Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب النون
وفي الحديث: ((أَيوافقُكم العدُوُّ حَلْبَ شاةٍ نَثُورٍ؟))(١) أي غزيرةُ اللبن، كأنها تَنْثر
اللبنَ. ونَثَرتُ (٢): طرحتِ الأذى من أنفها. والنَّثْرة أيضاً: ما يسيلُ من الأنف. وقد طعنه
فأنْثَرَه، أي ألقاهُ على نَثْرته، أي أنفهِ. والاستئثارُ: جعلُ الماءِ فِي نَثْرتِهِ.
وفي حديث المُجادلة، وهي حوله: ((فلما خَلا سِنِّي، ونشرتُ له ذا بَطْني))(٣)
أرادتْ: كنتُ شابةً ألدُ له.
وفي حديث ابنِ عباسٍ: ((الجرادُ نَثْرةُ الحوت)) (٤) أي، عطستُهُ. وفي حديثٍ أمِّ
زرعٍ: ((ويميسُ فِي حَلَقِ النَّثْرةِ)) (٥) أي، يتبخترُ في حَلَق الدرعِ. وهو ما لطُّفَ منها.
فصل النون والجيم
ن جد:
قولُه: ﴿وَهَدَيناهُ النَّجدينِ﴾ [البلد: ١٠] أي عرَّفْناهُ طريقَي الخيرِ والشّرِّ كقوله
تعالى: ﴿إِنّا هديناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكراً وإمّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]
وأصلُ النجدِ المكانُ الغليظ المرتفعُ، وجمعُها نجادٌ. فجعلَ طريق الخيرِ والشرّ،
وإِنْ كانتْ معنويةٌ بمنزلةِ الطريقِ الحسِّية. ومن ذلك نجدٌ للمكانِ المرفوعِ، لأنه مرتفعُ عن
التهائم. قال الشاعرُ: [من الطويل]
١٥٩٥- فإِنْ تَدَعي نَجْداً أُدعْه ومَن بهِ
وإِنْ تَسأَلِي نَجْداً فيا حبَّذًا نجدُ(٦)
وقالَ مجاهدٌ: النجدان هنا: النَّديان. أي ألهمناهُ أنْ يَلْتقمهما فيرضَعَ منهما (٧).
وقيل: بيّنًا له طريقَ الحقِّ والباطلِ في الاعتقادِ، والصدق والكذب في المقالِ، والجميل
والقبيح في الفعال.
(١) الفائق ٢٨٧/١ وغريب ابن الجوزي ٢ /٣٩٠ والنهاية ١٥/٥.
(٢) استدراك من المفردات ٧٩٠ .
(٣) غريب ابن الجوزي ٢ /٣٩٠ والنهاية ١٥/٥.
(٤) الفائق ٦٧/٣ والنهاية ٥ /١٥.
(٥) الفائق ٢٠٨/٢ والنهاية ١٥/٥ وغريب ابن الجوزي ٣٩٠/٢.
(٦) البيت ليزيد بن الطثرية في ديوانه ٦١ وحماسة ابن الشجري ١٦١ وأمالي القالي ١ /٥٤.
(٧) تفسير ابن كثير ٥٤٨/٤.

١٤٢
باب النون
والنجادُ: حميلةُ السيف، وبها كُني عن طولِ القامةِ. قولُهم فلانٌ رفِيعُ العمادِ،
طويلٌ النِّجاد، كثيرُ الرماد. قالَ الشاعرُ: [من الكامل]
١٥٩٦- قصرت حمائله عليه فقلصت ولقد تحفّظ قينها فأطالها(١)
وفي حديث الشورى ((وكانت امرأةٌ نَجوداً))(٢) أي ذاتَ رأي. وفي حديث: «إِلاَّ
من أَعطى في نجدَتِها ورِسْلِها))(٢). قال أبو عبيد (٤): نجدتُها: كثرةُ شحومِها حتى تمتنعَ
به أن ينحرَها ضّنّاً بها، فكانَ ذلك بمنزلة السلاح لها.
والنجدةُ: الإِعانةُ. واستنجدْته: طلبتُ نجدتُه فأنجدني، أي أعانَني بنجدتهِ.
واستنجدّ فلانٌ أي، قويَ وقيلَ للمَكْروب: مُنجد، كأنه نالتْهُ نجدةٌ، أي شدَّة. ونجدَهُ
الدهرُ حَنكه لكثرة نجادته. وقيلَ: معناه قَوّاهُ وشدَّدَهُ، وذلكَ لِما رأي فيه من التجربةِ.
ومنه: هو ابنُ نجدة كذا.
والنِّجادُ: ما يُرفعُ به البيتُ. والنَّجَّادُ: مُتَّخِذُهُ. والنجاد أيضاً: ما يُرفعُ به السَّيْفُ من
ستر ونحوه .
والنَّاجودُ: الراوُوقُ، شيءٌ يُعلَّق ويُصفى بهِ الشرابُ، وأنشدَ لعلقمةَ بنِ عبدةَ: [من
البسيط ]
١٥٩٧ - ظَلَّتِ تَرقرقُ في الناجودِ يُصْفِقُها
وليدُ أعجم بالكتَّانِ معروم(٥)
ورجلٌ نجدٌ ونَجِدٌ ونجيدٌ، أي: شجاعٌ قويٌّ لما فيه من النجدة، وأنشد للنابغة
الذبياني: [ من البسيط]
طعنُ المعارِكِ، عندَ المُحْجَرِ، النَّجُد(٦)
١٥٩٨ - فهابَ ضُمْرانُ منهُ، حين يُوزِعُهُ
(١) لم أهتد إليه.
(٢) الفائق ٧١/٣ وغريب ابن الجوزي٢ /٣٩٢ والنهاية ٥ /١٩.
(٣) الفائق ٢ /٢٥٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٢/٢ والنهاية ١٨/٥.
(٤) في غريبه ٢٠٥/١.
(٥) ديوانه ٧٠ واللسان والتاج(نجد) .
(٦) ديوانه ١٩ واللسان والتاج (ضمر، وزع)

١٤٣
باب النون
ونجدْت البيت: زينتُه بالفَرْش. ومنه الحديثُ: ((وعليها مَناجدُ من ذهب))(١)، قال
أبو عبيد(٢): هي الحَلْيُ المُكُلَّلُ بالفصوصِ. وقيلَ: هي قلائدُ من لؤلؤٍ وذهبٍ وَرَنْفُلٍ،
كأنها من نجاد السيف، الواحدُ مِنْجَد، بكسر الميم. وفي آخرَ: (( أَنَّه عليه الصلاة والسلام
أَذِنَ في قطعِ المِنْجدةَ»(٣) يعني من الحرمِ. والمِنْجَدَةُ: عصاً تُساقُ بها الدابَّةُ .
وسُميّ النِّجادُ نجاداً لأنه يرفعُ الثياب بحشْوِها. وفي الحديث: ((وعلى أكتافها
يعنى الإِبل مثلُ التواجدِ شَحْماً)» (٤) أي طرائقُ الشَّحم. والواحدُ ناجدَة، قيلَ ذلك
لارتفاعها .
ن ج س:
قولُه تعالى: ﴿إِنَّما المشركونَ نَجَسٌ (٥)﴾ [التوبة: ٢٨] أي ذوو نَجَسٍ. وقيلَ:
جَعَلهم نَجَساً مبالغةً. وقيلَ: النَّجس: كلُّ مستقذرٍ. فإِذا قُرنَ بقولهم: رِجْسٌ وجبَ كسرُ
فائهِ وسكونُ عينه ليسا قرينة. فيقالُ: هذا نجسٌ رِجْسٌ.
قال بعضُهم(٦): النجاسَةُ: القذارة، وهي ضربان: ضربٌ يُدْرَك بالحاسَّة، وضربٌ
يدرَكُ بالبصيرةِ. وعلى الأولِ وصفَ الله المشركينَ بالنجسِ.
وقيلَ: نجُّسه: جعَلَه نَجساً، وعلى الثاني تنجيسُ العربِ، وهو شيءٌ كانوا يعلّقونه
على الصبِيِّ من عُوذَةٍ، ليدفَعوا بها نجاسَةَ الشيطان. والناجسُ والنَّجيسُ: داءٌ لا دواءً له.
ويقالُ: نجُسَ ينجُسُ، ونجَّسَ ينجِّسُ.
ن جل:
قولُه تعالى: ﴿التّوارةَ والإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] والإنجيلُ: أحدُ الكتب الأربعةِ.
المُنزلُ على عيسى ابن مريمَ. وأكثرُهُ مواعظُ وأمثالٌ، وأحكامُه قليلةٌ جداً، لأنَّ عيسى جاءَ
(١) الفائق ٦٨/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٣/٢ والنهاية ١٩/٥.
(٢) في غريبه ١١٣/٣.
(٣) الفائق ٢٨/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٣/٢ والنهاية ١٩/٥.
(٤) الفائق ٧٠/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٣/٢ والنهاية ١٩/٥.
(٥) قرأ أبو حيوة (نجسٌ)،وقرأ ابن السميفع (أنجاس) البحر المحيط ٢٨/٥.
(٦) المفردات ٧٩١.

