Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب اللام وجمعُها على لُيَلٍ وليائلٍ وليلاتٍ؛ يقالُ: ليلةٌ لَيْلاءُ كما قالوا: ليلٌ أَليلُ. فقابلوا أفعلَ بِفَعلاءَ نحوَ: أحمرَ وحَمراءَ. وقيلَ: أصلُه ليلةٌ ليلاوَةٌ، وقالَ الراغب بدليلِ تصغيرِهم على لُبَيلة وجمعهم على ليالٍ(١). ل ي ن: قوله تعالى: ﴿فبما رحمةٍ مِنَّ اللّه لِنْتَ لهم﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي خفضْتَ جناحَكَ لهم وتَواضَعْتَ مع رفعةٍ منزلتِكَ وعلوٌّ مَرْتبتك. واللينُ في الأصلُ مقابلُ الخشونةِ. وكلاهُما مُدْرَكانٍ بالحسِّ أعني حاسة اللمسِ. وحقيقتُه في الأجسامِ، ثمَّ يُستعملُ في الخُلُقِ وغيرِهِ منَ المعاني مَجازاً كما تقدَّم. ويقالُ: فلانٌ لَيْنُ الجانبِ وفلانٌ خشنُه، وكلُّ منهُما يُمدحُ به تارةً ويُذَمُّ به أخرى وذلك بحسب المقامات، ألا تَرى إلى قولِ الحماسيِّ: [من البسيط] ١٤٩٩ - إِنْ ذُو لُوثة لانا (٢) قولُه تعالى: ﴿ثم تلينُ جلودُهم وقلوبُهم إلى ذكرِ اللَّه﴾ [الزمر: ٢٣] أي ينقادونَ ويُطيعون، ولِما قُدِّم أنَّ جُلودَهمُ تَقشَعِرُّ، أخبرَ أنها تلينُ بذهابِ القُشَعْرِيرة عنها، وما أحسنَ تقابلُ هاتينِ الصِّفتين هنا! فإِنَّ القشعريرةَ بالحسِّ تجعلُ في البدن خشونةً فإِذا زالت حصلتْ له نعومةٌ لانبساط الجلد وامتداد شعره، وقال الراغبُ(٣): قوله: ﴿ثمَّ تَلينُ﴾ الآية، إِشارة إِلى إِذعانِهم للحقِّ وقَبولِهم لهُ بعدَ تأبيِّهم منه وإنكارِهم إِیّاه. وليس في ذلك إِشارةٌ إِلى بعضٍ ما ذكر لا من اللفظِ ولا منَ السِّاقِ ولا من قرينةٍ حاليةٍ، فمن أينَ لهُ ذلك؟ وإِنَّما ضم لينَ القلوبِ إِلى لينِ الجلودِ ليُخبرَ بتوافُق الظاهرِ والباطنِ، وهو غايةٌ (١) المفردات ٧٥١. (٢) تمام البيت: (إِذاً لقام بنصري معشر خُشُنّ عند الحفيظة إِنْ ذو لوثة لانا) والبيت لقريط بن أنيف في الخزانة ٧ /٤٤١ (هارون) وشرح شواهد المغني ٦٨/١، وبلا نسبة في الخزانة ٨ /٤٤٥ وشرح شواهد المغني ٦٤٣/٢ وشرح المفصل ١٣/٩،٨٢/١ واللسان والتاج ( خشن). (٣) المفردات ٧٥٢. ٦٢ باب اللام المراد. وفي الحديث: ((كانَ إِذا عرّس بليلٍ توسَّدَ لَيْنَةً(١))) قيلَ: هي كالمِسْوَرةِ(٢) أو الرِّفادة، سُميتْ بذلك للينها، وقد تقدَّم أنَّ اللَّينَةَ النخلةُ، أصلُها من ذواتِ الواوٍ فهي تشاركُ هذه لفظاً وتفارقُها أصلاً ومعنىَ. (١) الفائق ٢/ ١٣٠ وغريب ابن الجوزي ٣٣٨/٢ والنهاية ٤ /٢٨٦. (٢) المسورة : متكا من الجلد (اللسان: سور) . بسم الله الرحمن الرحيم باب الميم الميم: حرفُ جرّ تجرُّ المُقْسَمَ به، ولا تدخلُ إِلا على الجلالةِ المعظّمة، وفيه ثلاثُ لغات؛ الضمّ والفتحُ والكسرُ، نحو: مُ الله لأفعلنَّ كذا، ومِ الله، مَ الله. وقيلَ: بل هذه اسمٌّ لأنها بقيةُ أَيْمُنٍ في قولك أيمنُ الله فما بعدَه مجرورٌ بالإضافةِ. وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه لا تُحذفُ حروفُ اسمٍ حتى يصيرَ على حرفٍ واحدٍ، وبأنه ليس لنا اسمٌ مُعربٌ على حرفٍ واحدٍ، وأجيبَ عن ذلكَ بـ (رَ) فعلٍ أمرٍ مِن رأى فإِنه لم يبقَ منه إلا الفاءُ، وعن الثاني بما حَكى ابنُ مقسم: اسقني ماً، مقصوراً مُنوناً فلم يبقَ منه إلا حرفٌ واحدٌ. فصل الميم والهمزة ماج: قرأَ عاصمٌ: ﴿إِنَّ يأجوج ومأجوجَ (١)﴾ [الكهف: ٩٤] فقيلَ: هُما الأصلُ والألفُ مقلوبةٌ فيهما. وقيلَ: لغتان. وقيلَ: الألفُ أصلٌّ والهمزةُ مقلوبةٌ منها. وقيلَ: هُما عربيان واشتقاقهما من أجيجِ النارِ، أو منَ الأجّة وهيَ الاختلاطُ، وعلى هذا فميمُها زائدةً وليستْ ممّا نحن فيه، وفيهما أبحاثٌ كثيرةٌ ذكرتُها في ((الدر)) و((العقد). م أي: قولُه تعالى: ﴿فأماتَه اللّه مائةَ عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] المئةُ: المرتبةُ الثالثةُ من الأعداد؛ فإِنَّ أصولَ الأعداد أربعةٌ: آحادٌ وعشراتٌ ومئونَ وألوفٌ، وأصلها مائة فحذفتْ لامُها بدليلٍ أمأيتُ الدراهَمَّ أي جعلتُها مئةٍ، وأمَّقَتْ هيَ، أي بلغتْ ذلك. فصل الميم والتاء متع: قوله تعالى: ﴿يُمتّعْكُمْ(٢) مَتَاعاً حَسَناً﴾ [هود: ٣] قيلَ: معناهُ يُعَمِّرُكم أي يطيلُ (١) قرأ حمزة والكسائي ونافع وابن عامر وأبو عمرو وابن كثير (ياجوج وماجوج) النشر ٣٩٠/١ والسبعة ٣٩٩. (٢) قرأ ابن هرمز والحسن وزيد بن علي وابن محيصن (يُمْتِعْكُم) الإتحاف ٢٥٥ والبحر المحيط ٢٠١/٥. ٦٤ باب الميم عمرَكُم. والمادةُ تدلُّ على الطول، ومنه: رجلٌ ماتعٌ أي طويلٌ. ومتعَ النهارُ: طالَ، وأمتعَ فلانٌ: طالَتْ مدَّتُه. وأَمْتعني اللهُ بك، أي أطالَ إِيناسي بيقائك، وفي حديثِ الدجّالِ: ((يُسخّر لهُ جَبَلٌ ماتَعٌ(١))) وفي حديثٍ عمرَ: ((بينا أنا جالسٌ في أهلي إِذ مَتَعَ النهارُ (٢)) وقيلَ: الْمُتُوعُ الامتدادُ والارتفاعُ، ومنه قولُ عمرٍ: ((إِذ متَعَ النهارُ)) يقالُ: متَعَ النباتُ. والمتاعُ: انتفاعٌ ممتدٌ [الوقت](٢). ويقالُ لكلِّ ما يُنتفعُ به في البيتِ وفي غيرِهِ: مَتَاعٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أو مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُه﴾ [الرعد: ١٧] وقوله: ﴿ولَمَّا فَتَحوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥] قيلَ: طعامُهم، وقيلَ: أوعيةُ طعامِهم، وكلاهُما متاعٌ للانتفاع بهما . ومتعةُ المطلّقةِ: ما تَنْتُفعُ بهِ مدةَ عدتِها. وقولُه: ﴿ومتِعوهنّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي أعطوهنَّ منَ النفقةِ ما يَنْتَفِعْنَ به. ومنه: