Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب الهاء يُستعملُ الهِجِّرُ إِلا في العادةِ الذَّميمةِ، إلا أنْ يستعملهُ في ضدَّه مَن لا يُراعِي مَوْرد هذه الكلمة عندَ العرب. والهَجيرُ والهاجِرةُ مِنَ الهَجْر أيضاً لأنها ساعةٌ يُهْجَر فيها السَّيْرُ، أو لأنها تهجرُ الناسَ على المجازِ. والهجارُ: حبلٌ يُربطُ به الفَحلُ، فهو سَبَبٌ لهجرانِ الفحلِ الإِبلَ، أي منعُه عنها. وبُني على مِثالِ الزِّمامِ والعِقالِ لموافقتهِ معنى ذلك. وهِجارُ القَوسِ: وتُرُها، وذلكَ تشبيه بهجارِ الفَحلِ. وبَعِيرٌ مَهْجُورَ: مَربوطٌ بالهجارِ. وقد فسَّر بعضُ الناسِ قوله: واهْجُرُوهنَّ فِي المَضاجعِ﴾ [النساء: ٣٤] أي اربطوهُنَّ بالهجارِ. قالَ بعضُهم: هو من تفسير الثُّقلاءِ. وقيلَ: معنى ((تَهْجُرُون)) أي تتركونَ، منَ الهجرانِ، وهو التركَ. ومنه قولهِ: ﴿واهْجُرْوهُم مَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل: ٢٠]. وهذا كقوله تعالى: ﴿يا ربٌ إِنَّ قومي اتّخذوا هذا القرآنَ مَهْجوراً﴾ [الفرقان: ٣٠]، وقيلَ: معناهُ: جعلوهُ بمنزلة الهَذَيان. والهَجْرُ والهِجْرانُ: مفارقةُ الإنسانِ غيرَه؛ إِمّا بالبدنِ أو باللسانِ أو بالقلب. قيلَ: وقولهً: ﴿اَنَّخذوا هذا القُرْآنَ مَهْجوراً﴾ يجوزُ أنْ يرادَ فيهِ ذلكَ كلُّه. وكذا قولُه: ﴿وَالرِّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] حثَّ على المفارقةِ بهذه الوجوهِ كلّها. قولُه: ﴿والذيْنَ هاجروا وجاهدوا﴾ [البقرة: ٢١٨] وقوله: ﴿والمُهاجرين﴾ [التوبة: ١٠٠]، ونحوُ ذلك. هذه المُهاجَرةُ عبارةً عن الخروجِ من دارِ الكفرِ إِلى دارٍ الإِسلامِ. ومنهُ الهجرةُ مِن مكةَ إِلى المدينةِ. فالهجرةُ والمُهاجَرَةُ غَلَبتا في ذلك، وإِنْ كانَ أصلُها مفارقةَ الغَيرِ ومُتَاركتُهُ. وقيلَ: الهجرةُ بعدَ الهجرة النبويةِ صارَتْ عبارةٌ عن تركِ دارٍ الحرب وتركِ الأخلاقِ الذَّميمةِ والخِصالِ الرَّذيلةِ. وفي قوله عليه الصلاةُ والسلام: «فَمَن كانّتْ هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إِلى الله ورسولهِ))(١) إِشارةٌ لذلك. وهُنا سؤالٌ وهوَ أنَّه لا بدَّ مِن تَغْايُرِ الشَّرطِ والجزاءِ لِيُفيدَ، وهُنا اتَّحدا. وأجيبُ بأنَّ معناهُ: فمن كانَتْ هجرتُه إِلى الله ورسوله ثواباً وجَزَاءٌ، أي مَن هاجَرَ إِلى الله كانَ أجرهُ على اللهِ وكانَتْ هِجرتُهُ مَقبولةٌ. وفي الحديثِ: ((لو يعلمُ الناسُ ما في التَّهجيرِ))(٢) قيلَ: (١) أخرجه البخاري في بدء الوحي برقم ١، ومسلم ١٩٠٧ . (٢) أخرجه البخاري في الجماعة والإمامة، باب (٤٤) حديث ٦٨٨، ومسلم في الصلاة ٤٣٤. ٢٤٢ باب الهاء المرادُ التَّبكيرُ إِلى كلَّ صلاةٍ. وفي حديثِ الجمعةِ: ((والمُهَجِّرُ كَالمُهْدِي بَدَنَةً))(١) أي المُبكِّرُ، وهي لغةٌ حجازيةٌ. وأنشدَ للبيد: [ من البسيط] ١٧٢٦ - راحَ القَطينُ بهِجْرٍ بعدَ ما ابْتِكَرُوا فما تُوَاصِلُهُ سَلْمِى وَمَا تَدَّرُ(٢) مجع: قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيلِ ما يَهْجَعون﴾ [الذاريات: ١٧]. الهُجوعُ: النَّومُ بالليلِ، وتفسيرُ معناهُ: كانوا يَهْجعون قَليلاً منَ الليلِ. و ((ما)) مَصدريَّةٌ، أي كانوا قليلاً هجوعَهُم. وقال الراغبُ(٣) : وذلك يصحُّ أنْ يكونَ مَعناهُ: كانَ هُجُوعُهُم قَليلاً مِن أوقات الليلِ. ويجوزُ أن يكونَ معناهُ: يَهْجعون هُجُوعاً قليلاً. ولَقِيتُه بعدَ هَجْعَةٍ، أي نَوْمَةٍ. ورجلٌ هُجَعٌ كقولهِم نُوَمٌ، أي كَثِيرُ النوم. فصل الهاء والدال هـ دد: قولُه تعالى: ﴿وَتَخْزُّ الجبالُ هَدَاً﴾ [مريم: ٩٠]. الهَدُّ: هدمٌ له وَقْعٌ. وهدَّدتُ البقرةَ: أوقَعْتُها للذَّبحِ. والهدّ: المَهْدُودُ كالرِّعي والطّحنِ. وقولُهم: تَرَجَّلْ هَدَّكَ مِن رجلٍ، أي كافيكَ. ولكونه في تأويلِ الصِّفَةِ وُصِفَتْ به النكرةُ مُضافاً لمعرفةٍ. وحقيقةُ الكَلامِ أنَّه الرجوليَّته يهدُّكُ ويُزَعزعُكَ وجِودُ مثلُهِ. وهَدَّدْتُ فُلاناً وتَهدَّدْتُه، أي زَعْزِعْتُه خَوِفاً بالوعيد. والهَدْهَدَةُ: تحريكُ الصبِيِّ لِينامَ. وَالهُدْهُدُ: طائرٌ معروفٌ، وجمعه هَداهِدُ، بفتحِ الهاءِ. وأمّا الهُداهِدُ فمفردٌ؛ قيلَ: هو الحمامُ الكثيرُ ترجيعِ الصَّوتِ. وأنشد: [ من الكامل] ١٧٢٧ - كهُداهد کسَرَ الرُّماةُ جَنَاحَهُ يَدْعو بقارعةِ الطَّرِيقِ هَديلا(٤) والهدُّ بالكسر: الجبانُ الضَّعِيفُ، لأنه كما تقدَّم بمعنى المَهْدِود. (١) غريب ابن الجوزي ٤٩٠/٢ والنهاية ٢٤٦/٥. (٢) ديوانه ٥٨ واللسان والتاج (هجر). (٣) المفردات ٨٣٤ . (٤) البيت للراعي في ديوانه ٢٣٨ (ألمانيا) واللسان والتاج (هدد، هدل). ٠ ٢٤٣ باب الهاء هـ دم: قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمتْ (١) صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] الهَدْمُ: نقضُ البناءِ وإِسقاطُه. ومنه: دَمٌ هَدٌْ، أي هَدَرٌ. والهَدَمُ بمعنى المَهْدومِ كالنِّقضِ والذّبح، ولكنَّه اختُصَّ بالثوب البالي، وجمعُه أهدامٌ. وفي الحديثِ: ((أنَّ أبا الهيثم بنَ النَّْهانِ قالَ: يا رسولَ الله إِنَّ بَيْنَنا وبينَ القومِ حبالاً نحنُ قاطعوها، ونحنُ نخشَى إِن الله أعزَّكَ وأَظْهركَ أنْ تَرَجْعَ إلى قومِكَ. فتبسَّم رسولُ الله ◌َُّ: بل الدَّمَ الدَّمَ والهَدْمَ الهَدْمَ))(٢). ورَوى ثعلبٌ عن ابنِ الأعرابيّ (الهَدَم)) بفتحِ الدالِ. تقولُ العربُ: ((هَدَمَي هَدَمُك)) بفتح الدال. يقالُ ذلك في النِّصرةِ. وقال أبو عبيد: يقالُ: هو الهَدَمُ واللَّدَمُ. وأنشدَ: [من الرجز] ١٧٢٨- ثم الْحَقِي بِهَدَمي ولَدَمي(٢) أي بأصلي ومَوضعي. قالَ: وأصلُ الهِدْم ما انهدَمَ كالقبض والنِّقض. ومعنى قولهم: دَمِي دَمُك، إِنْ قَتَلِنِي إِنسانٌ طلبتَ بِدَمي كما تطلبُ بدمٍ ولَيْكَ. وَهَدَمِي هَدَمُكَ، أي مَن هَدَمَ لِي عِزَّاً وشَرَفَاً فقد هَدَمَه منك. وفي الحديث: ((كانَ يتعوَّذُ منَ الأَهْدَمَينِ)) (٤) قالَ: الأهدمان: أنْ ينهار عليكَ بناءٌ أو تقعَ في بئرٍ أو هوَّةٍ. هدي: قوله تعالى: ﴿أولئكَ على هُدىٌّ مِن رَبِّهم﴾ [البقرة: ٥] يُطلقُ ويُرادُ به الدُّعَاءُ، كقولهِ: ﴿وَلِكلِّ قَومٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] أي داعٍ. ويرادُ به الدَّلالةُ كقوله تعالى: ﴿إِهْدِنا(٥) الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي دُلَّا إِليهِ وأَرشدْنَا إِليه. وهَوادي الخيلِ: مُتَقَدِّمها، وكذلك الهادياتُ. ومنهُ قولُ امرئ القيسِ: [من الطويل] عُصارةُ حِنّاءٍ بِشَيبٍ مُرَجَّلٍ(٦) ١٧٢٩- كأنَّ دماءَ الهادیات بنحْره (١) قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر وقتادة وابن محيصن وطلحة (لهدمت) الإتحاف ٣١٦ والنشر ٣٢٧/٢. (٢) الفائق ٢٢٩/١ وغريب ابن الجوزي ٤٩٣/٢ والنهاية ٢٥١/٥. (٣) الرجز دون نسبة في اللسان (لدم، هدم) والتاج (ندم) وتهذيب اللغة ٦ /٢٢٢، ١٣٦/١٤. (٤) غريب ابن الجوزي ٤٩٣/٢ والنهاية ٢٥٢/٥. (٥) قرأ ابن مسعود (أَرْشِدْنا) الكشاف ١ /١١، وقرأ ثابت البناني (بَصُرْنا) البحر المحيط ١ /٢٧. (٦) ديوانه ٢٣. ٢٤٤ باب الهاء وهَدَيتُهُ إِلى كذا: أوصلّتُه إِليه؛ قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. قولُه تعالى: ﴿إِنَّكِ لا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أي لا تخلُّقُ فِي قلبهِ الهُدَى. فلا مُنافاةَ بينَه وبينَ قولهِ تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي(١) إِلى صراطٍ مُستقيم﴾ [الشورى: ٥٢]: معناهُ: تدعو إلى صراطٍ. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ عِلِينَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢] أي الدَّلالةُ على الحقِّ. قولُه: ﴿أَوْ أجِدُ على النَّارِ هُدِىٌ﴾ [طه: ١٠] أي دَليلاً يدُلُّني على الطريق. وقالَ الراغب: الهُدى: دَلالةٌ بتلطُّفٍ، ومِنهُ الهدِيَّةُ. وهوادي الوحوشِ: المتقدمياتُ الهاديةُ لغيرِها، وخُصَّ مَا كانَ دلالةٌ بِهَديتُ، وما كانَ إِعطاءً بأَهديتُ. ثم قالَ: إِنْ قِيلَ: كيفَ جعلتَ الهدايةَ دَلالةٌ بتلطّف، وقد قال تعالى: ﴿فِاهْدُوهُم إِلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾؟ ثم أجابَ أنَّه مِن بابِ التهكُّم كقوله تعالى: ﴿فبَشِّرْهُمْ بعذابٍ أَلِيمٍ﴾ وقولُ الشاعر: [ من الوافر] ١٧٣٠ - تحيةُ بِينِهِمْ ضَرَبٌ وَجِيعٌ (٢) قالَ: وهدايةُ الله تعالى للإنسان على أربعة أضرُب: الأولُ، الهدايةُ التي عمَّ بها كلَّ مُكلَّفٍ، منَ العقلِ والفِطْنةِ والمعارف الضرورية، بل عمَّ بها كلَّ شيءٍ بقدرٍ فيهِ حسْبَ احتمالِهِ كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا الذي أَعْطِى كلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. الثاني، الهدايةُ التي جَعَلَ للناسِ بدعائهِ إِياهُم على ألسنةِ الأنبياءِ وإِنزالِ القرآن ونحو ذلك، وهو المقصودُ بقولهِ تعالى: ﴿ وَجَعَلناهم أئمَّةً يَهْدون بأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. الثالثُ، التَّوفيقُ الذي يختصُّ بِهِ مَنِ اهْتدى، وهو المعنيُّ بقوله: ﴿وَالْذِينَ اهْتَدُوْا زادَهُمْ هُدىٌ﴾ [محمد: ١٧] وقولهُ: ﴿وَمِنْ يُؤْمِنْ بالله يَهْد (٣) قَلْبَهُ ﴾ [ التغابن: ١١]. (١) قرأ أبيّ (لتدعو) القرطبي، وقرأ أُبي (لتدعوهم) إِعراب النحاس ٧٤/٣، وقرأ ابن السميع والجحدري ( لتُهْدي)، وقرأ حوشب والجحدري (لتُهْدَى) البحر المحيط ٥٢٨/٧. (٢) تقدم برقم ٩٧ وفي مواضع أخرى (٣) قرأ عكرمة والسلمي وقتادة والضحاك ( يُهْدَ قلبه)، وقرأ حمزة وابن جبير وطلحة (نَهْذِ قلبَه)، وقرأ: عكرمة ومالك بن دينار (يَهْدَ قلبُه) ، وقرأ مالك بن دينار وعمرو بن فايد (يَهْدَا قلبُه) ، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار ( يهدأ قلبُه) البحر المحيط ٢٧٩/٨ والقرطبي ١٣٩/١٨. ٢٤٥ باب الهاء الرابعُ، الهِدايةُ في الآخرةِ إِلى الجنة، وهو المعنيّ بقوله: ﴿الحَمْدُ لله الذي هَدانا لهَذَا ﴾ [الأعراف: ٤٣] قالَ(١): وهذه الهداياتُ الأربعُ مرتَّبةٌ؛ فمن لم تحصلْ له الأُولى لم تحصُلْ له الثانيةُ، بل لا يَصِحُّ تكليفُه. ومَن لم تحصلْ له الثانيةُ لم تحصُلْ له الثالثةُ والرابعةُ. ومَن حصلَتْ له الرابعةُ فقد حصَلَ له الثلاثُ التي قَبْلها. ومَن حصَلَ له الثلاثُ فقد حصلَ له اللتان قبلَها، ثم لا تنعكسُ؛ وقد تحصُلُ الأولى ولا يحصُلُ الثاني، ويحصُلُ الثاني ولا يحصلُ الثالثُ. والإِنسانُ لا يَقْدِرُ أن يَهْدِيَ أحداً إِلا بالدُّعاءِ وتعريفِ الطرقِ دونَ سائرِ أنواعِ الهدایاتِ . وإِلى الأولى أشارَ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صراطٍ مُستقيم﴾ ﴿ولكلِّ قَومٍ هادٍ﴾ وإِلى سائرِ الهدايات أشارَ بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ﴾ قالَ: وكلُّ هداية ذكَرَ الله تعالى أنَّه منعَ الظالمينَ والكافرينَ فهي الهدايةُ الثالثةُ التي هي التوفيقُ الذي يختصُّ به المُهتدونَ. والرابعةُ التي هي الثوابُ في الآخرةِ وإِدخالُ الجنَّةِ ﴿ كيفَ يَهْدِي اللـه قَوْماً كَفَروا بعدَ إِيمانِهِم﴾ إِلى قولهِ: ﴿والله لا يَهْدِي القومَ الظالمين﴾ [آل عمران: ٨٦] قولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلى الحقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي(٢) إِلَّ أنْ يُهْدَى﴾ [ يونس: ٣٥] أي أنَّ الله تعالى هو الذي يَهدي خلقَهُ إِلى الحقِّ، فهو أحقُّ بالاتباعِ ممَّن لا يَهْدي أن يهتديَ بنفسه. يقالُ: هَدَى بنفسهِ يَهْدي مُخَفَّفاً بمعنى اهْتَدى يَهْتَدي، نحوُ شَرَى يَشْرِي بمعنى اشْتَرَى يَشْتري. إِلا أنْ ((يَهْدي)» إلى طريقٍ يسلُكُها أو عملٍ يرشدُه إليه. وهذا استفهامُ توبيخٍ لهم على ما اتّخذوهٍ مِن دون اللهِ إلهاً يُعبدُ، وإِنْ كانَ مِن أشرف الناسِ وخيرهم كالمسيحِ وعُزَيرٍ والملائكةِ. يعني