Indexed OCR Text
Pages 121-140
بالنِّيَّات، ولكُلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دُنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوَّجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه. وقُرَّة العُيون في الانتهاء؛ إنَّما تكون بتصحيح عزائم الابتداء، والتَّخلُّف عن درك الغايات؛ إنَّما يكون بسبب فساد البدايات، فمن صحَّح أُمور بداياته قُصوداً وعُلوماً وأعمالاً؛ سار إلى مطلوبه حميداً، وانحلّت العوائق من قِبَلِه، ولم يبق إلَّا انتظار ما قُسم له في الزَّمان الذي وُقِّت له، فهذا حال تصحيح أُمور البداية في القُصود. وتحقيقه: أن يقصد رضا الله؛ باتِّباع ما أمر الله، ليلقاه يوم القيامة في الدَّار الآخرة يوم يلقاه بوجهٍ أبيض، فتقرُّ عينه بلقائه، ويحظى منه بالكرامة والتَّقريب والزُّلفى عنده، ﴿فِى مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ﴾(١). ثُمَّ يُراقب هذه النِّيَّة فيُصفِّيها من الشَّوائب القادحة والعوارض الطَّارقة الثَّائرة من عوالم الطَّبيعة والنَّفس؛ المُمازجة لعوالم القلب، فإنَّ العبد مُرَّبٌ منهما، وكُلُّ شطرٍ منهما يميل بطبعه إلى حظّه، فلا يزال العبد يُصفِّي قصد نصيب قلبه عن حظّه المُشوَّش من نصيب نفسه؛ حتَّى يصير الحظّ الأعلى خالصاً عن الحظّ الأدنى، وبذلك تتمُّ(٢) صحَّة القُصود في المبادئ، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله العليّ العظيم. (١) سُورة القمر: الآية ٥٥. (٢) في النُّسخة الخطِّيَّة: (تم). ١٢١ فصلٌ ثُمَّ عليه حينئذٍ بعد تصحيح القصد وتكميله، بتحصيل العلم - الذي هُو لهذا السَّفر كالزَّاد في تبليغه إلى مقصده وتوصيله -، وعلى العلم يترتَّب العمل، وعليهما ترتقي مباني العُبوديّة؛ التي من وصل إليها استقرَّ دينه، وقوي تمكينه، وطلعت عليه شُموس العرفان، وبزغت في سرِّه أقمار الإيقان، فيذهب معه كُلُّ ريبٍ، ويصفو عن كُلِّ دنسٍ وعيبٍ، ويصير الخبر عند معرفته بالمعبود عياناً، ويعود التَّصديق إيقاناً وبُرهاناً . أوَّل ذلك(١): الاعتناء بعلم سيرة النَّبِيِّ وَّ، مثل ((سيرة ابن هشام))، أو ((مغازي مُوسى بن عُقبة))، أو ((سيرة الواقديِّ))؛ و((يحيى بن سعيدِ الأمويِّ))؛ ومُحمَّد بن عايدٍ، وكتاب ((دلائل النُّوَّة)) لأبي نُعيم الحافظ الأصبهانيِّ، ولأبي بكرِ البيهقيِّ، ولأقضى القُضاة الماورديٌّ، ولعبد الجبّار بن أحمد الهمذانيّ(٢)، ولأبي العبَّاس القُرطبيِّ، وغيرهم. ومنها كُتب مناقبه وفضائله؛ ككتاب ((شرف المُصطفى)) لأبي سعيدِ النَّيسابوريِّ، وكتاب ((الشِّفا في تعريف حُقوق المُصطفى)) للقاضي عياضٍ، و((الوفا)) لأبي الفرج ابن الجوزيِّ، وغيرهم، وغير ذلك من العُلوم المُوضِّحة لدلائل النُّبُوَّة ومعالمها، فذلك من أهمّ العُلوم للطّالبين. (١) في حاشية النُّسخة الخطّيَّة: (مطلبٌ: بعض كُتب السِّير ومُؤلِّفيهم). (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (الهمداني). ١٢٢ فإنَّ من عجز في زماننا عن لقاء الرَّسولِ نَّهِ والمُهاجرة إليه؛ عدل على سيرته والنَّظر في ابتداء حاله وَّ، من طفوليَّته إلى كمال بُلوغه ومنشئه، وكيف ظهرت عليه بوادي الوحي وأعلام النُّبوَّة طوراً طوراً، من حين بدأه(١) الوحي إلى حين مُهاجرته إلى المدينة، وإلى حين أمره الله تعالى بقتال الكُفَّار، وإلى أن ظهر دينه على الأديان، وانتشر بارزاً في السِّر والإعلان، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اْلْمُشْرِكُونَ﴾(٢). فبذلك ينكشف للقلب حقائق النُّبوَّة، ويعرف أسرار الرِّسالة، ويعرف النِّسبة بينه وَّه وبين الأنبياء والرُّسل من قبله، في دُعائهم الكُفَّار إلى عبادة الرَّبِّ القَّار، ومُعاندتهُم لهُم، وصبر الأنبياء عليهم؛ حتَّى يُفتح عليهم بالنَّصر والتّفر، وتغلب كلمة الرَّحمن على كلمة الطّغيان، ومجيء نصر الله والفتح، ويدخل النَّاس في دين الله أفواجاً، خصوصاً لمن قد عرف النُّبوَّات السَّالفة والشَّرائع السَّابقة، فيتحقَّق القلب أنَّ الله أرسله حقيقة كما أرسل الأنبياء من قبله، ويُوقن القلب أنَّ دينهم واحدٌ وشرائعهم شرائع مُختلفة، ينطقون من عينٍ واحدةٍ، ويسطع نُورهُم من مشكاةٍ واحدةٍ، ويدعون إلى ربِّ واحدٍ، كما قال النَّجاشيُّ لمَّا سمع القُرآن: ((هذا والذي جاء به (١) في النُّسخة الخطّيَّة: (بدأة). (٢) سُورة الثَّوبة: الآية ٣٣، سُورة الصَّفِّ: الآية ٩. ١٢٣ مُوسى من مشكاةٍ واحدةٍ))(١). فحينئذٍ يترقَّى القلب إلى عين اليقين بأمور الدِّين؛ بعد وجدانه لعلم اليقين، ثُمَّ بعد ذلك يعتني بعلم السُّنن والآثار؛ ليعرف دين هذا النَّبِيِّ الكريم وآدابه وسُننه وعاداته في قيامه وقُعوده وأسفاره ومغازيه وعباداته ومعاملاته ومُعاشرته للأصحاب والأزواج؛ وغير ذلك ممَّا تدلُّ (٢) عليه سُننه المُدوَّنة، في مثل الصِّحاح؛ كصحيحي ((البُخاريِّ)) و((مُسلم))، و((مُوطَّأ مالكٍ))، و((صحيح الإسماعيليّ))؛ و((البُرقانيّ))؛ و ((أبي حاتم البُستيِّ))؛ و((الحاكم النَّيسابوريِّ)، و((صحيح الجوزقيّ))، و((صحيح أبي نعيم الأصبهانيِّ))، و((جامع التِّرمذيِّ))، و((سُنن أبي داود))؛ و((ابن ماجه))، و((شرح السُّنَّة للبغويِّ)). وككُتب المسانيد الكبار؛ كـ((مُسند الإمام أحمد بن حنبلٍ((، و«مُسند إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ))، و((مُسند أبي بكر ابن أبي شيبة))، و((مُسند عبد بن حُميد الكَشِّيّ))، و((مُسند مُحمَّد بن هارون الرُّؤْيانيّ))، و((مُسند عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميّ))، و((مُسند أبي يعلى الموصليّ))، و((مُسند أبي داود الطَّيالسيِّ))، و((مُسند مُوسى بن قُرَّة الزَّبيديِّ)). وككُتب المُختصرات من الكُتب؛ كـ((الجمع بين الصَّحيحيْن)) للحُميديِّ، و((جامع الأصول))(٣) لابن الأثير الجزريِّ(٤)، و((المصابيح)) (١) أخرجه أحمد في ((مُسنده)) [الحديث رقم (١٧٤٠) - ٢٦٣/٣ - ٢٦٨] من حديث أُمّ سلمة رضي الله عنها . (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (يدلُّ). (٣) في النُّسخة الخطِّيَّة: (للأصول). (٤) في النُّسخة الخطّيَّة: (الحرزي). ١٢٤ للبغويِّ، و((أحكام عبد الحقِّ المغربيِّ))؛ و((عبد الغَنِيِّ المقدسيِّ))؛ و((أبي البركات ابن تيميَّة الحرَّانيّ))؛ و((مُحمَّد بن عبد الواحد المقدسيّ))، وغير ذلك من كُتب الحديث الموجودة في هذا العصر في آفاق الدُّنيا؛ المحفوظة عند الحُفَّاظ، ليعرف الإنسان مُجمل كمال ما جاء به الرَّسول، فإنَّ ذلك من أهمِّ المُهِّمات. فكثيرٌ من السَّالكين اختصر لنفسه طريقاً إلى الله تعالى من السُّنَّة قبل الوقوف على مُجمل ما جاءت به السُّنَّة(١)، فانضمَّ قُصوره في الحال إلى تقصيره في العلم، فانحرف انحرافاً بيِّناً، والمُوفَّق من عرف أوَّلاً كمال ما جاء به الرَّسول، فإن وجد نفسه مُستعدِّة للأُمور العامَّة والخاصَّة؛ قام بما يُمكنه منها. وإن وجد نفسه عاجزاً عن القيام بالأمر العامِّ كما قام به الرَّسول وخُلفاؤه الكُمَّل كأبي بكرٍ وعُمر؛ اختصر حينئذٍ لنفسه من ذلك طريقة يرتقي بها، حيث عجز عن القيام بكمال الدِّين، واشتغل بخاصَّة نفسه، حيث لم يتّسع لعامَّة الخلق من القيام بأُمور العلم والعمل والجهاد، فإنَّ الرَّسول وَلَ بُعث بكمال العلم، مُكمِّلاً للعمل والحال القلبيّ، مُجاهداً لأعداء الله تعالى، هذا دينه الذي دلَّت عليه سُنَّتَه والكتاب العزيز الذي أُنزل عليه. فاقتسمت الأُمَّةَ(٢) في هذا العصر أثلاثاً(٣)، فقومٌ اعتنوا بالعُلوم الظّاهرة ولم يعتنوا