١٤٤
باب التۈن
مقرِّراً لأحكام التوراة إِلا يسيراً. واختلفَ الناسُ فيه هل له اشتقاقٌ أم لا؟ والظاهرُ لا اشتقاقَ
له لأنه أعجميٍّ. ثمَّ القائلونَ باشتقاقهِ اخْتلفوا؛ فقال بعضُهم: سُمي لاستخراجه من عند الله
تعالى على يد عيسى عليه السلام. ومنه النجيلُ لخروجه من الارض، ومنه قیل للولد :
نَجْلٌ. وأنشدَ : [من المنسرح]
إِذْ نَجَلَاه، فَنِعْمَ مَا نَجَلَا(١).
١٥٩٩ - أنجَبَ أيَّامُ والديه به
ومنه الحديثُ: ((كان يطلبُ نَجْلُها))(٢) أي ولدُها. ومنه قولهم: قبَّح الله ناجلَيْه
أي، والديه. وقال آخرون: من النَّجل، وهو الماءُ الذي ينزُّ مِن الأرض، يعني أنه يشبهُ الماءَ
الذي ينزهُ من وجهينٍ: كونِهِ مُستخرجاً، وكونهِ يُحبي به النفوسَ كما يُحِي بالماءِ. ومنه
حديثُ عائشةَ رضي الله تعالى عنها: ((وكان واديها يعني المدينة نَجْلاً يَجري))(٢).
وقال آخرون: الإِنجيلُ: كلُّ كتابٍ مسطورٍ وافرِ السطورِ، قالَه شَمِّرٌ. فعلى هذا يكونُ
عَلَماً بالغلبة. وقالَ بعضُهم: هو من قولهم: نَجْل، أي علم. وأنشد لبلعاءِ بني قيسٍ:
[من الطويل ]
١٦٠٠ - وأنْجَلَ في ذاكَ الصنيع كما نجَلْ (٤)
أي اعمل واصنع. وفي الحديث: ((أناجيلهم في صدورِهم))(٥) يعني كتبهم.
وذلك إِشارةٌ إِلى أن أمََّ محمد ◌َّهِ يحفظون القرآنَ عن ظهر قلبٍ، بخلافٍ غيرِهم، فإِنه
لا يحفظُ كتابَهم إِلا نبيٌّ واحد نادر. ولذلك لما أَنکرَ العُزِيرَ قومُه قالَ: دليلي أني أحفظُ
التوراةَ. وكان لا يحفظُّها إِلا هو في قصةٍ مشهورةٍ.
ن جم:
قولُه تعالى: ﴿والنَّجُمُ والشجرُ يسجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] قيلَ: النجمُ: ما لا ساقَ
لهِ كاليقطين والقثّاءِ والبطيخِ، والشجرُ ما له ساقٌ. قوله: ﴿والنجمِ إِذا هَوَى﴾
(١) البيت للأعشى في ديوانه ٢٨٥ واللسان والتاج (نجل) .
(٢) النهاية ٢٣/٥ .
(٣) غريب ابن الجوزي ٣٩٥/٢ والنهاية ٢٣/٥.
(٤) عجز بيت لبلعاء في التاج (نجل) وصدره: ( ولما أتى يوم بأيامٍ فخةٍ) .
(٥) الفائق ٦٧٥/١ وغريب ابن الجوزي ٣٩٥/٢ والنهاية ٢٣/٥.

١٤٥
باب النون
[النجم: ١] قيلَ: أرادَ جنسَ كوكبٍ فدلَّ بالواحد على الجمع، وقيلَ: أرادَ كوكباً بعينه
وهو الثريا. وقد صارَ عَلماً غالباً عليها كالعَيُّوقِ والدَّبرانِ. ومنه قولُ العرب: [من مجزوء
الرمل]
وابتَغَى الراعي شكيَّةٌ (١)
١٦٠١ - طلعَ النجمُ غُذِيَّةْ
قيلَ: وإِنما نصَّ اللهُ تعالى على هَوْيِهِ دونَ طلوعهِ، لأنَّ الطلوعَ قد فُهم من نفسٍ
مادة النجم. يقالُ: نَجم قرنُ الشاةِ، أي طلع. وقيل: أرادَ به القرآن، وبهَوْيه نزولُهُ على
سيدنا رسوله الله تَّه، لان القرآن نزَلَ نجوماً، أي مفرَّقاً كقوله: ﴿وقُرآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرأَهُ على
الناسِ على مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. ومنه نجومُ الكتابة لأنها مفرَّقَةٌ في الإِيتاء.
قوله تعالى: ﴿وبالنَّجمِ هُم يَهْتَدون﴾ [النحل: ١٦] قيلَ: أراد به نَجماً بعينه
كالنجم والفرقدين والثّريا ونحوِهما، ممّا يُستدلُّ به على المسيرِ لجهةٍ خاصةٍ. ويجورُ أنْ
يريدَ به جنسُ النُّجومِ، فصارَ النجمُ يُطلق على الكوكب تارةً وعلى المصدر أخرى، إِما
بطريق الاشتراك، وإما بطريقِ التسمية بالمصدر. وكذا لفظُ النجومِ يُطلق على جمع النجم
تارةً وعلى المصدرِ أخرى، ثمَّ شُبه طلوعُ النباتِ والرأيِ بطلوعِ الكوكبِ فقيلَ: نجمَ
النباتُ، والنباتُ نفسُهُ نجمَ كما مرَّ، وإن اختصَّ بنوعٍ من النباتٍ مما لا ساقَ له. ونجمَ لهُ
رأيٌّ، أي طّلع وظَهر. وقيل هذا في قولهِ ﴿فنظَرَ نَظْرةً في النجُّومِ﴾ [الصافات: ٨٨] أي
فيما نَجم له منَ الرأي. وليس بظاهرٍ، بل معناهُ أنه ورَّى لهم بذلك. وذلك أن القوم كانوا
يقولون بعلم النجومِ، فقال لهم: إِني نظرتُ في علم النجومِ وظهرَ لي أني سأُسْقُم. وقصدَ
بذلك التخلفَ في البيوتِ يومَ عيدِهم، ليفعَل ما فعلَ من حَطم الأصنام كما في القصةِ
المشهورة. ويجوزُ أن يريدَ في النجم الفلانيّ، فدلْني على سَقَمي أي على زعمِكُم. وإِلا
فأنبياء الله مُبرَّؤون من ذلك، لا سيّما خليلُ الرحمن.
ونَجَّمتُ المالَ على فلانٍ: فرَّقْتُه عليه في الأداء. وأصلُّه أن يَفْرِضَ قسطاً عند طلوعٍ
النجم الفلانيّ مثلاً، ثم صار مُطلقاً في كلِّ تَفريقٍ وإِن لم يكنُ بطلوعِ نجم.
قولُه: ﴿فلا أُقْسِمُ بمواقعِ النّجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] فسُر بنجومِ القرآنِ وبالكواكبِ.
(١) البيت بلا نسبة في اللسان (شكا) وتهذيب اللغة ٢٩٩/١٠.

