Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب اللام وأصلُ ذلك الدفعُ؛ يقالُ: هَمَزَهُ ولمزَهُ أي دفعَه كأنه يدفعُ بذلكَ في صدرِ مَن ء يعيبه . ل مس: قولُه تعالى: ﴿أولامَسْتُم النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] كنايةً عن جماعهن، وقُرِئ ((لَمَسْتُم (١) )) فقيلَ بمعنى. وقيلَ: المفاعلةُ محققةٌ لأن مَن لمسَكَ فقد لمسْتُه. واللمسُ والمسُّ: إِدراكٌ بظاهرِ البشرةِ، وغلبَ في عبارةِ الفقهاءِ اللَّمسُ بينَ الرجلِ والمرأة. والمسُّ في الذَّكَر بباطنِ الكفِّ كقولهم: الوضوءُ منَ اللمسِ والمسِّ، ومن اللمسِ بمعنى مسِّ البشرة. قوله تعالى: ﴿فلمسُوهُ بأيديهِم ﴾ [الأنعام: ٧]. وقد يعبر به عن الوصولِ إِلى الشيءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وأنا لَمسْنا السماءِ﴾ [الجن: ٨]. وفي الحديث: ((نَهى عن المُلامسة(٢))) فيه تفسيران: أحدهما أنه كان يقولُ: إِذا لمستُ ثوبَّكَ أو لمستَ ثوبي فقد وجبَ البيعُ والثاني أن يَلْمِسَ المتاعَ من وراءٍ ثوبٍ ولا ينظُر إليه ثم يوقَّع البيعَ عليه، وهذا أحدُ أنواع بياعاتِ الجاهلية كالمُنابذة وبيعِ الحصاةِ ونحوِها، نَهى الشارعُ عنها للغَرر. واللُّماسةُ والمُماسةُ: المُقارِبة. ل مم: قولُه تعالى: ﴿إِلَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] مقاربةُ المعصية، وأصلُهُ مقاربةٌ الشيءٍ مُطلقاً والدنوُّ منه، ثم غلبَ في ذلك، وأنشدَ : [من الطويل] ١٤٥٧- متی تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجّجا(٢) وقد يعبّر به عن المعصية الصغيرةِ، وفي التفسيرِ: كالنظرةِ والقُبلة. وذلك من القلّة أيضاً، ومنه: زيارتُهُ لِمامٌ أي قليلةٌ، وأنشد: [ من الوافر] (١) قرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش (لمستم) الإتحاف ١٩١ والنشر ٢٥٠/٢. (٢) الفائق ٣ /٦٠ وغريب ابن الجوزي ٣٣١/٢ والنهاية ٤ /٢٦٩. (٣) البيت لعبيد الله بن الحر الجعفي في ديوانه ١٩٧ (أشعار اللصوص) والخزانة ٩ / ٩٠ وشرح المفصل ٥٣/٧ وسيبويه ٨٦/٣، وبلا نسبة في قطر الندى ٩٠ وشرح المفصل ٢٠/١٠ واللسان (نور) والهمع ١٢٨/٢. ٤٢ باب اللام ١٤٥٨- وإن کانت زیارتُكُم لماما(١) قولُه تعالى: ﴿وَتَأْكِلونَ التّراثَ أَكلاً لمّاً﴾ [الفجر: ١٩] أي جامعاً، من لممتُ الشيءَ ألمُّهُ: ضممتُه لمّاً، فالتقديرُ: ذا لمٌّ. وفلانٌ لا يأتينا إلا لماماً، أي حيناً بعدَ حينٍ والغيبةَ بعدَ الغيبة. ولا يأتينا إِلا اللمّةً بعدَ اللمَّة، وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلت: [ من الرجز]. ١٤٥٩ - إِنْ تغفرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عبد لكَ ما أَلْمًا (٢) وعن أبي صالحٍ: سُئُلتُ عن قولِه تعالى: ﴿إِلا اللَّمَمْ﴾ فقلتُ: هو الرجلُ يُلمّ بالذنبِ ثم لا يعاودُه، فذكرتُ ذلك لابن عباسٍ فَقالَ: لقد أعانَكَ عليها ملكٌ كريمٌ (٢). وقال ابنُ عرفةً: اللَّمَمُ عندَ العرب أن يفعلَ الإِنسَانُ الشيءَ في حينَ لا يكونُ له عادةٌ. وِاللَّمَمُ: الجنونُ أيضاً، وفي الحديث: ((أنَّ امرأةٌ شكتْ إِلى رسول اللّه ◌ٍَّ لَمَماً بابنتِها(٤). وفي تعويذه عليه الصلاة والسلام: ((مِن كلِّ عينٍ لامّةٍ (٥)) أي ذاتٍ لَمَم، ولذلك لم يقُلْ ((مُلِمَّةٍ)) وإِنْ كانتْ منَ اللَّمَم. وفي الحديث: ((ما رأيتُ مِن ذي لِمَّةٍ أُحسنَ من رسول اللّهِلَ له))(٦) فاللَّمَّةُ: ما بلغَ الشَّعرُ المنكبينِ؛ سُميتْ لأنها أَلمَّتْ بالمنكبينِ، فإِذا زادتَ فهي جُمَّةٌ، ورجلٌ جُمِّ، فإِذا بلغبتْ شحمة الأذنِ فهي وَفْرةٌ، فأقلُّه الوفرة ثمَّ اللَّمةُ، ثم الجُمَّةُ. واللَّهَّةُ - بالفتح - الهِمَّةُ تقعُ في القلبِ، وهو أحدُ الأقوالِ في قوله: ﴿ إِلا اللَّمَمَ﴾ وأنشد لأوس: [ من الطويل] ١٤٦٠- وكان إِذا ما التمّ منها بحاجة يُراجعُ هِتْراً مِن تُماضِرَ هاتزا(٧). (١) عجز بيت لجرير في ديوانه ٢٢٥ والمقاصد النحوية ٤٣٢/٣، وللراعي النميري في ملحقات ديوانه ٣٣١ (ألمانيا) وسيبويه ٢٨٧/٢ وبلا نسبة في اللسان ( معع) ورصف ٣٢٩. (٢) الرجز في ديوانه ٤٩١ والخزانة ٤ /٤ واللسان والتاج (لمم)، والرجز لأبي خراش في الأزهية ١٥٨ والخزانة ١٩٠/٧ واللسان والتاج (جمم)، وبلا نسبة في الإنصاف ٧٦ واللسان والتاج (لا). (٣) تفسير ابن كثير ٢٧٤/٤. (٤) الفائق ٢ /٤٧٥ وغريب ابن الجوزي ٣٣٢/٢ والنهاية ٤ /٢٧٢. (٥) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب (١٣) حديث ٣١٩١. (٦) النهاية ٤ /٠٠٢٧٢ (٧) ديوانه ٣٣ واللسان والتاج (هتر، لمم). ٤٣ باب اللام قولُه: التَمَّ مِنَ اللَّمَّة أي الزيادة، وفي الحديث: ((اللهمَّ الْمُمْ شَعثَنَا (١) )) أي اجمعْ ما شُئِّتَ من أمرِنا. وفي الحديث: «أتَى المُصدِّقُ بناقةٍ مُلَمْلَمَةٍ - أي مستديرةٌ سِمَناً - فأبى أن يَقْبلَها(٢) وأصلُه من اللُّمُّ وهو جمعُ الأكلِ. واللُّمَّةُ - بالضم - جماعةُ النساءِ، وفي حديثٍ فاطمةً: ((فخرجتْ فِي لُمَّةٍ من نسائها)» وقيلَ: هي مابينَ الثلاثةِ إِلى العشرة من الرجال. واللَّمَةُ - مخففةً - الشِّبَهُ والمِثْل، قال ابنُ الأعرابيِّ في قولِ الشاعرِ: [من الوافر] وإِنْ نَغْبُرْ فنحنُ على نُدورٍ(٣) ١٤٦١ - فإِنْ نَعْبُرْ فإِنَّ لنا لُمات قوله: على ندور أي سنموت لابد من ذلك و ((لم)) و ((لمّا)) حرفا جزمٍ معناهما النفيُ، إِلا أن «لم)) لنفي الماضي مطلقاً، و(( لمّا)) لنفيهِ مُتَّصلاً بزمنِ الحال. ووهَم بعضُهم فقال: لم لنفي الماضي المنقطع، وليس بصوابٍ لقوله: ﴿لم يَلَدْ ولم يُولَدْ﴾ [الإِخلاص: ٣] إِلى آخرِها، وقوله: ﴿[ولم] أكُنْ بدعائكَ ربِّ شَقِياً﴾ [مريم: ٤] وتأتي ((لما)) بمعنى إِلا كقوله: ﴿إِنْ كلُّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ ﴾ [الطارق: ٤] في قراءةٍ مَن شدَّد(٤). وقال الآخرُ: [من الرجز] لَمَا غَنِفْتَ نَفَساً أو اثنينْ(٥) ١٤٦٢ - قالتْ له: باللّه يا ذا البُرِدَيْنْ وتكونُ حرفَ جوابٍ لوجوبٍ، نحو: ﴿فلمّا أنْ جاءَ البشيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]. وزعمَ الفارسيُّ أنها ظرفُ زمانٍ. ولها أحكامٌ كثيرةٌ بَسَطناها في غير هذا. فصل اللام والهاء ل هـ ب: قولُه تعالى: ﴿ذاتَ لهبٍ﴾ [المسد: ٣] اللهبُ: اضطرامُ النار، واللهبُ: مايَبْدو (١) الفائق ٤٧٧/٢ وغريب ابن الجوزي ٣٣٢/٢ والنهاية ٤ /٢٧٣. (٢) الفائق ٢ / ٤٧٥ وغريب ابن الجوزي ٣٣٢/٢ والنهاية ٤ /٢٧٢ (٣) البيت دون عزو في اللسان (لأم) والتاج (لؤم)، وتروى قافية البيت (نذور) في اللسان والتاج (عبر، لما) (٤) قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي وابن كثير وخلف ويعقوب ((لَمَا) الشر ٢٩١/٢ والسبعة ٦٧٨. (٥) الرجز دون نسبة في شرح شواهد المغني ٦٨٣ واللسان والتاج (غنث) والمخصص ٩٤/١١ والهمع ٠٤٥/٢،٢٣٦/١ ٤٤ باب اللام من اشتعالها. وسمي الخبيث أبا لهب على التفاؤل له بذلك. وقيل: لتلهِّب وجنتيه؛ قال بعضُ المفسرين: لم يَقصِدْ بذلك مَقْصِدَ كُنيتهِ التي اشتهر بها، وإِنما قَصَد إِلى إِثباتِ النارِ لهُ وأنه من أهلها. وسماهُ بذلك كما يُسمَّى المثيرُ للحرب أبا الحرب وأخاها. وفرس مُلْهِبٌ: شديدُ العَدْوِ، تشبيهاً بالتارِ في سُرعتها، قال امرؤ القيسِ: [من الطويل] ١٤٦٣- فللساق الھوب(١) فالأُلهوبُ: العدوُ الشَّدید . واللّهابُ: الحرارةُ التي يجدُها العطشانُ. ويقالُ للدّخان لهبٌ أيضاً، إِما لأنه ينشأ منه أو على التشبيهِ في الارتفاعِ كما سُمي الغُبارُ به لذلك. ل هـ ث: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُحْمِلْ عليه ◌ِلَهَتْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] اللهثُ: إِذْلاعُ اللسان أي إِخراجُهُ منَ العَطشِ؛ مِثَّلَ اللّه سبحانَه حالَ بلعامَ بنِ باعوراءَ بحالٍ كلبٍ هذه صفتُه؛ فإِذا كان لاهئاً لم يملكْ دفعَ ضُرّ ولا جلبَ نفعٍ، فلم يكتفٍ بأن جعلَ مَثَلَه مَثَلَ الكلب بل مَثَلُ كلِبٍ متَّصفٍ بِما ذُكر. فقوله: ﴿إِنْ تحملْ عليهِ﴾ في محلِّ الحالِ لأنَّ الكلبَ لا يزالُ كذا دائماً يُنبهكَ بذلك لأنِ بعضَ الناسِ قد توهّمَه. ل هـ م. قولُه تعالى: ﴿فَأَلَهِمَها فُجورَها﴾ [الشمس: ٨] أي ألقَى في رُوعِها. وَالإِلهامُ: إلقاءُ الشيءِ في الرُّوعِ، يَعني نفسَ الإِنسانِ، إِلا أنَّ ذلك يختصُّ بما كَانَ من جهة اللّه تعالى أو من جهة الملإِ الأعلى، ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ روحُ القُدُسِ نَفَكَ فِي رُوعِي))(٢) الحديث. وذلك يعبّر عنه أيضاً بلَمَّةِ المَلَكِ، ويُروى ((إِنَّ للملكِ لَمَّةً وإِنَّ للشيطانِ لَمَّةً وإِنَّ روحَ القُدسِ نَفَث في رُوعي)»(٣). قيل: وأصلُه من التهامِ الشيءٍ أي (١) مطلع بيت، وتمامه: ( فاللساق ألهوب وللسوطدرة والزجر منه وقع أهوج منعبٍ ) والبيت في اللسان والتاج (نعب)، وتروى قافيته (مهذب) في اللسان والتاج (لهب، هذب). (٢) الفائق ١١٤/٣ والنهاية ٤ /٢٤ وغريب ابن الجوزي ٢٢٤/٢ (٣) أخرجه البغوي في شرح السنة ١٤ /٣٠٤. ٤٥ باب اللام ابتلاعه. والتهمَ الفصيلُ ما في الضَّرعِ أي امتصَّه. وفرسٌ لَهمّ: كأنَّه يلتهمُ الأرضَ لشدَّة عَدْوهِ. وفي الدعاءِ: ((اللهمَّ أَلْهِمْنَا رُشْدنا))(١) أي، وفُّقنا لُهُ، وحقيقتُهُ: أَدخلْ ذلك في قُلوبِنا. ل هـ و: قوله تعالى: ﴿وما هذه الحياةُ الدُّنيا إِلا لهو ولعبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] اللهوُ: الشغلُ عن مُهِماتِ الأمورِ. يقالُ: لهوْتُ بكذا، ولهيتُ عن كذا، قال الشاعرُ: [من الکامل ] ١٤٦٤ - ولقد لهوتُ بطفلةٍ مَيّالةٍ بلهاءَ تُطلعني على أسرارِها (٢) وقال امرؤ القيس : بآنسة كأنَّها خطُّ تمثال(٣) ١٤٦٥- فیا رُبِّ یومٍ قد لھوتُ ولیلة قولُه تعالى: ﴿لاهيةٌ قلوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] أي متشاغلةً عمّا يَهمُّها وَيَعْنيها، ونُسب اللهوُ إِلى القلبِ الذي هو ملاك الجسد كلّه. قولُه تعالى: ﴿لو أَرِدْنا إِنْ نَتَّخِذَ لَّهْواً﴾ [الأنبياء: ١٧]. قيلَ: هو الولدُ، وقيلَ: المرأةُ، والحقُّ أنَّ هذا تخصيصٌ من غيرِ دليلٍ، اللهمَّ إِلا أنْ يُرادَ به الَّمثيلُ ببعضٍ ما يصدُّقُ عليهِ هذا اللفظُ، فإِنَّ حقيقةَ اللهوِ ما قدَّمتُه. وقال الراغبُ (٤): ويعبِّرُ به عن كلِّ ما بهِ استمتاعٌ، قالَ: ومَن قالَ: أرادَ باللهوِ المرأةَ والولدَ فتخصيصٌ لبعضٍ ما هوَ من زينةٍ الحياة الدنيا التي هي لھوٌ. قولُه تعالى: ﴿رجالٌ لا تُلْهِيهِم تجارةٌ ولا بَيعٌ﴾ [النور: ٣٧] أي لا يشغَلُهم عمّا يَهُمُّهم، وليسَ في ذلك ذمٌّ للتجارةِ ولا نَهيّ عنها بوجهٍ من الوجوهِ، إِنَّما مدحَهم بكونِ التجارة والبيع لا يُلهيانِهم عن ذكرِ اللّهِ، أي مع تعاطيهم لها لا يَشْغلانهم عن مهمات (١) النهاية ٤ / ٢٨٢. (٢) البيت للنمر بن تولب في ديوانه ٣٤٩، وقد تقدم برقم ٩٤٦ في مادة (طفل) . (٣) تقدم برقم ٥٥٨. (٤) المفردات ٧٤٨. ٤٦ باب