Indexed OCR Text

Pages 101-120

١.١
باب المیم
م.ع ن :
قوله تعالى: ﴿ ◌ُطافُ علیھِم بکاسٍ من معینٍ﴾ [الصافات:٤٥ ] قيل: هو من
قولِهِم: مَعَنَ الماءُ، أي جرى فهو فَعيلٌ بمعنى فاعلٍ، يقالُ: مَعَنَ الماءُ وأمعنَ: إِذا جَرَى
وسالَ. وأنشدَ لعبيدٍ بن الأبرصِ: [ من مجزوء البسيط]
١٥٤١- واهِيةٌ أو مَعِينٌ مُمْعِنٌ
أو هَضْبةٌ دُونَها لُهوبُ(١)
وأمعنَ الفرسُ: تباعدَ في عدوهِ تباعُدّ الماء في جَريانِهِ. وأمعنَ في حاجتي: إِذا
بالغَ. وفَتَّشَ في أمرِها، وأمعنَ بحقِّي: إِذا ذَهبَ به. وسُميتْ مَجاري الماءِ: مُعْنانٌ، وقيلَ:
قولُه: ﴿بماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي ظاهرٌ يُرى بالعين، فميمُه زائدة.
قولُّه تعالى: ﴿وَيَمْنِعونَ الماعونَ﴾ [الماعون: ٧] قال قطربٌ: ماعونٌ: فاعولٌ من
المَعْنِ، وهو المعروفُ، وأنشدَ النَّمرين تَولبٍ: [من الوافر]
فإِنَّ ضَياعَ مالِكَ غيرُ مَعْنٍ (٢)
١٥٤٢- ولا ضَيَعْتُه فألامَ فيهِ
وقال بعضُ الأعراب: الماعونُ: الماءُ، وأنشد: [ من الوافر]
١٥٤٣ - إِذا نَسَمٌ منَ الھَيْفِ اعتراهُ
ينمجُّ صَبِيرُه الماعونَ صَبّا(٣)
وقال الفراءُ: يجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿بماءٍ مَعِين﴾ فَعيلاً من الماعون، وهو
المعروفُ. وقال غيرُه: هو منَ الماعون الذي هوَ الماءُ، وقد تقدَّم. وعن ابنِ عباسٍ:
الماعونُ العارِيَّةُ. وقالَ أبو عبيدٍ: الماعونُ في الجاهليةِ: العطاءُ والمنفعةُ، وفي الإسلام
الزكاةُ والطاعةُ. وأنشد الراعي: [ من الكامل]
ما عونَهم، ويُضيِّعوا التَّهْليلا(٤)
١٥٤٤- قومٌ على الإِسلامِ لمّا يَمْتَعوا
وقيل: الماعونُ هو الاشياءُ المتعاوَنُ بها، وهي كالمحلابِ والقِدْر والمِغرفةِ والفأسِ
والمِقْدحة، نُقل ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضاً، وذلك أنها الآلة المعروفة فسُميتْ باسمهِ، وفي
الحديث: ((فنزلَ عن فراشهِ وتمعُّنَ على بساطهِ(٥)) أي تذلّلَ وتصاغَرَ، مأخوذٌ من المَعْنَ
(١) ديوانه ١٢ واللسان والتاج (معن).
(٢) ديوانه ٣٩٢ وفصل المقال ٤٠٤ وأمالي القالي ٩١/١ واللسان والتاج (معن).
(٣) ورد عجز البيت في اللسان والتاج (معن) .
(٤) ديوانه ٢٣٠ (ألمانيا) واللسان والتاج (معن)، وبلا نسبة في اللسان والتاج (هلل) .
(٥) الفائق ٣٦/٣ والنهاية ٣٤٣/٤ وغريب ابن الجوزي ٣٦٥/٢، والحديث قاله انس لمصعب بن الزبير.

١.٢
باب الميم
وهو الشيءُ القليلُ. وقيلَ: معناهُ اعترف من قولهم: تمعَّن بحقّي أي اعترفَ بهِ.
وقولُه: ﴿وكأسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] كقوله: ﴿بماءٍ مَعِينٍ﴾ في احتمالٍ
الاشتقاقين المتقدمين.
مع ي:
قوله تعالى: ﴿وسُقُوا مَاءٌ حَمِيماً فقَطْعَ أَمعاءَهُم﴾ [محمد: ١٥] الأمعاء: جمع
مِعِىّ، والمِعَى: المصرانُ، التثنيةُ معيان، وأنشد: [ من الوافر]
١٥٤٥- ومعىّ جياعا (١)
وفي الحديث: ((المؤمنُ يأكلُ في مِعِىّ واحدٍ والكافرُ يأكلُ في سبعةِ أَمعاءٍ (٢)) قال
أبو عبيدٍ: يرى أنَّ المؤمنُ يُسمي الله فيباركُ له فيه. وقيل: ذلكَ في رجلٍ بعينه، وقيلَ هو
مَثَلّ ضربهَ الله للمؤمنِ في زهدهٍ في الدنيا وقلةِ رغبتهِ، وللكافرِ في حرصهِ وشَرَههِ، ومنه
قبلَ للحرصِ شُؤْمٌ وللرغبةِ لؤمٌ.
وأمّا المَعْوُ بالواوِ فالبُسْرُ إِذا أرطَبَ، الواحدُ مَعْوة.
فصل الميم والقاف
م ق ت:
قوله تعالى: ﴿لَبَقْتُ الله أكبرُ مِن مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] المقتُ: أشدّ
البغضِ، فهو أخصُّ من البُغضِ والمعَنى أنَّ مقتَ الله إِياكم على كُتُركم أشد من بُغضكم
لأنفسكم حین یتبیّنُ لكم في الآخرةِ سوءُ عاقبتكم.
ويقالُ: مقتَه مَقَاتَةً فهو مَقِيتٌ، ومقْتَه مَقْتاً فهو مَقِيتَ ومَمْقُوتٌ، وكانوا يُسمُّون
تزوَّجَ الرجلِ امرأةً أبيهِ نكاحَ المَقَتِ. ويقالُ الرجلِ الذي يولدُ مِن بينهما المَقْتِيُّ، ويقالُ
لذلك الزوجِ الضَّيْزَن.
(١) من بيت للقطاعي في ديوانه ٤١ واللسان والتاج (غرز، معي) ، وتمامٍ البيت :
( كأن نسوع رحلي حين ضمّت حوالبَ غُرّزاً ومعىّ جياعاً).
(٢) أخرجه البخاري في الأطعمة، باب (١١) حديث ٥٠٧٨ - ٥٠٨٠، ومسلم في الأشربة ٢٠٦٠.

١٠٣
باب المیم
فصل المیم والكاف
م ك ٹ:
قولُه تعالى: ﴿فمكَثَ غيرَ بعيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]. المُكْثُ: ثباتٌ مع انتظارٍ، يقالُ:
مكثَ يمكُثُ مَكْناً فهو ماكثُ، وقُرِئٌ بالضم(١)، وقياسُهُ مَكِيثُ.
م ك ر:
قولُه تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] هذا من باب المُقابلةِ، أي
يجازيهم على مَكرِهم، كقوله: [من الكامل]
١٥٤٦ - قالوا: اقترحْ شَيئاً نجدْ لكَ طبخَهُ
قلتُ: اطبُخوا لي جُبَّةً وَقَميصا(٢)
والمكرُ في الأصلِ إِخفاءُ الحيلةِ، ومنه: جاريةٌ ممكوره البطن، أي مطويِّ متداخل.
قولُه تعالى: ﴿إِذا لَهُم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ [يونس: ٢١] أي احتيالٌ وخداعٌ للناسِ،
وذلكَ قولُهم في القرآنِ إِنه شِعر وسِحر وأساطيرُ الأولين ليصدُّوا غيرَهُم عنه.
قولُه: ﴿قلِ الله أسرعُ مَكْراً﴾ [ يونس: ٢١] أي أقدرُ على تحصيلِ المكروهِ لهُم،
قالَه ابنُ عرفةَ، وقالَ غيرُه: هو قولُهم: مكرنا بنو كذا، ونظيرُه قولُه ﴿ وَتَجعلون رزقَكُم
أنَّكُمْ تُكذِّبون﴾ [الواقعة : ٨٢]
قولُه: ﴿بَلَ مَكْرُ (٣) الليلِ والنهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] قيلَ: أضافَ الحدَثَ لظرفهِ الواقعِ
فيه، أي مكرٌ في الليلِ، والإِضافةُ تكونُ بمعنى في . والأحسنُ أن تكونَ على المبالغة؛
جعلَ الظرفين ماكرين مبالغةً، كقوله: [من البسيط]
١٥٤٧- أما النَّهارُ فَفي قَيْدٍ وسِلسلةٍ
والليلُ في بطنٍ منحوتٍ من السَّاجِ(٤)
(١) قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وخلف ويعقوب (فمَكُثَ) الإتحاف ٣٣٥
والنشر ٣٣٧/٢.
(٢) البيت لابي الرقعمق ، وتقدم برقم ٨٦١.
(٣) قرأ قتادة ويحيى بن يعمر (مكرّ الليلَ والنهارَ)، وقرأ سعيد بن جبير وابن يعمر (مَكَرِّ الليلِ والنهارِ)،
وقرأ ابن جبير وطلحة وراشد (مكر الليل والنهار) القرطبي ٣٠٣/١٤ والبحر المحيط ٢٨٣/٧.
(٤) البيت للجرنفش بن يزيد الطائي في شرح أبيات سيبويه ٢٣٧/١، وبلا نسبة في الكتاب ١٦١/١
والمحتسب ١٨٤/٢.