١٤٦
باب التون
ويؤيدُ الأُولَ قولُه: ﴿وَإِنَّه لَقَسَمٌ لو تَعْلمون عظيمٌ إِنَّه لقرآنٌ كريمٌ ﴾[الواقعة: ٧٦-٧٧].
ن چ و:
قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَينا الذين آمنوا﴾ [النمل: ٥٣] أي خَلْصناهُم. وأصلُ النجاة
الانفصالُ من الشيءِ والتقصِي منه. وذلكَ أنَّ النجاةَ في الأصل المكانُ المرتفعُ، لأنه
خَلَّصَ عمّا حَواليهِ من الأمكنة. وقيلَ: لأنه نَجا من السَّيل. والناجي كأنهِ حَلَّ في ذلك
المكانِ، ثم أطلق على كلِّ خَلاصٍ.
قولُه تعالى: ﴿فاليومُ نُنَجِّك(١) بيدَنكَ﴾ [يونس: ٩٢] أي تُلقيكَ على نجوةٍ من
الأرض ليراك الناسُ فیعرفوك. وذلك أنه لمّا أَغرق الله فرعون وملآه، قال بنو إسرائيلَ: لم
يغرقْ فرعونُ. فسأل موسى ربَّه، فلفظّه البحرُ من جوفهِ على ربوةٍ منَ الأرضِ، وعليه درعُه
المعروفةُ. وهي التي عَنَى بها الباري تعالى في قولهِ ﴿ببدنك﴾ أي عُرياناً مُجرَّداً من ثيابك
ليعرفِكَ الخاصُّ والعامّ.
ونَجَّيتُه وأَنْجيتُهُ لغتان، وقد قُرئتا. والتَّنْجيةُ: الإزالةُ. ومنه قشرَ الشجرةِ وجلدَ
الشاة: سلخْتُه. وأنشد قول الشاعر: [من الطويل]
١٦٠٢- فقلتُ: انجُوا عنها نَجا الجلْد إِنه
سيُرضيكُما منها سَنَامٌ وغارِبُهْ(٢)
قوله تعالى: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩] التَّناجي: المسرَّةُ. وناجيتُ
فلاناً: سارَرْتُه. وأصلُه أن تخلوَ به في نَجْوةٍ مِنَ الأرض لِتُفْشِيَ سرَّك. وقيلَ: مِن النجاةِ،
لأنه قد قد يُعاونُك فتخلصُ من الهمّ. وقيلَ: لنجاتِك بسرِّك مِن أنْ يطُّلِعَ عليه أحد.
قولُه: ﴿ما يكونُ مِنْ نَجوى ثلاثةٍ﴾ [المجادلة: ٧] يجوزُ أن يكونَ النَّجوى
مصدراً مُضافاً لفاعله، وهو ثلاثةٌ، وأن يكونُ مُراداً به الأشخاصُ، ويكون ((ثلاثة)) بدلاً
(١) قرأ يعقوب وقتيبة وسهيل (تُنْجيك)، وقرأ أبي وابن السميع وابن مسعود (نُتَجِّيك) البحر المحيط
٠١٨٩/٥
(٢) البيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت أو لأبي الغمر الكلابي في الخزانة ٤ /٢٥٩،٢٥٨، ولأبى
الجراح في المقاصد النحوية ٣٧٣/٣ وبلا نسبة في اللسان (نجا) .

١٤٧
باب النون
منها حسبما بينَّاهُ في غيرِ هذا الموضع. ويدلُّ للثاني ﴿وإِذْهُم نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]
أي مُتَناجون. وللقائلِ بالأولِ أن يقدِّرَ «وإِذ هم نجوى)).
قولُه تعالى: ﴿وَأَسَرُوا النَّجْوِى الذينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] النَّجْوى هنا مصدرٌ
فقط. وقد فُسِّرت بقوله تعالى: ﴿هل هذا إِلا بَشَرٌ مثلُكُمْ﴾ الآية. وإنما قال تعالى:
﴿وَأَسَرُوا﴾ مع لفظً ﴿النَّجوى﴾ مَنْبهةً أنَّهم لم يُظْهروا ذلك بوجه من الوجوهِ، لأنَّ
النَّجوى ربما تظهرُ. فبالغوا بإخفائها، فللهِ دَرُّ فصاحة القرآن!
قولُه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجياً لربِّه، أي مُناجىٌ من ربِّه حسبما
شرحَه في قولهِ تعالى: ﴿وكلّم الله موسى تَكْلِيماً﴾. فنجيٍّ فعيلٌ إِمّا بمعنى فاعلٍ أو
بمعنى مفعولٍ ويقعُ وصفاً للفاعلِ كما مرَّ، وللجمع كقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيّاً﴾
[ يوسف: ٨٠] أي مُتناجين يتسارّون فيما يفعلونه ويقولونه لأبيهم. ومعنى خَلَصوا أي
انفردوا عن كلِّ أحدٍ. ولا نجدُ لمحضِ الرأي واستخراجٍ زبدتهِ أعوزَ من الخَلوة وقلّة
اللفظ .
وانتجيتُ زَيداً: استخلصتُه لسرِّي. وأنْجى فلانٌ: أتى نجوةٌ وهم في أرضٍ نجاةٍ،
أي في أرضٍ مُستنْجَى من شجرِها العِصِيُّ والقِسِيُّ. والنجا عندَ العربِ: عيدانٌ قد قشرته.
وقال بعضُهم: نجوتُ فلاناً: استنكهته، واحتَجّ بقولِ الشاعرِ: [ من الوافر]
کریحِ الكلبِ، ماتَ حديثَ عَهد(١)
١٦٠٣ - نَجَوتُ مُجَالداً فوجدْتُ منه
وكأنَّ هذا القائلَ إِنما أخذَ ذلك من مجردِ هذا البيتِ فأثبتَه لغةً. قالَ الراغبُ (٢):
فإِن يكنْ حَمَل نجوتُ على هذا المعنى من أجل هذا البيت فليس في البيت حجةٌ. وإِنما
أرادَ أني سارَرْتُه فوجدتُ من بخرِه ريحَ الكلبِ الميتِ. وكنَّى بالنجْوِ عن الأذى الخارج.
ومنه شربَ دواءٌ فما أنجاهُ، أي لم يُفِدّهُ. والاستنجاءُ: قطعُ النجوٍ وإِزالتُه. وأصلُ
ذلك من النَّجْوة: الأرضُ المرتفعةُ التي تُقضى بها الحاجةُ، كما كُني بالغائط عن ذلك،
وهو المكانُ المطمئنُّ الذي يُؤْتِى لقضاء الحاجةِ. وقيلَ : معنى استنجى طلبَ نجوةٌ أي
(١) البيت للحكم بن عبدل في الحيوان ٢٥١/١ وبلا نسبة في اللسان والتاج (جلد، نكه) والمخصص
١١ /٢٠٩.
(٢) المفردات ٧٩٣.

١٤٨
باب النون
قطعةَ مَدَرٍ لإزالةِ الأذى، كقولهم: استجمَرَ، أي طلبَ جماراً، أي أحجاراً، وأما النَّجْأةُ،
بالهمزة، فالإصابةُ بالعين، ومنه الحديث: ((رُدُّوا نَجْأَةَ السائلِ باللقمةِ))(١).
قوله: ﴿ خلصوا نجیاً﴾ قد تقدم أنه بمعی متناجین، وأنه وصف على فَعیل. قال
الهرويُّ: هو مصدرٌ كالصَّهِيلِ والسَّهيق، يقعُ على الواحدِ والجماعةِ نحوُ: رجلٌ عَدْل.
ومنه ﴿خلصوا نجياً﴾. وأتشدَ لوقوعه على الجمع قولُ جرير: [من الكامل]
أَمْرٌ تَضِيقُ بِه الصدورُ، جَلِيلٌ(٢)
١٦٠٤ - يَعْلُو النَّجيَّ إِذا النَّجيُّ أُضجُّهُم
قلتُ: وجهُ الشاهد عودُ ضميرٍ جماعةِ الذكورِ في قولهِ: أضجّهم، على لفظ
النجيّ.
ثم خُكي عن الأزهريِّ أنَّ نَجياً جمعُ أنجيةٍ، وكذلك قولُه: ﴿نَجوِى﴾. قال:
وقيل: نجيّ جمعُ ناجٍ نحوُ: نادٍ ونديّ لأهلِ المجلس، وعارٍ وعريّ وحاجٌ وحَجيج.
وفيما قاله نظرٌ، ليس هذا موضعَه.
وفي الحديث ((أَتَوْكِ على نَواجٍ)(٢) وهو جمعُ ناجية، يعني إِلاّ مُسرعاتٍ. يقالُ:
نجوتُ نَجاً أَنجو أي أسرعتُ. وفي الحديث أيضاً: ((إِذا سافِرتم في الجَدْبِ
فاستنجوا))(٤) أي أسرعوا. وفي آخرَ ((وإِنِي لَفي عَذْقٍ أُنْجي منه رُطَباً))(٥)، وفي رواية
( أَسْتَنجي) ومعناها: ألتقطُ. واستنجيتُ النَّخلةَ: لقطتُها. وقد أدخلَ الهرويُ لفظَ نَجي
في مادة (ن ج ي) بعد ما ذُكرَه في مادة (ن ج و) والصوابُ ذكرُه في ذواتِ الواوِ. والله
أعلمُ.
فصل النون والحاء
قولُه تعالى: ﴿فمنُهم مَن قَضَى نَحْبَه﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي قضَى نذْرَهُ، كأنه ألزم
ن ح ب:
(١) غريب ابن الجوزي ٣٩١/٢ والنهاية ١٧/٥.
(٢) ديوانه ٤٧٤ وأساس البلاغة (نجو).
(٣) الفائق ٩٤/٣ والنهاية ٢٥/٥
(٤ ) غريب ابن الجوزي ٣٩٥/٢ والنهاية ٢٥/٥.
(٥) الفائق ٢ /١٢٧ وغريب ابن الجوزي ٣٩٦/٢ والنهاية ٢٦/٥.

