوم القيامة أمام الخالق - عز وجل -
وفی حکمه وقضائه ، لأهم سیقولون لکم . ألم تحدثونا فى الدنيا ما فى
كتابكم من حقيقة ديننا وصدق فينا؟ فيكون ذلك زائداً فى ظهور فضيحتكم ..
(١) والضمير فى (لقوا) الأولى يعود الى فريق اليهود الذين أظهروا
الإسلام نفاقاً، وفى ( قالوا ) المائية يعود الى فريق اليهود الذين بقوا على ..
هودينهم، والذين كانوا يلومون من نانقوامنهم لتحديثه المؤمنين بما يشهد
بصدق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
(٢) تفسير الرازى ج ١ ص ٤٠٠
(٣) تفسير ابن جرير ج١ ص ٣٨٠

٢٣٤
الجزء الأول
-وقو بيحكم على رؤوس الخلائق يوم الموقف العظيم، لأنه ليس من اعترف
بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار .
وجملة (« أفلا تعقلون، من بقية مقولهم لمن نافق منهم . وقد أتوا بها
لزيادة توبيخهم لهم حتى لا يعودوا إلى التحدث مع المؤمنين .
والمعنى : أليست لكم عقول تحجزكم عن أن تحدثوا المؤمنين بما يقيم
لهم الحجة عليكم يوم القيامة ؟
ثم وبخهم الله على جهلهم بحقيقة علمه فقال تعالى: ((أولا يعلمون أن أقله
يعلم ما يسرون وما يعلنون. أى: أيقول الذين لم بنافقوا من اليهود لإخوانهم
الذين فافقوا ما قالوا، ويكتمون من صفات النبى (صلى الله عليه وسلم))
ما كتموا، ويحرفون من كتاب الله ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم.
ما يخفون من كفر وحقد، وما يظهرون من إيمان وود؟ .
فالآية الكريمة فيها توبيخ وتجهيل اليهود الذير عاقبوا المنافقين منهم على تحديث
المؤمنين بما فى توراتهم مما يؤيد صدق النبى (صلى الله عليه وسلم، لأنهم لو
كانوا مؤمنين إيماناً صادقاً بإحاطة علمه بسرهم وعلانيتهم، لما نهو إحوانهم
عن تحديث المؤمنين بما فيها فإن ما فيها من صفات للنى ((صلى الله عليه
.وسلم، من الحقائق التى أمرهم الله بنيابها ونهاهم عن كتمابها.
ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك حال عوام اليهود ومقلديهم، بعد أن بين
حال علماتهم ومنافقيهم فقال تعالى: ((ومنهم أميون لا يعملون الكتاب
إلا أمانى وإن هم إلا يظنون. (١) أى: ومن اليم د قوم أميون لا يحسنون
الكتابة، ولا يعلمون من كتابهم التوراة -، أكاذي اختلقها لهم علماؤهم
أو أمنيات باطلة يقدرونها فى أنفسهم بدون حق ، أو قراءات عارية عن
التدبر والفهم ، وقصارى أمرهم الظل من غير أن يصلوا إلى مرتبه اليقين
المبنى على البرهان القاطع والدليل الساطع .
(١) الأميون جمع أبى، وهو الذى لا يحن الكتابة والقراءة.