١.٤
باب الميم
جعل النهارَ في قيدٍ وسلسلةٍ، والليلَ في صندوقٍ، والمرادُ أنَّ الأسرْ فِعلَ ذلك
فيهما. ومثلُه: نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ، ومثلُه: ﴿في يومٍ عاصفٍ﴾ [إِبراهيم: ١٨] وقيل:
المكرُ صرفُ الغَيرِ عمّا يقضِدُه بجيلةٍ من الحيلِ، وهو ضربانٍ: محمودٌ وهو أن يتحرَّى به
فعلَ جميلٍ، وعليه قولُه تعالى: ﴿ولا يُحيقُ المَكْرُ السيءُ إِلاَّ بأهلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. ومن
المكرِ إِمهالُ الله العبدَ، وتمكينُهُ مِنَ الأعراضِ الدُّنيويةِ استدراجاً له. وعلى ذلك قالَ أميرٌ
المؤمنينَ علي كرم الله وجهه: ((مَن وُسِّع علیهِ دُنياهُ ولم يَعْلِمْ أنه مُکِرَ بهِ فهو مخدوعٌ عِن
عقله))(١).
م ك ك :
قولُه تعالى: ﴿يبطن مكةَ﴾ [الفتح: ٢٤] مكةُ هذه البلدةُ الشريفةُ المعروفةُ، رزَقَنا
. الله تعالى بحرمة نبيِّه العَودَّ إِليها. قيلَ: اشتقاقُها مِن مكَّ الفصيلُ ضَرعَ أمّه وامتكُّه: إِذا
شربُ ما فيه منَ اللبن؛ سُميت بذلك لأنهَا تَمُكُّ من فيها منُ الظََّمةِ، أي تَستأضِلُهم،فلا
تَرى فيها جباراً إِلا أُخِذَ، ولا يقصدُها سلطانٌ بظلمٍ إِلا قُصِم.
وتمكَّكْتُ العظمَ: أخرجتُ مُخَّه. فعُبْر عن الاستقصاءِ بالتمكُّكِ، وقالَ الخليلُ:
سُميت بذلك لانها وسْطُ الأرضِ كالمخُ الذي هو وسطُ العظمِ وأصلهُ. وفي الحديث:
((لا تُمَكْكوا على غُرَمائكم))(٢) أي لا تُلحُّوا عليهم إلحاحاً تَضْرُونَهم به في معايشِهِم
فتستأصلونَهُم به. وقد تقدَّم الفرقُ بينَ مكةَ وبَّةً في بابِ الباءِ، فأَغنى عن إِعادته هنا.
والمكُّوكُ: كيلٌ معروفٌ كَالأَرْدَبِّ، وقيلَ: هو إِناءٌ يُشربُ به ويُكال.
م ك ن:
قولُه تعالى: ﴿مَكُّنَاهُم في الأرضِ﴾ [الأنعام: ٦] أي مَلْكْناهم وجعلناهم متمكّنِين
منَ المكان الذي وَلَّيناهُمْ إِيَاهُ أي قَوَّيناهُم، من تمكَّنَ فلانٌ مِن كذا: إِذا قدرَ عليهِ وأطاقِهَ.
وأصلُه منَ المكان. والمكانُ لغةٌ هو الحاوي للشيءٍ، وعندَ بعضِ المتكلمين أنه عَرَضٌ،
وهو اجتماعُ جنسينِ جَارٍ وَمَحْوِيٍّ، وذلكَ أن يكونَ سطحُ الجسمِ الحاوي مُحيطاً
۔۔
( ١ ) البصائر ٤ /٥١٦
(٢) الفائق ٤٢/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٦٩/٢ والنهاية ٣٤٩/٤.

١.٥
باب المیم
بالمَحْوِيِّ، فالمكانُ عندهُم هو المناسبةُ بينَ الجسمينِ
قوله تعالى: ﴿اعْمَلوا على مَكانَتِكُم﴾ [الأنعام: ١٣٥]. يقالُ: مكانٌ ومكانةٌ.
والمعنى: اعملوا على تَمكُّنِكُم، يقالُ: مكانَكَ انتظِرْ، فهو تهديدٌ ووعيدٌ. ومثلُه قولُه
تعالى: ﴿مكانَكُمْ أنتم وشُركاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أي اثْبتوا مكانّكُم وانتظروا ما يُفعل
بكم. وقيلَ: اعملوا على شاكلتكم ووِجْهِتِكُم التي أنتمُ عليها من خيرٍ أو شرِّ أو تهديد
أيضاً، وجِهَتكم التي تمكُّنْتم عندَ أنفسكم من العلم بها إِلى عاملٍ على جهني.
وقُرئ: ((مكاناتكم (١) جَمعاً على اختلاف الأنواع في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَنُمكِّنُ (٢) لهم في الأرضِ﴾ [القصص: ٦] يقالُ: مكَّنْتُه ومكَّنتُ))
له نحو أسقيتُهُ وأَسقيتُ له، أي جعلتُهُ مُتَمكَّناً وجعلتُ له مكاناً يتمكَّنُ منه وفيه، وقال
ابنُ عرفةَ: التمكِّنْ: زوالُ المانعِ.
قولُه: ﴿عندَ ذِي العَرشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي قوي متمكِّن عند اله. يقالُ:
فلانٌ مكينٌ عندَ أستاذه: له عندَه مكانةً. وفي الحديث: ((أَقِرُّوا الطَّيَّرَ في مَكناتِها(٢))) قال
أبو عبيد: الواحدةُ مَكِنَة. قال: فاستُعيرِ ذلك للطيرِ كما استُعيرتِ المشافرُ للحَبَشِ، وإِنَّما
هي في الأصل للإِبلِ. وقال شَمِرٍ: الصحيحُ فيها أنها جمعُ المَكِنَة بمعنى التمكُّن؛
يقولون: إِنه لذو مَكِنَةٍ منَ السلطان أي تمكُّن، فالمعنى أَقِرُّوها على كلِّ مَكِنَة تَّرَونها
عليكم، ودَعوا التطيِّرَ بها، قال: وهكذا، كالتَّبعة من التَّتَبع والطَّلبة منَ التَّطلّب. وقال
غيرُهما: معناه على أَمكنتها. قال: معناهُ الطيرُ الذي يُزْجرُ به، وذلك أنَّ الرجلَ إِذا أراد
سَفراً أو غيرَهِ زَجر ما يراهُ منَ الطير، فإِنْ أخذَ ذاتَ اليمينِ تفاءَل بهِ ومضى لأمرهِ، ويسمى
هذا الطيرُ السانِحَ، وإِن أخذَ ذاتَ الشمالِ أَمسكَ عن أمرهِ، ويسمى هذا الطيرُ البارحَ، وهذا
دخولٌ في علم الغيبِ فُنُهي عنه، وإِليهِ نحا مَن قال: [من الطويل]
١٥٤٨ - لَعَمْرُكَ ما تَدري الطوارقُ بالحصى
ولا زاجراتُ الطيرِ ما اللَّه صانعُ (٤)
(١) هي قراءة عاصم والحسن وأبي بكر، الإتحاف ٢١٧ والنشر ٢٦٣/٢.
(٢) قرأ الأعمش (ولِنُمَكِّنَ) البحر المحيط ١٠٥/٧.
(٣) الفائق ٣ / ٤٢ وغريب ابن الجوزي ٣٦٩/٢ والنهاية ٤ /٣٥٠.
(٤) البيت للبيد في ديوانه ١٧٢. وتقدم برقم ٩٣٩.