أنَّ الله وحدَه هو الذي يَهدي كلَّ أحدٍ، وغيرهم لا يهدي غیرہ إِلا أنْ یھدیه الله. وقيل: معنى: ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائنينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، أي لا يُصلحُ. فاستعارَ الهدايةَ للإِصلاحِ، وهذا كقولهِ: ﴿إِنَّ الله لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] والمعنى لا يُوفّقُهم لعملِ أهلِ الخيرِ. قولُه: ﴿وإِنْ كانتُ لكَبيرةٌ إِلا على الذين هَدَی (١) المفردات ٨٣٦. (٢) قرأ نافع وأبو جعفر وقالون (يَهْديٍّ)، وقرأ ابن عامر وابن كثير ونافع وابن محيصن (يَهدِّي)، وقرأ عاصم وشعبة وحماد ( يِهِدِّي) وقرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش (يَهْدِي) الإتحاف ٢٤٩ والنشر ٢٨٣/٢ والسبعة ٣٢٦. : ٢٤٦ باب الهاء الله﴾ [البقرة: ١٤٣] أشارَ به إِلى مّن هداهُ الله بالتَّوفيقِ المذكورِ في قولهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُم هُدىٍ﴾ [محمد: ١٧] قالَ بعضُهم: الهدايةُ والهُدى في موضوعِ اللغةِ واحدٌ، ولكنْ خَصَّ الله تعالى لفظَ الهُدی بِما تَوَلاَهُ وأعطاهُ. واختَصَّ به هوَ دون ما هو إِلى الإنسان، نحو: ﴿هُدِّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] والاهتداءُ: يختصُّ بما يتحرَّه الإِنسانُ على طريقِ الاختيارِ؛ إِمَّ في الأمورِ الدُّنْيويةِ. أو الأخروية كقوله تعالى: ﴿وهو الذي جَعَلَ لَكُمْ النُّجومَ لِتَهْتدوا بِها فِي ظُلُماتِ البِرِّ والبحرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] فهذا يجوزُ أنْ يكونَ للهدايَتين، لأنَّهم يَهْتدون بها في أسفارِهم وإلى الجهة التي يتعبَّدون إِليها لله تعالى. ويقالُ أيضاً: اهْتُدَى إِذا طَلَبَ الهدايةَ. ومنه: ﴿قِدْ ضَلَلْتُ إِذاً وما أنا مِنَ. الْمُهْتدِين﴾ [الأنعام: ٥٦] وإذا تحراها أيضاً. ومنه: ﴿وإِذْ آتَيْنا مُوسى الكتابَ والفُرقانَ. لعلَّكُمْ تَهْتدون﴾ [البقرة: ٥٣] أي تتحرّون هدايتُكُم فيهما. والاهتداءُ أيضاً: الاقتداءُ. بالعلماءِ. ومنه قولُه تعالى: ﴿أو لوْ كانَ آبَاؤُهُم لا يَعْلمونَ شيئاً ولا یھْندونِ﴾ [المائدة: ١٠٤] مَنْبهةً على أنَّهم لا يَعلمونَ بأَنفُسِهِم، ولا يَقْتدون بِمن يعلمُ. وقولُه: ﴿فمنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناوَلُ وجوهَ الاهتداءِ المتقدِّمةِ بأسرِها مِن طلبِ الهِدايةِ وتَحْرِّيها والاقتداء بالعلماء. وقيلَ في قولهِ تعالى: ﴿وإِنِّي لَغفّارٌ لمن تابَ وَآمنَ وعمِلَ صالحاً ثمَّ اهتدىٍ﴾ [طه: ٨٢] أي ثُمَّ أدامَ طلبَ الهداية، ولم يَفْتُرْ عن تحرِّيها. ولم يرجعْ إِلى المَعْضِيةِ. وفي قولهِ تعالى: ﴿أولئكَ عليهِم صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتدون ﴾ [البقرة: ١٥٧] أي تَحرَّوا الهدايةَ وَقَبِلُوها وعَمِلوا بها ولم يُخِلُوا بشرائطها. قوله تعالى: ﴿والهَدْي مَعْكوفاً﴾ [الفتح: ٢٥]، الهَدْيُ: ما يُهْدى إِلى البيتِ الحرامِ منّ الأنعامِ. والهَديَّةُ: مُختصةٌ باللطفِ الذي يُهْدي بعضنا لبعضٍ. قال تعالى: ﴿وإِنِي مُرْسِلةٌ إِليهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥]. وفيه لغتان: هَدِيٍّ وهَدْيٌّ. قالَ الهرويُّ: الهَدِيُّ والهَدْيُ لغتان ٠ وهُما مَا يُهدى لبيتَ الله تعالى مِن بَدَنَةٍ وغيرِها، وهذا أعمُّ مما ذكرناهُ أولاً، والواحدُ هديّة وهِدْية. وقال الفراءُ: أهلُ الحجازِ وبنو أسدٍ يُخفِّفون الهَدْيَ، وتميمٌ وسُفْلِى قريشٍ يُتْقلون الیاءِ. وأنشد الفرزدقُ: [ من الوافر] ---- ٢٤٧ باب الهاء وأَعنَاقِ الهَدِيِّ مُقْلَّدات(١) ١٧٣١- حلَفْتُ بربِ مگَّةً والمصلَّى قالَ: ويقالُ في جمعِ الهَدْي أَهْداءٌ، وفي جمعِ الهديِّ هِدى. ويقالُ للأُنْثى أيضاً هَدْيٌّ وهدْيٌّ، نصَّ عليه الأخفشُ وكأنَّه في الأصلِ مصدرٌ وُصِفَ بهِ. وهذا ظاهرٌ في المخففة الياء. وقالَ الراغبُ : (٢) والهَدِيُّ يقالُ في الهَدْيِ. وفي العروسِ يقالُ: ما أحسنَ هديةَ فلان! وقال أبو بكرٍ: سُمِّتِ الإِبلُ هَدِيّاً لأنَّ منها ما يُهْدى إِلى البيت. وفي الحديث: ((هَلَكَ الهَدِيُّ وماتَ الوَدِيِّ)(٣)، أي هلكتِ الإِبلُ ويبِسَتِ النَّخيلُ. والهَدْي: الطريقُ؛ يقالُ: ما أحسنَ هَدْي فلان! أي طريقَه. وفي الحديث: ((إِنَّ أحسنَ الهَدْيِ هديُ محمدٍ لَّ ◌َه))(٤). وفي حديثٍ آخر: ((كنَّا ننظُرُ إِلى هَدِيهِ ودَلَّه))(٥) أي طريقهِ وهباتهِ. وفي آخر: ((اهْدوا هَدْي عمارٍ)) (٦) أي سيروا بسيرتهِ وفي الحديث: ((خَرَجَ من مرضهِ يُهادَى بينَ اثنين))(٧) أي يعتمدُ عليهما مُتمايلاً في ضعفهِ. وأصلُه مِن تَهادت المرأةُ: إِذا تمايلتْ فِي مَشْيِها، كأنَّهم شبَّهوها بالهَدْي في مَشيهِ. ومَن فعلَ ذلكَ بغيره يقالُ لهِ المُهادي وغيرُه المُهادَى بالفتح، والمِهْداءُ بالقصرِ مَهموز: الطبَقُ الذي يُهْدِى عليهِ. والمِهْدَى بالمدِّ: الكثيرُ الهدية. وأنشدَ: [من الطويل] ١٧٣٢ - وإِنَّك مهداءُ الخَنَا نَطفُ الحَشا(٨) فصل الهاء والراء هـ رب : قوله تعالى: ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ [الجن: ١٢] الهربُ: الذهابُ بسرعةٍ عن خوفٍ. (١) ديوانة ١٢٧ واللسان (قلد، هدى) والتاج (قلد ) . (٢) المفردات ٨٤٠ . (٣) غريب ابن الجوزي ٤٩٤/٢ والنهاية ٥ /٢٥٤. (٤) النهاية ٥/ ٢٥٣ وغريب ابن الجوزي ٤٩٤/٢ والحديث لابن مسعود . (٥) الفائق ١ /٦١٣ والنهاية ٢٥٣/٥. (٦) الفائق ٦١٤/١ والنهاية ٢٥٣/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٩٤/٢. (٧) الفائق ١ /١٩٦ والنهاية ٢٥٥/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٩٤/٢. (٨) صدر بيت وعجزه : (شديد السباب رافع الصوت غالبه) والبيت لحسيل (أو حسين) بن عرفطة في البيان والتبيين ٣ /٢٤٩، والحيوان ١٠٣/٣، ٤٩٤. ٢٤٨ باب الهاء يقالُ: هربَ الرجلُ حَرباً فهو هاربٌ وهرَّبِه غيرُهُ. وقالَ يعقوبُ: أَهربَ الرجُلُ، أي جَدَّ في الذهاب. وفي الحديث: ((ما لعيالي هاربٌ ولا قارِبٌ))(١) أي لا صادِرَ عنِ الماءِ ولا واردَ، أخبرَ أنَّهم لا شيءَ لهُم. هـ ر ت : قوله تعالى: ﴿هاروت وماروتٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] هُمَا مَلْكان بالفتح وقيلَ مَلِكَانُ بالكسر وقد قُرئٍ بذلك، لهما قصةٌ مشهورةٌ الله أعلمُ بصحتِها. ونقلَ الراغبُ(٢) عن بعضٍ المفسرينَ أنهما اسما شيطانينٍ منّ الجنِّ أو الإِنسِ. قالَ: وجَعَلَهما نَصْباً بدلاً من : الشياطين، بدلَ البعضِ منَ الكُلِّ. كقولك: القومُ قالوا: زيدٌ وعمرٌو. انتهى. وفي جَعْلِهما بدلاً من الشياطينِ نظرٌ لا يَخْفِى من حيثُ إِنَّ النحويينَ نَصُّوا على أنَّه يمتنعُ البدلُ في نظيرهِ لعدم المطابقةِ، وأَوْجبوا القطعَ حينئذٍ، وجَعَلوا من ذلك قول النابغة الذبياني: [من الطويل] ١٧٣٣ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فِعرفْتُها لستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ (٢) وتُؤْيٌّ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ رَمادٌ ككُحْلِ العَيْنِ لأَياً أَبِينُهُ قالوا: فرفَعَ ((رمادٌ وتُؤْيٌ)) على إِضمارٍ مبتدأ، ولم يُنْصبا بدلاً من آياتٍ لعدم المطابقة. وهذا له موضعٌ تحقَّقَ فيه. وقولُه فيه: إِنه يدُلُّ على بعضٍ من كلُّ كالجواب عن الاعتراضِ الذي ذكرتُه، لكنه لا يصحُّ لِما قدَّمْتُه من نصِّ النحويينَ. قِيلَ: واشتقاقُ اللفظة مِن الهَرْتِ وهوَ سَعَةُ الشِّدُقِ. ومنه قولُهم: فرسٌ هَرِيتُ الشِّدقِ. وأصلُه مِن هَرِتَ ثَوْبَهُ: إِذا شَقَّ فاتَّسع. ومنهُ الحديثُ: (أَكَلَ كَتِفاً مُهَرَِّةً)) (٤) أي مُمزَّقَةً مِن النضجِ. وقيلَ: إِنما هو (مُهَرَّدَة)). قالَ الكسائيُّ: يقالُ: لحمٌّ مُهَرَّدٌ: إِذا نَضِجَ. والمْهَرَأَةُ مثلُه. قلتُ: فيجوزُ أن تكونَ الدالُ هي الأصلُ، والتاءُ مبدلةٌ منها لتقارُبها. ولذلك حُكِي: هَرَدَ ثَوبَه وهَرَتَهِ: إِذا شَفَّه. وعندي أنَّ ادعاءَ الاشتقاق في هاروتَ من ذلكَ لا يصحُّ لِما قدَّمْتُهُ غيرَ مرةٍ من أنَّ (١) النهاية ٢٥٧/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٩٥. (٢) المفردات ٨٤٠. (٣) ديوانه ٣١ والكتاب ٨٦/٢ والمقاصد النحوية ٢٨٢/٤,٤٠٦/٣ واللسان (عشر). (٤) الفائق ٢٠٠/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٩٥/٢ والنهاية ٢٥٧/٥. ٢٤٩ باب الهاء الاشتقاقَ لا مدخلَ له في الأعجمياتِ. وهذا نظيرُ ما فعلوهُ في إِبليسَ وآدمَ ويعقوبَ ونحوها . هـ رع: قولُه تعالى: ﴿يُهْرَعُونَ إِليه﴾ [هود: ٧٨] أي يُساقون سَوْقاً بعنف. وقالَ ثعلبُ: يَسْتَحثون. وقالَ غيرُهُ: يُسرِعون في فزَعٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُم عَلى آثارِهِمْ يُهِرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] أي يَتْبعونَهم مُسرعينَ. قيلَ: كانوا يزعجونَ مِن الإسراعِ. يقالُ: هَرعٌ وأَهْرَعَ: إِذا استَحثَّ. وهذه معانٍ متقاربةٌ. ويقالُ: هِرَعَه وأهْرَّعَهُ: ساقَهُ سَوقاً بعنفٍ وتَخويفٍ. وهَرَعَ برمحِهِ فتهُرَّع: إِذا أَشْرَعَه سَرِيعاً. والهَرعُ: السَّرِيعُ المُشي، والْبُكاءِ، وهو الهَرِيعُ. والهَرْعَةُ: القَمْلَةُ الصَّغيرةُ. كأنَّهم تَوهَّموا فيها السُّرعةَ والخفَّةَ . هـ ر ن: قولُه تعالى: ﴿وهارونَ﴾ [النساء: ١٦٣] هو اسمُ النبيِّ العلمُ المشهورُ أخو موسَى صلواتُ الله وسلامه عليهما وعلى سائرِ الأنبياءِ. قالَ الراغبُ : (١) هو اسمٌ أعجميٍّ، ولم يرِدْ في شيءٍ من كلامِ العربِ. يَعني لم تَرِدْ هذه المادّةُ في لغتِهم. فصل الهاء والزاي هـ زأ: قولُه تعالى: ﴿أَتَّتَّخِذُونا هُزُواً﴾ [البقرة: ٦٧] الهزُوُّ: الاستخفافُ. يقالُ: استهزَأَ به يَسْتهزئُ، أي استخَفَّ بِه. وقالَ بعضُهم: الهُزْءُ مَزْحٌ في خفيةٍ. وقد يقالُ لِما هوَ كالمَزْحِ. فمِنَ الأولِ قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾. يقالُ: هزِئتُ وَاسْتَهزأتُّ. قال الراغبُ(٢) الاستهزاءُ: ارتيادُ الهُزُؤِ وإِنْ كانَ قد يُعبَّرُ به عن تَعاطي الهُزُؤِ كالاستجابةِ في كونِها ارتياداً للإجابة، وإِنْ كانَتْ قد تَجري مَجرى الإجابة. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبالله وآياتهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئون(٢)﴾ [التوبة: ٦٥]. وقوله: ﴿اللّه يَسْتَهزئُ بِهِم﴾ (١) المفردات ٢٤١ (٢) المفردات ٢٤٢ (٣) قرأ أبو جعفر (تستهزون) الإتحاف ٢٤٣ . ٢٥٠ باب الهاء [ البقرة: ١٥] من باب المُقابلة، وإلا فحقيقةُ الاستهزاء على الله مُحالٌ. وقيلَ: إِنه عَبّر عن إِمهالهِ لهُم وازدراءِ رزقهِ عليهم، وأخْذِهم بعدَ ذلك بَغْتَةٌ بالاستهزاءِ، ويقالُ: إِنَّ الاستهزاءَ الانتقامُ. وأنشد: [ من الطويل ] ١٧٣٤ - قد استهزؤوا منّا بألفيٍ مُدَجْجٍ سَرَاتُهُمْ وَسْطَ الصَّحاصحِ جَثْمٌ (١) قيلَ: فَعلى هذا لا يحتاجُ إلى تأويلٍ. ويدلُّ عليهِ أنه تَعدَّى عَن أن يقالَ: هزأتُ منهُ وبه. ومنه قول الشاعر: [ من الرجز] ١٧٣٥ - قد هَزَأَتْ مِنْيَ أُمَّ طَيَسْلَة قالتْ: أراهُ مُعْدَماً لا مالَ لَهْ (٢) والاستهزاءُ في البيت إِنما معناهُ الاستخفاف والسُّخريةُ. وكوتُه بمعنى الانتقامِ بعيدُ التأويل، أي انتقمتْ مني بهذا القولِ. ويُروى أنه يُفْتح للكفرة بابٌّ منَ الجنة فإذا قارَبوها أُغلقَ، فذلكَ الاسْتِهْزَاءُ بهم. وقد قُرئ قولُه: ﴿أَتَتَّخذنا هُزْواً﴾ بسكونِ العِينِ وضَمُها وبالواوٍ (٣) ، حَسْبما بينًا ذلكَ في ((العقد)). هـ ز ز: قولُه تعالى: ﴿وَهُزِي إِليكِ بِجِدْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] الهَزُّ: التحريكُ بشِدَّة؛ يقالُ: هزَّهُ يُهُزُّهُ، وهَزَّ الرمح فإِهْتَزَّ. واستُعير ذلك في قولِهِم: هَزَزْتُ فلاناً للعطاء، أي حَرَّكْتُه بما ذكرتُه لهِ منَ المكارمِ والمآثرِ. وقولُه تعالى: ﴿تَهْتَرُّ كأنَّها جانٌ ﴾ [النمل:٠ ١] إشارةٌ إِلى شِدَّةٍ حَرَكتِها واضْطِرابِها، وأنَّها فاقَتْ أبناءَ جنسها في حركتِها ونشاطِها. وقولهُ: ﴿اهْتَرَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي تحرَّكَتْ حركةً شديدةً تشقُّها عن نَباتِها وأزهارِها بسبب إِنزالها الماءَ بعد أن كانَتْ على عكسِ هذهِ الصِّفةِ قبل ذلك. واهتَزَّ الكوكبُ في انقضاضِهِ، وسيفٌ هَزْهارٌ. ورجلٌ هُزَهِزٌ: خفيفٌ. وكذلك ماءٌ (١) البيت دون نسبة في الدر المصون ١ /١٥٠ والقرطبي ٢٠٧/١. (٢) الرجز لصحير بن عمير في الأصمعيات ٢٣٤ ولصخر في التاج (طسل) وبلا نسبة في اللسان (طسل) ولأعرابي في أمالي القالي ٢ / ٢٨٤ (٣) قرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف (جُزْءًا)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وشعبة (هُزُؤاً) السبعة ١٥٧ والنشر ٢١٥/٢. ٢٥١ باب الهاء هُزَهِزٌ. قيلَ: وهو يتعدّى بنفسه وبالباءِ؛ يقالُ: هزَزْتُه وهزَزَتُ بهِ، كما يقالُ: أَخَذَ الحطامَ وبالحطام، وتعلَّقَ زيداً وبزيدٍ. وهزَّ عِطْفَه: كنايةٌ. وفي الحديث: ((اهتزَّ عَرَشُ الرحمن الموتٍ سَعدٍ))(١) أي ارتاحَ بروحهِ حينَ صُعِد بهِ. وقيلَ: هو على حذف مضافٍ؛ أي أهلُ عرشِ الرحمنِ. [هـ زل ]: ﴿ إِنه لقول فصل وما هو بالهزل ﴾ [الطارق: ١٤]. هـ زم: قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥١] أي كسَروهم وطَرودهُم. وأصلُ الهَزْمِ الكَسْرُ. ومنه [ شنٍّ] (٢) متهزّم، أي متكسّرٌ بعضه على بعضٍ. وهزَمْتُ البئرَ: حفرتُها. وبثْرٌ هَزيمةٌ، أي كُسِر جبُها حتى فاضَ ماؤها. وصارَ الهَزْمُ مُتعارفاً في فرارِ الجيشِ من الغلبةِ . وفي الحديث: ((زمزَمُ هَزْمَةُ جبريلَ))(٣) أي ضربَها برجْلِهِ. وقصَبٌّ مُتَهزٌّ ومُنْهِزِمٌ، أي مستكسّرٌ. وسمعتُ هَزْمَةً الرعد، أي صوتَه الذي يكادُ يشُقُّ القلوبَ. وفي الحديثِ: ((فَاجْتَنَبوا هَزْمَ الأرضِ فإِنَّها مَأْوَى الهوامُ)) (٤) يَعني ما تشقَّقَ منها فلا تَنْتابونَه لحاجَتِكم. وفي الحديثِ أيضاً: ((أَوَّلُ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ في الإِسلامِ فِي هَزْمٍ بَنِي بَيَاضَةَ))(٥). وقالَ بعضُ اللغويين: أصلُ الهَزْمِ غمزُ الشيءِ اليابسِ حتى يَنْحطمَ كهزْمِ الشَّنْ، وهَزْمِ القِّاءِ والبطيخِ. قالَ: ومنه الهزيمةُ لأنَّه كما يعبَّرُ عنه بذلك يعبَّرُ عنه بالحطم والكسرِ. وأصابتْه هازِمَةُ الدَّهرِ، أي مصيبتُه التي تكسِرُ صاحبَها. وهَزَمَ الرعدُ: تكسَّرَ صوتُهُ. والمِهْزامُ: عُودٌ يُجعَلُ في رأسهِ نارٌ يلعبُ بهِ الصِّبيانُ، كأنَّهم يهزِمون بهِ بعضَهم. (١) النهاية ٥/ ٢٦٢. (٢) بياض في الأصل، ولعله مما ذكرناه، ويناسبه أيضاً (سحاب متهزم ، رعد متهزم، سقاء متهزم) وأثبت ما جاء في المفردات ٨٤٢ . (٣) النهاية ٢٦٣/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٩٧. (٤) الفائق ٣ / ٢٠٤ وغريب ابن الجوزي ٤٩٧/٢ والنهاية ٢٦٣/٥. (٥) المصادر السابقة . ٢٥٢ باب الهاء فصل الهاء والشین هـ ش ش قوله تعالى: ﴿هيَ ثُرُ جَفُورٌ بتوكَأُ عَليها وأَهُثُّ (١) بها على غَنَمِي﴾ [قه: ١٨] أي أخبطُ الشَّجَرَ ليتناثَرَ ورقُهُ فِيرِدَاهُ الغَنَمُ. يقالُك هَشَّ يَهِشُّ، أَنفُذُلُذلك. وَهَشَّ للمعروف يَهَشُّ - بالفتحفِ الَّارتاحَ. وفي حديث عمرَ: ((فَهَشِشْت يوماً فقبّلْتُ وأنا صائِمٌ)(٢)، أي فرحتُ. ويقالُ: هاشَ بمعنى هَشَّ. وأنشدَ للراعي: [من الطويل] ١٧٣٦ - فكبَّرَ للرُّؤُيا وهاشَ فؤادُهُ وبشِّرَ نَفْساً كانَ قبلُ یَلومُها(٣). وقال الراغبُ: (٤) الهَشُّ يُقاربُ الهَزَّ بالشيءِ اللينِ. وناقَةٌ هَشوشٌ: لينةٌ غزيرة ضدٍّ الصَّلُودِ التي لا تكادُ تُعرَقُ. ورجلٌ هَشٍّ، أي طلْقُ المُحَيّا. وقد مَشَشْتُ، أي فَرِحْتُ. هـ ش م: قولُهُ تعالى: ﴿فَأصبَحَ مَشِيماً﴾ [الكهف: ٤٥] أي قُتاتاً متكسّراً، مِن هَشَمتُ. الشيءَ، أي فتُّنْتُه. ومنه هَشيمُ الثَّرِيدِ، وَبِهِ سُمِّيَ هاشِمٌ. وأنشدَ: [من الكامل] ورجالُ مَكَّةً مُسْتُونَ عجافُ (٥) ١٧٣٧- عمرُو الذي هشَمَ الثَّرِيدَ لقَومِهِ والهاشمةُ: أَحَدُّ الشِّجَاجِ، لَهَشْمِهَا العظمَ. قولُهُ: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] أي لمّا هَلَكوا صاروا مثلَ حُطَامِ النباتِ الذي يَتَّخدُهُ الراعي حظيرةٌ في كونِهِ: هَشِيماً مُتَكِسِّراً. وللهِ دَرُّ القرآنِ ما أبلغَ تشبيهاتِهِ! واهْتَشَمَ كلّ ما فِي ضَرَعِ الناقةِ، أي امتصه . ء فصل الهاء والضاد هـ ض م: قولُهُ تعالى: ﴿فلا يَخافُ ظُلْماً ولا هَضْماً﴾ [طه: ١١٢] أي نَقْصاً. وفي التفسيرِ: (١) قرأ النخعي وأبو البرهسم (أَهشُّ)، وقرأ عكرمة ومجاهد (أَهُثُّ)، وقرأ النخعي: (أُهِشُّ وأُهِشَّ) البحر المحيط ٢٣٤/٦ وإملاء العكبري ٦٦/٢ . (٢) الفائق ٢٠٥/٣ والنهاية ٢٦٤/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٩٧. (٣) ديوانه ٢٥٩ (ألمانيا) واللسان (هشش، رأى) والتاج (هيش). (٤ ) المفردات ٨٤٢. (٥) البيت لابن الزبعرى في ديوانه ٥٤، وتقدم في مادة ( سنه). ٢٥٣ باب الهاء لا يخافُ أنْ يُظلمَ فيحملَ ذنبَ غيرِهِ، ولا يُهْتَضَمَ فينقصَ من حسناته. ومنهُ دواءٌ یھضُمُ الطعامَ، أي ينقُصُ ثقلُهُ. ويقالُ: هضَمْتُهُ، واهْتَضَمْتُهُ، وتهضَّمْتُهُ، أي نقصْتُهُ حقَّهُ. وأنشَدَ للمتوكل الليثي: [من الكامل ] مَولاهُمُ المتهَضِّمُ المَظْلُومُ (١) ١٧٣٨ - إِنَّ الأذلَةَ واللثامَ لَمَعْشَرٌ قيلَ: والظلمُ والهَضْمُ متقاربان. وفرِّقَ الماورديُّ فقالَ: الظُّلُمُ منعُ جميعِ الحقِّ، والهَضْمُ منعُ بعضِهِ. وعن بشرِ بنِ المفضَّلِ، وقد قالَ لابنِهِ: ((لَمَ تَشربُ النبيذَ؟ فقالَ: إِنِما أُشربُ القدحَ والقدحينِ لينهَضِمَ طَعامي. قالَ: واللَّهِ لَدينُكَ أَهْضَمُ)). قولُهُ تعالى: ﴿ونخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] قال أبو عبد الله: هو المنضمُّ في وعائِهِ قبلَ أن يظهَرَ. ومنه: رجلٌ أَهضَمُ الجَنْبِينِ، أي مُنْهَضِمُهما. هذا قولُ اللغويينَ، وفسَّره مجاهدٌ: أي يتهشَّمُ تَهَشُّماً. وقولُ أهلِ اللغة أوفَقَ لمعنى الآية. وقالَ أبو القاسم: (٢) الهَضْمُ: شَدْعُ ما فيهِ رَخاوةٌ؛ يقالُ: هضمتُهُ فانْهَضَمَ، كالقَصَبَةِ المَهضومَةِ التي يُزَمَّر بها. ومِزْمَارٌ مُهْضَمٌ. وقولُهُ: ((طَلْعُهَا هَضِيمٌ)) أي داخلٌ بعضُهُ في بعضٍ، كأنما شُدِخَ. قلتُ: وفي هذا الكلامِ جمعٌ بينَ قولِ أهلِ اللغةِ وقولِ مجاهدٍ. والهاضومُ: مايَهضُمُ الطعامَ. وبطنٌ هَضُومٌ، وَكَشْحٌ مِهْضَمٌ، وامرأةٌ هَضِيمةٌ. واسْتُغِيرَ الهَضْمُ للظُلمِ، قالَ تعالى: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلماً ولا هَضْمَاً﴾. فصل الهاء والطاء هـ ط ع: قولُهُ تعالى: ﴿مهْطِعِينَ إِلى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] أي مُسرعين. يقالُ: أُهطَعَ يُهْطِعُ إِهْطَاعاً، فهو مُهْطِعٌ، أي سريعُ الإِجابة لداعي ربِّ العالمين. وقالَ ثعلبٌ: المُهْطِعُ الذي ينظرُ في ذلِّ وخُشُوعٍ لا يقلعُ بصرَهُ(٣). يقالُ: هَطَعَ الرجلُ ببصرِهِ: إِذا صوََّهُ. وبعيرٌ مُهْطِعٌ: إِذا صوَّبَ عنقَهُ، والظاهرُ الأولُ لقولِ الشاعرِ: [من البسيط] (١) البيت في طبقات فحول الشعراء ٦٨٤ وديوانه ٧٩ . (٢) يقصد الراغب في كتابه المفردات ٨٤٢ . (٣) مجالس ثعلب ٢٠ ((المهطع: الذي يرفع رأسه بذل)). ٢٥٤ باب الهاء داعٍ سَمِيعٌ فَلقُونا وساقونا (١) ١٧٣٩- إِذا دَعانَا فَأَهْطَعْنَا لدعْوَتِه فهذا بمعنى أَسْرَعنا. ويقالُ: هَطْعَ وَأَهْطَعَ. وقال الأخفشُ: الإِهطاعُ هُو الإقبالُ على الإصغاء. وأنشد: [ من الوافر] بدجلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ (٢) ١٧٤٠ - بدجلَةَ دارُهُم ولقَدْ أراهُم فصل الهاء واللام هـ ل ع: قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [المعارج: ١٩] قيلَ: مُفسّرَةٌ بما بعدَهُ. وعن ثعلبٍ: سألّني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ: ما الهَلَعُ؟ قلتُ: قد فسَّرَهُ اللَّهُ تعالى، ولا يكونُ أَبينَ مِن تفسيرِهِ؛ وهو الذي إِذا نالَهُ شَرِّ أظهرَ شدَّةِ الجزعِ، وإِذا نالَهُ خِيرٌ بَخَلَ بِهِ. وَمَنَعَ. وقيل: هو الفَزَعُ والاضطرابُ الشديدُ، من قولِهِم: ناقَةٌ هِلُواعٌ، أي سريعةِ السِّيرَ. وقيلَ: ((هلوعاً)) ضجوراً لا يصبر على المصائب. وقيل: هو الذي يفزَعُ ويجزَعُ من الشرُ ويحرصُ ويشِحُّ على المالِ : وفي الحديث: ((مِنْ شَرِّمنا أُعطِيَ العبدُ شُحِّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ))(٢) الهِلَعُ أشدُّ الجزعِ. والمعنى شُحِّ يُحزنُهُ وجُبْنٌ يخلَعُ قلبَهُ. هـ ل ك : قولُهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَوْعداً ﴾ [الكهف: ٥٩] أي لوقت هلاكهم. وقُرئ بكسرِ اللامِ وفتحِها مع ضمِّ الميم، (٤) أي لوقتٍ إِهلاكِهِم. قالَ بعضُهُم: الهَلَاكُ على أربعة أوجُه: أحدُها افتقادُ الشيءِ عنكَ وهو موجودٌ عندَ غيرِكَ. ومنه: ﴿هَلَكَ عِنِّي سُلطانِيَهِ ﴾ (١) البيت لعمران بن حطان في شعر الخوارج ١٤٤ والبحر المحيط ٩ /٤٢٥، ودون عزو في الدر المصون ٠١١٩/٧ (٢) البيت ليزيد بن مفرغ في ديوانه ١٦٧ والتاج (قطع) ويلا نسبة في اللسان (هطع) . (٣) مسند أحمد ٢٠٢/٢. (٤) قرأ عاصم وحماد وشعبة وبحى (لمهْلَكِهِمْ) ، وقرأ نافع وابن كثير وحمزة والكسائي (لِمُهْلَكهم) الإتحاف ٢٩٢ والسبعة ٣٩٣. ٢٥٥ باب الهاء [ الحاقة: ٢٩]. والثاني هلاكُ الشيءٍ باستحالةٍ وفسادٍ كقولِهِ: ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ [ البقرة: ٢٠٥]. والثالثُ الموتُ، نحوُ: ﴿إِنِ امْرٌ هَلَّكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، و﴿وما يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، ﴿حتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُم﴾ [غافر: ٣٤]. قال الراغبُ: (١) لم يُذكِرُ اللَّهُ تعالى الموتَ بلفظ الهلاكِ حيثُ لم يُقْصَدِ الذَّمُّ إِلَّ في هذا الموضعِ. يعني ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. وفي قوله: ﴿حتى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بعدِهِ رَسولاً﴾. الرابعُ بُطلانُ الشيءٍ منَ العالَمِ وعدمُهُ رَأْساً، وذلكَ هوَ المسمَّى فناءً كقولِهِ: ﴿ كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وَجْهُهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقد يُطلقُ الهلاكُ على العذابِ والخوفِ والفقرِ ونحوِها لأنها أسبابُهُ كقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية﴾ أي عذبناها. وقوله تعالى: ﴿فَهَل يُهْلَك٢ْ) إِلَّ القَومُ الفاسقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي يعذَّبُ عذابَ استئصالٍ، وهو الهلاكُ الأكبرُ الذي أشارَ إِليه عليه الصلاةُ والسلامُ بقولِهِ: ((لا شَرَّ كَشَرُّ بَعدَهُ النارُ))(٣). قولُهُ: ﴿وَلا تُلْقُوا بأيديكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قيلَ: التَّهلُكَةُ ما يُؤدي إلى الهلاك. والهَلوكُ: المرأةُ المُتمايلةِ في مَشْيِهَا، كأنها تَتَهَالَكُ في مَشْيِهَا، كما قالَ الشاعر: [من الطويل] تَخافُ على أحشائهَا أَنْ تُقَطَّعا(٤) ١٧٤١ - مَريضاتُ أَوْباتِ التَّهادي كأنَّما وكُنِّي عن الفاجرةِ بالهَلوكِ لتَمايُلها. والهُلْكُ: الهَلاكُ والشيءُ الهالكُ أيضاً. ومنَ الأولِ قولُ الشاعرِ: [ من الطويل] ولكنَّهُ بُنيانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا(٥) ١٧٤٢ - فَمَا كَانَ قیسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ (١) المفردات ٨٤٤ . (٢) قرأ ابن محيصن (يَهْلِكُ، يَهْلَكُ)، وقرأ الحسن وزيد بن ثابت ( يُهْلكُ إِلا القومَ الفاسقين) الإتحاف ٣٩٣ والبحر المحيط ٦٩/٨. (٣) الحديث في المفردات ٨٤٤ ، وقد تقدم