١٤٩
باب النون
نفسه أنْ يموتَ فوقَى بنذرهِ. وفي الحديث: ((طلحةٌ ممَّن قضَى نَحْبَهُ)). وذلك أنَّه وعدَ
أن يصْدِقَ أعداءَ الله في القتالِ فوفَى بذلك. وتعبيرُهم بذلك عن الموتِ كالتعبيرِ عنه:
قضَى أجلَه، واستوفَى أَكْلُه، وقضى من الدنيا وَطَرَه.
والنُّحابُ: السُّعالُ. والنحيبُ: البكاءُ معه صوتٌ. وتناحَبَ القومُ: تواعَدوا للقتالِ
وغيره. وتناحَبوا: تَراهَنوا. وتناحَبوا: تفاخَروا. وتَناحَبوا: تنافَروا لمن يحكُم بِينَهُم. ومنه
قولُ طلحةً لابنِ عباسٍ: ((أُنَاحِبَك وتَرْفَعَ النَّبِيِّلَ ◌ّهِ؟)) (١) وفي الحديث ((لو يعلمُ الناسُ ما
في الصفِّ الأول لاقتتلوا عليه، وما تقدموا إِلا بِنُحْبَة))(٢) أي بقُرعةٍ. والتناحُبُ: القمارُ لِما
فيه منَ المساهمة.
ن ح ت:
قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتون(٣) مِنَ الجبالِ بُيُوتاً﴾ [الأعراف: ٧٤] النحتُ: الأخذُ منَ
الشيءٍ لتجعلَه على صورةٍ مَخصوصةٍ، كنحتِ النَّحيت والصَّنم والبيتِ من خشبٍ وحجرٍ
ونحوِهما. ويكونُ في الأجسام الصلبةِ المحتملة لذلك. وقد يُتجوَّزُ به في غيرِها. ومنه
قولُ النحاةِ في بابِ النَسب، مسألةُ النحتِ وهو أنْ يأخذوا من مجموعٍ اسمينٍ لفظاً،
ينحتونَه ثم ينسبونه إِليه، كقولهم في النسبِ إِلى امرئ القيس: مَرْقسي، وإِلى عبد القيس:
عَبْقَسي، وإِلى عبدٍ شمسٍ: عَبْشمي. وأنشدوا: [من الطويل]
١٦٠٥- وتضحكُ مني شيخَةٌ عبشميةٌ كأنْ لم تَرَى قَبْلَي أسيراً يَمانيا (٤)
وفي هذا البيتِ أربعةُ شواهدَ لمسائلَ نحويةٍ، بيَّاها في غيرِ هذا الموضع.
والنِّحاتَةُ: ما يسقطُ من الشيءِ المنحوتِ. والنَّحيثُ: الشيءُ المنحوتُ. والنَّحيتةُ:
الطبيعةُ التي جُبل عليها الآدميُّ، وطُبع عليها كأنه نُحتَ عليها، كما أن الغريزةَ ما غُرز
عليها الإنسانُ. وهو مجازّ عن اتخاذه وخلقه كذلك.
(١) الفانق ٧٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٦/٢ والنهاية ٢٧/٥.
(٢) الفائق ٧٢/٣ وغريب بن الجوزي ٣٩٦/٢ والنهاية ٢٦/٥.
(٣) قرأ الحسن (وتَنْحاتُون، وتنحنُوهى، وقرأ طلحة (ويَنْحِتُون)، وقرأ أبو مالك (ويَنْحَتُون) البحر
المحيط ٤ /٣٢٩.
(٤) تقدم برقم ٨٤٧ في مادة ( شيخ) .

١٥٠
باب النون
ن ح ر:
قولُه تعالى: ﴿فصِلٌّ لِربِّك وَانْحَر﴾ [الكوثر: ٢] قيلَ: المرادُ انحَرِ الضَّحايا.
والنحرُ: قطعُ الشيءِ المنحورِ، وأصلُه مِن نحرتُ، أي أصبتُ نَحره، نحو ركَبْتُه، أي
أصبتُ ركبتَه، والنحرُ في الإِبل غالباً، والذّبحُ في البقرِ والغنمِ. وقرأَ عبدُ الله بنُ مسعودٍ.
(فَتَحروها)) موضعَ ﴿فذبحَوها﴾ [البقرة: ٧١]، وهو تفسيرٌ ودفعُ توهُّم مَن يتوهّم
خلاف ذلك.
وقيل: ((انحر)) اجعلْ يديك على صدرِك تحتَ نَحْرك في الصلاة. وقيلَ: ((انحرْ))
انتصبْ بنَحْرِك. قالَ المبردُ: أرادَ القبلةَ، فإِذا انتصبَ الإنسانُ في صلاتهِ فَنَهَدَ قيلَ: قد
نَحَرَ. قالَ بعضُهم: حثَّ على مراعاةِ هذين الُّكنينِ، وهما الصلاةُ ونحرُ الهَدْي. فإِنه لا بدَّ
مِنْ تَعاطيهما. فذلك واجبٌّ في كلِّ مِلَّةٍ، وهذا عندَ من يَرَى وجوبَ الأضحيةِ أوِ الإِهداءِ
إِلى البيت. وقيلَ: معناهُ حثُّ الإِنسانِ على قتلِ نفسهِ بقَمْعِها عن شَهَواتِها، فذلك نحرُها.
فهو تفسیرٌ صوفيٍّ ..
والنَّحْرُ منَ الآدميِّ موضّعُ القلادةِ، وتِفْرَتُه: الفُرجَةُ بينَ العظمتين. والنِّحريرُ: الحاذقُ
بالشيءِ العالمُ به. ومنه الحديث: ((وُكُلتِ الفتنةُ بثلاثة: بالحادِّ النِّحرير)»(١) أي الفطنُ
الحاذقُ، كأنه ينحرُ نفسَه اجتهاداً فيما يعانيه.
وانْتَحروا على كذا: تَقَاتلوا، تَشبيهاً بنحرِ البعير، ونُحرةُ الشهرِ ونَحيرُه: أوَّلُه. وقيلَ:
آخرُ يومٍ منه، كأنه يَنْحر الذي قبلَه. وأنشد بعضُهم: [ من البسيط ]
١٦٠٦ - كم عاقل عاقل أعیت مذاهبه
وجاهلٍ جاهلٍ تَلْقاهُ مُرْزوقا.
للمصدر.
وصيَّرَ العالم التحرير زنديقا
هذا الذي تَرك الأوهامَ حائرةٌ
والنِّحريرُ بكسرِ الفاء، وفتحُها خطأ. ويقالُ: نحريرٌ بَيِّنُ النُّحريرة. فالنحريرةُ اسمٌ
ن حس:
﴿في
قوله تعالى: ﴿في يوم نَحْسٍ مُسْتُمِرٌ﴾ [القمر: ١٩] أي مشؤومٍ. وكذاقولُه
(١) غريب ابن الجوزي ٣٩٦/٢ والنهاية ٢٨/٥.
٠٠

١٥١
باب النون
أيامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] إلا أنه لم يُقرأ ﴿في يومٍ نحسٍ﴾ إِلا بالإضافة وسكون
العين(١)، ولم يُقرأ ﴿في أيامٍ نحساتٍ﴾ إِلا بالتنوين والوصفية مع سكون العين
وكسرها(٢). والمقتضى لذلك أنه وصفُ الأيامِ بكونها مشؤوماتٍ في أنفسها. لِما حلَّ
فيها منَ الشُّومِ. وأما قولُه ﴿في يومٍ نَحسٍ﴾ فالمرادُ إِضافةُ الزمانِ إِلى العذابِ الموصوفِ
بالنحسِ. والنحسُ ضدُّ السَّعد. فإِنْ قيلَ: كيفَ قيلَ في موضعٍ ﴿في يومٍ نحْسٍ﴾ وفي
آخَرَ ﴿في أيامٍ نحساتٍ﴾ فأفردّ هنا وجمعَ هناك وأضافَ الزمان هنا ووصفه بالنحس
هناك؟ ولم تخصَّصَ كلٌّ موضعٍ بذلك؟ ولمَ التزم سكونَ العين معَ الإفرادِ وقُرئَ بالوجهينِ
معَ الجمعِ من أنَّ القصةَ واحدةٌ والمرسَل نبيٌّ واحدٌ (٢) وهو الريحُ الصَّرْصَرُ؟ الجوابُ على
سبيلِ الاختصارِ إِنِه لمّا لم يذكرِ العذابَ في سورةِ القمرِ نَاسبَ إِضافتُهُ إِليه تقديراً، وأنَّ
المقامَ في ﴿فصلت﴾ يقتضي التهويلَ على قريشٍ فناسَبَ الجمعُ.
وأما السكونُ والكسرُ فلغتانِ مشهورتانٍ؛ يقالُ: يومُ نَحْسٍ ونَحِس؛ بالسكونِ
والكسر.
قولُه: ﴿يُرسَلُ عليكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٍ (٤)﴾ [الرحمن: ٣٥] بالرفعِ عطفٌ
على شواظٍ وبالجرِّ عطفٌ على النارِ. وقد حقَّقْنا ذلك في غيرِ هذا الموضع.
وقالَ بعضُهم: وأصلُ النَّحس أن يحمرَّ الأفقُ فيصيرُ كالنِّحاسِ، أي لهبٌ بلا دخان،
فصارَ ذلك مثلا للشؤم، من حيثُ إِنَّ تلك الحالةَ تدلّ على جدْبِ الزمانِ وقَحطهِ. والظاهرٌ
أنَّ النُّحاسَ هو الدُّخانُ. يدلُّ على ذلك قولُ الجعديِّ: [من المتقارب]
ـط لمْ يَجْعَلِ الله فيه نُحاسا(٥)
١٦٠٧ - يضيءُ كضوء سراج السليـ
(١) قرأ الحسن (يومٍ نَحِسٍ) البحر المحيط ١٧٩/٨، وقرأ هارون الأعور (يومٍ نَحِسٍ) القرطبي
١٣٥/١٧.
(٢) قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير والأعرج ويعقوب (نَحْسات) الإتجاف ٣٨٠ والنشر ٣٦٦/٢.
(٣) يبدو اضطراب في الكلام .
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن والحسن ومجاهد(ونُحاسٍ)، وقرأ مجاهد والكلبي وطلحة
(ونحاسٍ)، وقرأ الحسن وابن جبير (ونَحْسٍ)،وقرأ مسلم بن جندب (ونَحْسٌ) ، وقرأ الحسن
وإسماعيل ( ونُحُسٍ) البحر المحيط ١٩٥/٨.
(٥) ديوانه ٨١ واللسان والتاج (نحس ، سلط).

١٥٢
باب النون
أي دخاناً .
ن حل:
قولُه: ﴿وأوحى ربك إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] هذا الذبابُ المعروفُ. والواحدُ.
نحلةٌ. والنحلةُ تقعُ على الذكر والأنثى نحوُ حَمامةٍ ونملةٍ ونُحامة. وإِنما يعرف التذكيرُ
والتأنيثُ بالوصفِ، فيقالُ: نحلةٌ ذكرٌ ونحلةٌ أنثى.
قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا النُّساءَ صِدُقَاتِهِن نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي عطيةً هيئةٌ لا تعبَ
فيها من مخاصمةٍ ونحوِها. واشتقاقُها ممّا يخرجُه النحلُ منَ العسل، أي أعطوهنَّ إِیاه
حُلواً سهلاً، على الاستعارة. وقالَ ابنُ عرفةَ: أي ديناً انتحلوا ذلك. يقالُ: ما نحْلتُكَ؟ أي
دينُك. وكانَ الرجلُ في الجاهليةِ إِذا زوَّج مولاتَه أخذَ لنفسِهِ جُعلاً يُسمى الحُلوان
والنافجَة، فنهَى الله تعالى عن ذلك وأمر بإِبتاءِ الصدقة للنساء.
ويقال: نحله وأنحله بمعنى، وكذا النحلةُ أيضاً، بالفتح. قال الراغبُ (١): النَّحلةُ
والنِّحلة يعني بفتحِ النونِ وكسرِها: العطيةُ على سبيلِ التبرع. وهو أخصُّ من الهبة . قالَ:
واشتقاقُه فيما أرَى من النَّجلِ، نظراً منه إِلى فعله، فكانَّ نَحَلْتُه: أعطيتُه عطيةَ النَّحل.
وذلك ما نبَّه عليه قوله تعالى: ﴿وَأوحَى رَبُّكَ إِلى النَّحلِ﴾. وقد بينَه الحكماءُ وقالوا: إِنَّ
النَّحلَ يقعُ على الأشياءِ كلّها فلا يضرُّها بوجهٍ، وينفعُ أعظمَ نفعٍ. فإِنَّه يُعطيهم ما هو
الشفاءُ كما وصفَه تعالى: قالَ: وسُمِّي الصَّداقُ بها من حيثُ إِنه لا يجبُ في مقابلتهِ أكثرٌ
من تمتّعٍ دونَ عِوَضٍ مالي. وكذا عطيَّةُ الرجلِ ابنَه .
نَحَله كذا وأَنْحَله، ومنهِ نَحلتُ المرأةَ. والانتحالُ: افتعال منه. وهو إِدَّعاءُ الشيءٍ.
ومنه انتحَلَ شعرَ فلانٍ. وأنشدَ: [ من المتقارب]
١٥٠٨ - فكيف أنا وانتحالي القوا(٢).
ونَحِلَ جسمُهُ نُحولاً، أي أشبهَ النحلةَ في الدِّقة. والنَّواحلُ: سيوفٌ رِقَاقُ الظُبات
من ذلكَ على التوسُّع. قالَ: ويصحُّ أن تكونَ النِّحلةُ أصلاً، فسُمي النحلُ بذلك اعتباراً
(١) المفردات ٧٩٥ .
(٢) صدر بيت للأعشى في ديوانه ١٠٣ وعجزه: (في ، بعد المشيب ، كفى ذاك عارا).

١٥٣
باب النون
بفعله. وأيضاً لاشتقاق النحلِ الذي هو الذَّبابُ المعروفُ، لِما في فعله من إِعطاءِ العسلِ
الحکم الإلهيّ. ویجوزُ أن یکون بالعکس کما تقدّم تحریرُه.
ن ح ن:
قولُه تعالى: ﴿وإِنا نحنُ نُحْبِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] نحنُ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ
يكونُ للمتكلم، ومعه غيرُهُ كقولهِ حكايةً عن قومٍ بلقيسَ: ﴿نحنُ أُولو قُوَّةٍ﴾
[النمل: ٣٣] وتكونُ للمعظّمِ نفسَه كقولهِ: ﴿إِنّا نحنُ نزَّلنا الذُّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إِنّا
نحنُ نُحْيِي ونُميتُ ﴾ إِلى غيرِ ذلك.
قال الراغبُ(١): وما وردَ في القرآن من إِخبارِ الله عن نفسِه بقوله: ﴿نحن﴾ فقد
قيلَ: هو إِخبارٌ عن نفسهِ وحدَه، لكنْ يخرَجُ ذلك مَخْرجَ الإِخبارِ المُلوكي. وقال بعض
العلماء: إِن الله تعالى يذكُرُ مثلَ هذه الألفاظِ، إِذا كانَ الفعلُ المذكورُ بعدَه يُفعلُ بواسطةٍ
بعضٍ ملائكتهِ أو بعضٍ أوليائه. فيكونُ ((نحنُ)) عبارةٌ عنه تعالى وعنهم، وذلك كالوَحْي
ونُصرةِ المؤمنين وإِهلاك الكافرين. ونحو ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿ونحنُ أقربُ إِليهِ منكم﴾ [الواقعة: ٨٥] يعني وقتَ المُحْتَضَرِ حينَ
يشهدُه الرسُلُ المذكورون. في قولهِ: ﴿تَوَفَّاهُمْ [الملائكةُ]﴾ [النساء: ٩٧] وقولِهِ ﴿إِنا
نحنُ نزلنا الذكرَ﴾ فما كانَ ذلك بواسطةِ القلم واللوحِ وجبريلَ كالوحي ونُصرةِ المؤمنينَ
وإِهلاك الكافرينَ، ونحو ذلك مما تُتَولاهُ الملائكةُ المذكورون بقوله: ﴿ فالمُدِّراتِ أَمْراً﴾
فالمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ [الذاريات: ٤].
فصل النون والخاء
ن خ ر:
قولُه تعالى: ﴿كَّا عِظاماً تَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] أي بالية. من قولهم: نخرت
الشجرةُ، أي بليتْ حتى سُمع فيها نخيرُ الريحِ، أي صوتُها. يقال: نَخِرَ ينخُرُ نَخْراً ونَخَيراً،
فهو نَخِرِ، أي بَلِي وَرَمَّ. وقد قرئَ ﴿ناخرةٌ﴾(٢) وذلك نحوُ: حَذِر وحاذِر. وقد قُرِئَ
(١) المفردات ٧٩٥.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم ويعقوب وشعبة وخلف ورويس وابن عباس وغيرهم. الإتحاف
٤٣٢ والنشر ٣٩٧/٢ والسبعة ٦٧٠.

١٥٤
باب النون
للجميعِ: ﴿حذرون، وجاذِرون﴾ [الشعراء: ٥٦]. ولكن فعل أبلغُ من فاعل.
وقيلَ: ناخرةٌ بمعنى فارغةٍ، يجيءُ منها عند هبوبِ الريحِ كالنخيرِ. والنخيرِ.
والنَّخيرُ: صوتٌ من الأنف. ويقال لمقَدَّمِ الأنفِ: نُخْرَة، ولخرقَيْهِ: نُخْرتاهُ ومَنْخراه.
وقيلَ: المَنْخِرانِ: ثُقْبانٍ. وأنشدَ: [من الطويل ]
١٦٠٩- إِذا سدَّ منها مَنْخِرٌ جاشَ مِنْخَرُ(١)
((وقد أُتي عمرُ رضي الله تعالى عنه بسكرانَ في رمضانَ، فقالَ: لِلْمَنْخِرَينِ))(٢).
دعَا عليه بأن يكبَّه اللَّهُ لِمِنْخرِيهِ، كقولهم:
١٦١٠- لليدين وللفَمِ (٣).
والناخِرُ: ما يخرجُ منه النخيرُ، والناخِرُ أيضاً: الناقةُ التي لا تَدِرُّ. وقيلَ: التي يُدخَلُ
الإصبعُ في منخرِها. والناخرةُ أيضاً: جماعةُ الخيلِ. واحدتُها ناخِر. قالَ المبردُ في تفسيرِ
حديثٍ عمرٍو بنِ العاص: ((وأنتَ على أكرمٍ ناخرةٍ))(٤) كما يقالُ: رجلٌ حمَّارٌ وبغَّالَ
ولجماعته: حَمَّرة وبغَّالة. يعني أنَّ التاء أفادتِ الجمعَ. وفيه نظرٌ.
ولما دخلَ الوفدُ من قريشٍ على النجاشيِّ قال لهم: ((نَخْروا))(٥). جاءَ مفسَّراً في
الحديث: أي تكلّموا. وهو مأخوذٌ من النَّخير، وهو الصوتُ.
ن خل:
قولُه تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ﴾ [ق: ١٠] النخلُ معروفٌ. وهو اسمُ جنسٍ يُفَرَّقُ بينَ
واحدِهِ وجمعه بالتاءِ. ويذكَّرُ ويؤَنَّثُ. فمن التذكيرِ قولُه ﴿أَعجازُ نخلٍ مُنْفَعِرٍ﴾.
[القمر: ٢٠] ومن التأنيثِ ﴿أَعجازُ نخلٍ خاويةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويجمعُ على نخيلٍ أيضاً.
ولكرمها عندهُم اشتقوا من لفظِها ما يدلُ على اصطفاءِ الشيءٍ، يقالُ: نَخَلتُ
(١) لم أهتد إليه .
:
: (٢) الفائق ٧٥/٣ والنهاية ٥ / ٣٢، غريب ابن الجوزي ٣٩٨/٢.
(٣) من بيت تقدم برقم ٢٣٠ ،٤٣٨ وتمام البيت:
( تناوله بالرمح ثم اتّنی له
فخرّ صريعاً لليدين وللفم ).
: (٤) الفائق ٣ /٧٦ وغريب ابن الجوزي ٣٩٨/٢ والنهاية ٣٢/٥.
(٥) الفائق ٧٤/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٨/٢ والنهاية ٣٢/٥.

١٥٥
باب النون
الشيءَ وانتخلتُه. ومنه: نخَلَ الدقيقَ.
والمُنْخُل: الآلةُ التي يُنْخَل بها. وقد شذَّ ضمُّ ميمهِ، والقياسُ كسرُها وفتحُ عينِهِ
كمِنْجَل. ولهِ أخواتٌ كالمُسعُط والمُدُقِّ.
وانتخلتُ الشيءَ: انتقيتُه، وأخذتُ خيارَه. وفي الحديث: ((لا يقبل الله إِلا
الناخلة))(١) أي الخالصةُ من كلِّ شيءٍ. وفيه أيضاً: ((لايقبلُ اللَّهُ إِلاَّ نخائلَ القلوب)) (٢)
أي النياتُ الخالصةٌ. ونخلتُ له النصيحةَ أي أخلصتُ له. وأنشدَ: [ من الكامل]
عندَ الشدائد تَذهَبُ الأحقادُ(٣)
١٦١١ - نَخَلَتْ له نَفسي النَّصيحةَ إِنَّه
فصل النون والدال
ن د د :
قوله تعالى: ﴿فلا تَجْعلوا لله أنداداً(٤)﴾ [البقرة: ٢٢] الأندادُ جمعُ نِدٌّ. وهو
المثلُ المناوئُ. وقالَ بعضُهم: النِّدُّ أخصُّ من المِثْلِ. قالَ: فإِنَّ الندَّ هو المشاركُ للشيءٍ
في جوهرهِ، وذلكَ ضربٌ من المُماثلةِ؛ فإِنَّ المِثْلَ يقالُ في أيِّ مشاركةٍ كانت. وكلُّ ندٌّ
مِثْلٌّ، وليسَ كلٌّ مِثْلٍ نِدًّا. وقيلَ: لا يقالُ إِلا للمثْلِ المخالفِ المناوئِ. وأنشد لجريرٍ: [من
الوافر ]
وهل تَيْمٌ لذي حسَبٍ نَديدُ؟(٥)
١٦١٢ - أتَيْمُ تَجعلون إِليَّ ندّاً
يقالُ: نَدُّ ونَديدٌ ونديدَةٌ، على المبالغة وأنشد للبيد: [ من الطويل]
وأجعلَ أقواماً عموماً عماعَما (٦)
١٦١٣- لكيما يكون السندريُ نَدیدتي
وقيلَ: هو بمعنى المثلِ من غيرِ عمومٍ ولا خُصوصٍ. وأنشدّ لحسّانَ: [ من الوافر]
(١) الفائق ٧٦/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٩/٢ والنهاية ٣٣/٥.
(٢) النهاية ٥ / ٣٣ وغريب ابن الوزي ٣٩٩/٢.
(٣) المستقصى ١٨٦/٢ وقد ذكر عجز البيت مثلاً.
(٤) قرأ زيد بن علي وابن السميفع (ندّاً
(٥) ديوانه ١٦٤.
) البحر المحيط ١ / ٩٩.
(٦) ديوانه ٢٨٦، واللسان والتاج (سندر، عمم ، ندد).

١٥٦
باب التون
فشرُّكُما لخيرِكُما الفداءُ (١).
١٦١٤ - أتهجوهُ ولستَ له بندُ؟
وقال آخر: [ من الرمل]
عندَه الخيرُ، وما شاءَ فَعَلْ (٢)
١٦١٥ - نحمدُ الله، ولا ندُّلهُ
وهذا أولى، لأنَّ المطلوبَ النهيُ عن أن يجعلَ لله تعالى مثلاً على الإطلاق، لأنه لا
يلزمُ من النَّهي عن الأخصِّ النهيُ عن الأعمِّ.
وقيل: أنداداً: نُظْراءَ، وقيلَ: أضدادٌ، قاله أبو عبيدةً. وقال غیرُه: ليس كذلك،
بدليل قولهم: ليسَ للهِ ندَّ ولا ضِدٌّ. وقالوا في تفسيره: إِنه نَفَى ما يسدهُ مسَدَّه، ونَفَى ما
يُنافيه، فدلَ على أنهما غيران.
ونادَدْتُ الرجلَ: خالفته ونافرتُه. ومنه: ندَّ البعيرُ نُدوداً. والنَّدُّ، بالفتح: المرتفعُ من
التلال، وهو ضربٌ منَ الطيب أيضاً، ليس بعربيّ الأصل.
وقُرِئَ ﴿ يومَ التَّنَادُ﴾ [غافر: ٣٢] بتشديد الدال(٣)، أي الفرارُ والتنافُرُ. وهو كقولهِ
في موضعٍ آخرَ: ﴿يومَ يَفِرُّ المرءُ مِن أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿إِذْ تَبَرَأَ الذينَ اتّبعوا من الذين
اتَّبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿الأخلاَّءُ يومئذٍ بعضُهُم لبعضٍ عِدُوٌ﴾ [الزخرف: ٦٧] ونحو
ذلك من الآي الكريمة.
ن دم:
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ منَ النادمينَ﴾ [المائدة: ٣١] النَّدمُ والنَّدامةُ: التحسُّرُ من
تغيَّرِ أمرٍ في رأيٍ فائتٍ. قيلَ: وأصلهُ: من مُنادمة الحزن له، أي من مداومَتِها ومقارَنَتِها،
من المنادمة على الشراب، ومنه قيل: نَديمٌ ونَدْمانٌ ومُنادٌ، لمن يداومُ معَك على:
الشراب.
ونَدْمانا جذيمةً المضروب بهما المثلُ رجلان يقالُ لهما: مالكٌ وعَقِيلٌ، نادَما
الوضًّاحَ دهراً طويلاً، فضُربَ بصفاءِ عيشهما المثَلُ. قال الشاعرُ: [من الطويل]
(١) ديوانه ٦٤ والخزانة ٢٣٢/٩ واللسان (ندد، عرش).
(٢) البيت للبيد في ديوانه ١٧٤.
(٣) قرأ ابن عباس والضحاك وأبو صالح وعكرمة (التادّ) البحر المحيط ٤٥٥/٧ والقرطبي ٣١١/١٥.

١٥٧
باب النون
خليلا صفاء: مالكٌ وعَقِيلُ؟(١)
١٦١٦ - ألم تَعْلمي أَنْ قَد تفرّقَ قبلنا
ولما ماتَ سيدُنا رسولُ اللهِلَّه تمثَّلتْ فاطمةُ الزهراء رضي الله تعالى عنها بقولِ
مُتَمِّمٍ بنِ نُويرةَ يَرثي أخاهُ مالكاً: [ من الطويل]
من الدهرِ، حتى قيلَ: لن يتصدَّعا(٢)
١٦١٧ - وكنّا كندْمانَي جذيمةً، حقبةٌ
لطولِ اجتماعٍ، لم نبتْ ليلةً معاً
فلما تفرقنا کأني ومالکاً
وقولُه، عليه الصلاة والسلام ﴿الندمُ توبةٌ﴾ أي معظمها الندمُ، لأنَّ لها رُكناً آخرَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: ٥٤] أي لم يُظْهروا تَلَهُّفَهم على ما
فرّطوا، خوفاً من شماتة الأعداءِ، نظراً إلى قوله: [من الكامل]
١٦١٨ - والموتُ دونَ شماتة الأعداء(٣)
ن د ي:
قوله تعالى: ﴿يومَ یُنادي المُنادي﴾ [ق: ٤١ ] قیل: هو إِسرافیل ینادي بصوت
عظيمٍ يسمعُهُ كلّ أحدٍ: أيتُها الأجسامُ الباليةُ، والعظامُ الناخرةُ، قوموا لحسابِ رب
العالمين.
والنداءُ في الأصل: رفعُ الصوتِ بطلبٍ مَن يُنادَى. ولُهُ حروفٌ مخصوصةٌ مذكورةٌ
في كتب العربية. وقد يقالُ: النداءُ، للصوت المجرَّد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِلا دُعاءٌ
ونداء﴾ [البقرة: ١٧١] أي لا يعرف إلا الصوتَ المجرَّدَ، دونَ المعنى الذي يقتضيه
تركيبُ الكلام.
قولُه: ﴿إِذ نادَى رَبَّه نداءً خَفِيّاً﴾ [مريم: ٣] أي دعاهُ واستغاثَ به. وإِنما أخفاهُ،
لأنَّ إِخفاءَ الدُّعاءِ مطلوبٌ لُبُعدِه عن الشوائبِ. وقيلَ: إِنما أخبرَ عنه بالنداءِ مَنْبَهَةً على أنَّ
الدَّاعي استقصَرَ نفسَه، وهَضَمَها تَواضُعاً لَبَّه تعالى. والانبياءُ عليهم الصلاةُ والسلام
أعرَفُ بمقامِ الحقِّ وأخوفُ الناسِ منه معَ أنهم أقربُهم إِليه. وعبَّر الراغبُ هنا بعبارةٍ سيئةٍ،
(١) البيت لأبي خراش الهذلي في ديوان الهذليين ٢٧٦/٢.
-
(٢) البيتان في المفضليات ٢٦٧ وديوان المعاني ١٧٦/٢.
(٣) تقدم برقم ٩٦٠.

١٥٨
باب البون
لا يليقُ ذكرُها على الأنبياء(١).
قولُه: ﴿وَإِذا نادَيْتُمُ إِلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] أي دعوتُم إليها، إِشارةٌ إِلى
الأذان والإقامة. قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمعنا مُنادياً يُنادي للإِيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] هو
الرسول. وقيل: القرآنُ، وقيلَ: كلُّ رسولٍ وكلُّ كتابٍ مُنزلٍ. وقال الراغبُ: أشارَ بالمنادي
إلى العقلِ والكتابِ المُنزّل والرسولِ المرسَلِ وسائرٍ الآيات الدالة على وجوب الإِيمان
بالله. قالَ: وجعلَه منادياً للإيمانِ، لظهورهِ ظهورَ النداء وحثّه على ذلك كحثٌ المنادي.
قال: وأصلُ النداء، من النَّدى، أي الرطوبةُ. يقالُ: ثوبٌ نَدٍ، أي رفيع. واستعارةُ
النداءِ للصوتِ من حيثُ إِنَّ مَن تَكثُرُ رطوبةُ فمِهِ حسُنَ كلامُه. ولهذا يوصَفُ الفصيحُ
بكثرةِ الريقِ. يقالُ: ندىٌّ وأنديةٌ وذلك كتسمية المسبّب باسم السّبب. وقولُ الشاعر:
[ من الرجز]
١٩١٩ - كالكَرْمِ إِذ نادَى من الكافورِ(٢)
أي: ظهرَ ظهور صوت المنادي.
قال: وعُبِّر عن المجالسة بالنادي، حتى قيلَ للمجلسِ: النادي والمُنْتَدى والنَّديّ.
وقيلَ ذلكَ للجليسِ. قالَ تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]
قلتُ: يجوزُ أن يكونُ قد عبِّر عن أهلِ النادي بالنادي مجازاً، إِطلاقاً لاسم المحلِّ
على الحالِ، كقولٍ مُهلهلٍ في أخيهِ: [من الكامل]
١٦٢٠ - نُبْتُ أنه النارَ بعدَكَ أُوقِدَتْ واستَبُّ بعدَكَ، يا كُلیبُ، المجلسُ(٣)
وقيل: على حذف مضافٍ، أي أهلَ ناديهِ، وأهلَ المجلسِ، وقولُه: ﴿أولئكَ
يُنادَوْنَ من مكانٍ بعيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] قيلَ: استعمالُ النداءِ فيهم تنبيهٌ على بُعدِهم عن
الحق في قوله ﴿ يومَ يُنادي المُنادي من مكان قريب﴾ [ق: ٤١]
(١) المفردات ٧٩٧، وليس فيه ما يسيء، وهو قوله ((أشار بالنداء إِلى الله تعالى، لأنه تصوّر نفسه بعيداً
منه بذنوبه؛ وأحواله السيئة، كما يكون حال من يخاف عذابه)).
(٢) الرجز للعجاج، وتقدم في مادة ( كفر) برقم ١٢٥٤.
(٣) البيت في أمالي القالي ٩٥/١ والتاج (جلس) وسمط اللآلي ٢٩٨ وشرح الحماسة ٩٢٨ وتقدم برقم
٠١٣٠٩,٢٩٢