١.٦
باب المیم
ويقالُ: مَكِنَتِ الضَّةُ وَأَمْكِنَت، أي باضَتِ المَكْنَ. واختلفَ أهلُ التصريف في
المكان، فعندَهم أنَّ ميمَه أصليةٌ على ما قدَّمناه، وزعمَ الخليلُ وأتباعُه أنَّه منَ الكَوْن،
مَفْعَل منه، قالَ: ولكثرتهِ في الكلامِ أُجرِيَ مُجرى فَعال، فقيلَ: تمكَّنَ نحو تَمَسْكن
وتمّنْزلَ، يعني أنه اعترضَ على نفسهِ بقولهم: تمكَّنَ فثبتت الميمُ في التَّصريفِ، فَدلَّ على
أصالتها. فأجابَ بأنَّهِ جَرى مجرى ما ميمُه أصليةٌ ونظيرُهُ مُتَمِسْكِنٌّ ومُتَمنزِلٌ من السكون
والنزل، وقد أتقنا ذلك في غيرِ هذا.
٤ ك و:
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ ضَلاتُهم عندَ البيتُ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥].
المُكاءُ: صُفِيرُ الطير. يقالُ: مَكا الطيرُ يَمْكو مُكاءً ومُكُوَّاً: صفّرَ. والمعنى أنه لم يكنْ لهم
صلاةٌ عندَ البيت إلا هذا، أي جعلوا هذي بدل الصلاة، كقولِ الآخرِ: [من الوافر]
١٤٤٩ - تحيةً بينهم ضربٌ وَجيع
أي بدلَ التحية، ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَتَجعْلون رزقَكُم أَنَّكم تُكذِّبون﴾ [الواقعة:
٨٢] ذلك أنهم كانوا يأتون البيت والقرآنُ يُتلى فيصفِرون بأيديهم ويَلْغُون كما أُخبرَ عنهم
بقوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] يقصدون بذلك الغَلبةَ، وقد غُلبوا وانْقَلبوا صاغِرِين.
وقد نبّه بقوله: ﴿إِلاَّ مُكَاءً﴾ أنَّ ذلك منهم جارٍ مَجرى مُكاءِ الطيرِ في قلَّةِ الغناء.
والمُكَّاءُ: طائرٌ. والمُكُّ: طائرٌ معروفٌ.
فصل الميم واللام
م ل أ:
قوله تعالى: ﴿قالَ الملأُ﴾ [الأعراف: ٦٦] الملأُ: الاشرافُ، سُموا بذلك لأنَّهم
يَملؤُون القلوبَ هَيبةٌ والعيونَ جَلالٌ. وهو اسمُ جمعٍ كالبَقَر، وجُمع على أَملَاءٍ، نحوُ
أبناءٍ، وقيلَ: سُمي الرؤساءُ بذلك لأنَّهم ملاَى بالرأي والعَناء. والمَلأُ جمعُ مليءٍ، وقيلَ:
الملأُ: القومُ يجتمعون على رأيٍ فيملؤون القلوبَ هَيبةٌ. ثم أُطلقَ على كلِّ جماعةٍ لأنَّهم
(١) قرأ أبو عمرو (مُكاً) البحر المحيط ٤ /٤٩٢.
(٢) تقدم برقم ٩٧، وهو لعمرو بن معدي كرب.

١٠٧
باب المیم
كانوا يَتَمالؤون على ما يريدون، أي يتعاونون. وقد مالاتُّه على كذا، أي ظاهرتُه ووافقتُه
عليه. قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ((لو تَمالاً عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم بِهِ))(١)
وقال أيضاً: ((والله ما قتلتُ عثمانَ ولا مالاتُ على قتله))(٢) ولقد والله صدقَ. ويقالُ:
مالاتُّهُ، أي صرتُ مِن مَلَئِهِ وجمعِهِ، نحوُ شايعتُهُ أي صرتُ من شيعتِهِ.
والمُلَاءَةُ: الزُّكامُ الذي يَملا الدُّماغَ. والمُلاءةُ أيضاً الملحفةُ، وأما الملاوَةُ بالواو
فالقطعةُ منَ الزمان غير ما نحنُ فيه. وحکی فلانا وأَملى .
قولُه: ﴿مِلءُ الأرضِ ذَهَباً﴾ [آل عمران: ٩١] ملءُ الشيء: مقدارُ ما يملؤُهُ.
ومثلُّه: لي ملؤهٍ عَسلاً. ويقالُ: أعطني مِلأَهُ ومِلأَيهِ وثلاثة أملائهِ. وفي حديث أمِّ زرعٍ:
(ملءُ كسائِها وغيظُ جارَتِها))(٣) أي أنها بَدينةٌ تملأُ كساءَها وتُغيظُ من يحسدُها.
م ل ح:
قوله تعالى: ﴿وهذا ملحٌ (٤) أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] الملحُ: الماءُ الذي تغيّر طَعمُه
التغيّرَ المعروفَ وتجمَّدَ. وقد يقالُ ذلكَ وإِن لم يجمدْ، ومنه: ﴿ وهذا ملح أجاجٌ﴾ ولا
يقولون: ماء مالحٌ إِلا في لغةٍ شاذةٍ.
وملّحتُ القِدْرَ: ألقيتُ فيها الملحَ. وأملحتُها: أفسدتُها بالملحِ. وسمكٌ مليحٌ: أي
مملوحٌ. ثم استُعير من لفظِ الملحِ الملاحةُ فقيل: رجلٌ مليحٌ، وامرأةٌ مليحةٌ. قيل:
والمَلاحَةُ راجعةٌ إِلی معنی یغمضُ إِدراكُه.
ومَلَحْتُ الشاةَ: سَمَطَتُها، ومنه حديثُ الحسنِ: ((كالشاةِ المَملوحة))(٥) وأنشد
لأبي الطمحان: [ من الطويل]
١٥٥٠- وإني لأرجو مِلْحا في بُطوِكم وما بسَطَتْ من جلدِ أشعَثَ أَغبرا(٦)
(١) الحديث لعمر في غريب ابن الجوزي ٣٧٠/٢ والنهاية ٤ /٣٥٣.
(٢) الحديث للإِمام علي في المصدرين السابقين .
(٣) أخرجه البخاري في النكاح ٤٨٩٣ ومسلم في فضائل الصحابة ٢٤٤٨.
(٤) قرأ الكسائي وطلحة (مَلِحٌ) البحر المحيط ٦ /٥٠٧، وقرأ طلحة (مَلْحٌ) المحتسب ١٢٤/٢.
(٥) الفائق ٤٨/٣ والنهاية ٣٥٥/٤ وغريب ابن الجوزي ٣٧١/٢.
(٦) البيت في اللسان والاساس (ملح) والمخصص ٢٦/١.

١.٨
باب الميم
وَقيلَ: الملحُ في البيتِ الحرمةُ والذِّمامُ، وقال المبردُ: العربُ تعظّمُ أمرَ الملحِ والنارِ
والرمادِ، وفي المثلِ: ((مِلْجُهُ في ركبتهِ))(١) فيه قولان، أحدهما أنه مُضيِّعٌ لحقِّ الرضاعِ
فأدنى شيءٍ يُنسيه الذِّمامَ كما أنَّ الذي على رُكبتهِ ملحٌ يبدِّدُه أدنى شيءٍ. والثاني أنه
يضربُ للسيءِ الخُلقِ كما أنَّ الملحَ على الركبةِ يتبدَّد من أدنى شيءٍ.
والملحُ أيضاً الرضاعُ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَلَحْنا له))(٢) أي أرضعنا،
ومنه الحديثُ: ((لا تُحرِّمُ المَلْحةُ والمَلْحتان))(٣) أي الرَّضعةُ الرَّضعتان. فأما المَلْجَةُ
بالجيم فيه المَصَّة. وفي الحديث: ((بكبشينِ أملحين))(٤) قال ابنَ الأعرابيّ: هو النَّقِيِّ
البياضِ، وقالَ الكسائيّ: هو الذي بياضُه أكثرُ من سوادِهِ. وفي الحديث: «لم يكن لحمزةً
إِلا نَمِرَةٌ مَلِحاءٍ)»(٥)؛ البردُ ذاتُ الخطوطِ: سَوادٍ وبَياضٍٍ.
وامرأةٌ مُلاَحةٌ، أي مليحةٌ. والمُلأَّح؛ ضربٌ من النبات، ومنه الحديث: (( يأكلون
مُلَّحَها ويَرْعُونَ سراحَها))(٦). وأنشد لأبي النجم: [من الرجز]
يَخْبِطْنَ مُلاّحاً كذاوي القَرْمَلِ(٧)
١٤٥١ - فهبطتْ والشمسُ لم تترجُّلِ
والملاحُ: المِخْلاةُ، ومنه: ((جعلَ رأسَه في ملاحٍ وعلَّقَه))(٨).
م ل ق:
قولُه تعالى: ﴿خَشِيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أي فقرٍ. أملقَ الرجلُ: افتقرَ،
وحقيقتُه أملقَ صارَ ذا إِمِلاقٍ. قال الليثُ: الإملاقُ: كثرةُ إِنفاقِ المالِ، وقالَ النَضرُ: إِنه
لمُملقٌ أي مفسِدٌ. وأملقَ يكونُ لازماً ومتعدياً، يقالُ: أملقَ زيدٌ وأملقَه الدَّهرِ، وأنشدَ
الأوس: [من الطويل]
(١) مجمع الأمثال ٢٦٩/٢. وجمهرة الأمثال ٢٣٢/٢ والفاخر ١٢.
.(٢) القول لرجل من بني سعد في الفائق ٣ /٤٤ والنهاية ٤ /٣٥٥ وغريب ابن الجوزي ٣٧١/٢.
(٣) الفائق ٤٥/٣ والنهاية ٣٥٤/٤.
(٤) الفائق ٣ / ٤٤ وغريب ابن الجوزي ٢ /٣٧١ والنهاية ٤ /٣٥٤.
(٥) الفائق ١٣١/٣ وغريب ابن الجوزي: ٣٧١/٢ والنهاية ٣٥٤/٤.
(٦) النهاية ٤ / ٣٥٥ وغريب ابن الجوزي ٣٧١/٢.
(٧) الرجز في الطرائف الأدبية ٦٤ واللسان (هبط، قرمل) والعين ٢٤٤/٣، وبلا نسبة في اللسان والتاج
(ملح) والعين ٢٦٥/٥.
(٨) الفائق ٤٩/٣ والنهاية ٤ /٣٥٥ وغريب ابن الجوزي ٣٧١/٢.