اللام دينهم. وهذا لا شكَّ أنه فضلٌ مِن إِنسانٍ لا يَتعاطى ذلك ولا يُلهيهِ شيءٌ. وجوَّزَ بعضُهم في الآية وجهاً آخرَ وهوَ أنَّ المعنى لا تجارةَ عندهُم ولا بيعٌ فلا لهوٌ، جعلَه مِثْلَ قولِهِ تعالى: ﴿لا يَسألونَ الناسَ إِحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقولِ امرئ القيس: [من الطويل] ١٤٦٦ - على لاحِبٍ لا يَهتدي بِمَنَارٍ (١). والاولُ أُظھرُ وأبلغُ في مدحهم. ويؤيدُ ذلك قولُه في موضع آخر: ﴿لیس علیکُم جُنَاحٌ أنْ تَبْتغوا فضلاً من ربّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿لَشْهِدوا منافعَ لهمُ﴾ [الحج:٢٨ ] نزل ذلك في التجارة أيام الحجِّ، و کانوا قد تحرّجُوا من ذلك. قولُه: ﴿ومنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديثِ﴾ [لقمان: ٦] قيلَ: هو النضرُ بنُ الحارث الداريِّ، كان قد قرأ كتبَ الأعاجم «رُسْتَم وإِسْفَنْدْيار)) وكان يشغلُ بها قريشاً عن سماع القرآن. ويقولُ: قد كدتُ أن أحدِّئُكُم بأحسنَ ممّا يحدّثكم بهِ. وقيل: نَزَلت في شراءِ القيانِ أي الجواري المغنيات(٢)، وقد حرَّمَه بعضُ العلماء. قولُه: ﴿فَأَنْتَ عنه تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] أي تشاغَلُ، وأصلُه تَتَلهَّى(٢)؛ نزلتْ في ابنِ أمِّ مكتومٍ، وكان عليه الصلاةُ والسلام يقولُ لهِ إِذا أقبلَ: ((مَرحباً بمَن عاتَبَني فيه ربي )). قوله: ﴿الهاكُمُ التِّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] أي شَغلتْكم المكاثرةُ بَالأهلِ والمالِ والولد. وكانوا يَتَّفاخرون بأنسابِهم وأموالهم. وفي الحديث: ((سألتُ ربِّي إِلاَّ بِعذِّبَ اللاهينَ من ذُريةِ البشرِ)». قيلَ: همُ الأطفالُ لأنَّهم يَقْترفون ذُنوباً. وقيلَ: همُ الذينَ عَملوا ذُنوباً نسياناً وسهواً لا تَعمداً وألهاهُ عن كذا: أي شغله عنه، وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل] ١٤٦٧ - فمثلك حبلی قد طرقتُ ومُرضعٍ فألهَيْتُها عن ذِي تَماثمَ مُحْوِلٍ(٤) (١) صدر بيت في ديوانه ٦٦، وعجزه: (إِذا يافه العود النباطي جرجراً) . : (٢) تفسير ابن كثير ٤٥١/٣. (٣) قرأ طلحة بن مصرف (تَتَلَّهَى، تَلْهَى) وقرأ أبو جعفر (تُلَهَّى) البحر المحيط ٤٢٨/٨. (٤) ديوانه ١٢، وتقدم برقم ٣٩٨ ٤٧ باب اللام واللّهْوةُ: ما يُشغلُ به الرَّحى ممَّا يُطرحُ فيها، والجمعُ لِهاءُ، ويعبَّرُ بذلك عن العَطايا فيقالُ: لهُ عليه لهاءٌ. واللّهاةُ: اللحمةُ المُشْرفة على الحَلْقِ، وقيلَ: هي أقصى الفم، وأنشدَ: [من الرجز] ينْشَبُ في المَسْعَلِ وَاللَّهِياءِ(١) ١٤٦٨ - يا لَّكَ من تمرٍ ومن شِيشاءٍ اللهاءُ: جمعُ لهاةٍ، وإنما مدَّها ضرورةً، وهو رأيُ الكوفيين. والمَلْهى: اسمُ مصدرٍ أو زمانُه أو مكانُه، ويُقترنُ اللهوُ باللعب متقدّماً عليه تارةً ومتأخراً عنه أُخرى تَفنّاً في البلاغة. فصل اللام والواو ل و ت : ! قولُه تعالى: ﴿أقرأَيْتُمُ اللاتَ والعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] هما صَنمانِ لقريشٍ؛ قيلَ: كانتْ لثقيفٍ بالطائفِ، وقيلَ: محلةً لقريشٍ، والعُزَّى لغطفانَ وهي سَمُرةٌ، ويؤكِّد کونَها لثقيفٍ قولُ الشاعرِ: [من المتقارب] ١٤٦٩- وفَرَّتْ ثقيفٌ إِلى لاتِها كمُنْقلبِ الخائب الخاسرِ(٢) واختُلفَ في ألفِها؛ فقيلَ: عَنْ واوٍ مِن لَوَى يَلوي، لأنهم كانوا يَلْتَوون عليها، أي يعكفون، والأصلُ لوَتَةٌ فحذفتِ اللامُ وعُوضَ منها تاءُ التأنيث، وقيلَ: عن ياءِ فتَاؤُها أصليةٌ. ومن ثم اختلفَ القُراءُ في الوقف على يائِها؛ فالكسائيُّ بالهاءِ (٣)، والباقونَ بالتاءِ. و((أل) فيها مزيدةٌ، وقيلَ: هي لازمةٌ أو غيرُ لازمةٍ. وهلَ هي عَلَمٌ بالغلبةِ أو بالوضعِ خلافٌ، وقد أتقناهُ في «الدرِّ)) وغيرهِ فعليك باعتبارهِ. وقال بعضُهم: أصلُها اللّه فحذفوا منها الهاءَ، وأدخلوا فيه التاءَ تَنْبيهاً على قصورهِ عن «اللّهِ)) في زعمِهم، وهو عندهُمْ يُتقَّب به إلى الله تعالى. (١) الرجز إلابي مقدام الراجز في المخصص ١ /١٥٧، ١٥٢/١٥،١٣١/١١، وله أو لأعرابي في المقاصد الحوية ٤ /٥٠٧، وبلا نسبة في الخصائص ٣١٨،٢٣١/٢، اللسان والتاج (شيش، لها) والهمع ١٥٧/٢. (٢) البيت لضرار بن الخطاب في الدر المصون ٩١/١٠ والبحر المحيط ١٠/٨. (٣) قرأ الكسائي وابن كثير (اللاه) النشر ١٣٢/٢. ٤٨ باب اللام ويقربُ من هذه اللفظةُ ((لاتَ)) من قولِهِ: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص٣] وإِنْ كانَ ألفُ لات أصليةً لكونها حرفاً. و((لاتَ)) هي لا النافيةُ دخلتْ علیھا تاءُ التأنيث کدخولها فِي رُبِّتَ وَثُمَّتَ، وتعملُ عملَ ليسَ، إِلا أنها اختصَّتْ بحكمينِ بعدَ دخولِ التاءِ عليها؛ أحدُهما أنَّها لا تعملُ إِلا جارَّةٌ كقولِه تعالى: ﴿ولاتَ حينَ مَنَاصٍ﴾ وقولِ الشاعر: [من الکامل ] والبغي مرتع مبتغیه و خیمُ (١) ١٤٧٠- نَدم البغاةُ ولات ساعةً منْدمٍ . وأما قولُ الآخرِ: [من الكامل] ١٤٧١ - حَّتْ نَوَارُ ولاتَ هَنَا حَنَّتِ : وبَدا الذي كانتْ نَوارُ أجنَّت(٢). فلنا فيه كلامٌ ليس موضعَه. والثاني أن يُحذفَ مرفوعُها ويَبقى منصوبُها، وكذلك كانت القراءةَ المشهورةَ. وقد قُرِئَ برفعِ ((حينُ مناصٍ(٣)). وقال بعضُهم: إِنَّ التاءَ زيدتْ فيها مَنْبهةً على الساعة والمدَّةَ كأنه قيلَ: [ليستِ] الساعةُ أو المدةُ حينَ مناصٍ. وزعمَ آخرون، ونقلَه الراغبُ عن البَصْربين (٤): أصلُها ليسَ فقُلبتِ الياءُ ألفاً