١٥٩
باب النون
قولُه تعالى: ﴿يومَ الثَّناد﴾ [غافر: ٣٢] هو يوم القيامة. قيلَ له ذلك، نظراً إِلى
قوله: ﴿ونادَى أصحابُ الجنَّة أصحاب النار﴾ [الأعراف: ٤٤ ] ﴿ونادى أصحابُ
الأعراف﴾ [الأعراف: ٤٨]. وقيل: لأنَّ كلَّ واحدٍ يُدعى ليحاسَبَ. ومنه قوله تعالى:
﴿ يومَ نَدعو كلَّ أناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. وقُرئَ بتشديدِ الدالِ، وقد تقدم.
وفي الحديثِ: ((إِنه أندى صوتاً منك))(١) أي أرفعُ. وأنشدَ: [ من الوافر]
١٦٢١ - فقلتُ: ادْعي وأَدْعُ، فإِنَّ أَنْدَى لصوتٍ أنْ يُناديَ داعيانٍ(٢)
ويعبّر عن السخاء بالندى، فيقالُ: فلانٌ أنْدَى كفاُ. وأنشد: [من الطويل]
١٦٢٢ - سَريعٌ إِلى ابن العمِّ، يلطمُ وجهَهُ وليسَ إِلى داعي النَّدى بسريعٍ(٢)
وفلانٌ يَتَندَّى على أصحابهِ. وما نَدِيتُ من فلانٍ بشيءٍ، أي ما نلتُ منه ندىِّ. ومنه
الحديثُ: ((مَن لقيَ الله ولم يتندَّ من الدَّمِ الحرامِ بشيءٍ دخلَ الجنةَ))(٤) أي لم يُصِبْ
شيئاً من ذلك.
ويسمَّى المكانُ المجتمعُ للمشاورةِ نَدْوة. ومنه دارُ النَّدْوةِ بمكةَ، وهي مادةٌ
أخرى. وقد ذكرَها الراغبُ(٥) والهرويُّ في هذه المادة، وكأنه على سَبيلِ الاستطراد.
فصل النون والذال
ن ذ ر:
قوله تعالى: ﴿أَنْذَرَتَهُم﴾ [البقرة: ٦] أي أأعلمتَهم إِعلاماً بتخويف؟ فهو أخصّ
من الإعلامِ، إِذ كلٌّ إنذارٍ إِعلامٌ، من غيرِ عكس. وهو يتعدّى باثنينٍ لنفسهِ فقالَ ﴿إِنّا
(١) مسند أحمد ٤ /٤٣ .
(٢) البيت للأعشى في الدرر ٤ /٨٥ (الكويت) وسيبويه ٣ /٤٥؛ وليس في ديوانه، وللفرزدق في أمالي
القالي ٩٠/٢ وليس في ديوانه، وللأعشى أو الحطيئة أو لربيعة بن جشم في شرح المفصل ٣٥/٧،
ولأحد هؤلاء الثلاثة أو لدثار بن شيبان في المقاصد النحوية ٤ /٣٩٢ وشرح شواهد المغني ٨٢٧/٢،
وبلا نسبة في الإنصاف ٥٣١ وشذور الذهب ٤٠١ والهمع ٢ /١٣ واللسان (لوم).
(٣) البيت للأقيشر في الخزانة ٢ /٢٨١ (بولاق) وهلدر المصون ٥٩٦/٨.
(٤) الفائق ٧٧/٣ والنهاية ٣٨/٥ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٠٠.
(٥) المفردات ٧٩٧.

١٦٠
باب النون
أنذَرْنَاكُم عَذاباً قريباً﴾ [النبأ: ٤٠] ﴿فقُلْ: أنذَرْتُكُم صاعقةٌ﴾ [فصلت: ١٣].
فالمفعولُ الثاني يجوزُ أن يكونَ محذوفاً، أي أأنذرتَهم العقابَ أم لم تُنْذَرْهُمْ إِياهُ.
والظاهرُ أنه غيرُ مرادٍ فحذفَهِ اقتصاداً لا اختصاراً، نحوُ: (كلوا واشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٩٠].
قالَ ابن عرفةَ: الإِنذارُ الإِعلامُ بالشيء الذي يُحْذَرُ منه. وكلُّ مُنْذَرٍ مُعْلَمٌ. وليسَ
كلٌّ مُعلمٍ مُنْذراً. وهنا موافقٌ لما قلناه؛ يقالُ: أنذرْتُه فنَذِرَ يَنْذِرُ.
قولُه ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ (١)﴾ [فاطر: ٣٧] هو الرسولُ؛ فعيلٌ بمعنى مُفْعِل. وقيلَ:
هو الشَّيبُ. وقيلَ: القرآنُ. ويكون النذيرُ أيضاً بمعنى الإنذارِ، فيكون اسماً ووصفاً. ومنه
قولُه تعالى: ﴿كيف نَذِيرٍ﴾ [الملك: ١٧] أي إِنذاري.
قولُه: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] جمعُ نذيرٍ نحوُ رغيفٍ ورُغُفٍ.
والمرادُ به المصدرُ. وجُمعَ لاختلاف أنواعه. قال الراغبُ (٢): والنذيرُ: المُنذِرُ؛ ويقعُ على
كلِّ شيءٍ فيه إِنذارٌ، إنساناً كان أو غيره. وجمعُه النُّذُرُ. وقولُه تعالى: ﴿هذا نذيرٌ منَ
النُّذُرِ الأولى﴾ [النجم: ٥٦] أي من جنسِ ما أُنذرَ به الذينَ تقدَّموا.
قولهِ تعالى: ﴿عُذْرَاً أو نُذْراً﴾ [المرسلات: ٦] أي للإِعذار أو للإنذار. فهو اسمُ
مصدرٍ، ثم يجوزُ أن يكون أصلاً بنفسه، وأنْ يكونَ مُخفَّفاً بضمتينٍ (٣) .
قولُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوماً ما أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] يجوزُ في ((ما)) أن تكونَ نافيةٌ،
وهو الظاهرُ؛ أي لم يشاهدُ آباؤهم نبياً. واستدلَّ عليه بقولِه: ﴿وما أَرْسلنا إليهم قبلَكَ مِن
نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]. قال الهرويُّ: وفيه نظرٌ، ويجوزُ أن تكونَ مصدريةٌ، أي لتنذرَ قوماً
بمثلٍ ما أنذر آباؤهم. فيكونُ آباؤهُم منذرين أيضاً. ويجوزُ أن تكون بمعنى الذي.
قولُه تعالى: ﴿يُوفُّون بالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] النَّذرُ: ما يلتزمُه الإِنسَانُ من صدقةِ
أو فعلٍ عبادةٍ. ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنِّي نذَرْتُ للرحمنِ صَوماً﴾ [مريم: ٢٦]. وقالَ ابنُ
عرفة: لو قالَ قائلٌ: عليَّ أنْ أتصدَّق بدينارٍ، لم يكُنْ ناذِراً، ولو قالَ: عليَّ إِنْ شَفى الله
مَريضي، أو ردّ غائبِي صدقَةُ دينارٍ، كان ناذِراً. فالنَّذْرُ: ما كانَ وعداً على شرطه، فكلُّ
(١) قرئت (النُّذُرُ) البحر المحيط ٣١٦/٧، وقرئت (وجاءتكم النُّذُرُ) الكشاف ٣١١/٣.
(٢) المفردات ٧٩٧ .
(٣) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم والحسن وشعبة (أو نُذُراً) الإتحاف ٤٣٠ والنشر ٢١٧/٢.
---