بأعمال القُلوب وأحوالها - وهُم غالب فُقهاء (١) في حاشية النُّسخة الخطِّيَّة: (مطلبٌ: في تقصير السَّالك). (٢) في حاشية النُّسخة الخطِّيَّة: (مطلبٌ: اقتسمت الأُمَّة). (٣) في النُّسخة الخطِّيَّة: (ثلثاً). ١٢٥ -٠ ... عصرنا -، وقومٌ اعتنوا بالأعمال والأحوال ولم يعتنوا بالعُلوم ولا التزام الشَّرائع على الكمال - وهُم غالب العُبَّاد والفُقراء -، وقومٌ اعتنوا بجهاد الأعداء ولم يعتنوا بالعلم ولا بالعمل مع الحال - وهُم الغُزاة -، والدِّين المُحمَّديُّ الكامل: هُو الدِّين الجامع لهذه الأقسام. فعلى العبد أن يعرف أوَّلاً كمال ما جاء به الرَّسول؛ ليعرف ماهيَّة الدِّين وصُورته، فإنْ قدر على إقامته بكماله؛ وإلا أخذ منه ما يقدر عليه في طريقٍ خاصَّةٍ له، ومتى تعبَّد(١) قبل معرفته بكمال الدِّين، جذبه الجهل إلى الانحراف عن الدِّين؛ حتَّى يبقى في شِعْبٍ مُنحرفٍ عن شِعْب المُهتدين. ثُمَّ يقف بعد ذلك على ما يلزمه من علم الفرائض والأحكام، والحلال والحرام، فيُقلِّد فيه المُجتهدين؛ إن عجز عن استنباطه من الحديث ومعالم الدِّين، فيعرف فرائض الوضوء وسُننه؛ وفرائض الصَّلاة وسُننها؛ وفرائض الزَّكاة؛ وغير ذلك من عُلوم الفُروض الخاصَّة به، فإنَّ كُلَّ واحدٍ يخصُّه من الفُروض ما لا يخصُّ غيره، ويُبتلى بواجباتٍ لا يُبتلى غيره بها، فإنَّ التَّاجر عليه من الواجبات ما ليست على الفقير، ومثله القاضي والوالي ووليُّ الأمر، كُلٌّ يجب عليه أن يتعلّم علم واجباتِ ما يلزمه القيام به، فبذلك يعرف حُدود الله فيه، فيلتزمها ويقوم بها، ومن كان جاهلاً بالحُدود تعدَّاها(٢)، ﴿وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾(٣). (١) في النُّسخة الخطِيَّة: (يعبَّد). (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (يعداها). (٣) سُورة البقرة: الآية ٢٢٩. ١٢٦ فصلٌ فإذا صحَّح النِّيَّة في الابتداء؛ وأتقن العلم في التَّوسُّط؛ فعليه حينئذٍ التَّكميل بالعمل. وأوَّل ذلك: الاعتناء بإمرار السُّنَّة على الظَّاهر والباطن، والتَّمسُّك التَّامُّ بالشَّريعة، والاقتفاء لآثار الرَّسول وَّةِ؛ وطلب التَّشبُّه به في دلَّه وسمته وهديه وصيامه وقيامه وتهجّده وصلاته وقراءته، فيجعله مرَّةً(١) بين عينيْه شيخاً له ومُؤدِّباً يراه بعين قلبه؛، إن غاب في الظَّاهر عن شخصه، فبذلك يتُّ الاتِّباع له والاقتداء به. ومن كان في الدُّنيا مُتَّبعاً له مُقتدياً به قد جعله إماماً بين يديْه، ناظراً إليه في كُلِّ حركةٍ، يُصغي إليه ما يقول فيها فيستعمله؛ فهُو في الدُّنيا معه، وفي الآخرة إن شاء الله تعالى يكون صاحبه، يُحشر تحت لوائه ومنجفه(٢)، غير مُنحرفٍ عنه ولا حائدٍ عن مُرافقته. ومتى جعل السَّالك شيخاً آخر قِبْلَته؛ وصارت له ربَّانية على قلبه تحجبه عن ربَّانيَّة الرَّسول وهيمنته؛ دخل الانحراف عليه قطعاً، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله. ومتى جعل النُّور المُحمَّديَّ إمامه اهتدى، ومن تمسّك بشريعته وسُنَّته فقد استمسك بالعُروة الوثقى. (١) أي: أَصَالَة. (٢) في النُّسخة الخطِيَّة: (صنجفه)، والنَّجيف: السَّهم العريض النَّصل. ١٢٧ وإنَّما قَصَّر مُتعبِّدوا زماننا عن الوصول إلى الحقائق؛ لامتلاء أسرارهم من شُيوخهم، وربَّانيَّتهم عليها، فحُجبوا بذلك عن ربَّانيَّة الرَّسول، فانحرفوا كثيراً عن طريق الهُدى، وذلك لأنَّهم عجزوا عن استنباط أسرار المعرفة من سُنَّته، ووجدوا الشُّيوخ قد لحظوها، فجعلوا السُّنَّة حُكماً للظّاهر؛ وعدلوا إلى شيوخهم في الأسرار والحقائق. ولو وَقَفُوا لاستنبطوا من سُنَّته الحقائق الكاملة والأسرار الباطنة والمقامات العالية، والله المُوفِّق. وتمام العمل النُّصح لله فيه، وإتقان كُلِّ أمرٍ دلَّ عليه الاتِّباع، كما ينصح العبد البارُّ النَّاصح لسيِّده، الذي يُحبُّ له ما يُحبُّ لنفسه، فتراه إذا أشار إليه بأمرٍ، أو ندبه إلى حاجةٍ؛ نهض نُهوض النَّاصحين، وبذل جُهده في تحصيل الغرض لسيِّده، فهُو موثوقٌ به أمينٌ، لذلك من طلب التَّحقيق بالمحبَّة والعُبوديّة والوصول إلى الأسرار العليّة؛ ينصح ربَّه تعالى في كُلِّ حقِّ أمره به أو نهاه عنه. أوَّل ذلك: إذا دخل وقت الفريضة يعزم على النُّصح لله فيها، فيتوضَّأ كما دلَّتِ السُّنَّة عليه بلا زيادةٍ ولا نُقصان، ثُمَّ يتقدَّم إلى المحراب بقلبٍ مُعظّم الله مُحبٍّ له مُشتاقٍ إلى لقائه، فيُكبِّرِه بالإجلال والتَّعظيم، ويعلم أنَّه عالمٌ به وبمكانه، مُطَّلع على سرِّه وضميره، فيقول: الله أكبر؛ من سُويداء قلبه، حتَّى ينتسخ في التَّكبير عن قلبه سوى عظمة من كبَّره، فذلك هُو النُّصح التَّاتُّ في التَّكبير، فمن کبَّر كذلك فقد نصح ربَّه في تكبيره ولم يُقْصِّر. ١٢٨ ثُمَّ إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(١)؛ فليحمد الله بقلبه، ويجعل لسانه ترجماناً لما في ضميره بلا مُزاحمةٍ ولا وسواس حائلٍ عن نُطق القلب بمعنى الحمد، ثُمَّ يتكلّم بكُلِّ معنى من معاني الفاتحة بلسانه مُعبِّراً عمَّا في قلبه بخُضُوعِ وخُشُوعِ وحُضُورٍ وابتهالٍ كأنَّه واقفٌ بين يدي ربِّه في عَرْصَة(٢) القيامة وهُو يُناجيه ويُخاطبه. وكذلك يجتهد العبد في الرُّكُوع أن ينصح فيه لله، وصِفَة النُّصح فيه: أن يخضع لله بقلبه كما خضع له ببدنه، فإنَّ صُورة الرُّكوع صُورة التَّواضع، فمتى خلت هذه الصُّورة من معنى وحقيقةٍ؛ كانت خداجاً ناقصة، كالبدن بلا رُوح، وُروحها وحقيقتها خُضوع القلب مُصدِّقاً لما ظهر من خُضوع الجسم. وكذلك في السُّجود؛ يسجد بقلبه كما يسجد ببدنه. وفي(٣) الثَّحيَّات يُناجي ربَّه به بكُلِّ معنى من معانيه،؛ أنَّه يُخاطب به ربَّه وهُو يسمعه ويراه، فبذلك يتمُّ النَّصح الله في الصَّلاة. ولو فرضنا رجلاً منَّا وقف بين يدي أميرٍ لاستحيا منه أن يُكلِّمه وهُو غير حاضرٍ ولا مُجتمع الهمِّ، بل رُبَّما خاف منه إن رآه على تلك الحالة أن يَهُمَّ به أو يمقته، فكيف بالعبد الذَّليل إذا وقف بين يدي الرَّبِّ الجليل؟ (١) سُورة الفاتحة: الآية ٢. (٢) العَرْصَة: كُلُّ بُقعةٍ واسعةٍ بين الدُّور ليس فيها بناءٌ. (٣) في النُّسخة الخِّيَّة: (وهي). ١٢٩ والتَّرقِّي إلى حقائق الإيمان وذِروته إنَّما يكون بالنّصح الله في اتّباع أوامره واجتناب مناهيه، فعوامُّ الخلق قصَّروا عن ذلك؛ لأنَّهُم يُعاملون ربَّهم بالّواهر ولا ينصحونه في مُعاملته بالسَّرائر، يقنعون من الأعمال بصُورها، وقُلوبهم خالية عن حقائقها . ثُمَّ على العبد الطَّالب الرَّاغب في سَنَا التَّقريبات وتُحف المواهب أن يجتهد من حين طلوع الشَّمس إلى غُروبها، ومن غُروبها إلى طلوعها على أن لا يعصي ربَّه بجارحةٍ من جوارحه، وهذا هُو حقيقة التَّقوى والثَّوبة، ولا يتمُّ ذلك إلَّا برعاية الجوارح السَّبع؛ التي هي العين والأُذن واللِّسان والبطن والفرج واليد والرِّجل، فيصون هذه الجوارح عن كُلِّ حركةٍ نُهي عنها أو كُرِه له فعلها . فيحفظ العين عن النَّظر إلى النِّساء والصِّبيان، فالصَّبيُّ الجميل في الحُكم كالمرأة، فكما حرم النَّظر إلى المرأة فكذلك الصَّبيُّ، ويحفظ اللِّسان من الغيبة والنَّميمة وقول الزُّور وما لا يحلُّ، ويحفظ السَّمع عن الاستماع إلى الفواحش، فإنَّ المُستمع شريك القائل، ويحفظ البطن عن أكل الحرام وأموال الّلمة وما لا يملك من الغُصوب وغيرها، وكذلك يحفظ الفرج عن الحرام، واليدين والقدمين أن يُحرِّكهُما أو يسعى بهما إلى ما حرَّمه الله تعالى، وعن جميع المكروهات، فمن لم يُجانب المكروهات قد يقع في