في مادة ( خير) . (٤) البيت لمسلم بن الوليد في الحماسة البصرية ٢٢٠/٢، وللسعدي في محاضرات الراغب ١٣٩/٢ ودون نسبة في الحيوان ٢٥٩/٤. (٥) البيت لعبدة بن الطبيب في ديوان المعاني ١٧٥/٢ والخزانة ٢٠٤/٥ (هارون) وشرح المفصل ٦٥/٣ والكتاب ١٥٦/١ وشرح الحماسة المرزوقي ٧٩٢ . ٢٥٦ باب الهاء والهالکيُّ : الحدّادُ، وأصلُه من قبيلة مالك، فسُمِّي كلُّ حداد هالکیاً. وفي حديث أبي هريرةً: ((إِذا قالَ الرجلُ: هَلَكَ الناسُ، فهو أَهلَكَهُمْ))(١) يُروَى برفع الكاف على أنَّهُ اسمٌ خبرٌ لمبتدأ، أو بفَتْحها على أنه فعلٌ ماضٍ في موضعِ الجرِّ. ومعنى الرواية الأولى: إِذا فَعَلَ ذلك هوَ أكثرُهُم هَلاكاً، وإِذا كان كذلك كان أیاسهم لله تعالى. هـ ل ل : قولُهُ تعالى: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغِيرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي صُرُّحَ باسم غيرِ اللَّهِ عندَ ذبحه كما كانت الجاهليةُ يفعلونَ عندَ ذبحِ نَسائِكِهِم فيقولون: باسم اللاتِ، باسمِ العُزَّى. والإِهلال: رفعُ الصوتِ. ومنه استهَلَّ الصبيُّ. ومنه: ((لا يُوزَثُ الصبيُّ حتَّى يَسْتَهِلَّ "صارخاً)) (٢) .. وأُهِلَّ بالحجِّ: إِذا رفعَ صِوتَهُ بالتَّلبيةِ بهِ. قيلَ: وأصلُ ذلك منَ الهلاك، لأنهم إِذا رأَوَهُ صَرَخوا برؤيتِهِ، ورَفعوا أصواتَهُم بها. -١ قولُهُ تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عنِ الأَهِلَةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] هي جمعُ هِلالٍ، وَأَفْعِلَةٌ يلزمُ في فِعالٍ وفَعالٍ مُعْتَلَّي اللامِ أو مُضَعَّفينٍ، نحوُ خباءٍ وأَخْبيةٍ، وزِمام وأَزِمَّةٍ، وقد ندَرَ عِنانٌ. وَعُنُنٍ وحِجاجٍ وحِجَج حَسْمًا بَّنَاهُ في غيرِ هذا الموضوعِ. قيلَ: ولا يقالُ: هلالٌ إِلاَّ لاول ليلةٍ والثانيةِ، ثم هوَ قمرٌ بعدَ ذلك. قالَ الراغبُ(٣): ولا يقالُ له هلالٌ. وقالَ الهرويُّ: والقمرُ إِذا بَدَا رَقيقاً في أولِ الشهرِ يقَالُ لَهُ في الثلاثِ الأُوَلِ هِلالٌّ، وهذا مخالفٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ. وقالَ أبو الهَيْئِمِ: يقالُ له هلالٌ لِلَيلتينِ مِن أولِ الشهرِ ولليلتينِ مِن آخرِهِ، ومَا بِينَ ذلك فهو قَمّرٌ. وقالَ الأصمعيُّ: يقالُ له هلالٌ إِلى أنْ يُحَجّرَ، وَيُحَجِّرُ إلی أنْ يُستدیرَ له: كالخيط الرقيق. وقيلَ: يُسمّى هلالاً إلى أن يَقْهِرَ ضوؤهُ سوادَ الليلِ. قالوا: وذلك إِنما يكونُ في سَبع ليالٍ. قيلَ: والهلالُ مصدرٌ في الأصلِ، سُمّي به هذا الكوكبُ، فيقالُ: هلَّ الهلالُ هلالاً. ويقالُ: أهَلَّ الهلالُ واستهَلَّ، مَبْنيينٍ للفاعلِ تارةً وللمفعولِ أخرى. ومن الأُولى قولُ الشاعر: [ من الوافر) (١) الفائق ٣ / ٢٠٩ وغريب ابن الجوزي ٤٩٩/٢ والنهاية ٢٦٩/٥. (٢) الفائق ٢١٠/٣ والنهاية ٢٧١/٥. (٣) المفردات ٨٤٣ . ٢٥٧ باب الهاء وحَولٌ بعدَهُ حَولٌ جَديدُ (١) ١٧٤٣- وشھرٌ مُستَهلٌّ بعدَ شھرٍ ويقالُ: أَهْلَلْنَاهُ وَاسْتَهْللناهُ. ويقالُ لهُ بدرٌ منَ الثالثةَ عَشَرَ إِلى الرابعةَ عَشَرَ. قالَ أبو العباسِ: إِنما قيلَ له هلالٌ لأنَّ الناسَ يَرفَعُونَ أصواتَهُم بِالإِخبارِ عنهُ. ومن أسمائهِ الرِّبْرِقان. ودارَتُهُ التي حَولَه يقالُ لها الهالَّةُ، وضَوؤُهُ يقالُ لهُ الفَخْتُ وظلّهُ السَّمَرُ. ولذلك سُمِّيَ المتحدِّثون في ضوئِهِ سُمَّاراً، ثُمَّ أُطلقَ ذلك على كلٌ مُتَحَدِّث ليلاً. وانهلَّ المطرُ انصبَّ انصباباً شديداً. والمطرُ يُسمَّى هَلَلاً وأُهْلُولاً. وأنشدَ لامرئٍ القيسِ: [من الهزج] ١٧٤٤ - لمَنْ زُحلوقَةٌ زُلُّ بِهَا العَينانِ تَنْهَلُّ؟(٢) هـ ل: قولُهُ تعالى: ﴿هل أتَى على الإِنسانِ﴾ [الإنسان: ١] هَل: في الأصلِ حرفُ استفهامٍ بمعنى الهمزةِ، وبينَهُما فرقٌ، وقد ذكرتُهُ في غيرِ هذا الموضعِ. وقيلَ: مَعناها هُنا: قد أَتى. واستشهدَ بدخولِ حرفِ الاستفهامِ عليها في قولِ الشاعرِ: [ من البسيط] أهَلْ رَأَوْنا بوادي القفِّ ذِي الأكَمِ؟ (٣) ١٧٤٥ - سائل فوارِسَ يَربوعٍ بجملتها وقيلَ: هِيَ على بابِهَا منَ الاستفهامِ، وتقديرُ القولينِ فِي ((الدرِّ المَصونِ)). وتَأتي بمعنى النَّهي كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُنْتَهُون﴾ [المائدة: ٩١] أي انْتَهُوا، وتَفياً كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكْ إِلَّ القَومُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي ما يَهْلَكُ. قالَ بعضُهُم: وتكونُ شَرطاً، وتكونُ تَنْبِيهاً وتَبْكيتاً. هـ ل م: قولُهُ تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلينا﴾ [الأحزاب: ١٨] هلمَّ بمعنى إِنتِ. وتكونُ اسمَ فعل عندَ (١) البيت في اللسان والتاج (هلل) بلا نسبة . (٢) ديوانه ٤٧٢ والخزانة ٧ /٥٥٦ والهمع ٥٠/١ والدرر ١٥٠/١ (الكويت) واللسان (الل) وبلا نسبة في اللسان (زلل) والتاج (ألل وزلل) . (٣) البيت لزيد الخيل في ديوانه ٢٠٦ والجنى الداني ٣٤٤ وشرح المفصل ١٥٢/٨ والدرر ١٤٦/٥ ( الكويت)، وبلا نسبة في الخصائص ٤٦٣/٢ ورصف المباني ٤٠٧ . ٢٥٨ باب الهاء أهلِ الحجازِ، وفعلاً عندَ تميمٍ. فعلى الأُولى لا يبرزُ مَعَهَا ضميرُ تَثْنِيةٍ ولا جمعٌ، بل يَستْوي لفظُهَا في ذلك. وبهذهِ اللغةِ نزلَ القرآنُ. وعلى الثانيةِ يبزُرُ مَعَهَا ذلك فيقالُ: هَلُمّا، هَلُمُّوا، هَلْمُمْنَ. واختلفَ فيها هَل هيَ مركبةٌ أم لا؟ ومَن قالَ بتركيبها اختلفُوا أيضاً فقيلَ: أصلُها هالُمَّ؛ ها للتنبيه ولُمَّ فعل أمرٍ بمعنى أَصلحْ، فحُذفَتْ ألفُ ها تخفيفاً ورُكِّبًا. وحدَثَ فيها معنى الأمرِ بالإِسراعِ. وقيلَ: أَصْلُهَا هَل أُمَّ؛ هَلَ استفهامٌ وأُمَّ أمرٌ مِنْ أَمَّ، أي قَصَدَ. والأصلُ هَل لَّكَ ذلك في كذا؟ فَأُمَّه أي اقصُدْهُ، فركِبا، وَحَدَثَ ذلك المعنى. وقد حَقَّقتُ ذلك في غير هذا (١). فصل الهاء والمیم هـ م د : قولُهُ تعالى: ﴿وَتْرَى الأَرْضَ هامِدَةٌ﴾ [الحج: ٥] أي جافَّةً يابسةٌ لا نباتَ بها. وأصلُ الهُمودِ السكونُ والخُشوعُ والبِلى. ومنهُ: هَمَدَ الثوبُ، أي بليَ. وأنشَدَ للأعشى: [ من الكامل ] ١٧٤٦ - قالتْ قَُيلةُ: ما لجِسْمِكَ شاحباً وأرَى ثيابَكَ باليات هُمَّدًا؟(٢). وهَمَدَتِ النارُ: طُفِئَتْ. والإِهمادُ أيضاً: الإِقامَةُ، كأنه صارَ ذا هَمَدٍ. وقيل: الإِهمادُ : السرعةُ. قال الراغب(٣): فإِن يكُنْ ذلك صحيحاً فهو كالإِشْكاء في كونه تارةً لإزالة الشكوى وتارةً لإثبات الشُّكْوى، يعني في قولِهِم: أشكَيْتُهُ يجوزُ أَزِلَتُ شِكَايَته، ويجوزُ صِيَّرْتُهُ ذا شكايةٍ. وفي الحديثِ: ((حتَّى كادَ يَهْمُدُ منَ الجوعِ)) (٤) أي يهلك. فعبِّرَ عن الهلاكِ بلازمةٍ، وهو سكونُ الحركةِ . هـ م ر: قولُهُ تعالى: ﴿بماءٍ مُنْهَمْرٍ﴾ [القمر: ١١] الهَمْرُ: صبُّ الماءِ والدَّمع. يقالُ: (١) انظر الخصائص ١ /١٦٨، ٢٧٨، ٣٥/٣ والمسائل العضديات ٢٧٨ والكتاب ٥٢٩/٣ وقطر الندى ٣١. (٢) ديوانه ٢٧٧. (٣) المفردات ٨٤٥. (٤) الفائق ١ / ٤٤٢ وغريب ابن الجوزي ٥٠٠/٢ والنهاية ٢٧٣/٥. ٢٥٩ باب الهاء هَمَرْتُ الماءَ فانْهَمَرَ، وهَمَرْتُ الدمعَ، وهمرْتُ ما فِي ضَرِعِ الشاةِ منَ اللبن، أي حلبتُهُ كلَّهُ. وَهَمَرَ الرَّجُلُ في كلامِهِ، أي أكثَرَ الرَّجُلُ، فهو مِهْمَارٌ، نحوُ مِضرابٍ. وفلانٌ يُهامِرُ الشيءَ، أي يجرُفُهُ. ومنهُ: هَمَرَّ له مِنْ مالِهِ، أي أعطاهُ بكبشٍ. وقالَ الشاعرُ: [من الرجز] فيه شآبيبُ جَنوبٍ مُنْهَمِرْ (١) ١٧٤٧ - راحَ بِمِرْيَةِ الصَّبا ثم انْتَحَى هم ز: قولُهُ تعالى: ﴿وَيْلٌّ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] الهَمْزُ كالعَصْرِ، ومنه: هَمَزْتُ الشيءَ فِي كَفِّي، أي عَصَرْتُهُ. ثم عُبْر به عن الاغْتيابِ. والهُمَّزَةُ: الكثيرُ الهَمْزُ كالهَمّازِ في قولِهِ: ﴿حَمّازٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]. وعن ابنِ الأعرابيّ: الهمَّازُ: المُغْتَابُ بالغَيْب، واللَّمَّازُ: المُغْتَابُ بالحَضْرَةِ. قالَ الشاعرُ: [من البسيط] ١٧٤٨ - وَإِنِ اغْتِيبَ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ(٢) وعن شَهرِ بنِ حَوْشَبٍ (٣) عن ابنِ عباسٍ في تفسيرِهِ قالَ: هو المشَّاءُ بالنَّميمة، المفرِّقُ بينَ الجماعة، المُغْرِي بينَ الأحبَّةِ (٤). قولُهُ تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بكَ مِن هَمَزَاتِ الشياطينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أي نزعاتهم وما يُوسْوِسون به. وأصلُهُ من الهمزِ، وهو الدَّفعُ. ومنه الحديثُ: ((أمّا هَمْزُهُ فالمُوتَةُ))(٥) وقالَ أبو عبيد: المُوتَةُ الجنون: سَمَاهُ هَمْزاً لأنه حَصَّله منَ النَّخْسِ والغَمْزِ. وكلُّ شيءٍ غَمْتَهُ فقدَ دَفَعْتَهُ. همس: قولُه تعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] جاءَ في التفسيرِ: إِنَّهُ صوتُ الأقدامِ حينَ يَمْشونَ إِلى المحشَرِ. وأصلُ الهَمْسِ الصوتُ الخفيِّ، وهمْسُ الأقدامِ أَخْفَى (١) لم أهتد إِليه. (٢) تقدم برقم ١٢٥٦ في مادة (لمز) وهو لزياد الأعجم في ديوانه ١٢٧ (٣) شهر بن حوشب الأشعري (١٠٠ هـ /٧١٨ م) فقيه قارئ، من رجال الحديث ، شامي الأصل ، وهو متروك الحديث . الاعلام ٢٥٩/٣. (٤) في تفسير ابن كثير ٤ / ٤٣١ (قال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن أبن غنم يبلغ به النبي ◌َّثه: شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء العنت ). (٥) الفائق ٢١٣/٣ والنهاية ٢٧٣/٥ وغريب ابن الجوزي ٥٠١/٢. ٢٦٠ باب الهاء ما يكونُ مِن صَوتِها. ومنه هَمْسُ الإِبلِ كقول الشاعر: [ من الرجز] إِنْ تَصْدُقِ الطَّيرُ نَنَكْ لَمِيسا(١). ١٧٤٩ - وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا همِيسا وقيل: هوَ تَحريكُ الشَّفْتينِ دونَ نُطْقٍ، والأُولُ أَشهرُ. ومنه الحروفُ المَهْمُوسَةُ، وهي مجموعةٌ في قولك: سنَّكَتَ فَحَثُّهُ شَخْصٌ، حَسْبَمَا بَيْنَاهُ في ((العقدِ النَّضِيدِ)). ومنه تسميّتُهُم الأَسَدَ هَموساً لأنه يَمْشي بخفّةٍ فلا يُسمع صوتُ وطئِهِ. وفي الحديث: (( كانَ يتعوَّذُ من هَمْزِ الشيطانِ ولمزِهٍ وهمسِهِ))(٢). قالَ الليثُ: والهَمْزُ كلامٌ مِن وراءِ القَفَاءُ واللمزُ مُواجَهةٌ. والشيطانُ يُوسوٍسُ فيهمِسُ بوسواسِهِ فِي صُدُورِ بني آدَمَ. وقالَ أبو الهيثمِ: إِذا أسَرَّ الكلامَ وأخفاهُ فذلكَ الهَمْسُ منَ الكلام. هـ م.م: قولُهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] أي عَزَمَتْ وَقَصَدَتْ. وقالَ أبو حاتم: كنتُ أقرأُ كتابَ ((غريب القرآن)) على أبي عبيدَةَ، فلما أتَّيْتُ على قولِهِ: ﴿ولقد هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قالَ أبو عبيدةَ: هذا على التقديم والتأخيرِ كأنه قال: ولقد هَمَّتْ و ﴿لولا أَنْ رَأَى بُرهانَ رَبِّهِ﴾ لهمَّ بها. قلتُ: وما قالَهُ حَسَنٌ جداً، وقد بيَّنَّا ذلك في موضِعِهِ في كتابِنَا المشارِ إِليه غيرَ مُرةٍ. وَقَالَ ثعلبٌ: أي همَّتِ زُليخةُ بالمَعْصيةِ مُصرَّةٌ، وهمَّ يوسُفُ ولم يواقِعْ مَا هَمَّ بِهِ، فَبِينَ الهَمَّيْنِ فَرْقٌ. قيلَ: وأصلُ ذلك من الهمِّ وهوَ الحزنُ الذي يذيبُ الإِنسانَ. يقالُ: هَمَمْتُ الشحمُّ فَانْهَمَّ، أي أذبَتْهُ فذابَ. فالهَمُّ الذي تُهُمُّ بِهِ نفسَكَ يكادُ يُذِيبُكَ حتى تفعَلَه. ومن ثَمَّ قَإِلَ الشاعرُ: [من الطويل] ١٧٥٠ - وَهَمِّكَ ما لم تُمْضِه لَكَ مُنْصِبٌ(٣) وقولُهُ تعالى: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُم﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي حَمَلَتْهُم. (١) تقدم برقم ٦٠٧ في مادة (رقبث) . (٢) الفائق ٣ /٢١٣ والنهاية ٢٧٣/٥. : (٣) عجزبيت وصدره: (وكان لهم في أهل نعمان بغية) والبيت في شرح أشعار الهذليين ٥٥٩/٢ لساعدة بن جؤية الهذلي أو لحذيفة بن أنس الهذلي .