١.٩
باب الميم
وأملَقَ ما عندي خُطُوبٌ تَنْبَّلُ(١)
١٥٥٢- لما رأیتُ العُدْمَ قَّدَ نائلي
وملقَ الجدْيُ أُمَّه: رضَعَها.
م ل ك:
قولُه تعالى: ﴿مالكِ يومِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قُرئَ ملِكِ ومالِكِ في المتواترِ(٢)،
مَلْكِ بالسكون ومليكِ بالإشباعِ.
وملكَ: فعلٌ ماضٍ على حدٍّ قولهِ: ﴿ونادَى أصحابُ الجنة﴾ [الأعراف : ٤٤]
﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١] واشتقاقُ ذلك من الملك وهو القوةُ والشدَّةُ، ومنه مَلَكْتُ
العجينَ أي بالغتُ في عَجنهِ، يقالُ: مَلكْتُ العجينَ وأَملكْتُه. وفي حديثٍ عمر رضي الله
تعالى عنه: ((أَمْلِكوا العَجينَ))(٣) وعن الفراءِ: يقالُ للعجينِ إِذا كانَ مُتَماسكاً مَتيناً مملوكٌ
ومُملَّكٌ، يقالُ: مَلَّكَ العَجينَ وأَمَلَّكَ ومَلَك مُلكاً وإِمْلاكاً وتَمليكاً. وقد اختارَ كلٌّ فريقٍ
قراءةٌ من القراءتينٍ؛ فقال أبو عمرَ: والمَلِكُ أبلغُ من المالِكِ في المدحِ، لأنَّ المَلِكَ لا
يكونُ إِلا مالكاً، وقد يكونُ المالكُ غيرَ مَلِكٍ. قال غيره: هذه في صفةِ المخلوقينَ، فأمّا
في صفةِ الخالقِ فهما سَواءٌ، وقال أبو العباسِ: الاختيارُ أن يكونَ مع اليوم مالكٌ أي ذو
مُلك، ومعَ الناسِ مَلِك أي ذو المُلك والسُّلطان. وقال غيرهُ: الملِكُ هو المُتصرفُ بالأمرِ
والنهي في الجمهورِ، وذلك يختصُّ بسياسةِ الناطقينَ، ولهذا يقالُ: مَلِكُ الناسِ، ولا يقالُ
مَلَكُ الأشياءِ.
ورجّح بعضهم قراءةَ «مُلك)) بقولهِ تعالى: ﴿لِمَن المُلْكُ اليومَ﴾ [غافر: ١٦]
(١) ديوانه ٩٤ واللسان والتاج ( ملق، نبل) .
(٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وابن عباس ومجاهد والأعرج (مَلك) السبعة ١٠٤
وإملاء العكبري ٣/١، وقرأ أنس بن مالك وأبو حيوة وأبو نوفل (مَلِكَ)، وقرأت عائشة وسعد بن
أبي وقاص ( مَلِكُ)، وقرأ أبو عمرو وأبو هريرة والجحدري (مَلْكِ)، وقرأ أبو عثمان والنهدي وأبو
حيوة (مِلْكٍ)، وقرأ المطوعي والأعمش وابن السميع وأبو هريرة (مالكَ) البحر المحيط ٢٠/١
والقرطبيّ ١٣٩/١، وقرأ أبو حيوة وأبو حنيفة والحسن وعاصم الجحدري ويحيى بن يعمر (مَلَكَ
يومٌ)، وقرأ أبو هريرة وأبو حيوة (مالكُ) إملاء العكبري ٣/١ والبحر المحيط ٢٠/١.
(٣) الفائق ١ /٥١٨ والنهاية ٣٥٩/٤ وغريب ابن الجوزي ٣٧٢/٢.

١١٠
باب المیم
يقالُ: مَلِكَ بَيِّنُ المُلكِ بالضم ومالكَ بِيِّنُ المِلْكِ بالكسر. والملكُ بالكسر ضربان: ضَربٌ
هو التملُّكُ والتَّولّي. ومِلْكَ هو القوةُ على ذلك، تَولَّى أم لم يتولَّ، فمن الأولِ قولُه تعالى:
﴿إِنَّ الملوكَ إِذا دخلوا قريةً أَفْسدوها﴾ [النمل: ٣٤]. ومن الثانى قوله تعالى: ﴿إِذْ جعل
فيكُم أنبياءَ وجَعلكم مُلوكاً﴾ [المائدة: ٢٠]. فجعلَ النبوةَ مخصوصةً والملْكَ عاماً
فيهم، وإِنَّ المَلْكَ هَهُنا هو القوةُ التي بها يترشَّحُ للسياسةِ، لا أنه جعلهم كلُّهم متولِينَ
للأمرِ؛ فإِنَّ ذلك مُنَافٍ للحِكمة، ولذلكَ قيلَ لا خيرَ في كثرةِ الرؤساءِ. قال بعضُهم:
المَلِكُ اسمٌ لكلِّ مَن يملِكُ السياسةَ إِمّافي نفسهِ، وذلك بالتمكينِ من زمامٍ قَواهُ وصرفِها
عن هَواها، وإِمّا في نفسِهِ وفي غيرهِ، سَواءٌ تَولَّى ذلك أم لم يتولَّ على تقدَّم.
والمُلْكُ ضبطُ الشيءٍ المتصرَّفِ فيه بالحكمِ، والمِلْكُ كالجنسِ للمُلْكِ؛ فكلُّ مُلْك
مِلْكٌ من غيرِ عكسٍ.
قولّ: ﴿مَلكوتَ السَّمواتِ والأرضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] هو مبالغةٌ في المُلْكِ. وهو
مصدرُ مَلَكَ، كالرَّغَبوت والرَّهَبوت والجَبَروت والطاغُوت، وذلكَ مختصُ بالله تعالى،
ومثلُ قولِهِ: ﴿أَوَ يَنْظروا فِي مَّلكوتِ السَّمواتِ والأرضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]
والمملكةُ: سلطانُ المَلِكِ وبقاعُه التي يَكمي فيها. والمملوكُ في المتعارَف يختصُ
بالرقيقِ من بينِ سائرِ الأملاكِ؛ قال تعالى: ﴿ضربَ اللهُ مثلاً عَبداً مَملوكاً﴾
[النحل: ٧٥]. وقد يطلقُ على كلِّ مما يُملك. وأصلُ ذلك كلّه من الشَّدِّ والضَّبط، قال
قیسٌ: [ من الطويل]
١٥٥٣ - مَلَكتُ بها كَفِّي فأَنْهَرتُ فَتْقَها
يرى قائماً مِن دونِها ما وراءَها(١)
والمَلَكةُ: قوةً في النفسِ والشَّدِّ. ومِلاكُ الأمرِ: ما يُعتمدُ فيه عليه. والملْكَةُ: أيضاً
مَلْكُ العبيد؛ يقالُ: فلانٌ حسنُ المِلْكةِ، أي حسنُ الصُّنْعِ إِلى مَماليكهِ، ومَمْلوكٌ مُقِرٌ
بالمُلوكِة والملكة والملك. والإِملاكُ: التزويجُ، لما فيه من قوة العقد.
(١) البيت لقيس بن الخطيم في ديوانه ٤٦ وشرح الحماسة للمرزوقي ١٨٤ والتاج واللسان (نهر، ملك)،
وبلا نسبة في المخصص ٨٩/٦،١٩/٤،١٣٣/٣.