٢٣٥
سورة البقرة
فالآ ية الكريمة فيها زيادة قيتيس المؤمنين من إيمان كافة اليهود بفرقهم
المختلفة، فإنهم قد وصلوا إلى حال من الشناعة لا مطمع معها فى هداية ،
خعلماؤهم محرفون لكتاب الله على حسب أهوائهم وشهواتهم ، وعوامهم
لا يعرفون من كتابهم إلا الأ كاذيب والأوهام التى وضعها لهم أحبارهم ،
وأمة هذا شأن علمائها وعوامها لا ينتظر منها أن تستجيب للحق أو أن تقبل
على الصراط المستقيم .
و((الأمانى)) - بالتشديد - جمع أمنية، مأخوذة من تمنى التى. أى.
أحب أن يحصل عليه، أو من تمنى إذا كذب، أو من تمنى الكتاب أى قرأه
فإن فرنا الأمانى بالأول كان قوله تعالى ((إلا أمانى)) معناه: إلا ماهم
عليه من أمانيهم فى أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آباءهم الأنيا
يشفعون لهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات.
وإن فسرفاها بالكذب، كان قوله تعالى ((إلا أمانى) معناه: إلا
أكاذيب مختلقة، سمعوها من أحبارهم فقبلوها على التقليد.
وإن فسرنا الأمنية بالقراءة كان قوله تعالى (( إلا أمانى، مهناء: إلا.
يقرء وفه من قراءات خالية من التدبر، وعارية عن الفهم. من قوله تمن
كتاب الله أول ليله ... أى قرأ.
هذا، وقد رجح ابن جرير تفسير ((الأمانى)) بالأ كاذيب فقال: ما ملخص
(( وأولى ما روينا فى تأويل قوله تعالى: (« إلا أمانى) بالصواب، أن هؤلا
الأمبين لا يفقهون من الكتاب الذى أنزله على موسى شيئاً، ولكنهم يتخرجبو
الكذب، ويتقولون الأباطيل كذباً وزوراً، والتمنى فى هذا الموضع هو تخا
الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى بعد («وإن هم إلا يظنون
فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأ كاذيب ظناً منهم لا يقيناً، (١
والذى نراه أن المعانى الثلاثة للأمانى تنطبق على اليهود ، وكلها حصل
١
(١) تفسير ابن جرير جـ١ مـ

٢٣٦
الجزء الأول
منهم، وما دام يصدق على المعانى الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية ،
ولا معنى لأن نشتغل بترجيح بعضها على بعض كما فعل ابن جرير وغيره .
وعلى أى تفسير من هذه التفاسير الأمانى، فالاستثناء منقطع، لأن
أى واحد من هذه المعانى ليس من علم الكتاب الحقيقى فى شىء.
وفى قوله تعالى: ((وإن هم إلا يظنون، زيادة تجهيل لهم، لأن أمنياتهم ..
هذه من باب الأوهام التى لا تستند إلى دليل أو شبه دليل ، أو من باب الظن.
الذى هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر دون أن تبلغ
فى ذلك مرتبة القطع واليقين . وهذا النوع من العلم لا يكفى فى معرفة أصول
الدين التى يقوم عليها الإيمان العميق، فهم ليسوا على علم يقينى من أمور
دينهم ، وإنما هم يظنونها ظناً بدون استيقان، والظن لا يغى من الحق شيئاً.
وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود، توعد الذين يحرفون الكلم.
عن مواضعه بسوء المصير فقال تعالى: (فويل (١) لالذين يكتبون الكتاب بأيديهم
ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا، فويل لهم مما كتبت أيديهم ..
وويل لهم مما يكسبون ) :
والمعنى : فهلاك وفضيحة وخزى لأولئك الأحبار من اليهود الذين
يكتبون الكتابات المحرفة والتأويلات الفاسدة بأيديهم ، بدلا مما اشتملت.
عليه الكتب من حقائق، ثم يقولون لجهالهم ومقلديهم كذباً وبهتاناً هذا
من عند الله. ومن نصوص التوراة التى أنزلها الله على موسى، ليأخذوا فى
نظير ذلك عوضاً يسيراًمن حطام الدنيا، فعقوبة عظيمة لهم بسبب ما قاموابه.
من تحريف وتبديل لكلام الله ، وخزى كبير لهم من أجل ما كتسبوه
من أموال بغير حق .
(١) الويل لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لا فعل له من
لفظه وقد يستعمل بدون حرف نداء كما منا ، وقد يستعمل مع حرف النداء.
كما فى قوله تعالى ((يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)).