المحظورات(١)، فالمكروهات سياجٌ، من تعدَّاها(٢) جاوز إلى الحمى، قال الله تعالى: (١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (المحضورات). (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (يعداها). ١٣٠ ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾(١). قدَّم غضَّ البصر على حفظ الفرج، فمن ضيَّع بصره - وهي معصيةٌ يُمكن تلافيها بالثَّوبة عن قريبٍ - خيف عليه أن يقع في المعصية الكُبرى - التي لا يُمكن تلافيها إلَّا بالجَهْد الجَهِيد -، ومن لم يحفظ هذه الجوارح لم يستقم له قلبٌ؛ ولم ينمو له عملٌ، ولا بُدَّ من مُحاسبة النَّفس على كُلِّ حركةٍ من حركات الجوارح، حتَّى تبقى الجوارح في أقوالها وأعمالها محفوظة مضبوطة، وبذلك يخفُّ الحساب على العبد في الآخرة، فإنَّما خفَّ الحساب على قوم حاسبوا نُفُوسهم في الدُّنيا . ومن حاسب نفسه في الدُّنيا واستغفر الله عند كُلِّ زللٍ يصدر منه (٢)؛ مُحِيَ عنه بذلك ذنبه - إن شاء الله تعالى -. فالعبد ولو تحقَّظ مهما تحقَّظ لا بُدَّ من الذَّنب، فمن محاه بالتَّوبة: فإنَّه يتنوَّر قلبه، ويُشرق سرُّه، ويُفتح على قلبه باب علم النِّيَّة؛ ومُعاملة الله تعالى بالإخلاص، فيتفقَّد حركاته وسكناته؛ وكُلَّ حركةٍ أو عملٍ خلا من نيَّةٍ صالحةٍ لا يتحرَّك فيها . والنّة الصَّالحة: إمّا أن يطلب بذلك العمل ثواب الله، أو يحصل له منه مصلحةٌ دُنيويَّةٌ يتمُّ له فيها معاشه، وما عدا هذيْن الأمريْن فهُو قُضولٌ لا فائدة فيه . (١) سُورة النُّور: الآية ٣٠. (٢) في حاشية النُّسخة الخطِّيَّة: (مطلبٌ: في فائدة الاستغفار). ١٣١ ومن ترقَّى(١) إلى علم النِّيَّة والإخلاص؛ ارتقى من أُمور العالم إلى أعمال المُوقنين، ودخل في أعمال أهل اليقين، وبهذا يتمُّ النُّصح لله؛ لأنَّ من التزم هذا يُطالب نفسه بالنُّصح لله في مُعاملاته وعباداته، يجب أن لا يتخلَّف عن ندبٍ ندبه إليه ربُّه إليه، أو حقِّ أوجبه عليه، ثُمَّ لا يرضى من نفسه أن يقوم بصُورته دُون أن يُعامل ربَّه بمعناه وحقيقته، فبذلك تتُّ العُبودِيَّة. ومن ذلك: تصحيح أُمور الصَّلاة - كما مرَّ أولاً -، ومُحاسبة النَّفس - كما مرَّ ثانياً -، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر - على حسب الاستطاعة -، والتَّخلّص من كُلِّ حقِّ وجب الله عليه، مثل صلاةٍ فاتت، أو زكاةٍ فاتت، أو صوم أو نذرٍ وجب، فلا يزال العبد يقضي ما فاته من ذلك حتَّى يتبرَّأ فيما بينه وبين الله، وتبقى مظالم العباد فيأخذ في التَّخلَّص منها، فيقضي ما في ذمَّته من دَيْنٍ أو وديعةٍ أو حقِّ من مالٍ أو عِرْضٍ حتَّى تبرأ ذمَّته فيما بينه وبين الخلق؛ كما برئت فيما بينه وبين الله، فإنَّه في الآخرة واقفٌ بين يدي الله ومسؤولٌ عن ذلك كُلِّه، وهذا من أسباب الاستعداد للقاء الله، فمن أيقن بأمرٍ استعدَّ له واستعان بالله في ذلك كُلِّه، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله العليّ العظيم. قال الله تعالى في شأن الصَّلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾(٢). (١) في النُّسخة الخطّيَّة: (ترقي). (٢) سُورة المُؤمنون: الآيتان ١ - ٢. ١٣٢ وقال في شأن المُحاسبة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَمِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(١). وقال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيْبُ عِدٌ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ﴾(٣). والأخبار والآيات في ذلك كثيرةٌ لمن تدبَّرها(٤) وعرفها، والحمد لله ربِّ العالمين. فصلٌ فإذا وفَّق الله العبد لتصحيح النِّيَّة في القُصُود، وتحصيل العُلوم النَّافعة لمُعاملة المعبود، واستعمال الجوارح بالمأمورات، وذبِّها عن المُخالفات؛ استقام العبد على سواء السَّبيل، ولا يتمُّ ذلك إلَّا بالاستعانة بالله تعالى والصَّبر؛ لتعتاد الجوارح على التَّلُّس بها، حتَّى يبقى الصِّدق والعلم والعمل طبيعة راسخة وهيئة ثابتة، بمثابة العادات التي لا يجد العبد لها تكلَّفاً، بل يتألَّم إذا فاته شيءٌ منها، إذا جاء وقت العبادة يجد باعثاً يجذبه إليها، فحينئذٍ يكتسي العبد كُسوة الإيمان حقيقة: ظاهراً وباطناً، علماً وعملاً، ومتى صار بهذه المثابة؛ فقد آن أوان الزُّهور، التي هي مبادئ الثَّمرات، فيظهر على الأشجار ما أودع الله فيها، ففي النَّاس من يسبق زَهْرُه ورقَ شجرته وأُولئك المجذوبون، الذين يظهر عليهم اللّوائح ومبادئ الحقائق في أوَّل (١) سُورة الإسراء: الآية ٣٦. (٢) سُورة ق: الآية ١٨. (٣) سُورة النُّور: الآية ٣٠. (٤) في النُّسخة الخطّيَّة: (يدبرها). ١٣٣ السُّلوك، وأمَّا الغالب منهم فلا تظهر(١) زهرتهم إلَّا بعد إتمام أحوال شجرتهم؛ من إكمال أحوال العلم والعمل. وليعلم العبد أنَّ أساس سلامة الثَّمرات الخالية من الفساد هُو صحَّة الاعتقاد، وإتقان مسائله وأُصوله، وهُو معرفة ما يجب له سبحانه وتعالى من الصِّفات العليَّة، وما يستحيل في حقِّه من الصِّفات الخَلْفيَّة . وليعتمد أخذ ذلك من مذهب أهل السُّنّة والجماعة(٢)، كأحمد والشَّافعيّ ومالكٍ وسُفيان الثَّوريِّ والأوزاعيِّ وابن المُبارك وإسحاق بن راهويه والفُضيل، وأمثالهم وأقرانهم ونُظرائهم أهل الحديث والأثر، فإنَّ النَّاس في هذه الأزمنة لبُعد العهد بالتُّبوَّة - حيث إنَّ لها سبعمائة سنة - قد مزجوا بالشَّريعة الخالصة عُلُوماً أخذوها من كُتب الفلاسفة الأوائل؛ كالمنطق والكلام وغيره من عُلوم الحُكماء، فصارت عقائدهم ممزوجة بما ليس من الدِّين، مغشوشة؛ كالدِّرهم المغشوش يعرف النُّقَّاد مقدار الفضَّة فيه من النُّحاس؛ وذلك لأنَّهم خلطوا بالدِّين ما ليس منه، ولم يقنعهم ما بعث الله به مُحمَّداً وَلَّ من الشَّريعة النَّاسخة لغيرها، فركنوا في عقائدهم إلى مُجرَّد عُقولهم ومقاييسها، فزاغوا بذلك عن محض الإيمان. (١) في النُّسخة الخطّيَّة: (يظهر). (٢) في حاشية النُّسخة الخطّيَّة: (مطلبٌ: كأحمد رحمه الله). ١٣٤ والسَّلف الأوَّلون(١) اعتمدوا على الإيمان المُوافق للعُقُول الصَّحيحة، واستندوا إلى النُّصوص الواردة عن الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيِّهِ وَّ﴿ في معارف الرَّبِّ وصفاته، فإنَّ الله سُبحانه أعلم بصفاته؛ وكذلك الرَّسول ◌َّ أعلم النَّاس بصفات ربِّه، وهُو الواصف لربِّه بما وصف به نفسه في كتابه . فهل يسع المُؤمن أن يعدل عن ذلك في صفات ربِّه إلى ما يقتضيه عقله وفهمه القاصر؟ فعلمنا بذلك أنَّ الدِّين قد خُلط فيه من الآراء والأهواء ما ليس منه. وقد منَّ الله على المُسلمين في هذا الزَّمان بظُهُور شيخنا وإمامنا : شيخ الإسلام، ومصباح الظَّلام، تقيّ الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن تيميّة أمتع الله الكافَّة ببقائه، بأن أوضح للأُمَّة منهاجها(٢) الأوَّل في دينها وعقائدها، وبيَّن لهُم دينهُم الذي ارتضاه الله لهُم، وهُو الدِّين العتيق الخالص عن الشَّوب؛ الصَّافي عن الكدر، القريب العهد بالتُّزُول من السَّماء، وله أعاد الله من بركته: عقيدةٌ تُسمَّى الواسطيَّة، فيها جُمل العقائد الإسلاميَّة والإيمانيَّة، وهي كافيةٌ للمُسترشد في الابتداء، ويُرجى أن تتفضَّل مُجملاتها في الأثناء، ويظهر لقلبه إن شاء الله في منازل السُّلوك أنوارها بأكمل الوضوح والانجلاء، ويُرجى إن شاء الله بعد ذلك أن تصير العقيدة التَّصديقيَّة لقلبه مشهداً يراها بعين اليقين، ثُمَّ يصير له مقعداً ومقاماً من الوُصُول والتَّمكين. (١) في حاشية النُّسخة الخطّيَّة: (مطلبٌ: في أصحاب الاعتقادات الصَّحيحة والفاسدة). (٢) في النُّسخة الخطِيَّة: (منهاجاً). ١٣٥ فصلٌ وليعلم أنَّ أهمَّ مسألةٍ في الاعتقاد(١) الإيمان بمسألة العرش وتحقيقها - علماً وتصديقاً -؛ لأنَّها أصلٌ من أُصول السَّالكين، السَّائرين إلى طريق قُرب ربِّ العالمين، لا يستقيم أمرهُم إلَّا بها، ولا ينفذون إلى ربِّهم إلَّا بمعرفتها وتحقيقها، وهي مبدأ المعارف الإلهيّة، والأذواق الوجديَّة، هي نقطة أمرهم، ومركز دائرتهم، عليها تنشأ قواعدهم. وأكثر من انحرف عن التَّحقيق فلجهله بها، فمُعظم النَّاس ليست القُلوبهم قِبْلَة يتوجَّهُون إليها؛ لكونهم لا يتحقَّقون أنَّ ربَّهُم فوق كُلِّ شيءٍ بفوقيَّةٍ تختصُّ به، وعُلُوٍّ يليق به؛ لا كالصِّفات اللائقة بالمخلوقين، فهُم لا يفهمون من الفوقيَّة والعُلُوِّ إلَّا الفوقيَّة اللائقة بهم، ولم تستنر(٢) أذهانهم إلى أنَّ صفات الرَّبِّ تعالى من عُلُوِّه وفوقيَّته واستوائه ليست كصفات الحَدَث، كما أنَّ سمعه ليس كأسماعهم، وبصره ليس كأبصارهم، وعلمه ليس كعلمهم، فإنَّها أعراضٌ قامت بحَدَثٍ. وصفات الرَّبِّ تعالى: هي صفاتٌ قائمةٌ به قديمةٌ تليق بجلاله وتختصُّ به، لا تُشبَّه بصفات خلقه، كما أنَّ ذاته المُقدَّسة لا تُشبَّه بذوات خلقه، إذا عُلِمَ هذا وتحقَّق في السَّمع والبصر والعلم وغيره؛ فكذلك في العُلُوِّ والاستواء والفوقيَّة بلا فرقٍ؛ إذ الكُلُّ صفاتٌ (١) في حاشية النُّسخة الخطّيَّة: (مطلبٌ: في أهمِّ مسألةٍ في الاعتقاد). (٢) في النُّسخة الخطِيَّة: (تستر). ١٣٦ لموصوفٍ واحدٍ . فهؤلاء الضَّالُّون: هُم في صفاته المُقدَّسة حائرون، ففيهم من يقول: إنَّه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته؛ لأنَّ الدُّخول والخُروج من صفات التَّحديد والحَدَث؛ والرَّبُّ تعالى مُنزَّهُ عن ذلك. ومنهم من يقول: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاته، والقولان مُتقابلان مُنحرفان. والتَّحقيق: أنَّ الرَّبَّ تعالى فوق كُلِّ شي بفوقيَّةٍ تليق بكمال عظمة الرُّبُوبِيَّة؛ مُختصَّةٍ بجلال الإلهيَّة، كما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾(١). وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾(٢). وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ﴾(٣). وقوله: ﴿سَيِّحِ آَسْمَ رَيِّكَ اُلْأَعْلَى﴾(٤). وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾(٥). وقوله: ﴿وَأَمِنْنُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾(٦). وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ﴾(٧). وقوله: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾(٨). وقوله حكاية عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ (١) سُورة طه: الآية ٥. (٢) سُورة النَّحل: الآية ٥٠. سُورة فاطر: الآية ١٠ . (٣) سُورة الأعلى: الآية ١ . (٤) سورة الأنعام: الآيتان ١٨؛ ٦١. (٥) سُورة المُلك: الآية ١٦ . (٦) (٧) سُورة آل عمران: الآية ٥٥ . (٨) سُورة النِّساء: الآية ١٥٨ . ١٣٧ أَشْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ ٣٦ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِىّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾(١). وهذا يدلُّ على أنَّ مُوسى صلَّى الله على نبيِّنا وعليه أخبره أنَّ إلهه فوق السَّماوات، ولذلك قال فرعون عن مُوسى: ﴿وَإِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ . فمجموع هذه الآيات، وبمعراج النَّبِيِّ وَّ من سماءٍ إلى سماءٍ إلى أن أوحى الله إليه ما أوحى، وبقوله وسلّ للجارية: ((أين الله؟ فقالت: في السَّماء. فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله))(٢). فأقرَّها على ذلك، ولم يُنكر عليها بقولها: في السَّماء. فبمجموع(٣) هذه الأدلّة: علم العارفون بأنَّ ربَّهُم تعالى فوقهم؛ وفوق كُلِّ مخلوقٍ، فوق عرشه؛ وفوق سبع سماواته، مُتنزّهٌ عن الدُّخول في خلقه، ووُجوده بائنٌ عن وُجود خلقه، والعرش العظيم لا يُقلِّه ولا يحمله ولا يُحيط به، بل هُو حامل العرش؛ وحامل حملة العرش. وهُو سُبحانه في عُلُوِّه وفوقيَّته مع عباده، يعلم سرَّهُم ونجواهُم(٤)، ومُتقلَّبُهُم ومثواهُم، فهُو قريبٌ في عُلُوِّه، عالٍ في دُنُوِّه، ومع كُلِّ شيءٍ بمعيَّةٍ هي صفته، وبحيطةٍ هي نعته، تعالى الله عُلُوًّا كبيراً. (١) سُورة غافر: الآيتان ٣٦ - ٣٧. (٢) أخرجه مُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة/ باب تحريم الكلام في الصَّلاة ونسخ ما كان من إباحته - الحديث رقم (٥٣٧) - ٣٨١/١ - ٣٨٢] من حديث معاوية بن الحكم السُّلميِّ رضي الله عنه. (٣) في النسخة الخطِّيَّة: (فمجموع). (٤) في النُّسخة الخطِّيَّة: (ونجويهم). ١٣٨ ومن لم يعتقد حُكم المسألة؛ ولم يُؤمن بفوقيَّته سُبحانه ومعيَّته؛ لم يصل قلبه إلى حقيقة الأمر؛ لأنَّ مبدأ الحقائق وُجودها في النَّفْس - المُعْتَقَد - علماً قطعيًّا، واعتقاداً تصديقيًّا، ثُمَّ تعود تلك العقائد بعينها فيصير للقُلُوب مشاهدٌ، ثُمَّ تصير (١) المشاهد مقاماتٍ للقُلوب ومقاعد، فإذا كانت العقائد فاسدة؛ كانت المشاهد وهميَّة فاسدة. ومن عرف أنَّ ربَّه فوق كُلِّ شيءٍ؛ صار لقلبه قِبْلَة في توجُّهه ودُعائه ومطلبه، كما أنَّ المُصلِّي قِبْلَته في صلاته الكعبة، إليها یتوجّه، ونحوها ينحو، فإذا أيقن بذلك؛ يصير العرش المجيد قِبْلَة قلبه في إرادته وتوجّهه، فإذا تحقَّق بذلك يغيب قلبه عن العرش لاستيلاء الحقيقة عليه وامتلائه به، فيصير القلب عرشاً للمثل الأعلى، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾(٢). فهُو سُبحانه له المثل الأعلى في السَّماوات والأرض؛ وفي قُلوب المُؤمنين، وذلك بتوفيق الله تعالى وفضله، يمنُّ به على من يشاء من عباده. فصلٌ وأكمل أسباب الاستعداد لهذا الشَّأن امتلاء القلب بحُبِّ الرَّسُولِ وَّةِ؛ بحيث يجعله السَّالكُ إمامَه ومتبوعَه في كُلِّ شيءٍ، يراه بعين قلبه، ويُصغي إلى أوامره عند حركاته وسكناته - كما مرَّ أولاً -، (١) في النُّسخة الخطّيَّة: (يصير). (٢) سُورة الرُّوم: الآية ٢٧ . ١٣٩ ولا يمتلئ من مخلوقٍ آخر غير هذه الواسطة، فمن وفَّقه الله تعالى لذلك؛ اعتدلت هيئة قلبه؛ واستعدَّت لتجلِّي الحقائق عليها على أكمل الوجوه وأتمّ الأُمور. والسِّرُّ في ذلك؛ لأنَّ الرَّبَّ تعالى إنَّما تعرَّف إلى هذه الأُمّة من جهته، وتجلّى عليهم بكلامه، فمن استقام قلبه على مُقارنة سُنَّته ومحبَّته؛ استعدَّ للتَّحقُّق بالحقائق على ما هي عليه، ومن امتلأ من شيخ غيره أو أُستاذٍ سواه(١) - بحيث حجبه عن ربَّانيَّته -؛ قد تتجلى له الحقائق مُنحرفة أو ناقصة؛ لبُعده عن الواسطة القريب المُقابل له بالعُبوديَّة من كُلِّ الوجوه. فليفهم العبد هذا السِّرَّ فإنَّه كنزٌ من الكُنوز لمن أراد التَّحقُّق بالأسرار ولم تقنعه(٢) الأُمور الظّاهرة. فإذا رُزق العبد ذلك؛ ترقّى(٣) بتوفيق الله تعالى إلى فهم التَّنزيل؛ وهي الرِّسالة التي بُعث بها هذا الرَّسولِ وََّ، وهذا أوَّل مفتاح من مفاتيح المعرفة والوصول، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله. ومتى ذاق العبد شمَّة من ذوق القُرآن المجيد؛ يسكن فيه من شدَّة ما يستجلبه، ولا يصبر عن مُداومة تلاوته وتدبُّره وحُسن الاستماع (١) في حاشية النُّسخة الخطّيَّة: (مطلبٌ: في لُزوم زيادة محبَّته فوق محبّة شيخه وأُستاذہ). (٢) في النُّسخة الخطِّيَّة: (يقنعه). (٣) في النُّسخة الخطّيَّة: (يترقى). ١٤٠