نكاحُ المُتعةَ وذلك أنه كانَ الرجلُ ينكحُ المرأة مدةً معلومةٌ ينتفعُ بها فيها إذا مضتْ فارقَها من غيرِ طلاقٍ كالمستأجرة، وقال الراغب(٤): هي أنَ الرجلَ كان يشارطُ المرأةَ على مالٍ معلومٍ يُعطيها إِلى أجلٍ معلومٍ، فإِذا انقضى ذلكَ الأجلُ فارقها من غيرِ طلاقٍ، وكيفَما كانَ فنكاحُ المتعة باطلٌ وإِنْ كان جائزاً في أولٍ الإِسلامِ فقد نُسخ حكمُه. وفد بينًا مذاهبَ الناسِ فيه في ((القول الوجيز)) وقوله: ﴿فَمَنْ تَمْتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلى الحجِ﴾ [البقرة: ١٩٦] اختلفَ الناسُ في كيفيةٍ ذلكَ على ما بينّاهُ في الكتابِ المشارِ إِليه، وحاصلُه أنَّ فيه انتفاعاً للحاجّ بمعنى أنْ ينتفعَ باستباحته محظورات الإحرامِ تلك المدةَ إِلى أنْ يُحرمَ الحجّ بخلافِ المفردِ والقارنِ. وكلٌّ موضعٍ ذُكر فيه تمتُعُ الدُّنيا فعلى سبيل التَّهديدِ، وذلك لِم فيهِ منَ التوسّع والتنعُّم. قولُه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيا قليلٌ ﴾ [النساء: ٧٧ ]أي سائرُ انتفاعاتها بجميع الأشياء قليلٌ في جنبٍ متاعِ الآخرةِ لكثرته كثرةً خارجةً عن الحدِّ، ولكونه على صفةٍ لا يعلمُها إِلا اللَّهُ ولو لم يكنْ فيه إلا سلامتُه من المنغّصاتِ والشَّوائبِ والمكدِّراتِ وانقطاعه في بعضٍ الأوقات لكفى. قولُه: ﴿ومَتَّعناهُمِ إِلى حينٍ﴾ [ يونس: ٩٨] يحتملُ البقاءَ ويحتملُ (١) الفائق ٣ /٦ وغريب ابن الجوزي ٢ / ٣٤١ والنهاية ٢٩٣/٤. (٢) الفائق ٥/٣ والنهاية ٤ /٢٩٣ ، والحديث لمالك بن أوس . (٣) إِضافة من المفردات ٧٥٧. ( ٤) المفردات ٧٥٨. ٦٥ باب المیم التّوسِعةَ في النَّعمةِ. قولُه: ﴿ولكُم في الأرضِ مُستقرٌ ومَتَاعٌ إِلى حينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] تنبيه على أنَّ لكل إنسان من الدنيا تمتُّعَ مدَّةٍ معلومةٍ. قوله: ﴿إِلاَّ رحمةً منَّا ومتاعاً إِلى حين﴾ [ يس: ٤٤] أي لا بدَّ لهُم من حينٍ يموتونَ فيه بعدَ إِنجائنا إِياهُم من الغَرَقَ وتمتيعنا لهم في الدُّنيا بضروبِ النِّعم، وقد غرقَ بعَضُهم ثم نَجا فهُنِّئَ بالسلامة، فأنشد : [ من الوافر] سَلَمتُ من الحمامِ إِلى الحِمام(١) ١٥٠٠- ولم اُسْلمْ لکي ابْقَی ولکنْ والاستمتاعُ: طلبُ التمتّع، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا استَمْتَعَ بَعَضُنا ببعضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وذلك لأنَّ كلا من الجنسينِ قد سألَ صاحبه التمتّعَ فأعطاهُ ما سألَه الجنّ سوَّلتْ لهُ أعمالاً فأطاعوهُم فيها. وقيلَ: استمتاعُ الإِنسِ بالجِنِّ: هوَ أنَّ الرجلَ من الإِنس كان إِذا سافرَ فنزلَ وادياً وخافَ من شرِّه قال: أعوذُ برئيسِ هذا الوادي. واستمتاعُ الجنُ بالإِنسِ هو تعظيمُهم إِياهُم حيثُ كانوا عندهُم ممن يُعاذُ به ويُلتجأ إِليهِ. وقد أخبر الله تعالى بذلك حيثُ قالَ: ﴿وأنَّه كانَ رجالٌ مِنَ الإِنسِ يعوذون برجالٍ منَ الجنِ﴾ [الجن:٦]. قولُه: ﴿فَاسْتَمِتَعوا بِخَلاقهم﴾ [التوبة: ٦٩] أي انْتَفعوا بنصيبهم منَ الدنيا. وقالَ الفراءُ: رضُوا بهِ عن نصيبهم في الآخرةِ. قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيةٍ أو مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] أي مثلُ الحديدِ والنَّحاسِ والرُّصاصِ وسائرِ الجواهرِ المُنْطبعةِ لكثرة انتفاعهم بها سَفراً وحَضراً وطولَ بقائها. وفي الحديثِ: (حرَّمَ شجرَ المدينةِ ورخَّصَ في الهشِّ ومَتَاعِ النَّاضِحِ(٢)) أرادَ به أداةَ الرَّحلِ ونحوِه التي تؤخذُ من الشجر. وقولُهم(٣): شرابٌ ماتِعٌ قيلَ: معناهُ أحمرُ. والظاهرُ أنَّ الحمرةَ ليستْ من خصوصية ذلك بلِ المرادُ بالماتعِ المائعُ وإِنما ذكروا الحمرةَ لأنها في الغالبِ دالةٌ على جَودتهِ وقوةِ الانتفاعِ به وقالوا: حَبلٌ ماتع أي قَويٌّ. وأنشدَ : [ من الطويل] ١٥٠١ - وميزانُه في سُورةِ البِرِّ ماتعُ (٤) (١) لم أهتد اليه . (٢) غريب ابن الجوزي ٢/ ٣٤١ والنهاية ٤ /٢٩٣. (٣) المفردات ٧٥٨. (٤) عجز البيت النابغة وصدره: (إِلى خير دينٍ نسكه قد علمته ) وهو في ملحق ديوانه ٢٣٧ واللسان والتاج (منع) والمقاييس ٢٩٤/٥. ٦٦ باب الميم أي قويٌ راححٌ م.ت ك: قرأ بعضُ القراءِ: ((وَأَعْتَدَتْ لهنَّ مُتَّكا)) قيلَ: هو الأُتْرُجُّ. وَقُرِئَ بفتحِ ميمهِ أيضاً(١)، ونقلَ أبو عمرو: فيه تثليثُ الميم بالحركاتِ الثلاثِ. وأنشدَ من قالَ هو الأترجِّ قوَلَ الشاعرِ: [ من الوافر] ١٥٠٢- فأهدتْ مُتکةً لبني أبیھا . تَخبُّ بها العثمثمةُ الوقاحُ(٢) وقيل: بل هوَ اسمٌ لكلِّ فاكهةٍ تُقطعُ بالسكينِ كالأُترجّ ونحوهِ، وأنشدَ: [من الخفيف ] ١٥٠٣- نشرب الإِثمَ بالصُّواعِ جهاراً وترى المتْكَ بَينْنا مُستعارا(٣) وفرَّق بعضُهم بينَ المضمومِ وغيرهِ فقالَ: هو بالضمِّ أُتْرِجٌ وبالفتحِ الخمرُ. وقيل: هو الشرابُ الخالصُ. وقالَ المفضلُ: هو بالضمِّ المائدةُ أو الخمرُ في لغةٍ كندة. وقيلَ: هو بَتَك أي قَطْعَ، فأُبدلتِ الباءُ ميماً، وهي لغةٌ مطردةٌ .. مت ن : قولُه تعالى: ﴿ذو القُوَّةِ المَتَينُ (٤)﴾ [الذاريات: ٥٨] الشديدُ الجَوْل، وَقيلَ: هو من تأكيد اللفظ لاختلاف معناهُ؛ فالمتينُ: القويِّ، كقوله: ﴿صلواتٌ من ربِّهم ورَحمةٌ﴾ [ البقرة: ١٥٧] وأصلُه من المتنِ وهو الصلبُ فإِنه أقوى ما في الناسِ. والمَتْنان (من باب شابت مفارقه) وقيل: بل المَتْنان مُكْتَفا الصُّلب، وبه شُبِّه المتنُ منَ الأرضِ. (١) قرأ عبد الله ومعاذ (مَتْكاً)، وقرأ ابن عباس وابن عمر مجاهد وقتادة والضحاك والجحدري والأعمش (مُتْكاً)، وقرأ الحسن وابن هرمز (مُتكاءً)، وقرأ الأعرج والمطوعي (مُتْكاً) الإتحاف ٢٦٤ والبحر المحيط ٥ /٢٠٢. (٢) تقدم برقم ٢٨٨. (٣) تقدم برقم ٢٢٩. (٤) قرأ الأعمش وابن وثاب (المتين) الإتجاف ٤٠٠ وإملاء العكبري ١٣٢/٢. ٦٧ باب المیم ومَتْنُ كلِّ شيءٍ وسطُه، والمَتْنُ: المقابلُ للسَّنَد، عند أهلِ الحديثِ، وهو نصهُ الحديث. ومتنتُه: ضربتُ مَنْتَه تجوَّزاً. ويقالُ: مَثْنَة بالتاءِ، وأنشدَ: [ من المتقارب] أكبَّ على ساعَدِيهِ النَّمِرْ(١) ١٥٠٤- لهُ مَنْنتان خَظانا، كما ومتُنَ: قويَ منّتُه فصارَ مَتيناً، وفي الحديثِ في صفةِ القرآنِ: «هو حبلُ اللّه المتينُ (٢))) أي القويُّ الذي لا ينقطعُ بمن تعلَّقَ به واستمسَكَ. م ټ ي: قولُه تعالى: ﴿ويقولنَ متَى هذا الوَعدُ﴾ [ يونس: ٤٨] متى ظرفُ زمانٍ يُستفهمُ به عن الزمنِ الخاصِّ نحوُ: متى تخرج؟ وجوابُه: يومَ الجمعةِ ونحوه. ولو قيلَ وقتاً ونحَوه لم يصحّ، وهذيلٌ تجعلُها بمعنى ((وسْطَ)) فتقولُ: اجعله متَى كُمِّك، أي وسْطُه. وقيلَ: يجعلونَها بمعنى ((مِن)) وعَلى كلا التقديرين فيجرُّ ما بعدَها إِما بالإضافةِ أو بحرفِ الجرِّ، وأنشدّ لأبي ذؤيبٍ الهُذليِّ: [من الطويل] ١٥٠٥ - شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم تَرَفَّعَتْ متى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَفِيجُ(٣) قيل: معناهُ وسطَ لججٍ، وقيلَ: معناهُ مِن لججٍ. وتكونُ اسمَ شرطٍ أيضاً: فعلين شرطاً وجزاءً كقولِ الشاعرِ: ١٥٠٦- متى تأتهِ تَعشوا إلى ضوءِ نارهِ تجدْخيرَ نارٍ عندَها خيرُ موقد(٤) ولما سمعَ النبيّ ◌َ ﴾ هذا البيتَ قال: ((تلكَ نارُ موسى)) وهي مبينةٌ على كلا التقديرينِ لتضمَّنِها معنَى حرفِ الاستفهامِ والشرطِ. وتُمالُ ألفُها وتُكتبُ یاءَ، فمن ثمَّ ذکرْتُها في مادَّةِ (م ت ي). (١) البيت لامرئ القيس في ديوانه ١٦٤. (٢) الترمذي، ثواب القرآن، ١٤. (٣) تقدم برقم ١٢٧. (٤) البيت للحطيئة في ديوانه ٨١ وسيبويه ٨٦/٣ وابن يعيش ٢ /١٤٨/٤،٦٦ وأمالي ابن الشجري ٢٧٨/٢. وتقدم في مادة (عشي). ٦٨ باب الميم فصل الميم والثاء م ٹ ل: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْي أنْ يضربَ مَثلاً ما بعوضة فما فَوقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية. المثلُ هو القولُ السائرُ وفقَ الحالِ التي ضُرب لها، ولا بدّ فيه من غرابةٍ لمّا أَنزِلَ اللّهُ: ﴿لن يخْلقوا ذُباباً﴾ [الحج: ٧٣] ﴿لَبَيْتُ العنكبوتٍ﴾ [العنكبوت: ٤١] قالت اليهود: إِنَّ اللَّهَ أجلُّ أنْ يتكلمَ بهذا فنزلتْ. وقيلَ: المثلُ عبارةٌ عن قولٍ في شيءٍ يُشبه قولاً في شيءٍ آخر بينَهما مشابهةً لتبيين أحدهما للآخرِ وتصوَّرِهِ، نحوُ قولِهِم: ((الصيفَ ضيَّعتِ اللبنَ (١))) فإِنَّ هذا القولَ يشبهُ قولك: أهملتَ وقتَ الإِمكانِ أمَرَكَ، ولذلك قال تعالى: ﴿وتلكَ الأمثالُ نضرِبُها للناسِ وما يعقِلُها إِلا العالمون)) [العنكبوت: ٤٣] لأنه لا بدّ من تدبُّرِ المثلِ والمُمثِّلِ له ومطابقةٍ ما بينهُما. قيلَ: والمثلُ يقالُ على وجهينٍ(٢): أحدُهما بمعنى المِثْلِ، نحو شِبْهٍ وشَبَهٍ ونقْضٍ ونَقَضٍ. قالَ: بعضُهم: وقد يعبِّرُ بها عن وصفِ الشيءٍ نحوُ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ (٣) الجنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] أي ضفتُها. والثاني عبارةٌ عن المشابهةِ لغيره في معنى من المعاني أيُّ معنىٌ كان، وهوَ أعمُّ الألفاظِ الموضوعة للمشابهة وذلك أنَّ النِّد يقالُ فيما يشاركُه في الجوهزيَّةِ فقط، والشَّكلَ فيما يشاركُه في القَدْرِ والمساحةِ، والشِّيْهَ يقالُ فیما یشاركُه في الكيفِ فقط، والِمِثْلَ عامٍّ في جميع ذلك. قالَ(٤): ولهذا لما أرادَ الباري عزَّ وجلَّ نفيَ التَّشبيهِ عن ذاته المقدَّسةٍ مِن كلِّ وجهٍ خصَّه بالذِّكرِ دونَ بقيةِ الألفاظِ المذكورة. فقال تعالى: ﴿ليسَ كمِثْلِهِ شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] قيلَ: وجمعَ بينَ كافِ التشبيه ولفظ المِثْلِ تَنْبيهاً على إِرادةٍ تأكيد النَّفيِ، وتَنْبيهاً على أنه لا يصحُ استعمالُ المِثْلِ ولا الكافِ، (١) مجمع الأمثال ٦٨/٢ وفصل المقال ٣٥٧. والمستقصى ١٢٩/١ وجمهرة الأمثال ٣٢٤/١، ٠٥٦٧ (٢) المفردات ٧٥٩. (٣) قرأ على بن أبى طالب وأبو عبد الرحمن السلمي (أمثال، مثال) البحر المحيط ٣٩٦/٥. (٤) المفردات ٧٥٩. ٦٩ باب الميم فَفَى بـ ((ليسَ)) الأمرينِ جميعاً. وقالَ بعضُهم: الكافُ مزيدةٌ إِذ لو لم يقلْ ذلك للزمَ ثبوتُ مثلٍ للهِ تعالى إِذ يصيرُ التقديرُ: ليس مثلَ مثلهِ شيءٌ، وهو مُحالٌ وقيلَ: المِثْلُ هنا بمعنى الصِّفة، ومعناهُ: ليس كصفته صفةٌ، تَنْبيهاً على أنه وإِن وصفَ بكثيرٍ ممّا يوصَفُ به البَشرُ فليسَ تلكَ الصفاتُ له على حسب ما يُستعملُ في البَشر. وقيلَ: المِثْلُ يجيءُ بمعنى الذاتِ نحوُ قولهم: مِثْلُك لا يفعلُ كذا. يريدون أنتَ لا تفعلُ كذا، وهو أبلغُ منه، وأنشدوا: [ من الطويل] ١٥٠٧ - على مثلٍ ليلى يَقْتُلُ المرءُ نفسَه وإِنْ باتَ من ليلى على الناسِ طاويا(١) پریدون: علی لیلی، بدليل قوله: وإِنْ باتَ مِن لیلی. وقد منعَ اللّه من ضربِ المثلِ لهُ تعالى بقولِه: ﴿فلا تضرِبوا لله الأمثالَ﴾ [النحل: ٧٤] وقد نبَّهَ أنه يضربُ لنفسه المثَلَ، ولا يجوزُ أن نَقْتديَ به في ذلك، فقالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللّه يعلمُ وأنْتُم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] ثم ضربَ لنفسه مَثَلاً فقالَ: ﴿ضَربَ اللّه مَثَلاً عَبداً مملوكاً﴾ [النحل: ٧٥] الاية. قال بعضُهم: وفيه تنبيهٌ أنه لا يجوزأن نَصِفَه بصفةٍ ممّا يوصَفُ به البشرُ إِلا ما وصفَ به نفسَه. قوله: ﴿للذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ مَثَلُ السوءِ وللهِ المثَلُ الأعلى﴾ [النحل: ٦٠] أي لهم الصفاتُ الذَّميمةُ وله تعالى الصفاتُ العُلى. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الذينَ حُمِّلوا التَّوراةَ﴾ [الجمعة ٥] الآية. أي هُم في جهلهِم بمضمون حقائقٍ معاني التوراةِ كالحمارِ في جهلهِ ممّا على ظهره من الأسفار. وقولُه: ﴿فَمَثَلُه كمَثَلِ الكلبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] منبهةً في ملازمته عنه واتباعه هواهُ وقلة مُزايلته له بالكلبِ الذي لا يزايلُ اللَّهثَ على جميعِ الأحوالِ، وقد تقدمَ شرحُه. وقولُه: وَ مَثَلُهُم كمثلِ الذي استْوقد ناراً﴾ شبَّه من أتاهُ اللَّه ضرباً من الهُدى والمعونة فأضاعَه ولم يَتَوصَّل به إِلى ما رُشِّحِ له من نعيمِ الأبدِ بمَن استوقَدَ ناراً في ظلمة. فلما أضاءتْ له ضيعها ونکس فعادَ في ظلمته التي کان فيها. قولُه: ﴿وَمَثَلُ الذينِ كَفَرُوا كمَثَل الذي يَنْعَقُ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية. شَبَّهوا (١) البيت للمجنون في ديوانه ٢٩٦ والدر المصون ٥٤٥/٩. ٧٠ باب المیم المَدْعوَّ بالغَنمِ التي يُنْعَقُ بها وداعِيَها بالناعقِ بالغنَمِ فأجملَ وراعى مقابلةِ المَعنى دونَ مقابلة الألفاظ. وبسْطُ ذلكَ وشرحُه: ومثلُ الذين كَفَروا كمثل الذي ينعِقُ بالغَنمِ، ومثلُ الغَنمِ التي لا تَسمِعُ إِلا دُعاءً ونداءٌ. وفيهِ تقديراتٌ أخَرُ حَرَّرنَاها في ((الدر)) وغيرهِ. قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبَلهمُ المَثْلَاتُ (١)﴾ [الرعد: ٦] أي النَّقْماتُ، الواحدةُ مَثْلَةً. وقُرِئَ بسكونِ العينِ، وهو مطَّرَدٌ كعَضْدِ في عضُد. والمَثْلَةُ: نقمةٌ تنزلُ بالإِنسان فيُجعلُ مثالاً يَرتدعُ به غيرُهُ كالنِّكالِ. وقيلَ: المَثْلةُ هي المُثْلَةُ بضمّ الفاءِ وسكونِ العينِ. وقد قرئ المثلاتُ جمعاً له. وقال ابنُ اليزيديِّ: المُثلاثُ: الأمثالُ والأشباهُ. قوله: ﴿ومضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] أي قصصُهم وعقوبتُهم. قوله: ﴿مثلُ الذين كفروا بربهم﴾ [إِبراهيم: ٢١٨] ﴿ذلكَ مثلُهم في التَّوراةِ ومثلُهم في الإنجيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿ولمّا يأتِكُم مَثَلُ الذينَ خلوْا﴾ [البقر: ٢١٤] كلُّ ذلك بمعنى الصِّفة، ويجوزُ أن يكونَ على بابهِ لما في ذلكَ من الغَرابةِ . قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنا لهمُ من مِثْلَه ما يَرْكَبون﴾ [يس: ٤٢] أي من مثلِ السُّفن. ويعني بذلك الإبلَ، وذلكَ أنَّها في حَملها الأشياء الثقيلةَ وصبرها على عدمِ الماءِ والعَلِفِ كالسُّفْن، ولذلكَ تُسمِيها العربُ ((سُفْنِ البِرِ)). قولُه تعالى: ﴿وَمِثْلَهم مَعَهم﴾ [ص: ٤٣] أي أنه تعالى أَحيا من مات من ولد أيوب عليه السلامُ ورزقه مثلهم زيادة . قولُه تعالى: ﴿ما هذه التماثيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢] الواحدُ تمثالٌ. وهي صورةٌ تُجعلُ على شكلٍ من يرونَ حكايةَ صورته وشكله، والمرادُ هنا الأصنامُ. وقوله: ﴿من محاريبَ وتماثيلَ﴾ [سبأ: ١٣] قيلَ: هي صورُ الأنبياءِ، وكانَ التصويرُ في شَرْعِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ مُباحاً، فأمرَ الجنَّ أنْ يصوِّروا مثلَ صورِ الأنبياءِ لتذكرَ الناسَ أفعالَهم فيَعملونَ بعملهم. وكذا كان زمنُ نوحٍ عليه السلامٌ. يقالُ: إِنَّ وَدَاً وسُواعاً وَيَغوثَ وتَسراً كانوا قوماً صالحين. فلما ماتوا صَوَّروا صُورَهُم ليتذكَّر الناسُ بهم. فلما طالَ الزمانُ وحدَثَ خَلَفٌ جاءَ إِبليسُ فقالَ لهم: إِنَّ آباءَكُم الأقدمين كانوا يَعبدون هؤلاءِ. وعبدَها (١) قرأ يحيى بن وثاب (المثْلات)، وقرأ عيسى بن عمر (المُثُلات) مختصر ابن خالويه ٦٦، وقرأ مجاهد والأعمش المثلات) البحر المحيط ٣٦٦/٥. ٧١ باب المیم قُدَّامَهم، فتبعوه. وأصلُ المادة على الانتصاب والتصوير؛ يقالُ: مَثَلَ بينَ يديه أي انتصبَ، ومنه الحديثُ: ((من أحبّ أن يَمْثُلَ الناسُ له قياماً فَلَيَتَبَوَّأُ مِقْعدَه من النارِ))(١) والمُمثَّلُ: هو الشيءُ المصوّرُ على مثالٍ غيرِهِ، وتَمثَّل كذا: تصوره بصورته؛ قالَ تعالى: ﴿فَتمثّلَ لها بَشراً سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٧]. قولُه تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بطرِيقَتِكُمُ المُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] أي القُربى إِلى الخير والفضلِ، فالمُثْلِى تأنيثُ الأمثلِ، والأمثلُ يعبّرُ به عن الأشبهِ بالأفضلِ والأقربِ إِلى الخير وأماثلُ القوم: كنايةٌ عن خيارِهم، وعليه قولُه تعالى: ﴿إِذ يقولُ أَمْثَلُهُمْ طريقةٌ﴾ [ طه: ١٠٤] أي الأقرب إِلى الصَّابِ وقالَ ابنُ عرفةَ في قولِهِ: ﴿بطرِيقَتِكم المُثلى﴾ أي يصرفان وجوهَ الناسِ الأماثَل إِليهما يعني يغلبانِ على الأشرافِ. قيلَ: والأماثلُ يجوزُ أن يكونَ جمعَ أَمثلَ، وأن يكونَ جمعَ أمثال، وأمثالاً جمعَ مِثل. والمِثْلُ: سيدُ القومِ وخيارُهُم. وسألَ أبو الهيثم رجلاً فقالَ: اثْتِنِي بقومِك، فقالَ: إِنَّ قومي مُثُلٌّ، فقال أبو الهيثم: يريدُ أنهم ساداتٌ ليسَ فوقَهم أحدٌ وعلى هذا فمثلُ يكونُ الواحدِ والجمعِ وكأنَّ الساداتِ لمَّا كانوا في الغرابة بالنسبة إلى زيادة الخير أُطلقَ عليهم لفظُ المثل لذلك. وقال في قولِه تعالى: ﴿أَمثلُهم طَريقةً﴾ أي أَرْشَدُهُم مَذْهباً. وقولُهم: المريضُ أمثَلُ حالاً من أمسٍ، من ذلك أي أقربُ إِلى الصحةِ وأَدنى إِلى الخيرِ. وفي الحديث: ((نَهى أنْ يُمثَّلَ بالدابَّةِ وأنْ تُؤْكَلَ الممثَّلُ بها(٢) )) كانوا ينَصبون الدابةَ عَرضاً يَرمون عليها. فنهاهُم عن ذلك وعن أكلِها إِذا فُعل بها ذلك لأنه ميتةٌ إِذ لا يقدرُ على ذَكاتها ويقالُ بهذا المعنى: مَثَل به يمثُلُ مُثُولاً فهو مائلٌ وممثولٌ. وفي الحديث: ((وأن تُؤْكلَ المَمثولُ بها)﴾(٢) والمُثْلةُ: التَّشويهُ بالقتلِ كقطعِ المذاكيرِ وصَلْم الأذن وجَدع الأنفِ، وفي الحديث: ( نهى عن المُثْلة (٤) ولما رأى عليه الصلاةُ والسلام عمَّه حمزةً وقد مثَّلَتْ به كفارُ قريشٍ قال: ((لامثِّلَنَّ بسبعينَ رجلاً)) فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وإِنْ عاقبتُم فعاقِبوا بمثلٍ ما عُوقبتُم به (١) مسند أحمد ٩١/٤ وعارضة الأحوذي ٢١٣/١٠. (٢) الفائق ٧/٣ والنهاية ٤ /٢٩٤. (٣) النهاية ٤ /٢٩٤. (٤) غريب ابن الجوزي ٣٤٢/٢ والنهاية ٤ /٢٩٤. ٧٢ باب المیم ولئنْ صبرتُم لهو خيرٌ للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] فصبرَ عليه الصلاةُ والسلامُ واحتسبَ وفدی وعفا. وفي الحديث: ((من مثلَ بالشعر فليسَ له خلاقٌ عندَ اللهِ)) (١) قيلَ: هو حَلْقُه من الخدِّينِ. وقيلَ: هو خضابُه بالسَّواد. فصل الميم والجيم مج د: قوله تعالى: ﴿ذو العرشِ المجيدُ﴾ [البروج: ١٥] أي الواسعُ الكرمِ والجلالةِ. والمجدُ: السَّعَةُ في الكرَمِ والتَّزايدُ في الجلالةِ؛ يقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ فهو مَاجِدٌ مَجيدٌ. ومجيدٌ أبلغُ لأنه من صيغها. ومَجدَ مَجْداً ومَجادةً، وأصلُه من مَجَدتِ الإِبلُ: حصَلَتْ في مرعىّ كثيرٍ واسعٍ وقد أمجدها الراعي: جعلَها في ذلك. وتقولُ العربُ: في كلِّ شجرٍ نارٌ، واستمجْدَ المَرْغُ والعَفارُ أي، يجري السَّعَةِ في بذلِ الفضلِ المختصِّ بذلكَ النوعِ. ويروى: واستمجدٌ - بصيغة الماضي - المرحُ فاعلٌ بمعنى استكثرَ، أي النار. وقيلَ: المجيدُ: الشريفُ. ورجلٌ ماجدٌ : مفضالٌ كثيرُ الخيرِ. قولُه: ﴿والقرآن المجيدٍ﴾ [ق: ١] وُصفَ بذلك لكثرة ما يتضِمَّن من المكارمِ الدُّنيويةَ والأُخرويَّةَ، ولذلك وُصف بالكريم. وقُرِئَ قولُه: ﴿ذو العَرشِ المَجيدِ(٢٠)﴾ بجر المجيد ورفعه؛ فالجرِّ على أنه نعتٌ للعرشِ لعظمه وجلالةِ قدرهِ وسَعةٍ خَلقِهِ، وإليه أشارَ عليه الصلاةُ والسلامُ بقوله: ((ما الكرسي في جَنْبِ العرشِ إِلا كحلْقَةٍ ملقاةٍ في أرض فلاة))(٣) وعليه قولُه: ﴿رَبُّ العرشِ العظيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] والرفعُ على أنه نعتٌّ للوَدود(٤) وذلك لسَعَةٍ فيضه وكثرةٍ جودِهِ. والتمجيدُ من العبدِ للهِ بالقولِ وذكرِ الصفاتِ الحسنة، ومنَ اللهِ للعبدِ بإعطائه الفضلَ. (١) غريب ابن الجوزي ٣٤/٢/٢ والنهاية ٤/ ٢٩٤. (٢) قرأ حمزة والكسائي وعاصم والمفضل والحسن والأعمش وخلف (المجيد) الإتحاف ٣٤٦ والسبعة ٦٧٨ . والنشر ٣٩٩/٢ (٣) تقدم في مادة (عرش). (٤) من قوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٤-١٥]. ٧٣ م جس: قوله تعالى: ﴿وَالمَجَوسُ﴾ [الحج: ١٧]. المجوسُ جيلٌ معروفٌ وهم قومٌ يعبدون النار، وقال آخرون: يعبدون الشمس والقمرَ، وقال آخرون: هم قومٌ من النَّصارى إلا أنهم اعتزلوهُم ولبسوا المُسوحَ. وقيلَ: أخذوا من دينِ النصارى شيئاً ومن دينِ اليهودِ شيئاً، وقيل: هم قومٌ يقولون بأن العالمَ أصلان: نورٌ وظُلمةٌ. وقيل: هُم قومٌ يتعبَّدون باستعمال النجاسات، والأصلُ على نَجوس بالنون، فأُبدلت النونُ ميماً. وقيلَ: كانَ لهم كتابٌ فرُفع، ولذلك قالَ عليه الصلاةُ والسلام: (( سُنّوا بهم سُنةَ أهلِ الكتابِ غيْرٌ آكلي ذبائحهم ولا نا کحي نسائهم»(١). فصل الميم والحاء م حص: قولُه تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّه الذينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] أصلُ المحصِ تخليصُ الشيءٍ ممّا فيهِ من عيبٍ كالفحصِ، إِلا أنَّ الفحصَ يقالُ في إبرازِ الشيءِ من أثناء ما يختلطُ بهِ وهو مُنْفِصِلٌ. والمحصُ يقالُ في إبرازهِ عمّا هو متَّصلٌ به. يقالُ: محَصتُ الذهبَ ومخَّصتُه: إِذا أزلت عنه ما يشوبُه من خَبَثٍ. فمعنى التمحيصٍ في الآية التزكيةُ والتطهيرُ وإِزالةُ ما يغايرُ الإِيمانَ. وكذا قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ ما في قُلوبِكم﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي يزيلُ ما فيها من ظنِّ لا يليقُ بكم. وفي الدعاء: ((اللهمَّ محِصْ عنّا ذُنوبِنا)) أي أزِلُها. وحقيقته: أزِلْ ما علقَ بنا واختلطَ وخلُصْنا منه تخليصَ الذهبِ منَ الخبَثِ ونحوهِ. وقال ابنُ عرفةَ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الذينَ آمنوا ﴾ أي ولِيبْتليهم، قال: ومعنى التمحيصِ النقصُ. ومخَّصَ اللّه ذنوبَكَ، أي نقَّصَها، وسماهُ [ اللّهُ] للكافرِ مَحْقاً. قال الهرويُّ: سمعتُ الأزهريُّ يقولُ: مَحَّصتُ العَقَبَ منَ الشحم: نَقَّيْتَه منه لتَفْتَلَّه وَتَراً، أرادَ تعالى: ليخلّصَهم. وفرسٌ مَمْحوصُ القوائمِ أي خالصٌ منَ الرُّهَل. وفي حديثٍ علي، كرَّمَ اللّهُ وجهَه، وذكرَ فتنةً فقالَ: (( يُمْحَصُ الناسُ فيها كما يُمْحَصُ الذهبُ))(٢) فتعرفُ جودتُهُ من رداءَتِهِ. (١) تقدم الحديث في مادة (سنم) وهو في النهاية ٢ / ٤١٠. (٢) غريب ابن الجوزي ٣٤٥/٢ والنهاية ٤ /٢٠٢. ٧٤ باب المیم ومَحَصَ الثوبُ: زالَ عنه زِثبرُه. ومحصَ الحبلُ: أخلقَ حتى ذهبَ زئبُه، ومحصَ الظبيُ: عَدا، بمعنى الذهاب فيه . مح ق: قولُه تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ(١) الكافرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] أي يُذْهِبُهم ويستأصلُهم، يقال: محقّتُه فانْمحَقَ، أي أذهبتُه فذهبَ. قولُه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرَّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي يُذهِبُ بركتَه وزيادتَه الظاهرةَ لكم، كما ﴿وَيُرْبِيَ الصَّدقاتِ} [البقرة: ٢٧٦] ويزيدُ ما يخرجُ منه وإِنْ كانَ نَقْضاً فيما ترونَه. فالرِّبا وإِنْ كانت زيادتُه ظاهرةٌ يُذهبُه. والصدقةُ وإِن كانتْ نقصاً ظاهراً يزيدُها. وما أحسنَ ما جاءتِ المقابلةُ بينَ قوله: ﴿ يمحق ﴾ و﴿ یرہي﴾. وأصلُ المَحْق النقصان، ومنه المحاق لآخرِ الشهرِ لانْمحاق الهلال فيه. يقالُ: محقَهُ أي نقصَه وأذهبَ برَكتَه. م. ح ل: قوله تعالى: ﴿وهو شَدِيدُ المِحالِ(٢)﴾ [الرعد: ١٣] أي العقوبةُ. مجلَ به: إِذا عاقَبَه، قال أبو العباسِ رضيَ الله تعالى عنهما: هو مأخوذٌ من قولِ العرب: فلانٌ محَلَ بفلانٍ: إِذا سَعى به إِلى السُلطان وعرَّضهُ لما يهلكهُ عندهُ، وتَمخَّلت الدراهمَ: سعيتُ في طلبها، وقال أبو زيد المحالُ: النِّقمةُ، وقال الأزهريُّ: أي شديدُ القوة والشدَّة. وما حلْتُ فلاناً، أي قاوَمتُهُ أينا أشدُّ، وفي الحديث: ((ولا تَجعَل القرآن بنا ماحل٣ً)) أي ساعياً في هَلاكنا على المجازِ. وقال أبو عبيد: المحالُ: العقوبةُ والمكروهُ وقالا ابن عرفةً: المحال : الجدالُ ؛ ماحالَ عن أمره، أي جادلَ؛ وأنشدَلذي الرُّمة: [ من الوافر] أَعَدَّ لُهُ السَّفارةَ والمحالًا(٤). ١٥٠٨- ولَبِّس بين أقوامٍ فكُلُّ (١) قرأ ابن الزبير (يُمَحِّق) البحر المحيط ٢ /٣٣٦. (٢) قرأ الضحاك والأعرج (المجال) البحر المحيط ٣٧٦/٥ .. (٣) النهاية ٣٠٣/٤. (٤) ديوانه ١٥٤٤ واللسان والتاج (شغرب، محل). ٧٥ باب الميم قالَ: ومنه حديثُ أنسٍ رضيَ الله تعالى عنه (( أنَّ رسولَ الله عَّه أرسلَ رسولاً إِلى عظيمٍ من المشركينَ يدعوهُ إِلى الله تعالى، فقال المشركُ : صِفْ لِي إِلاهَكَ أمِن فضةٍ إِم من ذهبٍ أم من نحاسٍ؟ فاستعظّم ذلك، فرجعَ إِلى رسولِ الله ◌َ ◌ٌّ، فقالَ: ارجعْ فإِذا صاعقةٌ قد أصابَتْه))(١) ونزلَ قولُه تعالى: ﴿وهُم يُجادلون في الله وهو شديدُ المِحال﴾،أي الكيدُ والعقوبةُ. والمشهورُ أنَّ ميمَه أصليةٌ لاشتقاقهِ منَ المَحْل كما تقدَّم . وقالَ القُتيبيُّ: هَوَ مِنَّ الحيلةَ ومِيمُه زائدةٌ. ورُدَّ عليه بأنَّ ميمَه أصليةٌ بدليلٍ أنَّ كلَّ ما كانَ على زنة فعال كمِهاد ومِلاكٍ ومِراسٍ كانت ميعُه أصلية. وكلُّ ما كانَ على مِفْعَل من ذوات الواو تُفتح عينُه نحوُ: مِحورٍ ومِقول، وبيانُه في غيرِ هذا، إِلا أنه قد قرأ الأعمشُ ((المحالَ)) بالفتح، وفسَّرِها ابنُ عباسٍ بأنها من الحَولِ فهيَ مُرُشّحَةٌ لِما قالَه القتيبيُّ. وقال بعضُهم: هوَ من قولِه: مَحَل به مَحلاً ومَحالاً ومحالاً: إِذا أرادَه بسوء. قال أبو زيد: محلَ الزمانُ: قَحطَ، ومكانٌ ماحلٌ ومُتماحلٌ ، وأمحلتِ الأرضُ. والمحالةُ: فقارةُ الظّهر والجمعُ المَحال. ولبنٌ مُمْحِلٌ، أي فاسدٌ، وفي الحديث: (( أنَّ إِبراهيمَ قال : أنا الذي كذبتُ ثلاثَ كَذَبَاتٍ. قالَ رسول اللهَلَّهِ: وما منها كذبةٌ إِلا وهوَ يماحلُ بِها عنِ الإِسلام))(٢) أي يجادلُ. قلتُ: تسميتُهُنَ لهما ماحلَ به كذباتٌ على طريقِ المجازِ، وإلا فهوَ مُبرَّأْ منَ الكذبِ المذمومَِّه. ولذلك لم يَسكتْ نبينا ◌َّه بل فسَّر لأمته تلك الكذبات وبيَّنَ وجهها . وفي الحديثِ: ((القرآنُ شافعٌ مشفَّعٌ وماحلٌ مصدَّقٌ (٣) ) أي ساعٍ مصدَّقٌ مِن : محلَ بهِ إِذا سَعَى بِهِ، وقيلَ: معناهُ مُجادلٌ مصدَّقٌ. ومنه الحديثُ أيضاً: ((عهدُهُم لا يُنْقَضُ عن شِيَةٍ ماحِلٍ))(٤) أي ساع وواشٍ يُسيءُ بهم. ومن كلام أمير المؤمنين عليّ رضي الله تعالى عنه: ((إِنَّ مِن وراءكم فتَناً مُتَماحِلة(٥) )(أي متطاولةً ممتدَّةٌ. والمُتماحِلُ منَ الرجالِ: الطويلُ، وقالَ بعضُهم: معنى ﴿شديد المحال﴾ أي شديدُ الأخذ بالعقوبة. وكلُّها معانٍ متقاربةٌ بألفاظِ مُتغايرٌ. (١) وراه ابن جرير وأبو يعلى الموصلي عن أنس . (٢) الفائق ١٠/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٤٥/٢ والنهاية ٤ / ٣٠٣/٤٣٠٤. (٣) الفائق ١١/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٤٥/٢ والنهاية ٤ /٣٠٣. (٤) الفائق ٣ /٩٤ وغريب ابن الجوزي ٣٤٥/٢ والنهاية ٣٠٣/٤. (٥) الفائق ١١/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٤٦/٢ والنهاية ٣٠٤. ٧٦ -- -- باب الميم م ح ن : قولُه تعالى: ﴿فامْتَحِنوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]أي اخْتَبَروهنَّ وجرَّبُوهُنَّ وابتلوهنّ. وقد تقدَّمَ الكلامُ في الإبتلاء . وأصلُه من: امتحنتُ الذهب والفضةَ: إِذا أذبتَهُما لتختبرَهُما أهُما خالصانِ أم لا. قال أبو عبيدٍ في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحنَّ الله قلوبَهم للتَّقوى﴾ أي صَفّاها وهذَّبَها. وفي الحديث: ((فذلك الشهيدُ المُمْتَحَنُ))(١) قال شَمِرٌ: هو المصَفَّى المهذَّبُ، وهذا بمعنى ما تقدَّمَ؛ فإِنَّ التصفيةَ والتخليصَ من وادٍ واحدٍ. مح و: قولُه تعالى: ﴿يَمحو الله ما يشاءُ ويُثْبتُ ﴾ [الرعد: ٣٩]أي يمحُو ما يشاءُ مما يكتبُهُ الحَفَظةُ ويثبتُ ما يشاءُ. وفي التفسيرِ: إِنَّ الله ينظرُ كلَّ يومٍ في اللوحِ المحفوظِ سبعينَ نظرةً فيمحوما يشاءُ ويثبتُ ما يشاءُ . ومعنى ذلك أنَّ الله تعالى أمرَ الملائكةَ بكَتْب أشياءَ فيأمُرُها بأنْ تَجعلَ فلاناًالشقيَّ سعيداً وعكسَه. وفلاناً الغنيَّ فقيراً وعكسه، فتفعلُ ذلك. فالمحُو والإثباتُ بالنسبةِ إِلى علمِ الملائكة، وأما علمُه تعالى فلا يتبدّلُ ولا يتغير ولا يوجَدُ في الوجودِ شيءٌ إِلا على وقفٍ علمهِ القديم، ولذلك عقَبه بقولِه: ﴿وعندَه أمُّ الكتاب﴾ أي أصلُ ذلك الكتاب وهو علمُه. وعبَّر في الحديثِ بقوله: ((ينظرُ عن أمره بما يريدُ ولا يُنظرَ على الحقيقةَ)) وبالجملةِ: ﴿لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألونَ﴾ [ الأنبياء :٢٣] وقيلَ: ينَسخُ من الأمر والنهي ويبقي ما يشاءُ. وأصلُ المحوِ إِزالةُ الأثر، ومنه قيلَ للشّمالِ مَحْوَةٌ لأنّهَا تَمحوالسحابَ والأثرَ. وفي الحديث: ((لي خمسةُ أسماءَ منها الماحي(٢))) لأنه يَمحوِ اللَّه بهِ الكفرَ وآثارَه، وقِالَ بعضُهم يخاطبُ النعمانَ مِنَ بشير: [ من الطويل] ١٥٠٩ زيادَتْنا نَعمانُ لا تَمْحُونُّها تَقِ اللّه فينا والكتاب الذي تَتْلُو (٣) يقالُ : محوتُ الكِتَابَ مَحْواً ومَحَيْتُه مَحْياً. (١) غريب ابن الجوزي ٣٤٦/٢ والنهاية ٤ /٠٣٠٤ : (٢) أخرجه البزاري في المناقب، باب (١٥) حديث ٣٣٣٩، ومسلم في الفضائل ٢٣٤٥. (٣) البيت لعبد الله بن همام هلسولي في الأغاني ١٦ /٣١ ونوادر أبي زيد ٤ والدخائص ٢٨٦/٢، ٨٩/٣ واللسان والتاج (وقي) . ٧٧ باب الميم فصل الميم والخاء مخ ر: قوله تعالى: ﴿وَتَرى الفُلك مَواخِرَ فيه﴾ [النحل: ١٤] جمعُ ماخرة وهي السُّفن؛ وُصفتْ بذلك لأنها تشقُّ الماءَ بجناحَيها أي بصُدورِها. والمَخْرُ: الشقُّ؛ يقالُ: مَخَرت السفينةُ الماءَ: إِذا شَقَتْه، ومخر الأرضَ أي شَقَّهَا بالحرثِ ومَخرها بالماء: إِذا حبسَه عليها لتصيرَ ربِّضةً، أي خليقةً بالزراعة . وقيلَ: مَخْرُ الأرضِ اسْتِقبالُها بالدَّورفيها ، يقالُ: مَخَرت السفينةُ مَخْراً ومُخوراً، وأستَمخرتُ الريحَ ، وامْتَخرتُها: إِذا استقبلْتَها بأنفك، ومنه الحديث: ((اسْتَمْخِروا الريحَ وأَعِدُّوا النَّلَ))(١) يعني في الاستنجاءِ، قالَ ابنُ شَميلٍ: يقولُ: اجعلوا ظهوركُمْ إِلى الريحِ عندَ البول كأنه إِذا ولاها ظهرَه شقاً استبانَ الريحَ بظهرِهِ فأخذتْ عن يمينه وشماله قال: وقد يكونُ استقبالُ الريح ... تمخراً، والمرادُ به في الحديث: استدبار(٢) وفي حديث آخرَ: ((إِذا بال أحدُكم فليتمخِّ الريحَ)(٣) أي ينظُر أينَ مَجراها فلا يستقبلها ولكن يستدبُرُها كيلا يُرَدَّ عليه البَولُ. والمأخورُ: الموضعُ الذي يُباعِ فيه الخمرُ. وقيلَ: هو موضعُ الرِّيبةِ. ولمّا وَلِي زيادٌ البصرةَ. قالَ: ((ماهذه المَواخيرُ؟ الشرابُ عليه حرامٌ حتى تُسََّّى بالأرضِ هَدْماً وحرقاً (٤))) يعني مواضع الريبة. [م خ ض]: قوله تعالى: ﴿فأجاءها الماض إلى جذع النخلة﴾ [مريم: ٢٣]. فصل الميم والدال قوله تعالى: ﴿وَإِخواتُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾(٥) [الأعراف: ٢٠٢] وقُرئ في مد د: (١) الفائق ٣ /١٢ وغريب ابن الجوزي ٣٤٦/٢ والنهاية ٣٠٥/٤. (٢) ثمة اضطراب في الكلام، ولعل صوابه ما جاء في غريب ابن الجوزي ١٣٤٦/٢ وقد يكون استقبالها تمخراً، لكنه هاهنا استدبار، والمراد : أن لا تَرُدُّ عليه البول)). (٣) الفائق ١٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٤٦/٢ والنهاية ٤ /٣٠٥. (٤) الفائق ١٣/٣ والنهاية ٣٠٥/٤. (٥) قرأ نافع وأبو جعفر (يُمِدُّونهم) الإتحاف ٢٣٥ والنشر ٢٧٥/٢، وقرأ عاصم الجحدري (يُمادُّونهم) البحر المحيط ٤ /٤٥١ ٧٨ باب الميم المتواتر بفتح الياءِ وضمِّها مِن مدَّهِ وأَمَدَّه، فقيلَ: بمعنى واحدٍ. يقالُ: مَذِّ النَّهرُ ومَدَّه، وأَمَدَّه نهرٌ آخرُ. وقيلَ: أَمَذَّ في المحبوب نحوُ قولِه؛ ﴿وَأَمْدَدْناهُم بفاكهةٍ ولحمٍ﴾ [الطور: ٢٢] ﴿وَيُمْدِدْكم بأموالٍ﴾(١) [نوح: ١٢] وفي المكروه مدَّ نحوُ قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ(٣) له من العذاب مَداً﴾ [مريم: ٧٩] وهذا مردودٌ بقولِه: ﴿وَإِخوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ في قراءةٍ منَ ضمَّ الياءَ. ولذلك عدلَ بعضُهم إِلى عبارةٍ أخرى؛ قال: وأكثر ما جاءَ الإِمدادُ في المحبوبِ، والمدُّ في المكروه. ومعنى الآية أنَّ إِخوان الشياطينِ تُمِدُّهم الشياطينُ. وعلى هذا الوَجْهِ فالخبرُ جارٍ لي غيرٍ من هِوَلهُ. وقيل غيرُ ذلك، إلا أنَّ ما ذكرتُه عليه العامةُ. وفي الآية أوجهٌ أُخُرُ حرِّرتُها في ((الدر)). قولُه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُعيانهم يَغْمهون﴾ [البقرة: ١٥] أي يُمْهل لهم ويُطيلُ لهم. قولُه: ﴿أَلم تَرَ إِلَى رَبِّك كيفَ مَدَّ الظُّلَ﴾ [الفرقان: ٤٥] أي بَسَطَهُ، قولُه: ﴿فَلْيَمْدُدْ له الرحمنُ مَدَأْ﴾ [مريم ٧٥] أي يُمهلُه ويطيلُ عمرَه ويوسعُ عليه استدراجاً له،. وهذا لفظهُ أمرٌ ومعناهُ خبرٌ، لأنَّ اللّه تعالى لا يأمرُ نفسَه، ولكنَّه إِذَا جاءَ الخبرُ بلفظ الأمر كانَ أوكدَ. وقيلَ: المعنى أنَّ اللّه تعالى جعلَ جزاءَ ضلالِتَهِ إِمدادَه فيها. قولُ: ﴿ولو جِئْنا بمثله مَدَدَ(٢)﴾ [الكهف: ١٠٩] أي زيادةً، ومنهُ الحديثُ: ((مدادَ كلماتِهِ(٢) أي مثلَها وعددَها. وقيلَ: المِدادُ مصدرٌ كالمَدَد؛ مددتُ الشيءَ مَدّأَ ومِداداً وبنو فلانٍ بنوا بيوتَهم على مِدادٍ واحدٍ وعرانٍ واحدٍ ومثالٍ واحدُ، كلُّه بمعنىّ. وأصلُ المَدِّ الجرُوالطول، ومنه المُدَّةُ للوقتِ الممتدّ، ومِدَّةُ الخرجِ. ومِدَّ النهرُ ومَدَّه مثلهُ. وقالَ عثمانُ رضي اللهُ عنه لبعضٍ عمالِهِ: (بَلغني أنكَ تزوجتَ امرأةٌ مَديدة (٤)) يقول: طويلة. ورجل مديد: أي طويل. والطويلُ والمديدُ بحران معروفان، وفي حديثٍ آخرَ: «ينبعثُ منه ميزابانٍ منَ الجنة مدادهما أنهارُ الجنة (٥)»أي: يمدُّهما أنهارهما. قولُه تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيْكِ إِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [الحجر: ٨٨] كتابةً عن (١) قرأ علي بن أبي طالب (ونُمِدُّ) البحر المحيط ٢١٤/٦. (٢) قرأ أبو عمرو وحفص وابن محيصن والمطوعي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد (مداداً)، وقرأ الأعرج (مدداً) البحر المحيط ٦ /٦١٩ والقرطبي ١١ /٦٨. (٣) الفائق ١٤/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٤٧/٢٠ والنهاية ٣٠٧/٤. (٤) غريب ابن الجوزي ٣٤٨/٢ والنهاية ٣٠٩/٤ . . (٥) مسند أحمد ٤ /٤٢٤ والمستدرك ١ /٧٦. ٧٩ باب المیم التطلّع لما في أيديهم من زخارف الدنيا وتقليب التجارات والأولاد وغير ذلك. والمرادُ أمتُه عليه الصلاة والسلامُ؛ عبر بالإعراضِ عن زينة الدنيا المَنهيُّ عنها عن مدِّ الطّرفِ إِليها، فإِن مَن أعجبَه شيءٌ أتبعَه نظره . والمُدَّ: مكيالٌ معروفٌ لأنه يُكالُ به ما فيهِ مدهُ الناسِ وحياتُهم. م د ن : قولُه تعالى: ﴿وجاءَ من أقصى المدينةِ رجلٌ﴾ [ يس: ٢٠] المدينةُ: البلدةُ التي كثرَ سكانُها. مدَنَ بالمكان: إِذا أقامَ، ووزنُها فَعيلٌ، وقد تقدَّمَ أن بعضَهم جَعلها مَفْعِلةٍ فالمیم مزیدةٌ. والمَدينةُ - أيضاً - الأمةُ، والمَدينُ: العبدُ، وقد تقدَّمَ شرحُ ذلك مُستوفی في بابٍ الدال فأغنى عن إِعادته هُنا. فصل الميم والراء م رأ: قولُه تعالى: ﴿واعْلَموا أنَّ اللّه يحولُ بينَ المَرْءِ وَقَلبِهِ (١)﴾ [الأنفال: ٢٤] المرءُ: الرجلُ، والأُنثى: المرأةُ والأفصحُ فتحُ ميمهِ مُطلقاً، وعليه جاءَ التنزيلُ، وفيه لُغيَّةٌ إِتباعُ الفاءِ اللامَ في حركاتٍ إِعرابها فيقالُ: هذا مُرْءٌ - بضم الميم. ومررتُ بمرْءٍ - بكسرها - ويجوزُ تسكينُ فائِها في حركاتِ الإِعراب، وعليه جاءَ التنزيلُ كقوله تعالى: ﴿إِن امرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ويقالُ: رأيتُ امرأً ومررتُ بامرئٍ، وفيه لغةً؛ فتحُ عينهِ مطلقاً. والمروءةُ: كمالُ الرجوليّةِ، وقيلَ: هي مشتقّةٌ من لفظِ المَرِءِ، كالرُّجولة مشتقةٌ من لفظِ الرجلٍ؛ والفتوَّةِ من لفظِ الفتى. وهي ألفاظٌ محصورةٍ لا تَنقاسُ كالأخوةِ والأبوةِ. فهذه مصادرُ لا أفعالَ لها. وشذّ جمعُ المرءِ سلامةً؛ ومن كلامِ الحسن البصريِّ في بعضِ عظاته: ((أحسنوا ملأكُم أيُّها المَرْؤُونَ(٢))) أي أخلاقكم. والملأ: الخلقُ، والملا - أيضاً- القومُ الأشرافُ. ومن كلامٍ رؤيةً بن العجاج: [من المنسرح] (١) قرأ ابن أبي إسحاق (المرء)، وقرأ الحسن والزهري (المرّ) البحر المحيط ٤ / ٤٨٢. (٢) الفائق ٤٦/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٥٠/٢ والنهاية ٣١٤/٤. ٨٠ -- ۔ باب الميم ١٥١٠ أي تريدون أيُّها المرْؤون قولُه تعالى: ﴿فِكَلُوهِ هَنيئاً مَرِيئاً(١)﴾ [النساء: ٤] أي سائغاً في المريءٍ، والمريءُ: مَجرى الطعام والشراب، وقيل: مَجرى النفسِ، وهو عرقٌ رقيقٌ تحتَ الحلقومِ متى لم ينحرْه الذابحُ فَاتَه، وَقَالَ كَثِّيرُ عزَّةَ: [ من الطويل] ١٥١١ هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلّت(٢) وانتصأبُها في الآيةِ على الحالِ أو المصدريَّةِ أو الدُّعاءِ. وهَنأتي الطعامُ ومِرَأَني، والقياسُ: أَمْرَأَني. وإنما تُرك للمشاكلة، فلو أفردً لم يُقْل إِلا أَمْرَأَنِي، ومثلُه: أَخذَ ما قَدُمَ وما حَدُثَ بضمِّ دالِ حدُثٍ لأجلٍ قدُم، فلو أفردَ قدُمُ فُتحت دالُه. وقيلَ: المريءُ رأسُ المَعِدةِ والكَرِشِ اللاصقِ بالحلقومِ. ومَرُؤَ الطعامُ وإِمْراً: إِذا تخصّص بالمريء لموافقة الطّبْعِ. م ر ت: قوله تعالى: ﴿هاروت وماروتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] اسم مَلَك من الملائكة يقالُ إِنه نزلَ هو وهاروتُ إِلى الأرضِ ليحكما بينَ الناسِ في قصَّةٍ طويلةٍ فَفُتِنا (٣)، وأنهما خُيِرًا بينَ عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذابَ الدنيا، وأنهما مُعلَّقان ببابلَ. واشتقاقُها من المرت عند بعضھم وهو الكسْرُ، وفيه نظرً لكونه أعجمیاً، وأيضاً فهو غیرُ منصرف. ولو كان مُشتقاً من المَرْت لانصِرَفَ. ويُجمعان على مَوارتَ وهَوارِتَ، ومَوارِتَةً وهوارِتَةً. م رج: قولُه تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِينَ﴾ [الفرقان: ٥٣] المرَجُ: الخلْطُ، ومعنى ذلك أنه تعالى أجرى البحرين وأرسَلَهما مُختلطاً أحدهما بالآخرِ، وجعلَ بينَهما كما أخبر تعالى: ﴿بَرْزَخاً وحِجْراً مَحْجوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] قال مجاهدٌ: أرسَلهما وأفاضَ أحدُهُما في الآخر. قولُه تعالى: ﴿فهم في أمرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي مُختلطٌ؛ مرةً يقولون: هو شاعرٌ، (١) قرأ أبو جعفر والحسن والزهري (مَرِيّاً) الإتحاف ١٨٦. (٢) ديوانه ١٠٠ وأمالي القالي ١٠٩/٢ والمقاييس ٢١٦/٢. (٣) القصة في تفسير ابن كثير ١٤٣/١ -١٤٦.