٢٣٧
سورة البقرة .
فالآية الكريمة فيها تهديد شديد لأحبار اليهود الذين تجر. واعلى كتاب
الله بالتحريف والتبديل، وباعوا دينهم بد نياهم، وزعموا أن ما كتبوه هو
حن عند الله.
وصرح - سبحانه - بأن الكتابة (« بايدجم)، ليؤكد أم قد باشروها
عن تعمد وقصد، وليدفع قوهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، ولتصور حالتهم
فى النفوس كا وقعت، حتى ليكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدةً إلهيئتهم.
. وقوله تعالى: ( ثم يقولون هذا من عند الله، كشف عن كذبه.
وفجورهم، فهم يحرفون الكلم عن « واضعه، ثم يزعمون أنه من عند انت
لينقبله أتباعهم بقوة واطمئنان .
ثم بين - سبحانه - العلة التى حملتهم على التخريف والكذب فقال تعالى:
(( ليشتروا به ثمناً قليلا)). أى كتبوا الكتابة بأيديهم، ونسبوها إلى الله زوراً
وبهتاناً ؛ ليحصلوا على عرض قليل من أعراض الدنيا، كاجتلاب الأموال
الحرام، وانتحال العلم لأنفسهم والطمع فى الرئاسة والجاء، وإرضاء العامة
بما يوافق أهواءهم .
وعبر - سبحانه - عن الثمن بأنه قليل، لأنه مهما كثر فهو قليل بالنسبة
إلى ما استوجبوه من المذاب، وحرموه من الثواب المقيم .
وقوله تعالى: ( فويل لهم ما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون
تهديد هم مرتب على كتابة الكتاب المحرف، وعلى أكلهم أموال الناس
بالباطل، فهو وعيد لهم على الوسيلة - وهى الكتابة - وعلى الغاية - وهى
أخذ المال بغير حق .
قال الشيخ القاحى : قال الراغب: فإن قيل: لم ذكر (يكسبون
بلفظ المستقبل، و( كتبت) بلفظ الماضى؟ قيل: تنبيهاً على ما قاله النجم
(صلى الله عليه وسلم)، ("من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بـ
إلى يوم القيامة، فنبه بالآية إلى أن ما أثبتوه من التأويلات الفاسدة التى يعتمده
الجهلة هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا، وعبر بالكتابة دون القول لأنم

٢٣٨
الجزء الأول
متضمنة له وزيادة ، فهى كذب بالا ان واليد. وكلام اليد يبقى ر سمه ،
أما القول فقد يضمحل أثره،(١).
وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمعت البهود برذيلة التحريف لكلام.
الله عن تعمد وإصرار ووصفتهم بالنفاق والخداع، ووبختهم على بلادة
أذهانهم وسوء قصورهم لعلم الله - تعالى - وتوعدتهم بسوء المصير جزاء.
کذبهم على اله .
ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من ألوان دعاواهم الباطلة ، وأقاويلهم
الفاسدة ، ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويقطع حجتهم ، فقال تعالى :
٦
قَالُواْ لَن تَسَّنَ النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا
نَ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالَا تَعْلُونَ (8) بَ مَنْ
سَبَ سَبِشَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْقُرٍفَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ
بَخَلِدُ ونَ ﴾ وَالَّذِينَءَ امَنُوا وَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
◌ْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (
٨٢
روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآبات آثاراً ، منها ما روى عن.
ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: (إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا
سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً فى النار، وإنما هى سبعة
أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: ((وقالوا لن تمسنا النار .. ، الآيات (٢).
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: (( حـ دثنى أبى أن الرسول
(صلى الله عليه وسلم) قال للجهودأنشدكم بالله وبالتوراة التى أنز ها اله على موسى.
(١) تفسير القاخى جـ١ ص ١٧٤
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢١٨