١١١
باب الميم
وقولُه: ﴿ما أَخْلَفنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه: ٨٧] قُرئ بالضم والكسر(١). وقد
ذكرتُ توجيهَ القراءاتِ في قولهِ: ﴿مالكِ يومِ الدِّين﴾ وما ترجّحَ به كلُّ قراءةٍ في ((الدرُ
المصون)) و((البحرِ الزاخرِ في التفسير)) فأغنى عن إِعادته هنا.
وقد أدخلَ بعضُهم في هذه المادة لفظَ أَلَكَ. وقد اختلفَ الناسُ فيه على ستةٍ
أقوالٍ، أحدُها: أنه مشتقٌّ من المَلَكِ ووزنُه فَعَلٌ لكنه شذَّ جمعُه على ملائكةٍ. الثاني: أن
أصلَه مَلأك، الهمزةُ فيه مزيدةٌ كشَمْال، ثم خُفف بنقلِ حركة الهمزة وحذفها، وجمعُه
على أصل زيادته، ويدلُّ على ذلك النطقُ لهذا الأصل في قوله: [ من الطويل]
تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوبُ(٢)
١٥٥٤- فلستَ الإِنسيُّ ولكنْ لِمَلأك
الثالثُ: أنه مشتقىٌّ من ألَّكَ أي أرسلَ، يدلُّ على ذلك قوله: [من المنسرح]
١٥٥٥ - أبلغ أبا دَخَتنوس مَأَلْكَةٌ
عنِ الذي قد يقالُ مِ الكذبِ (٢)
ثم قُلبتِ العينُ إِلى موضعٍ الفاءٍ وصارَ مَلاكاً، ثم فُعل به ما فُعل بملاك من النَّقل
والحدث، ووزنُه مَعَل. والرابعُ: أنه مشتقٌّ [من] لاكَ أي أرسلَ فالهمزةُ عينٌ، ثم فُعل فيه
ما تقدَّم. الخامسُ: أنه مشتقٌّ من لاكَه يلوكُه أي أدارَه، لأنَّ الملكَ يديرُ الرسالةَ في فيه،
فأصلُه مَلْوَك فنقلتْ حركةُ الواوٍ إِلى اللامِ، فتحرَّكَ حرفُ العلّة وانفتَحَ ما قبلَه، فقُلبت الفاءُ
وصارَ مَلاكاً ثم خُفِف بحذف الألفِ، فوزنهُ أيضاً مَفَل بحذف العين، وأصلُ هذا مُلاوكة
بالواو فقُلبتْ همزةً، السادس: أنه لا اشتقاقَ له عندَ العرب، قاله النَّضرُ بنُ شُميل، وقد
أتقنّا هذه الأقوالَ وتصريفها في ((الدرِّ المصون)) وغيرهِ.
م ل ل :
قولُه تعالى: ﴿مِلَّةِ إِبراهيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]. الملّةُ قيل: معظمُ الدِّين، والشريعةُ:
(١) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب (بملكنا)،وقرأ حمزة والكسائي والحسن وخلف والأعمش
وطلحة (بمُلْكنا) الإتحاف ٣٠٦ والنشر ٣٢٢/٢.
(٢) البيت لعلقمة في ديوانه ١١٨ وتقدم برقم ٣١٤،٧٠، ٤٣٦.
(٣) تقدم برقم ٦٧، وهو بلا نسبة في الخزانة ٩ /٣٠٥ والخصائص ٣١١/١ ورصف المباني ٣٢٥
وشرح المفصل ٣٥/٨، ١١٦،١٠/٩ واللسان (ألك، لكن، منن).

١١٢
باب المهم
الحلالُ والحرامُ، قاله ابنُ الإِعرابِيِّ، قالَ ابنَ الأعرابيّ: يعني بمِعظم الدينِ ما جاء به الرسُلُ،
وقال غيرُهُما: الملةُ: الدينُ، وهو اسمُ لِما شَرعَ الله لعباده على لسانِ أنبيائه ليتوصَّلوا إِلى
جوارِ الله. والفرقُ بينَها وَبِينَ الدينِ أنَّ الملةَ لا تُضافُ إِلا لِلبِيِّ ◌َُّ الذي تُسند إِليهِ،
نحو: ﴿أَنِ اتَّبِعُ مِلَّةَ إِبراهيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] ولا تكادُ توجدُ مضافةً إلى الله تعالى ولا
إِلى آحادٍ الأمة، ولا تُستعمل إلا في حَمَلةِ الشرائعِ دونَ آحادِها، لا يقالُ: ملةُ الله، ولا
مِلَّتي ولا ملةُ زيدٍ، كما يقالُ: دینُ الله.
وأصلُ المِلَّةِ مِن أَمللتُ الكتابَ. والمِلَّةُ أيضاً: الدِّيَةَ، ومنه قولُ عمِرَ رضي الله
تعالى عنه: ((ولكن تُقوِّمُهم المِلْوَةَ على آبائهم خَمْساً من الإبل))(١). وأمَّ المَلَّةُ فالرمادُ
الحارُّ، وقيلَ: الجمرُ، ولذلك يقالُ: أَطْعَمنا خُبزَ مَلَّةٍ، بالإضافة. وقلَّ خبزَهُ: طرحه في
المَلَّة. ومَن أطلقَ المَلَّةَ على الخبز نفسه فمتجوّزٌ، وقد خطَّه الناسُ. والمليلُ: ما طُرح في
الملة.
وفي الحديثِ ((إِنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُوا))(٢): المَلَلُ: الضُّجرُ من الشيءِ؛ يقالُ:
مللتُ منهُ، قالِ الشاعرُ: [من الكامل]
١٤٥٦ - حتى مَلِلتُ ومِلَّني عُوَّادي(٣)
والمعنى أنه لا يملُّ أبداً مَلِلتُم أم لم تَمَلُوا، نحو: لا أفعلُ حتَّى يبيّضَّ القارُ ويشِيب
الغرابُ وَيَلجَ الجملُ في سمِّ الخياطِ. والثاني: لا يَطُّرِ حُكُم حتى تَزْهدوا في عَمَله، فسمَّى
إِطراحَهُ لِهم مَلَلاً على المُقابلةِ، كما تقدَّمَ في قولهِ تعالى: ﴿ويمكُرُون ويمكُّرُ اللَّه ﴾ وعليه
قولُ عديّ: [من الرمل]
١٥٥٧- أَضْحوا لعب الدهر بهم
وكذاك الدهرُ يُودِي بالرِّجال(٤)
(١) الفائق ٤٧/٣ والنهاية ٤ / ٦١
٣
(٢) أخرجه البخاري في الصوم، باب (٥٣) حديث ١٨٦٩، ومسلم في الصيام ٧٨٢.
(٣) عجز بيت دون نسبة في شرح شواهد المغني ٨٣٧/٢ والمقاصد النحوية ٠٠٣/٤ والدرر ٢٧١/٢
والهمع ١ /١٥٧، وصدره: (وأجبت قائلَ: كيف أنت بصالحٍ).
(٤) البيت في ديوان عدي ٨٣ والدرر ٥٥/٢ (الكويت) ودون نسبة في اللسان (ملل)، ويروى عجز
البيت: ( وكذاك الدهر حالاً بعد حال).

١١٣
باب الميم
سَمِى إِهلاكَه لهم لعباً. وقيل: معناهُ: لا يقطّعُ فضلَه عنكُم. وهو قريبٌ من الأول.
قولُه تعالى: ﴿وَلَيُمْلِلِ الذي عليهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي ينطقُ بِما عَليه؛
يقالُ: أمللتُ عليهِ، وأَمليتُ كقوله: ﴿فهي تُمْلِى (١) عليهِ بُكْرَةً﴾ [الفرقان: ٥] فأبدل
إِحدى اللامينِ حرفَ علة. وأمللْتُه: حملتُه على المَلَلِ من الشيءٍ. والمليةُ: حرارةٌ يجدُها
الإِنسانُ.
م ک و :
قولُه تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] أي نُطِيلُ لهم المُدَّةَ وندرُّ عليه
الأرزاقَ استدراجاً لهم، والإِملاءُ: الإِمداد، ومنه قيلَ للمُدَّةِ الطويلةِ مَلاوَةٌ منَ الدَّهر، ومَلِيٌّ
منَ الدهر. قال تعالى: ﴿واهجُرني مَلِيّاً﴾ [مريم: ٤٦] أي دهراً طويلاً، وتَملَّ بكذا:
تمتَّع بِهِ مُدَّةٌ ومَلاوَةٍ منَ الزمانِ .
وتمَّيْتُ الثوبَ: تَنَّعمتُ به. ومَلَاكَ اللّهُ: أبقاكَ اللّهُ متمتعاً. والمَلا: المَفازةُ
الممتدَّةُ. والمَلَوانِ: الليلُ والنهارُ. قال بعضُهم: حقيقةُ ذلك تكرّرُهما وامتدادُهما، قال
بدليلٍ أنَّهما أُضيفا إِليهما في قولِ الشاعرٍ: [ من الطويل]
على كلِّ حالِ المرءِ يَخْتلفان(٢)
١٥٥٨- نهارٌ وليلٌ دائمٌ مَلَواهُما
فلو كانا الليلَ والنهارَ لما أُضيفا إِليهما لئلا يلزمَ إِضافةُ الشيءِ إِلى نفسهِ.
قولُه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٣] أي أُمهلُهم وأطيلُ مدَّتَهم. قوله: ﴿سَوَّلَ
لهم وأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] أي أَمْهلَ، وقُرئ أملى(٣) مبنيّاً للفاعل على أن ضميرَه
للشيطان بسبب غروره إياهم. قوله: ﴿وكأيِّنْ من قريةٍ أَمْلِيتُ لها﴾ [الحج: ٤٨] أي
أنسَأْتُ في أَجلها وأمهلتُها، قال أبو بكرٍ: اشتقاقهُ من الملوةِ وهي المدَّةُ منَ الزمان؛ ملوة
ومَلاوَة ومِلاوَةَ. وفي المثلِ( تَملَّ حَبِيباً والبسْ جَديداً))(٤).
(١) قرأ طلحة وعيسى (تُْلى) البحر المحيط ٦ /٤٨٢.
(٢) البيت لابن مقبل في ديوان ٣٣٦، وبلا نسبة في اللسان والتاج (ملا) والمخصص ٢٩١/١٥.
(٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وورش. إعراب النحاس ١٧٩/٣، وقرأ أبو عمرو والأعرج وشيبة
ومجاهد وأبو جعفر (وأُمْلِيَ) الإتحاف ٣٩٤ والنشر ٣٧٤/٢.
(٤) اللسان (ملا): (أبليت جديداً وتمليت حبيبا) .

١١٤
باب المیم
فصل الميم والنون
م ن ع:
قوله تعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانعَتُهُم حُصونُهم﴾ [الحشر: ٢] أي ظنوا أن الحصونَ
تُحجزُ بِينَهم وبينَ مَن يريدُهم. والمنعُ - في الأصل - الحجزُ بينَ الشيئين، وهو - أيضاً -ـ
ضدُّ العطية لأنَّ الحاجزَ يحجزُ بينَ المُعطي والعطِيَّةِ. ورجلٌ مانِعٌ ورجالٌ مَنَعَةٌ نحوُ: كافرٍ
وكَفَرَة. والمنَّاعُ: البليغُ في المنعِ؛ قال تعالى: ﴿مَنّاعٍ للخيرِ﴾ [قَ:٢٥]. ومنعه: حماهُ
مما يؤذيه، ومنه: ﴿مانِعَتُهم حصونُهُمْ﴾ [الحشر: ٢]. وقد منَعَ: صار ذا مَنّعة وهي القوةُ
التي يُحمى بها، والمَنْعةُ - بالسكون - أيضاً بمعنى المَنّعة. وفلانٌ مَنِيعٌ. ومكانٌ مَنِيعٌ، أي
حصينٌ على مَن يَرومُه. وامرأة منيعةٌ: كنايةٌ عن عفَّتِها.
قولُه تعالى: ﴿ مَا مَنَعَك أَلاَ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] قيلَ: ما حملَكَ، وقِيلَ: ما
صدَّكَ وحَمَلك على تركهِ؟ ومَناعٍ: اسمُ فعلٍ لامْنَعْ، كنزالِ لانْزِلْ، والمانعُ من صفاته تعالى
بمعنى الذي يمنعُ العَطاءَ مَّنِ يشَاءُ، وقيلَ: الذي يَحمي وينصُرُ. وقولُه عليه الصلاة
والسلام: ((لا مانعَ لِما أعطيْتَ))(١) مِنَ الأول. وقولُهم: مانعُ أوليائهِ، أي يَحِمِيهم
وينصُرُهم ويَحوطُهم.
۔۔
م ن ن :
قولُه تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ والأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] المَنَّ: ذكرُ
الصدَّقة والاستكثارُ عليه، وهما متلازمانٍ. ومِن مُلحِ الكلامِ: طعمُ الآلاءِ أَحلى منَ المَنِّ،
وهي أمرٌّ منَ الآلاءِ عند المنّ، وقالَ الشاعرُ: [ من الطويل]
وذكَّرِّنيها مرَّةٌ لبخيلٌ (٢)
١٥٥٩- وإِنْ امْرؤٌ أهدى إليَّ صنيعةٌ
وكانوا يقولون: إِذا صَّنِعتم معروفاً فانْسوه. والمنَّةُ: النِّعمةُ الثقيلةُ، ويقال ذلك على
وجهينٍ؛ أحدُهما: أنْ يكونَ ذلك بالفعلِ، فيقالُ: مَنَّ فلانٌ على فلان: إِذا أَثْقَلَهُ بالنِّعمةِ
الثقيلة، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿لقد مَنَّ اللّه على المؤمنينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤ ] وذلك
(١) أخرجه البخاري في صفة الصلاة، باب (٧١) حديث ٨٠٨ ومسلم في المساجد ٥٩٣
(٢) تقدم برقم ٩٠١

١١٥
باب المیم
على الحقيقة لا يكونُ إِلا للّه تعالى. والثاني: أن يكونَ ذلك بالقولِ، وذلكَ مُسْتَقبحٌ فيما
بينَ الناسِ إِلا عندَ كُفرانِ النِّعمةِ، ولذلك قيلَ: المِنَّةُ تهدمُ الصنيعةَ وتوجبُ القطيعةَ(١).
ويحسُنُ ذكرُها عندَ الكُفرانِ، ومن ثَمَّ قيل: ((إِذا كُفرتِ النِّعمةُ حسُنَتِ المِنَّةُ))(٢).
قوله تعالى: ﴿لهمُ أجْرٌ غَيْرُ مَمنونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي غيرُ مقطوع؛ من مَنَّهُ أي
قَطَّعه، قيل: غيرُ معتّدٍ بِه، كما قيل ﴿بغيرِ حسابٍ﴾. وقيلَ: غيرُ منقوصٍ، ومنه: المَنونُ
للمنيَّة لأنها تُنقصُ العددَ وتُقَصِرُ المَدَدَ. وقيلَ: إِنَّ المنَّةَ بالقولِ مِن هذا المعنى أيضاً لأنها
تقطعُ الثوابَ وَتَقْتُضي قطعَ الشكر. وحبلٌ مَنينٌ، أي مقطوعٌ. وقيلَ: ﴿غيرُ ممنونٍ﴾
[ فصلت: ٨] غيرُ محسوبٍ، كقولهِ تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فيها بغيرِ حسابٍ﴾ [غافر: ٤٠ ].
وقال الهرويُّ: وقيلَ: لا يمنُّ عليهم بالثوابِ الذي اسْتَوجبوه. وهذا يشبهُ قولَ المعتزلة،
ويجوزُ أن يكونَ ذلك بالنسبةِ إِلى الوعد؛ فإِنَّ اللّه تعالى لا يُخلفُ وعدَه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا عليكُمْ المَنَّ والسْلوىَ﴾ [البقرة: ٥٧] قيل: هوَ التَّرُّنْجَبين،
وقيلَ : هو صمغةٌ حلوةٌ تَنْزِل على الشَّجرِ، وقيل: هوَ شيءٌ كالطَّلِّ فيه حلاوةٌ يسقطُ على
الشجر، وقيلَ: المنُّ والسَّوى إِشارةٌ إِلى ما أنعم الله به عليهم، وهما شيءٌ واحدٌ؛ سمّاه منّاً
من حيثُ إِنَّه امتَنَّ به عليهم، وسَماه سَلْوى من حيثُ إِنِه كانَ لهُم به التسَلي(٣).
والمَنُّ: ما يُوزَنُ به، وهو رِطلانٍ بغداديانٍ، ويجوزُ إِبدالُ نونِهِ الأخيرةِ حرفَ علَّةٍ
فيقالُ: مَناً. وجمعُه أَمْنَاءُ.
قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنّاً بعدُ﴾ [محمد: ٤] المَنُّ: الإِطلاقُ بلا فداءٍ.
قولُه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] أي أنْفِقٍ أو لا تُنْفَقْ. وسُميَ الإِنفاقُ مَنّاً لأنه
عطاءٌ، والعَطاءُ سببٌ المَنِّ.
قولُه: ﴿وَلا تَمْنُنْ (٤) تَسْتُكثِرْ﴾ [المدثر: ٦] قيلَ: هو المِنَّةُ بالقولِ، وذلكَ أن
يُمْنَنَ بِه ويُستكْثَرَ.
(١) مجمع الامثال ٢٨٧/٢ والمستقصى ٣٥٠/١ والأمثال لابن سلام ٦٦.
(٢) المفردات ٧٧٧ .
(٣) تفسير ابن كثير ١ /٩٨، ١٠١.
(٤) قرأ الحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي (ولا تَمُنُّ) البحر المحيط ٣٧١/٨.