والسينُ تاءُ نحوُ (إِليات)) في ((إِلياس))، وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدُهما عدمُ الموجب لقلب الياء ألفاً لسكونها. والثاني أنَّ قلبَ السينِ تاءُ محفوظٌ لا يقاسُ عليه، فدَعوى ذلك مجردُ احتمالٍ. وزعم أبو عبيدٍ أنَّ التاءَ ليسَتْ من تمامٍ (( لا)) إِنَّما هي متصلةٌ بحينَ، والعربُ تفعلُ ذلك فتقولُ: جئتُكْ تَحينَ قامَ زيدٌ، وأنشدَ: [من الكامل] ١٤٧٢- العاطفون تحین لا من عاطفٍ والمُطْعِمون تحينَ لا من مُطْعِمٍ(٥) وبأنها كُتبتْ في المصحفِ كذا ﴿ ولا تَحينَ مناصٍ﴾. وقد ردَّ الناسُ عليهِ مقالته بما أوضحناهُ في غيرِ هذا. وقد قُرئّ بجرُ الحينِ في الآيةِ. وتخريجُه في غيرِ هذا الموضوعِ (١) بقدم برقم ١٧٨. (٢) البيت لشبيب بن جميل في شرح شواهد المغني ٩١٩ والمقاصد النحوية ٤١٨/١، وله ولججل بن نضلة في الخزانة ٤ /١٩٥ (مازون) وبلا نسبة في الهمع ١ / ٧٨، ١٢٦. (٣) قرأ أبو السمال (ولات حين) مختصر ابن خالويه ١٢٩. : (٤) المفردات ٧٤٩. (٥) البيت لأبي وجزة السعدي في الأزهية ٢٦٤ والإنصاف ١٠٨ والخزانة ٤ /١٧٥ واللسان (ليت، عطف، أين ، حين ، ما ) . ٤٩ باب اللام من تأليفنا، وقد اختلفَ القراءُ في الوقوف على تائها؛ هل هو بالتاءِ أو بالهاءِ حسبَ اختلافِهم في ((اللاتٍ)) سواءٌ بسواءٍ. ل وح: قوله تعالى: ﴿في لوحٍ محفوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] اللوحُ في التَّعارف: ما يَكتبُ فيه، ولا يَعلمُ كنهَ هذا اللوحِ إِلا اللهُ تعالى، وفيه أعمالُ الخلائقِ كلُّها. قال الراغب(١): كيفيتُهُ تَخْفى علينا إلا بقدرِ ما رُوي لنا في الأخبارِ، وهو غيرُ المعبّر عنه بالكتابِ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ ذلك في كتابٍ﴾ [الحج: ٧٠]. قلتُ: قد اختلف الناسُ في ذاتهِ وكيفيتهِ فقيلَ: مِن نورٍ، وقيلَ: من ذهبٍ، وأن القلمَ جَری علیه فكتب فيه ما كان وما يكونُ إِلى يومِ القيامة. كلٌّ ذلك لتستمليَ الملائكةُ منه، ثم تُمليهِ على ملائكةٍ آخرينَ دونَهم من الأوامرِ والنّواهي والرزقٍ. فسبحانَ العالمِ بحقيقةٍ ذلك، وعلمُ اللّه مستغنٍ عن اللوح: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢ ] وإِنما فائدتُه ما ذكرتُ لكَ. واللوحُ: واحدُ ألواحِ السفينةِ كقوله: ﴿وحَملناهُ على ذاتِ ألواحٍ﴾ [القمر: ١٣]. وكُّل ما انبسطَ مع رقةٍ سُمكهٍ فهو لُوحٌ. واللَّوحُ أيضاً: العطشُ، واللّوحُ - بالضمّ -: بينَ الخَضِرِ والغَبِرِ. قولُه تعالى: ﴿لَوّاحةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] أي تُغيِّرُه. يقالُ: لاحَتْه الشمسُ، ولوَّحتْه: إِذا غيَّرتْ وجهَه، وذلك أنَّ النارَ تسوِّدُ ما تحرقُه لا سيما نارٌ لا يَعلمُ كُنْهَها إِلا مُضْرِمُها. ولوَّحَه الحرِّ: غيّره. ولاحَ الحرٌّ لوحاً، أي حصلَ في اللوح، وألاحَ بسيفهِ، أي أرى لمعهُ، وسُمي الصبحُ ليّاحاً لأنه يلوحُ بضوئِهِ، والثوبُ اللوحيُّ: لأنه يلوحُ بلونِهِ. ولاحَ سهيلٌ: بَدا، وألاحَ: تلالا، وألاحَ مِن كذا ولاحَ منه: أشفقَ منه، وفي الحديث: ((قالَ للمغيرة: أتحلفُ عندَ منبرٍ رسولِ اللَّه عَّه؟ فألاحَ منَ اليمين (٢))). ويقالُ: أبيضُ لّاحٌ ولِياحٌ - بالكسر والفتح - نحوُ أبيضُ يَقَقِّ. وكانَ لحمزةَ الشهيد سيفٌ يسمَّى لَّاحاً لشدة لمعانه(٢). (١) المفردات ٧٥٠. (٢) النهاية ٤ /٢٧٦ وغريب ابن الجوزي ٣٣٤/٢. (٣) النهاية ٤ / ٢٨٤ وغريب ابن الجوزي ٣٣٤/٢. ٠٥٠ باب اللام ل و ذ: قولُه تعالى: ﴿الذين يَتَسلَّلون منكُمْ لِواذاً (١)﴾ [النور: ٦٣] أي اسْتتاراً، من قولهم: لاوَذَ بكذا يُلاوذُ مِلاوذةً، أي اسْتَتَربه؛ وذلك أنَّ المنافقين كانوا يشتغلون بجلوسهم في مجلسٍ رسولَ اللّهِ عَِّ فيتسلّلون منه ويَسْتترون بالناسِ خشيةً أنْ يُبْصَروا، فنزل عدمُ الانصرافِ إِلاَّ باستئذانٍ. ولا يجوزُ أن يكونَ لِواذاً مِن لاذَ يلوذُ إِذْ كانَ يجب أن يقال لياذاً لِما أتقناهُ في علمِ التصريف. وقيلَ: معنى لِواذاً أي تباعُداً منه وفراراً. يقال: لاوَذَه لِواذاً أي فرَّ منه وتباعدَ، ففاعَلَ - هنا - بمعنى فعلَ، كَسافرتُ. وأما لاذَ به يلوذُ فمعناهُ استغاثَ به التجأَ إِليه، وأنشدَ : [ من الطويل] ١٤٧٣ - يلوذُ بِهِ الهُلأَّكُ مِن آلِ هاشم(٢) وفلانٌ ملاذُ فلان، أي ملجؤُه. ل و ط: قولُه تعالى: ﴿وَنَجَّيناهُ ولوطاً﴾ [الأنبياء: ٧١] لوطٌ: علمٌ للنبيِّ المشهورِ ابْنِ اختِ إِبراهيمَ خليل الرحمنِ المهاجرِ معه عَّله، وهو منصرفٌ لخفَّتِهِ وإِن [كان] عَلِمَاً أعجمياً. وغلطَ مَن جوَّزَ فِيهِ وفي ((نوحٍ)) الوجهينِ. والظاهر أنه لا اشتقاقَ له لعجمته إِلا أنهم قالوا: يجوزُ أنْ يكونَ مُشتقاً من لاطَ الشيءُ بقلبي يلوطُ لَوْطاً، أي لصِقَ ولزِقَ. ومنه الحديثُ: ((الولدُ أَلْوطُ - أي ألصقُ - بالكبير(٣))). وهذا الامرُ لا يلتاطُ بصدري أي لا يلتصقُ به لتقربه منهُ. ولطْتُ الحوضَ بالطينِ: مّلطّتُه به. ويقالُ: لاطَ بهِ يلوطُ لَوْطاً، ولاطَ يَليطُ لَيْطاً. ومِن كلامِهم: ((مَن أحبَّ الدُّنيا التاط منها بثلاث: شُغلٍ لا يَنْقَضِي، وأملٍ لا يُدرَكُ، وحرصْ لا يُنالُ(٤))). واللَّوْطُ: الإصلاحُ - أيضاً - ومنه: كانَ يلوطُ له مالاً، وكان يلوطُ حوضه، ومنه (١) قرأ يزيد بن قطيب (أواذاً) البحر المحيط ٦ /٤٧٧. (٢) صدر بيت لأبي طالب في الأساس والتاج (هلك) وعجزه: (فهم عنده في نعمة وفواضل) (٣) الفائق ٢ /٤٧٩ وغريب ابن الجوزي ٣٣٥/٢ والنهاية ٤ /٢٧٧. (٤) غريب ابن الجوزي ٢ /٣٣٥ والنهاية ٤ / ٢٧٧. ٥١ باب اللام قولُ ابنِ عباسٍ: ((إِنْ كنتَ تَلُوطُ حَوْضَها(١). واللّطُ: القشرُ اللاصقُ بالشجر، وهذا أصلُ المادة. واللّطُ - أيضاً - اللونُ، وقد فُسر حديثُ وائلٍ بنٍ حُجْر: ((في التِّيعة شاةٌ لا مُقْوَرَّةُ الأَلياط (٢))) بالمعنيين؛ فإِنَّ الأَلياطَ جمعُ لِيطٍ، فَعلى معنى الأولِ هيَ المتغيرةُ الحائلةُ عن أحوالها، وأنشدَ محميد: [من المتقارب ] ١٤٧٤ - على عَينِها لَيْطُ أبكارِها (٣) وعلى معنى ألصق أي ليستْ مُسترخيةَ الجلودِ لهُزالِها. ل وم: قولُه تعالى: ﴿ولا أُقسمُ بالنفسِ اللَّوامةِ﴾ [القيامة: ٢] قيلَ: هي كلِّ نفسٍ مؤمنةً كانت أو كافرةٌ. أما المؤمنةُ فتلومُ نفسَها على عدمٍ ازديادِ الخيرِ الذي عملتْه، وأمّا الكافرةُ فتلومُ نفسَها إِذْ لم تكن آمنتْ. وقيلَ: هيَ النفسُ التي اكتسبتْ بعضَ الفضيلةِ فتلومُ صاحبَها إِذا ارتكبَ مكروهاً، (قال هذا القائل) فهي دونَ النفسِ المطمئنةِ. وقيل: هي النفسُ التي اطمأنَّتْ في ذاتِها وترشَّحتْ لتأديبٍ غيرِها، فهي فوقَ النفسِ المطمئنةِ. والمتصوفةُ قسموا النفسَ إِلى ثلاثة أقسام؛ فأدناها عندهُم الإِيمان كقوله: ((إِنَّ النفس لامَّارةٌ بالسوءِ﴾، ثم اللّوامةُ لأنَّها نُسبتْ لتقصيرِها، ثم المطمئنة. وأصلُ اللومِ عَذْلٌ الإِنسانِ بنسبتهِ إِلى ما فيه لومٌ؛ يقالُ: لُمْتُه فهو مَلومٌ. قولُه: ﴿فَلا تَلوموني(٤) ولُوموا أنفسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي لا تَتَعاطوا لَومي. قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّهم غيرُ مَلومين﴾ [المؤمنون: ٦] أي، غيرُ فاعلين ما يُلامون عليه، وفیهِ تنبيه على أنَّهم إِذا لم يُلاموا لم يُفعل بهم ما هو فوقَ اللومِ، والأمرُ أتى بما يُلامُ عليه. قولُه تعالى: ﴿فالتقَمَه الحوتُ وهوَ مُلِيمٌ (٥)﴾ [الصافات: ١٤٢] هذا بالنسبة إِلى جانب اللّه تعالى له أن يقولَ ما شاءَ في حقِّ عباده، وأما نحنُ فلا نقولُه إِلا على سبيلِ (١) غريب ابن الجوزي ٣٣٥/٢ والنهاية ٤ /٢٧٧. (٢) غريب ابن الجوزي ٣٣٤/٢ والنهاية ٤ /٢٨٥ والفائق ٠٠٤/١ (٣) لم اهتد إِليه (٤) قرئت (يلوموني) البحر المحيط ٤١٩/٥. (٥) قرئت (مَليم) البحر المحيط ٣٧٥/٧ .. ٥٢ باب اللام التِّلاوةِ، وإِنما نبهتُ على ذلك لأنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: أتى ما يُلامُ عليه. والتَّلاوُمُ: أن يلومَ بعضُهم بعضاً. ورجلٌّ لُوَمَّةٌ: يُكثِرُ لومَ الناسِ. ولُوْمَةٌ: يلومُه غيرُه، نحوُ: ضُحَكة وضُحْكة. واللائمةُ: هو اللائمُ التاء فيه للمبالغة كراوية. وجمعها لوائم، قال: [ من الطويل] i ١٤٧٥ - فلا تَجْعلوني عُرضةٌ لِلَوائم(١) ولمتُه لَوْماً: عدَلتُه إِلى جهةٍ يلامُ عليها، وهو قريبٌ منَ العتبِ، قالَ الشاعرُ: [من مجزوء الكامل ] حِ يَلَّمَي وألومُهُّهْ(٢) ١٤٧٦ - بكَرَ العواذلُ في الصُّبو ك وقد كبرْتَ فقلتُ: إِنَّهْ ويَقُلْنَ: شَيبٌ قد عَلا واللَّوماءُ: الملامةُ نفسُها. ل ون : قولُه تعالى: ﴿صفراءُ فاقعٌ لونُها(٣) ﴾ [البقرة: ٦٩] اللونُ ما يظهرُ للعين من زيقِ الجيب كالبياضِ والسوادٍ، يقالُ: أصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ يَقَقٌّ، وأحمرُ قانٍ، وأخضِرُ ناضرٌ، وأزرقُ حَطباني، وأسودُ حَلكٌ وحانِكٌ وبَهِمٌ، وقيل: البَهمُ: الخالصُ من كلِّ لونٍ. وأصلُ الألوان البياضُ لانَّ كلَّ لونٍ يطرأ عليه. وظاهر كلام الراغب أنه والأسود اصلان(٤)، ما عَداهُمَا مركّبٌ منهما فإِنه قالَ (٤): اللونُ معروفٌ وينطوي على الأبيض والأسودِ وَمَا یُركّب منهما. وتلوَّن فلانٌ: إِذا تغيَّرَ عن حالةٍ إِلى حالةٍ أخرى، قَالَ كعبُ بنُ زهيرٍ رضيَ اللّه عنه: [ من البسيط ] ١٤٧٧- فما تکونُ علی حالٍ تکونُ بهما . كما تَلوَّنُ في أثوابِها الغُولُ (٥) (١) لم أهتد إليه . (٢) البيتان لعبيد الله بن قيس الرقبيت في ديوانه ٦٦ والأزهية ٢٥٨ والخزانة ٢١٦/١١ واللسان (أنن) . (٣) قرئت (مالونَها) إملاء العكبري ٢٥/١. (٤) المفردات ٧٥١ قرئت (مالونَها) إملاء العكبري ٢٥/١. (٥) ديوانه ٨. وتكرر برقم ١١٥٥. ... ٥٣ باب اللام قولُه تعالى: ﴿واختلافُ أَلْسِنَتِكُم وألوانِكُم﴾ [الروم: ٢٢] إِشارةٌ إِلى بليغ قدرتِه في اختلافِ الإِنشاءِ من سوادٍ وبياضٍ. ثم البياضُ مُتفاوتٌ في نفسِهِ إِلى أنواعٍ يقصُرُ عنه التعبيرُ وكذا باقيها، وفيه دلالةٌ على اختلافِ الصورِ التي تختصُّ كلٌّ صورةٍ منها بهيئةٍ غيرِ هيئة الأخرى مع كثرةٍ عددِهم واتحادِ أصلِهم. ويعبَّر بالألوانِ عن الأجناسِ والأنواعِ، يقالُ: فلانٌ أتى بألوانٍ من الطعامِ وأنواعٍ من الطعام. واللونُ - أيضاً - النَّخلُ وهو ما عدا البَرْنِيِّ والعجوةِ تُسميها أهلُ المدينة الألوانَ وقيل: اللونُ نوعٌ منه وهو الدَّقَلُ، ومنه قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيما كتبَ به إِلى عماله: (( يؤخَذُ في البَرْنِيِّ منَ البَرْنِيُّ وفي اللونِ من اللونِ(١)). قالوا: اللونُ: الدَّقَلُ وجمعُه ألوانً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ما قَطّعتُم من لِينةٍ﴾ [الحشر: ٥] أي من نخلةٍ غيرِ ما ذُكر، فسُكنتِ الواوُ بعدُ كسرةٍ فقُلبتْ ياءُ نحو قيمةٍ. وفسَّرها بالنَّخلة الناعمة، قالَ(٢): ومَخرجُه مَخرجُ فِعلةٍ نحوُ حنطةٍ، قال: ولا يختصُّ بنوعٍ دونَ نوعٍ؛ وما قَالُه غيرُه هو المشهورُ إِلا أنَّ الظاهرَ معه لقولهِ: ﴿ ما قطعتُم من لينةٍ﴾ الآية؛ فإِنَّ ذلك لا يختصُّ بنوعٍ دونَ نوعٍ. وقد أدخلَ الراغبُ هذه اللفظةَ في مادةِ (ل ي ن) والصوابُ أنها من مادةِ(ل ون) كما قدمتُه. ل و ھـ: قد تقدَّم أن الجلالةَ المعظمةَ أصلُها لوهَ أولوه من لاءَ يلُوهُ: إِذا ارتفعَ، وقد تقدَّمَ القولُ في ذلك مُشبعاً فأغنى القولُ عن إِعادتهِ هنا . ل و: حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ، هذه عبارةُ القدماءِ، وأوردَ عليها قولُه تعالى: ﴿ولو أنَّما في الأرضِ من شجرةٍ أقلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، وذلك لأنَّ امتناعَ النفي إِثباتٌ، وامتناعَ الإثباتِ نفيٌ، فيلزمُ محذورٌ عظيمٌ. وأوردَ عليها قولُه عليه الصلاة والسلام: ((نعمَ العبدُ صُهيبٌ لو لم يخفِ اللَّهَ لم يعصِهِ(٢))) ولذلك أبى الحذّاقُ أن يجعلوا قولَ امرئ القيس: [من الطويل] (١) الفائق ٤٧٩/٢ والنهاية ٢٧٩/٤ وغريب ابن الجوزي ٣٣٦/٢. (٢) يقصد الراغب في المفردات ٧٥٢. (٣) كشف الخفاء ٣٢٣/٢. ٥٤ باب اللام كفاني، ولم أطلبْ، قليلٌ منَ المال(١) ١٤٧٨ - ولوْ أنَّ ما أَسْعَى لأدنى معيشةٍ منَ التنازعِ، وهذا كلُّه قد حققناه في غير هذا، وإِنما نذكرُهُ مَنْبهةً على الأصولِ. فالصوابُ عبارةُ سيبويهِ أنها حرفٌ لِما كانَ سَيَقعُ لوقوعٍ غيرِهِ(٢). وبعضُهم يعبِّرُ عنها بأنها حرفُ شرطٍ في الماضي، وتُخلّصَ المضارعُ للمضيِّ كقوله تعالى: ﴿لو يُطيعُكُم﴾، ويقع في المستقبلٍ كقولٍ توبة: [ من الطويل] عليَّ ودُوني جَندلٌ وصفائحُ(٣) ١٤٧٩ - ولو أنَّ ليلى الأخيليةَ سَلّمتْ : إليها صدى من جانب القبرِ صائحٌ لسلَّمْتُ تسليمَ البَشاشة أو زقًّا وتقعُ بمعنى إِنْ كقولِه تعالى: ﴿لَو تَرِكُوا مِن خلفهم ذريةً ضعافاً خافُوا عليهم﴾ [النساء: ٩] وهو أحدُ القولين في قولهِ لَ ه: ((لو لم يخفِ اللّه)) (٤) وقولِ الآخرِ: [من البسيط ] ١٤٨٠ - قومٌ إِذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهم دونَ النساء ولو بائَتْ بأطهار(٥) أي ، وإِنْ باتتْ. وتكونُ ((لو)) للتمنّ، ولذلك يُنصب المضارعُ في جوابها كقوله: ﴿فلو أنَّ لنا كَرَّةٌ فنكونَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] في إِحدى القراءتين. وتكونُ حرفاً مصدرياً كأنْ عند بعضهم، بشرط أن يتقدَّمَها وَدَّ كقولهِ تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحْدُهُمْ لو يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦ ] ﴿وَدُّوا لو تُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩] أي يودُّ التعميرَ والإِدهانَ. وفيها كلامٌ ليس هذا وضعَه. والفصيحُ في واوِها عندَ التقاء الساكنينِ الكسرُ نحوُ: ﴿لوِ استَطعنا لخرجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢٠]. وقُرئ بضمِّها حَملاً على واوِ الضميرِ كما حُملت واوُ الضميرِ عليها(٦)، فقرئَّ بكسرِها. نحوُ: ﴿اشَتَرَوِا الضَّلالةَ﴾ [البقرة: ١٧٥]. (١) البيت في ديوانه ٣٩ والإنصاف ٨٤ وشذور الذهب ٢٩٦ وقطر اي الندى ١٩٩ وسيبويه ٧٩/١ والھمع ١١٠/٢ والتاج(ألو ). (٢) كتاب سيبويه ٢٤٤/٤. (٣) البيتان في الأغاني ١١ /٢٤٤ والحماسة البصرية ٢ /١:٠٨ وشرح الحماسة للمرزوقي ١٣:١١ والمقاصد النحوية ٤ /٤٥٣. (٤ ) من الحديث السابق . (٥) البيت للأخطل، وقد تقدم برقم ٥٤. (٦) قرأ الأعمش وزيد بن علي (أَواستطعنا)، وقرأ الحسن (لَوَ استطعنا) البحر المحيط ٤٦/٥ ٥٥ باب اللام وتزادُ بعدَها ((لا) فتصيرُ ((لولا)) ولها مَعنيان: أحدهما امتناعُ لوجودٍ نحو قوله: ﴿ولولا فضلُ اللهِ﴾ [النور: ٢٠]. ويلزمُ حذفُ الخبرِ بعدَها وإِنْ كانَ كوناً مُطلقاً، وإِلا فإِنْ دلَّ عليه دليلٌ جازَ حذفُهُ وذكرُه كقوله: [ من الوافر] ١٤٨١ - يُذيبُ الرعبُ منه كلَّ عَضْبٍ فلولا الغمدُ يُمسكُّه لَسالا(١) فالاوجبُ ذكرُه كقوله: [ من الطويل] ١٤٨٢- فلولا بَنُوها حَولها لخبطتها (٢) وتختصُّ بالابتداء، فأمّا قولُه: [من الوافر] لما عدم المُسيئون احتمالي(٣) ١٤٨٣ - فلولا تَحسبونَ الحلمَ عَجزاً فعلى حَذفِ أنْ، كقوله: ﴿ومن آياتِه يُرِيكُمُ البَرْقَ خوفاً﴾ [الروم: ٢٤]. واختلفَ النحاةُ في المرفوعِ بعدَها، والأصحُّ أنه مبتدأ - كما قدمتُه - والثاني: أن تكونَ حرف تخصيصٍ كـ ((هَلاّ))(٤)، كقوله تعالى: ﴿فلولا كانَ منَ القُرُونِ﴾ [هود: ١١٦] ﴿ ولولا إِذْ سَمِعتموهٍ ﴾ [النور: ١٦] وقد يُحذفُ الفعلُ بعدَها كقوله: [ من الطويل] ١٣٨٤ - تَعدُّونَ عُقْرَ النيبِ أفضلَ مجدِكُم بَنِي صَوْطَرى لولا الكميُّ المُقْنَّعا(٥) أي، لولا يَعُدُّون الكميَّ. وتختصُّ بالأفعالِ ك« هَلاّ)». فأمّا قولُه: [ من الطويل] إليّ، فلولا نفسُ ليلى شَفيعُها (٦) ١٣٨٥ - ونُبِئْتُ لیلی أَرْسَلتْ بشفاعةٍ فعلى إِضمارٍ كانَ الشأنيةَ أي ، فلولا كان الأمرُ والشأنُ، هذه كلُّها أصولٌ مقرَّرةٌ فيما وضعناهُ. (١) البيت لأبي العلاء المعري في رصف المباني ٢٩٥ والدررر ٢٧/٢ (الكويت) (٢) صدر بيت الزبير بن العوام، وعجزه: ((كخبطة عصفور ولم أتلعثم)) والبيت في المقاصد العينية ٥٧١/١. (٣) البيت دون نسبة الدر المصون ١ /٤١٠. (٤) (( قال الفراء: إِذا لم ترَبعد - لولا - اسماً فهي استفهام بمعنى هلا ، وإِذا رأيت بعدها اسماً مرفوعاً فهي التي جوابها اللام)) الأشباه والنظائر للثعالبي ٣٢٨. (٥) البيت لجرير في ديوانه ٣٣٨ والخزانة ٥٥/٣ (هارون) والخصائص ٤٥/٢ وشرح المفصل ٣٨/٢، ١٤٤/٨، وللفرزدق في الأزهية ١٦٨ واللسان (ضطر)، ولجرير أو للأشهب بن رميلة في شرح المفصل ١٤٥/٨، وبلا نسبة في رصف المباني ٢٩٣ والهمع ١ /١٤٨. (٦) البيت للمجنون في ديوانه ١٥٤، ولابن الدمينة في ملحق ديوانه ٢٠٦، وللصمة القشيري في ديوانه ١١٣، وبلا نسبة في رصف المباني ٤٠٨ والهمع ٢ /٦٧ . ٠ ٥٦ باب اللام لا: ممّا يَنْبغي التكلمُ عليه هنا (( لا)) وهي نافيةٌ، وناهيةٌ، وزائدةٌ للتوكيد، والنافيةُ تكون تارةً لنفي الجنسِ وتُسمَّى ((لا الثَّبرئة)) وتعملُ عملَ إِنْ نحوُ: لا رجلَ قائمٌ، واسمُها معربٌ ومَبنيٍّ. ولعملها شروطٌ، وتدخُل عليها همزةُ الاستفهام فتصيرُ مشتركةُ بينَ النَّفي المستفهَمِ عنه وبين التمني كقولهِ: أَلا ماءَ بارداً؟ وبينَ التَّحضيضِ والعَرض وبينَ الاستفتاحِ والتنبيهِ، كقوله تعالى: ﴿أَلا يومَ يَأْتِيهِم﴾ [هود: ٨]. والناهيةُ تجزمُ فعلاً واحداً وتردُ للدعاءِ نحوُ: لا تعذّبْنا ياربُ. والزائدةُ كقوله تعالى: ﴿ ما مَنَعَك أَلا تَسجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿لئلاً (١) يَعلمُ أهلُ الكتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. وفي ما ذكرناهُ كفايةٌ. ل و ي: قولُه تعالى: ﴿لَوَّوْا رَؤُوسَهُم﴾ [المنافقون: ٥] أي أمالوها وعَطفوها تكبِّراً عن الحقِّ. يقالُ: لَوى رأسَه وعنقَهُ ولواهُما - مخفّفاً ومشدَّداً -. وقد قُرئ بهما (٢). ويقالُ: لَوى رأسَه وعَواهُ - أيضاً - ليّاً وعَيّاً: إِذا ثناهُ عنكَ خلافاً عليك. قوله تعالى: ﴿لَيّاً بِالسَّنَهم﴾ [النساء: ٤٦] أي تحريفاً، والأصل لَوْياً فأدغَم. وقولُه: ﴿يَلْوُونَ(٣) السنّتَهم بالكتابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] أي يُحرِّفونَه ويغيِّرون أحكامه. : وأصلُ الليِّ الفتلُ، والمعنى يَفْتَلون لسانَهم منَ النُّطْقِ بالحقِّ إِلى النطقِ بالكذب ويعبَّر بهِ عن التخرِّصِ أيضاً. (١) قرأ خطاب بن عبد الله (لاَنْ لا)، وقرأ الجحدري (لَنْ يعلمَ)، وقرأ الحسن (لئلاّ يعلمُ) ، وقرأ ابن عباس ( کي یعلم) ، وقرأ ابن مسعود وعكرمة وابن جبير (لكي يعلم) وقرأ ابن عباس وابن مسعود (لكيلا يعلم)، وقرأ الحسن وابن مجاهد ( لَيْلا يعلمُ) البحر المحيط ٢٢٩/٨، وقرأ الأزرق وورش (لِيّلا) الإتحاف ٤١١. (٢) قرأ نافع وعاصم ومجاهد والحسن وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبان ويعقوب (لَوَوا) النشر ٣٨٨/٢ والسبعة ٦٣٦. (٣) قرأ نافع وأبو جعفر وأبو حاتم وشيبة (يُرُّون)، وقرأ ابن كثير ومجاهد وحميد (يَكُون) إِملاء العكبري ٨٢/١ البحر المحيط ٥٠٣/٢. ... ۔۔ ٥٧ باب اللام قولُه: ﴿ولا تَلْوون(١) على أحدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أي لا تعطفون عليه ولا تَثنون له فَرَقاً وخوفاً، ولذلك فُسِر بـ لا تَعوجون؛ يُقالُ: فلانٌ لا يعوجُ على أحدٍ، أي لا يلتفتُ إِليه لعظمٍ ما دَهَمه. وقد ألمَّ حسانُ رضيَ اللهُ عنه بهذا المعنى في قوله: [من الكامل] ١٤٨٦ - تركَ الأحبَّةَ أَنْ يُقاتلَ دونَهم ونجا برأسٍ طِمِرَّةٍ ولِجامِ (٢) قولُه: ﴿وَإِنْ تَلُوُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أي تَنْحرفوا وتنْعطفوا، قال القتيبيُّ: تلووا مِنَ الليُّ في الشهادةِ والميلِ إلى أحدِ الخصمينِ. وقيل: هوَ من لويتُ فلاناً حقّه: أي دافعتُه. ومنه الحديثُ: ((لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عقوبَتَهُ وعِرِضَه(٣)) وإِنما أوردتُ ذلك لئلا يُتَوهَّمَ التكرارُ في قوله: ﴿أو تُعرِضِوا﴾ وهو من: لا واهُ يلاويهِ، وقُرئَ: ((تَلُوا (٤)) بوادٍ واحدةٍ من: وليّ الأمرَ: إِذا قامَ بهِ، أي إِن قُمتُم بالأمرٍ، وقيل: هو منَ الأولِ إِلا أنه خُفَّف بالحذف. واللواءُ: الرايةُ لا لتوائه بالرُّمح. واللّوَى - بالقصر - ما التوَى منَ الرَّملِ؛ قال امرؤٌ القيس: [ من الطويل] ١٤٨٧- قفا نبك من ذکری حبیبٍ ومنزل بسقطِ اللَّوى بينَ الدَّخولِ فَحَوْمَلٍ(٥) فصل اللام والياء ل ي ت: قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدِ﴾ [الأنعام: ٣٧] ليتَ: حرفُ تمنٍ من أخوات (إِنَّ)» وخالفَ أخواته من حيثُ إِنه إِذا اتصلتْ به ((ما)) الزائدةُ جازَ فيهِ الإِعمالُ والإهمالُ؛ وينشدُ قولُ الذبياني: [ من البسيط] (١) قرأ الحسن (تَلُون)، وقرأ عاصم والأعمش (تُلْوون)، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وشبل (يلوون) البحر المحيط ٣ / ٨٢. (٢) ديوانه ٤١٩ ((الطمرة: الفرس الكثير الجري)). (٣) الفائق ٢ / ٤٧٧ والنهاية ٥ /١٥٥ وغريب ابن الجوزي ٢/ ٤٥٤. (٤) قرأ ابن عامر وحمزة والأعمش (تَلُوا) الإتحاف ١٩٥ والنشر ٢ /٢٥٢. (٥) البيت من معلقته في ديوانه ٨، وتقدم برقم ٢١٧. ٥٨ باب اللام ١٤٨٨ - قالتْ: ألا لَيْتَما هذا الحمامُ لنا إلى حمامَتِنا ونصِفُهُ فقد(١) بنصبِ الحمامِ ورفعهِ، بل زعمَ سيبويهِ أنها مُعملةٌ على الروايتينِ(٢)، وتحقيقُ ذلك في ((إِيضاحِ السَّبيل)) وغيرِه. وأما أخواتُها إِذا اتصلتْ بـ ((ما) المذكورة بظلَ عملها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللّه إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧] ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُم اللّه﴾ [ طه: ٩٨] هذا هوَ المشهورُ. وزعمَ الفراءُ أنها تنصُ الجزءينِ بقولِه: [من البسيط ] ١٤٨٩ - ليتَ الشبابَ هوَ الرجيعُ على الفَتى . والشيبُ كانَ هو النذيرُ الأولُ (٣). ولا يُراعى موضعُ اسمِها بل لفظُه فقط بخلاف ((أن ولن ولكن)) وزعمَ الفراءُ جوازه وأنشدَ : [من الرجز] ١٤٩٠ - يا ليتَي وأنتِ يا لميسُ في بلدٍ ليسَ بِهِ أنيسُ (٤) والفرقُ بينَ التمنِّي والتّرِجِّي أَنَّ التمني يكونُ في المُمكناتِ والمُستحيلات نحوُ: : [من البسيط ] ١٤٩١ - ليت الشبابَ هو الرجيعُ على الفَتَى(٥) والترجِّي لا يكونُ إِلا في الممكناتِ، لا يقالُ: ليت الشباب يعود. وقد يعربُ إِذا قُصد به حکایةً مجرد اللفظ: [من الرجز] ليتَ شَباباً بُوعَ فِاشتَرْيَتْ(٦) ١٤٩٢ - ليتَ وهلْ ينفعُ شَيئاً لیتُ. (١) ديوانه ٢٤ والأزهية ١١٤٫٨٩ والإنصاف ٤٧٩ والخصائص ٤٦٠/٢ وشذور الذهب ٣٦٢ وسيبويه ٠١٣٧/٢ (٢) ذکر سیبویه أن رؤبة کان یرفع (( الحمام) ، وذلك على وجهین: ١- علی أن یکون بمنزلة قول من قال ﴿مثلاً ما بعوضةٌ﴾، ٢- أو يكون بمنزلة قوله: إِنما زيد منطلق. انظر كتاب سيبويه ١٣٨/٢. (٣) البيت دون بعزو في معاني الفراء: ٤١٠/١، ٣٥٢/٢ والجنى الداني ٤٩٣ . (٤) الرجز للعجاج في الدرر ١٨٧/٦ (الكويت)، ولرؤية في ملحق ديوانه ١٧٦، وبلا نسبة في الهمع ١٤٤/٢ ومجالس ثعلب ٢٦٢، ولجران العود في ديوانه ٥٢ والخزانة ٤ /١٩٧ (بولاق). (٥) تقدم برقم ١٤٨٩ . (٦) الرجز لرؤية في ملحق ديوانه ١٧١ والمقاصد النحوية ٥٢٤/٢ والدرر ٢٦٠/٦،٢٦/٤ (الكويت)، وبلا نسبة في الهمع ١ /١٦٥/٢٠٢٤٨ وتهذيب اللغة ١٤ /٣٢٠. ٥٩ باب اللام وكقوله: [من الخفيف ] ١٤٩٣ - إِنَّ ليتاً وإِنَّ لوَاً عَنَاءُ(١) واللِّيتُ - بكسر اللام - عرقٌ في العنقِ، قالَ: [من الطويل] ١٤٩٤ - تلفَّتُ نحوَ الحيِّ حتى وجدتُني وجعتُ منَ الإِصغاء ليتاً وَأَخْدَعا(٢) ل ی س: قوله تعالى: ﴿ليسَ مَصْروفاً عنهم﴾ [هود: ٨] ليسَ: فعلٌ ناقصٌ ملازمُ النقصِ، وزعمَ أبو علي أنه حَرفٌ. ويعملُ عملَ ((كان)) ولا يتصرَّفُ، وله أحكامٌ كثيرةٌ، ولعدمٍ تصرفه وشبههٍ بالحرفِ لم يلتزمْ معه نونُ الوقايةِ كلزومها مع غيرهِ، كقوله: [ من الرجز] إذ ذهبَ القومُ الكرامُ لَيْسي (٣) ١٤٩٥ - عَددتُ قومي کعدیدِ الطَّيْسِ وتقعُ استثناءٌ كقولِهِ: ((ليسَ السنَّ والظفرَ (٤))) أي: إِلا السنَّ والظفرَ وتدخلُ عليها الهمزةُ فتفيدُ التقريرَ كقوله تعالى: ﴿ أَليسَ اللّه بكافٍ عبدَه﴾ [الزمر: ٣٦] أي، اللهُ كافيه. وهذا لا خصوصيةً له بـ ((ليس)) بل كلُّ استفهامٍ دخلَ على نفي. قرَّرَه، نحوُ: ﴿أَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿ألم نشرحْ﴾ [الشرح: ١] وقالَ ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿أَلستُ بربِّكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا نعم لكفروا(٥). وفيه بحثٌ حسنٌ حقَّقناهُ في موضعهِ، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم زعم أنَّ((لاتَ)) أصلُها ((لیسَ)) وليس بشيءٍ. (١) عجز بيت لأبي زبيد الطائي وصدره : (ليت شعري وأين مني ليت) وهو في ديوانه ٥٧٨ وشرح المفصل ٦ / ٣٠، ٥٧/١٠ وسيبويه ٢٦١/٣ واللسان (أوا). (٢) البيت للصمة القشيري في ديوانه ٩٤، وتقدم برقم ٤٢٨. (٣) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٧٥ والخزانة ٣٢٤/٥ (هارون) والدرر٢٠٤/١ (الكويت) والمقاصد النحوية ٣٤٤/١ واللسان والتاج (طيس)، وبلا نسبة في الجنى الداني ١٥٠ وشرح المفصل ١٠٨/٣ واللسان والأساس (ليس). (٤) أخرجه البخاري في الشركة، باب (٣) حديث ٢٣٥٦ ، ومسلم في الأضاحي ١٩٦٨. (٥) تقدم قول ابن عباس في مادة (بلى) . ٦٠ باب اللام ل ي ك: قوله تعالى: ﴿ كذّبَ أصحاب الأيكة (١)﴾ [الشعراء: ١٧٦] تقدُّم في بابِ الهمزة أنه قُرِئَ ((الأيكة)) و((لَيْكةٍ)) وكلامُ الناسِ في ذلك هناكَ فأغنى عن إعادته هنا. ل ي ل : قولُه تعالى: ﴿وَآيَةٌ لهم اللَيلُ نَسلخُ منه النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] الليلُ عبارةٌ عن زمنٍ مغيبِ الشمسِ إِلى طلوع الفجرِ أو طلوع الشمسٍ، لأنه مقابلُ النهار. وقيلَ: هوِ قبلَ النهارِ أو بعدَه، خلافٌ لا طائلَ تحتَّه. وقولُه تعالى: ﴿نسلخُ منه النَّهَارَ﴾ من أبلغِ الاستعاراتِ جعلَه كشاةٍ كُشِطَ جلدُها عنها. وقولُه: ﴿ كانوا قليلاً من الليلِ ما يَهْجعون ﴾ [ الذرايات: ١٧] قيلَ: هو مفردٌ يرادُ به الجمعُ، ولا حاجة إلى ذلك لأن المراد به الجنس. والليلُ - أيضاً - فرعُ الحُبَارَى. ويقالُ له: ليلٌ أليلُ على المبالغة، ويستطالُ عندَ هجومِ الهمِّ ونحوهِ، كقولِ امرئ القيس: [من الطويل] ١٤٩٦ - فيالكَ من ليلٍ كأنَّ نجومه بكلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُل (٢) وقال أيضاً: [ من الطويل] ١٤٩٧- ولیل کموج البحرِ أَرخی سُدوله عليَّ بأنواعِ الهمومِ لِيَبْتَلي(٣) والليلةُ: واحدةُ الليلِ، وقيلَ : الليلةُ إِلى زوالِ اليومِ بعدَها، وما بعدالزوال يقالُ. البارحة فيقالُ قبلَ الزوال: رأيتُ الليلةَ كذا، وبعدهُ: رأيتُ البارحةَ، قَالَ طرفةٌ: [ من السريع] ١٤٩٨ - ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة (٤) (١) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وابن مجيصن وأبو جعفر (لَيْكَةً) النشر ٣٣٦/٢ والسبعة ٤٧٣. (٢) من معلقته في ديوانه ١٩ والخزانة ٤ /٤١٢ (هارون) والمقاصد النحوية ٢٦٩/٤ والتاج (ذبل). (٣) من معلقته في ديوانه ١٨ والخزانة ٣٢٦/٢ (هارون) والمقاصد النحوية ٣٣٨/٣. (٤) يقدم في مادة (برح) وهو عجز بيت في ديوانه ١٧، وصدره : ( كلهم أروع من ثعلب) :