٢٣٩
سورة البقرة
.م طور سيناء، من أهل النار الذين نزهم الله فى التوراة؟ قالوا: إن ربنا.
نسب علينا غضبة ، فتمكث فى النار أربعين ليلة ، ثم تخرج فتخلفوننا
ها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كذبتم والله لا تخلفكم فيها
-أ، فنزل القرآن تصديقاً لقول النبى (صلى الله عليه وسلم) وتكذيباً لهم.
نزل قوله تعالى - ((وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة .. ) إلى قوله
الى: « هم فيها خالدون، (١).
وأخرج إن جرير - أيضاً - عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى :
وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة .، ذلك أعداء الله اليهود، قالوا:
ن يدخلنا الله النار إلا عملة القسم الأيام التى أصبنا فيها العجل أربعين
رماً ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم (٢).
هذه بعض الآثار التى وردت فى سبب نزول الآيات الكريمة، والمعنى:
وقالت اليهود - يامحمد - إن النار لن تصيبنا، ولن نذوق حرها ، إلا
باماً قلائل. قل لهم - يا محمد - رداً على دعواهم الكاذبة هل اتخذتم من.
لله عهداً بذلك حتى يكون الوفاء به متحققاً؟ أم تقولون على الله الباطل
جهلا وجراءة عليه ؟
ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم.
قال. ليس الأمر كما تدعون، بى الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به
((طيئته ومات عليها دون أن يتوب إلى الله - تعالى - منها، فأولئك أصحاب
شارهم فيها خالدون ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب
لجنة هم فيها خالدون ،.
وقوله تعالى: ((وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة)) بيان لضرب من.
غروب غرورهم وكذبهم، معطوف على رذائلهم السابقة التى حكاها القرآن.
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٨٣ طبعة الحلبى.
(٢) لباب الفقول فى أسباب النزول السيوطى ص ١١

٢٤٠
الجزء الأول
الكريم، إذ الضمير فى قوله تعالى (وقالوا) يعود على اليهود الذين مر
- الحديث عنهم ولما ينتهى بعد .
والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة ..
والجراد من النار: نار الآخرة. والمراد من المعدودة: المحصورة
القليلة، يقال : شىء معدود أى قليل وشىء غير معدود أى كثير فهم
يدعون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام، وقد تكون.
أربعين يوماً، وبعدها يخرجون إلى الجنة لأن كل معدود منقض .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وسلم)أن يرد عليهم فيما زعموه
فقال تعالى: (قل اتخذتم عند اللّه عهداً فمن يخلف الله عهده أم تقولون على الله
مالا تعلمون (( أى: قل لهم - يا محمد - إن مثل هذا الإخبار الجازم بأن
النار أن تمسكم إلا أياماً معدودة، لا يكون إلا من اتخذ عهداً من أقله بذلك،
فهل تقدم لكم من الله عهد بأن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة ، فكان
الوفاء متحققاً، لأن الله - تعالى - لا يخلف وعده، أم تقولون على الله
شيئاً لا علم لكم به .
فالاستفهام للإنكار، وهو منوجه إلى زعمهم أن النار لن تم-هم إلا أيام)
معدودة، فكأنه - سبحانه - يقول لهم. إن قولكم هذا يحتمل أمرين
لاثالث لهما : إما اتخاذ عهد عند الله به، وإما القول عليه - سبحانه -
بدون علم، ومادام قد ثبت أن انخاذ المهد لم يحصل، إذا أنتم - يا معشر
اليهود - كاذبون فيما تدعون من أن النار أن تمسكم إلا أياماً معدودة .
قال الإمام الرازى: قوله تعالى: ((أنخذتم)، ليس باستفهام بل هو
إنكار؛ لأنه لا يجود أن يجعل الله - تعالى - حجة رسوله فى إبطال قولهم أن
يستفهمهم بل المراد التفيه على طريقة الاستدلال، وهى أنه لا سبيل إلى
معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعى وجب ألا
يجوز الجزم بهذا التقدير (١).
(١) تفسير الفخر الرازى" ج ٣ ص ١٤٣ طبعة عبد الرحمن محمد.