١١٦
باب الميم
وقيلَ: معناهُ لا تُعط شيئاً. وقال ابنُ عرفةً: المعنى لاتَمْنُنْ ما أَوْذَيتَ بهِ في جنبٍ
الله ولا تَستكثرْ، فإِنه قليلٌ في جنب الله أنْ يُثِيبَكَ به. ومن كلامهم: يا حنَّانُ، یامنَّانُ،
واللّه تعالى يمُنُّ على عبادهِ لأنه مُبتديهم بنعمهِ. ومن قولِهم: (( لا تتزوَّجْ حنَّانةٌ ولا
مِنَّانةً))(١)، أي مَن تَمُنّ عليك بمالها.
قولُهُ: ﴿يَمُنُّون عليكِ أَنْ أَسْلِمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] الآية. فالمِنَّةُ منهم بقولهم:
آمنًا بكَ وصدَّقْناك، وقد كفرَ غيرُنا وكذَّبِك. ومنَّةُ اللَّهِ عليهم بالفعل وهو أنْ هَداهُم
للإيمان بعد أنْ كانوا ضُلاّلاً. ومَن: مخففةً تكونُ شرطيةً فتجزمُ فعلينِ شَرطاً وجزماً كقوله.
تعالى: ﴿وَمَنْ يَفعَلْ ذلك يَلْقَ أَثاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]. واستفهاماً كقوله: ﴿وَمَن يَغْفِرُ
الذنوبَ إِلا اللّه﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو استفهامٌ لفظاً نَفي معنىً، ولذلكَ وقعَ معَه
الاستثناءُ المُفْرِغُ وموصولُهِ، كقولهِ تعالى: ﴿ومَن في الأرضِ﴾ [المعارج: ١٤°] ونكرةً
موصوفةً وهي تقعُ تامةً أي لا موصولةٌ ولا موصوفةً. وزعمَ الكسائيُّ أنها تزادُ، مستدلاً
بقول عنترة: [ من الكامل]
١٥٦٠ - يا شاةَ ما قَنَصِ لَمِنَ حلَّتْ لهُ
حرَّمَتْ عليَّ وليْتَها لم تَحْزُمِ (٢).
ولا دلالةَ، إِذ المعنی یا شاً شخصٍ ذي قنصٍ، فهي نکرةً موصوفة. ومِن: بکسر
الميم حرفُ جرٍ، ولها معانٍ كثرةٌ: ابتداءُ الغاية في المكان تحوُ: ﴿منَ المسجد الحرامِ
إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. وفي الزمان غلبَ أي ومنه قوله: ﴿من أوَّلِّ يومٍ﴾
[التوبة: ١٠٨] وهو مؤوُّلٌ عند أصحابنا. وتكونُ للتبعيضِ ولبيانِ الجنسِ، وتحريرُه في
غيرِ هذا، ومزيدُه بلا شرطٍ أو شرطينٍ أو بشرطٍ. وتكونُ فعلَ أمرٍ مِن: مِانَ يَمِينُ أي
كذّبَ، كقوله: [ من الوافر]
١٥٦١ - وأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً ومَيْنا(٢)
فالأمرُ منه مِنْ، كبعْ مِنْ باعَ. ولا يقال إنها متردِّدةٌ بينَ الحرفية والفعلية كما قيل
ذلك في عَدا وخَلا لِما بَّنَاهُ فِي كُتبنا النحوية.
. (١) النهاية ٤ /٣٦٦ وغريب ابن الجوزي ٣٧٥/٢.
(٢) من معلقته في ديوانه ٢٨ والأزهية ٧٩، ١٠٣ والخزانة ١٣٠/٦.
(٣) عجز بيت لعدي بن زيد في ديوانه ١٨٣، وتقدم برقم ٣٧٥، ٥٤٦، ١١٨٢.

١١٧
باب الميم
ومُنْ - بضمُ الميم - للقَسَم، قيلَ: هِيَ بقيّةٌ أَيْمُن، فيقالُ: مُنِ اللّه لافعلَنَّ كذا.
م ڼ ي:
قوله تعالى: ﴿مِن مَنِيٌّ يُمْتَى﴾ [القيامة: ٣٧] المَنيُّ: الماءُ الدافقُ، سُمِّي مَنياً لأنه
يُقَدِّرُ منه الحيوانُ. وأصلُ المنيِّ: القَدَرُ؛ يقالُ: مَتَّى لكَ الماني، أي قدَّرَ لكَ المُقدِّرُ،
وأنشدَ قولُ الشاعرِ: [من البسيط ]
حتى تُلاقيَ ما يَمْني لكَ الماني(١)
١٥٦٢- لا تأمین وإن أمسيت في حرمٍ
ومنه المَنا الذي يوزَنُ به لأنَّه مقدِّرْ بكيلٍ مَحصورٍ.
قوله: ﴿مِن نُطفةٍ إِذا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦] أي تُقدَّرُ بالعزَّة الإلهية والحكمة
الرّبانية، أي تحارُ العقولُ في كيفيةٍ ذلك ما لم تكُنْ كالعَظم والشَّعر. ومنهُ المنيَّةُ أيضاً
لأنَّها أجلٌ مقدَّرٌ لكلِّ حيِّ غيرِ المقدَّرِ لذلك جلَّ وعزَّ، وجمعُها المنايا، والأصلُ المنائي.
وقد نطقَ به الشاعرُ في قولهِ: [من الطويل]
١٥٦٣- ما برحتْ أقدامنا في مكاننا
بِلَيْلتنا حتى أديروا المناثيا(٢)
:
ومنه التمنِّي - أيضاً - لأنه تقديرُ شيءٍ في النفسِ وتصويرُه فيها. وذلك قد يكونُ
عن ظنُّ وتخمينٍ. وقد يكونُ عن رويَّةٍ وبناءٍ على الأصلِ. ولكنْ لمّا كانَ أكثرُه عن تخمينٍ
صارَ المكذبُ له أملَكَ، فلا جرمَ كان غالبُ التمنِّ كذباً وتصوَّرَ ما لا حقيقةً له. وعليه
قوله تعالى: ﴿أَمْ لِلإِنسانِ ما تَمنَّى﴾ [النجم: ٢٤]. ولذلك وقعَ في المستحيلات عكس
الترجِّي فلا يقعُ إِلا في المُمكن، يقال: ليتَ شَبابي يعود، وقالَ الشاعرُ: [من الكامل]
١٥٦٤ - ليتَ الشباب هو الرجيعُ إِلى الفَتى
والشيبُ كانَ هوَ البَدِيءُ الأولُ(٣)
وقالَ عروةُ للحجاج ((يابْنَ المُتْمَنَّةِ))(٤) يشيرُ إِلى أنَّ أمَّه هي القائلةُ: [من البسيط ]
(١) البيت في اللسان (مني) والنهاية ٣٦٨/٤ وقد أنشده رجل في حضرة النبي لمّه.
(٢) البيت لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في المقاصد النحوية ٤ /١٨٨، وتقدم برقم ٦٧٥ .
(٣) تقدم برقم ١٤٨٩ في مادة (ليت).
(٤) غريب ابن الجوزي ٣٧٥/٢ والنهاية ٣٦٧/٤.

١١٨
باب الميم
١٥٦٥ - هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَبَها
أُم من سبيلٍ إِلى نَصْرِ بنِ حجاجٍ؟ (١)
وكانَ نصرٌ جميلاً وسيماً تفتَتِنُ بهِ النساءُ، فلما سمعَ عمرُ شِعرَها نفاهُ إلى البصرةِ
واسمُ هذه المرأةِ فُريعةٌ بنتُ هَمّامٍ، وكانتْ قبلَ ذلك تحتَ المغيرةِ.
والأُمْنيةُ: الصورةُ الحاصلةُ في النَّفْس من تَمنِي الشيءِ، وجمعُها أمانيّ ، وعليه قولُه
تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلِمون الكتابَ إِلاَّ أَمانِيٌّ﴾ [البقرة: ٧٨] أي تَمَنياً على الله
كقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنا النارُ إِلا أياماً﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿نحنُ أبناءُ اللّه وأحباؤه﴾
[المائدة: ١٨] ﴿لَكُمُ الدارُ الآ خرةُ عندَ اللّه خالصةٌ﴾ [البقرة: ٩٤]. قال مجاهد : إِلا
كذباً، وقالَ غيرُهُ: إِلا تلاوةً بلا معرفة معنى تجري عندَ صاحبها مَجْرَى أُمنَيةٍ مبنيةٍ على
التَّخمين. قيلَ: ولمّا كانَ الكذبُ تصوّرَ ما لا حقيقةً له، وإبرازَه باللفظِ فقط، صارَ التمنيّ
كالمبدأ للكذب، فعبِّر بهِ عنْهُ، وعليه فسّر مجاهدٌ ﴿إِلاَّ أمانيٍّ﴾ إِلَّ كذباً، ومنه قولُ.
عثمانَ رضي اللّه تعالى: عنه: ((ما تَعَنَيَّتُ ولا تَمنَّيتُ منذ أسلمتُ))(٢). وقوله تعالى :.
﴿إِلا إِذا تَمنَّى أَلقَى الشيطانُ فِي أُمنَيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]. التمنِّي هو التلاوةُ، قال الشاعرُ.
يَرثي عثمانَ: [ من الطويل]
١٥٦٦ - تَمَنَّى كتابَ اللَّهِ أولَ ليلةٍ وَأَخِرَها لاقَى حِمَامَ المَقادِرِ(٣)
وقد ذكروا في التفسيرِ والأسباب عند هذه الآية ما لا يَنْبغي ولا يجوزُ اعتقادُه، وقالَ
الراغبُ(٤): قد تقدَّمَ أنَّ التمنِّي كما يكونُ في تخمينٍ وظنّ فقد يكونُ عن روِيَّةٍ وبناءٍ على
أصلٍ. ولما كانَ النبيُّ ◌َُ﴾ کثیراً ما يُبَادِرُ إِلی ما نزل به الروحُ الامینُ علی قلبه حتى قيل له:
﴿ ولا تَعْجِلْ بالقرآنِ مِن قبلِ أنْ يُقْضَى إِليكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] سَمَّى تلاوته على ذلكَ
تَمنِياً، ونبَّه أنَّ للشيطانِ تَسلّطاً على مثله في أمنيِّتِهِ، وذلك من حيثُ بيِّنَ أنَّ العجلةَ من
(١) البيت لفريعة بنت همام في المصدرين السابقين وتزيين الأسواق ٣٧٨ وعيون الأخبار ٢٣/٤ وابن
يعيش ٧ /٢٧ والخزانة ١/٠٨/٢ (بولاق) ومصارع العشاق ٢٦٧/٢ واللسان (مني).
(٢) الفائق ٣٢٦/٢ والنهاية ٣٦٧/٤ وغريب ابن الجوزي ٣٧٥/٢.
!
(٣) البيت بلا نسبة فى اللبان والتاج (منى) والعين ٨ /٣٩٠ والمقاييس ٢٧٧/٥ والنهاية ٤ /٣٦٧،
وقد نسبه محقق المقاييس إلى حسان بن ثابت استناداً إلى تفسير ابن حيان ٦ /٣٨٢ .
(٤) المفردات ٧٨٠.

١١٩
باب الميم
الشيطان، انتهى. قوله: إِنَّ للشيطان تسلُّطاً .. إلى آخرهِ كلامٌ صعبٌ لا يَنْبغي ولا يجوزُ
قولُه، ولذلك ذكرتُه منبهةٌ عليه. وأحسنُ ما قيلَ في ذلك أنَّ رسولَ اللّهِ لَّه لمّا تُلِيَ قولُه
تعالى: ﴿أَفَرأيتُمُ اللاتَ والعُزَّى(١) ومَنَاةَ الثالثَةَ الأُخرى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] قال:
(الشياطينٌ تلكَ الغَرانيقُ العُلَى وإِنَّ شفاعتَهُن لَتُرجى))(٢). فلما سَمِع قومُهُ ذلكَ منَ
الشيطان، وسجدَ رسولُ اللّهِ رَ له في آخرِها سَجدوا معه ظَنّاً منهُم أنه هو القائل لذلك.
ولا غَرَوَ في ذلك فلله تعالى أن يمتحنَ عبادَه بضروبٍ مِنَ المِحَن. وأما ما يُروى أنَّه هوَ
عليه الصلاة والسلام القائلُ لذلكَ، من وسوسةٍ على سَبيلِ الغَلطِ فحاشا لله، بل الشيطانُ
هو القائلُ المسمعُ للناسِ. فلما عرفَ النبيِّ ◌َُّ بذلك أكذَّبَه وعرَّفَ الناسَ أنَّ الشيطانَ هو
الذي قالَ ذلك فتنةٌ واخْتباراً، ليزدادَ المؤمنون إيماناً والمنافقون شكاً وامْتحاناً .
قولُه: ﴿وَلأُمَنيَتَّهم﴾ [النساء: ١١٩] يَعني: لأجعلنَّ لهم أمنيّةٌ بما أشهبهم فيه من
أمورِ الدنيا. ووزنُ أمنيَّةٍ أفعولةٌ، وأصلُها: أُمْنُويَة كأعجوبة، فأدغمتْ بعدَ القلبِ كمرمَى.
وقيلَ: إِنما قيل للقارئِ مُتُمنياً، وللقراءة تَمنِّياً، لأنه إِذا مرَّبآية رحمةٍ تمنّى دخولها، وبآية
عذابٍ تمنّى دفعَه. وقال بعضُهم: كأنَّ المُتَّى مقلوبٌ منَ المَين، بمعنى أنَّ التمني يكونُ
كذباً كما تقدَّم تقديرُه. والميْنُ: الكذبُ، فيقالُ: مَنَّى يَمْنِي، ومانَ يمينُ، أي كذبَ.
والتحقيقُ ما قدَّمناهُ.
فصل الميم والهاء
م ھ د:
قوله تعالى: ﴿ألمْ نَجعلِ الأرضَ مِهادًاً (٣)﴾ [النبأ: ٦] المهادُ والمَهْد: المكانُ
المُوطَّا، من مهَّدْتُ الأرضُ، ومهَدتُها، أي وطّاتُّها، وقُرئ في طه: ﴿ مَهْداً (٤)﴾
و﴿ مِهادا﴾ [طه: ٥٣] فالمِهادُ كالفراشٍ، والمهدُ كالفَرش، وزناً ومعنىً.
(١) قرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد والسلمي والأعمش (ومناءَةً) النشر ٣٧٩/٢.
(٢) النهاية ٣٦٤/٣ وغريب ابن الجوزي ١٥٥/٢ والفائق ٢٢٠/٢ ١ الغرانيق ها هنا: الأصنام وهي
في الأصل الذكور من طير الماء!، .
(٣) قرأ مجاهد وعيسى (مَهْداً) البحر المحيط ٤١١/٨.
(٤) قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب (مهاداً) الإتحاف ٣٠٣ والنشر ٣٢٠/٢.

١٢٠٠٠
باب الميم
قولُه: ﴿وَمَهَّدتُ له تَجْهِيداً﴾ [المدثر: ١٤] أي وطَّتُ له على سبيلِ الاستدراج
لا الإكرام، ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادوا إِثْماً﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقد اغتَرَّ كثيرٌ من
مَعاصرينا بِما منَّ الله عليهم كانَّهم صُمُّوا عن هذه الآيات.
قوله: ﴿كيفَ نكلُّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ﴾ [مريم: ٢٩] أي في حالٍ طُفُولِيَّتك،
فليسَ المهدُ مَقْصوداً بالظرفية الحقيقية، ولذلك عُطفَ على محلّه حالاً أُخرى، حسبما
بينّاه في كُتبنا الإِعرابِيةِ. وامْتَهَدَ السَّنَامُ: تسَوَّى فصارَ لحمُها كمهادٍ ومَهدٍ.
قولُه: ﴿فَلَأَنفُسِهِمْ يَمْهَدون﴾ [الروم: ٤٤] أي يُوطئون، كُنِّى بذلك عنِ
الاستعدادِ ليومٍ اللقاءِ.
﴿فبئس المهاد﴾ [ ص:٥٦] أي الفراش. وذکره بلفظ المهاد تهگما بهم أو على
، العكسِ منَ الكلامِ كقوله: [ من الوافر]
١٥٦٧ - تحية بينهم ضربٌ وجیعُ(١)
م.هـ ل:
قولُه تعالى: ﴿فمهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أي ارْفُق بهم وأخْرْ أمرَهُم، وهو
وعيدٌ كمعنى قوله تعالى: ﴿ذَرْهُم يَأكلوا ويَتَمْتَّعوا ويُلْهِهِم﴾ [الحجر: ٣] الآية، وقوله:
﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] والإمهالُ: الرفقُ، ومنه المُهلةُ، وهي الانتظارُ والتأخيرُ.
قولُه: ﴿بماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] قيلَ: هو ما أُذيبَ منَ الجواهرِ المعدنية
كالنحاسِ والرصاصِ ونحو ذلك. وقيلَ: هو دُرْدِيُّ الزيتِ. وفي التفسيرِ: يُبْتلون بعطش
فيسْتَغيئون فيؤتَوْن بماءٍ كالجُهْل، فإِذا قرََّهُ إِلى فيهِ سَقَطتْ فروةُ وجههٍ. نسألُ اللّه العظيمَ
الإِجارة من نارِ الجحيم. ودلَّتِ الآيةُ الأُخرى على أنهم يَشْربونه. وهو قولُه تعالى: ﴿يغلي
في البطون﴾ [الدخان: ٤٥] فقد حصلَ في بطونِ القومِ، ويا بئسَ ما حَصَل.
م هـ م:
قولُه تعالى: ﴿وقالوا مَهْمَا تَأتنا من آيةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] مهما: اسم شرط
يجزم فعلينٍ أولهُما شرطٌ والثاني خبرٌ، كأنَّ المعنِى إِنّتنا إِن أتيتَنَا بآيةٍ من الآياتِ فما نحنُ
(١) من بيت لعمرو بن معدي كرب ، وقد تقدم برقم ٩٧.